وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مَا خَلَقَ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ خَلْقاً إِلَّا وَ قَدْ أَمَّرَ عَلَيْهِ آخَرَ يَغْلِبُهُ فِيهِ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْبِحَارَ السُّفْلَى فَخَرَتْ وَ زَخَرَتْ وَ قَالَتْ أَيُّ شَيْءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الْأَرْضَ فَسَطَحَهَا عَلَى ظَهْرِهَا فَذَلَّتْ ثُمَّ قَالَ إِنَّ الْأَرْضَ فَخَرَتْ وَ قَالَتْ أَيُّ شَيْءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الْجِبَالَ فَأَثْبَتَهَا عَلَى ظَهْرِهَا أَوْتَاداً مِنْ أَنْ تَمِيدَ بِمَا عَلَيْهَا فَذَلَّتِ الْأَرْضُ وَ اسْتَقَرَّتْ ثُمَّ إِنَّ الْجِبَالَ فَخَرَتْ عَلَى الْأَرْضِ فَشَمَخَتْ وَ اسْتَطَالَتْ وَ قَالَتْ أَيُّ شَيْءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الْحَدِيدَ فَقَطَعَهَا فَقَرَّتِ الْجِبَالُ قوله (عليه السلام):" تحتقر الكلام" لعل السائل لم يعرف قدر نعمة الكلام، و ما إفاضة (عليه السلام) عليه من الحكم و المعارف فنبهه (عليه السلام) بفضيلة الكلام و رفعة شأنه، و أن عمدة معجزات الأنبياء بيان المعارف الإلهية و العلوم الدينية، و به يعرف الله تعالى و يستدل عليه. قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):" فخرت و زخرت" قال الفيروزآبادي: زخر البحر كمنع زخرا و زخورا و تزخر: طمى و تملأ، و الوادي مد جدا و ارتفع، و النبات طال، و الرجل بما عنده فخر. أقول: يحتمل أن تكون هذه الجمل جرت على سبيل الاستعارة التمثيلية لبيان أن ما سوى الحق تعالى مغلوب مقهور عن غيره، و الله تعالى هو الغالب القاهر لجميع من سواه. قوله (صلى الله عليه و آله و سلم):" أوتادا من أن تميد بما عليها" إشارة إلى ما ذكره الله تعالى [ص 360] وَ ذَلَّتْ ثُمَّ إِنَّ الْحَدِيدَ فَخَرَتْ عَلَى الْجِبَالِ وَ قَالَ أَيُّ شَيْءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ النَّارَ في مواضع من القرآن الكريم منها قوله تعالى:" وَ أَلْقىٰ ﴿فِي الْأَرْضِ رَوٰاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾" قال المبرد: أي منع الأرض أن تميد، و قيل: أي كراهة أن تميد، و منها قوله تعالى" وَ الْجِبٰالَ أَوْتٰاداً" و قال بعض المفسرين: الميد الاضطراب في الجهات الثلاث، و قيل: إن الأرض كانت تميد و ترجف رجوف السقف بالوطء، فثقلها الله بالجبال الرواسي، ليمنع من رجوفها، و رووا عن ابن عباس أنه قال: إن الأرض بسطت على الماء فكانت تكفأ بأهلها كما تكفأ السفينة، فأرساها الله تعالى بالجبال، تم إنهم اختلفوا في أنه لم صارت الجبال سببا لسكون الأرض؟ على أقوال، و ذكروا لذلك وجوها و لنذكر بعضها. الأول: ما ذكره الفخر الرازي في تفسيره: أن السفينة إذا ألقيت على وجه الماء فإنها تميد من جانب إلى جانب و تضطرب، فإذا وضعت الأجرام الثقيلة فيها استقرت على وجه الماء، فكذلك لما خلق الله تعالى الأرض على وجه الماء اضطربت و مادت، فخلق الله تعالى عليها هذه الجبال و وتدها بها، فاستقرت على وجه الماء بسبب ثقل الجبال، ثم قال: لقائل أن يقول: هذا يشكل من وجوه. الأول: إن هذا المعلل إما أن يقول: بأن حركات الأجسام بطباعها أو يقول: ليست بطباعها، بل واقعة بإيجاد الفاعل المختار إياها، فعلى التقدير الأول نقول: لا شك أن الأرض أثقل من الماء و الأثقل يغوص في الماء و لا يبقى طافيا عليه، فامتنع أن يقال إنها كانت تميد و تضطرب بخلاف السفينة، فإنها متخذة من الخشب و في داخل الخشب تجويفات غير مملوءة فلذلك تميد و تضطرب [ص 361] فَأَذَابَتِ الْحَدِيدَ فَذَلَّ الْحَدِيدُ ثُمَّ إِنَّ النَّارَ زَفَرَتْ وَ شَهَقَتْ وَ فَخَرَتْ وَ قَالَتْ أَيُّ على وجه الماء، فإذا أرسيت بالأجسام الثقلية استقرت و سكنت، فظهر الفرق. و أما على التقدير الثاني و هو أن يقال: ليس للأرض و الماء طبائع توجب الثقل و الرسوب و الأرض إنما تنزل لأن الله تعالى أجرى عادته بجعلها كذلك و إنما صار الماء محيطا بالأرض لمجرد إجراء العادة ليس هيهنا طبيعة للأرض و لا للماء توجب حالة مخصوصة، فنقول: على هذا التقدير علة سكون الأرض هي أن الله تعالى يخلق فيها السكون، و علة كونها مائدة مضطربة هو أن الله تعالى يخلق فيها الحركة، فيفسد القول بأن الله خلق الجبال لتبقى الأرض ساكنة، فثبت أن التعليل مشكل على كلا التقديرين. الإشكال الثاني: أن إرساء الأرض بالجبال إنما يعقل لأجل أن تبقى الأرض على وجه الماء من غير أن تميد و تميل من جانب إلى جانب، و هذا إنما يعقل إذا كان الذي استقرت الأرض على وجهه واقفا، فنقول: فما المقتضي لسكونه في ذلك الحيز المخصوص، فإن قلت: إن طبيعته توجب وقوفه في ذلك الحيز المعين، فحينئذ يفسد القول بأن الأرض إنما وقفت بسبب أن الله أرساها بالجبال، و إن قلت إن المقتضي لسكون الماء في حيزه المعين هو أن الله أسكن الماء بقدرته في ذلك الحيز المخصوص، فنقول: فلم لا تقول مثله في سكون الأرض و حينئذ يفسد هذا التعليل أيضا. الإشكال الثالث: أن مجموع الأرض جسم واحد فبتقدير أن يميل بكليته و يضطرب على وجه البحر المحيط لم تظهر تلك الحالة للناس، فإن قيل: أ ليس أن الأرض تحركها البخارات المحتقنة في داخلها عند الزلازل، و تظهر تلك الحركات للناس؟ قلنا: تلك البخارات احتقنت في داخل قطعة صغيرة من الأرض فلما حصلت الحركة في تلك القطعة، ظهرت تلك الحركة، فإن ظهور الحركة في تلك القطعة المعينة يجري مجرى اختلاج عضو من بدن الإنسان، أما لو تحركت كلية الأرض [ص 362] شَيْءٍ يَغْلِبُنِي فَخَلَقَ الْمَاءَ فَأَطْفَأَهَا فَذَلَّتْ ثُمَّ إِنَّ الْمَاءَ فَخَرَ وَ زَخَرَ وَ قَالَ أَيُّ شَيْءٍ لم تظهر، أ لا ترى أن الساكن في سفينة لا يحس بحركة كلية السفينة، و إن كانت على أسرع الوجوه و أقواها انتهى كلامه. و يمكن أن يجاب عنها أما عن الإشكال الأول: فبأن يختار أنها طالبة بطبعها للمركز، لكن إذا كانت خفيفة كان الماء يحركها بأمواجه حركة قسرية و يزيلها عن مكانها الطبيعي بسهولة، فكانت تميد و تضطرب بأهلها و تغوص قطعة منها، و تخرج قطعة منها و لما إرسالها الله تعالى بالجبال و أثقلها قاومت الماء و أمواجها بثقلها، فكانت كالأوتاد مثبتة لها. و منه يظهر الجواب عن الإشكال الثاني على أن توقف إرساء الأرض بالجبال على سكون الماء في حيز معين ممنوع. و أما عن الإشكال الثالث فبأن يقال: ليس الامتنان بمجرد عدم ظهور حركة الأرض حتى يقال إنه على تقدير حركتها بكليتها لا يظهر للناس، بل بخروج البقاع عن الماء و عدم غرقها بحركة الأرض و ميدانها بأهلها، على أن الظاهر أن الحركة التي لا تحس إنما هي إذا كانت في جهة مخصوصة، و على وضع واحد كحركة وضعية مستمرة أو حركة أينية على جهة واحدة كحركة السفينة إذا كانت سائرة من غير اضطراب، و أما إذا تحركت في جهات مختلفة و اضطربت فيحس بها كحركة السفينة عند تلاطم البحر و اضطرابه: و هذا هو الفرق بين حالة الزلزلة و بين حركة الأرض في الظهور و عدمه، فإنا لو فرضنا قطعة منها سائرة غير مضطربة في سيرها لما أحس بها، كما لا يحس بحركة كلها، بل باضطراب الحركة و كونها في جهات مختلفة تحس الحركة، سواء كان محلها كل الأرض أو بعضها. الوجه الثاني: ما ذكره الفاضل المقدم ذكره في تفسيره، و اختاره حيث قال [ص 363] [مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] الرواية 254 و روي أيضا بإسناده عن البرقي، رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، عن أبيه (عليه السلام) قال:" احتجم النبي (صلى الله عليه و آله) في رأسه و بين كتفيه و في قفاه ثلاثا سمى واحدة النافعة، و الأخرى المغيثة، و الثالثة المنقذة". قوله (عليه السلام):" يؤمن على الله" أي يشفع لمن استحق عقابه تعالى فلا يرد شفاعته، أو يضمن لأحد الجنة فينجز ضمانه. قوله (عليه السلام):" صلى أم زنى" إذ هو معاقب بأعماله الباطلة لإخلاله بما هو من أعظم شروطها، و هو الولاية، فهو كمن صلى بغير وضوء، قوله تعالى:" عٰامِلَةٌ نٰاصِبَةٌ" الظاهر أنه (عليه السلام) فسر الناصبة بنصب العداوة لأهل البيت (عليهم السلام)، و يحتمل أن يكون (عليه السلام) فسر بالنصب بمعنى التعب، أي يتعب في مشاق الأعمال و لا ينفعه. [ص 24] [حرمة ماء الفرات لغير ولي علي (عليه السلام)]
موسوعة الغيبة والظهور — الجزء 2 · باب أن الأئمة (عليهم السلام) لم يفعلوا شيئا و لا يفعلون إلا بعهد من الله عز و جل و أمر منه لا يتجاوزونه