عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ قَالَ كُنْتُ أَنَا وَ عَامِرٌ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُذَاعَةَ الْأَزْدِيُّ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ فَقَالَ لَهُ عَامِرٌ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ النَّاسَ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) دُفِنَ بِالرَّحَبَةِ " لن يصاب" أي في المستقبل لأنه كان أفضل ممن بعده إلى يوم القيامة، و لا ينافي كون الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) أفضل منه و كون مصيبته أشد من مصيبته، و في القاموس الكهف كالبيت المنقور في الجبل، و الوزر و الملجإ، و قال: القنة بالضم: الجبل الصغير و قلة الجبل، و المنفرد و المستطيل في السماء، و لا يكون إلا أسود، أو الجبل السهل المستوي المستنبط على الأرض، و الراسي: الثابت، و قيل: هو تميز مثل: لله درة، أو نعت قنة، و ترك التأنيث في مثله جائز، قال الجوهري: قوله تعالى" ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللّٰهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾" و لم يقل قريبة لأنه أراد بالرحمة الإحسان و لأن ما لا يكون تأنيثه حقيقيا جاز تذكيره، انتهى. و يجوز كون ما بعد الياء ألفا ممدودة للتأنيث كنافقاء، و ليست هذه الفقرة في الإكمال" و غيظا" أي موجبا لغيظهم" فألحقك الله" جملة دعائية" و بكى" ثانيا على المجرد و رفع" أصحاب" أو على التفعيل و نصب أصحاب، و في الإكمال: و أبكي على بناء الأفعال. و في القاموس: الرحبة بالفتح محلة بالكوفة، و في الصحاح: رحبة المسجد ساحته [ص 305] قَالَ لَا قَالَ فَأَيْنَ دُفِنَ قَالَ إِنَّهُ لَمَّا مَاتَ احْتَمَلَهُ الْحَسَنُ (عليه السلام) فَأَتَى بِهِ ظَهْرَ الْكُوفَةِ قَرِيباً مِنَ النَّجَفِ يَسْرَةً عَنِ الْغَرِيِّ يَمْنَةً عَنِ الْحِيرَةِ فَدَفَنَهُ بَيْنَ رَكَوَاتٍ بِيضٍ و في المصباح: الرحبة البقعة المتسعة بين أفنية القوم، و كان المراد هنا ميدان الكوفة أو ساحة مسجدها، و في القاموس: النجف محركة- و بهاء- مكان لا يعلوه الماء، مستطيل منقاد، و يكون في بطن الوادي، و قد يكون ببطن من الأرض أو هي أرض مستديرة مشرفة على ما حولها، و النجف محركة التل- و بهاء- موضع بين البصرة و البحرين، و مسناة بظاهر الكوفة تمنع ماء السيل أن يعلو مقابرها و منازلها، انتهى. و في معجم البلدان: النجف بالتحريك بظهر الكوفة كالمسناة يمنع سيل الماء أن يعلو الكوفة و مقابرها، و بالقرب من هذا الموضع قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). و قال الجوهري: الغريان هما طربالان يقال هما قبر مالك و عقيل نديمي جذيمة الأبرش، و سميا غريين لأن النعمان بن المنذر كان يغريهما بدم من يقتله إذا خرج يوم بؤسه، و في المغرب: الحيرة بالكسر مدينة كان يسكنها النعمان بن المنذر، و هي على رأس ميل من الكوفة. قوله (عليه السلام): بين ذكوات، كذا في أكثر نسخ الحديث، و لعله أراد التلال الصغيرة التي كانت محيطة بقبره (صلوات الله عليه) شبهها- لضيائها و توقدها عند شروق الشمس عليها، لاشتمالها على الحصيات البيض و الدراري- بالجمرة الملتهبة إذ الذكوة هي الجمرة الملتهبة كما ذكره اللغويون، و يحتمل على بعد أن يكون المراد بالذكوات تلك الحصيات، و قيل: إن أصله ذكاوات جمع ذكاء بمعنى التل الصغير، و رأيت في بعض نسخ فرحة الغري الركوات جمع ركوة و هي الحوض الكبير، فالمراد به الحياض التي كان يجمع فيها الماء حول قبره (صلوات الله عليه). و اعلم أن سبب هذا السؤال أنه نشأ اختلاف في أول الأمر في موضع قبره الشريف لأنه (عليه السلام) أوصى بإخفاء دفنه خوفا من الخوارج لئلا ينبشوا قبره (عليه السلام) [ص 306] قَالَ فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ ذَهَبْتُ إِلَى الْمَوْضِعِ فَتَوَهَّمْتُ مَوْضِعاً مِنْهُ ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ فدفنه الحسنان و خواص أقاربه ليلا، فذهب جماعة من المخالفين إلى أنه دفن في رحبة الكوفة، و بعضهم إلى أنه دفن في المسجد، و قيل: دفن في قصر الإمارة، و قيل: دفن في بيته، و كان بعض جهلة الشيعة يزورونه بمشهد في الكرخ، ثم أئمتنا (عليهم السلام) عرفوا موضع قبره بعض خواص الشيعة فاجتمعت الشيعة و تواترت رواياتهم على أنه مدفون في الغري في الموضع المعروف عند الخاص و العام، و ارتفع الخلاف، و قد كتب السيد النقيب الجليل عبد الكريم بن أحمد بن طاوس كتابا في تعيين موضع قبره (عليه السلام) و رد أقوال المخالفين في ذلك سماه فرحة الغري و أورد فيه أخبارا كثيرة أوردناها في كتابنا الكبير. و قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: و روى أبو الفرج الأصفهاني بإسناده عن الأسود الكندي و الأجلح قالا: توفي علي (عليه السلام) و هو ابن أربع و ستين سنة، و في عام أربعين من الهجرة ليلة الأحد لإحدى و عشرين ليلة مضت من شهر رمضان، و ولي غسله ابنه الحسن فكبر عليه خمس تكبيرات، و دفن بالرحبة مما يلي أبواب كندة عند صلاة الصبح، هذه رواية أبي مخنف، قال أبو الفرج: و حدثني أحمد بن سعيد بإسناده عن الحسن بن علي الحلال عن جده قال: قلت للحسين بن علي (عليه السلام): أين دفنتم أمير المؤمنين (عليه السلام) ؟ قال: خرجنا به ليلا من منزله حتى مررنا به على منزل الأشعث، حتى خرجنا به إلى الظهر بجنب الغري. قال ابن أبي الحديد: و هذه الرواية هي الحق و عليها العمل، و قد قلنا فيما تقدم: أن أبناء الناس أعرف بقبور آبائهم من غيرهم من الأجانب، و هذا القبر الذي بالغري، هو الذي كان بنو علي يزورونه قديما و حديثا، و يقولون: هذا قبر أبينا لا يشك أحد في ذلك من الشيعة و لا من غيرهم أعني بني علي من ظهر الحسن و الحسين و غيرهما من سلالة المتقدمين منهم و المتأخرين، ما زاروا و لا وقفوا إلا على هذا القبر بعينه. [ص 307] فَقَالَ لِي أَصَبْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ [مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول] الرواية 56 و روى العياشي عن الباقر (عليه السلام) في هذه الآية قال: الكلام في الله و الجدال في القرآن قال منه القصاص" وَ إِمّٰا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطٰانُ" أي النهي" فَلٰا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرىٰ" أي بعد أن تذكره" مَعَ الْقَوْمِ الظّٰالِمِينَ" أي معهم، فوضع الظاهر موضعه تنبيها على أنهم ظلموا بوضع التكذيب و الاستهزاء موضع التصديق و الاستعظام، و في الحديث عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلا يجلس في مجلس يسب فيه إمام، أو يغتاب فيه مسلم إن الله تعالى يقول في كتابه:" وَ إِذٰا رَأَيْتَ" الآية. ثم إن الخطاب في الآية إما خطاب عام أو الخطاب ظاهرا للرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و المراد به الأمة، لأن النسيان لا يجوز عليه (صلى الله عليه و آله و سلم) لا سيما إذا كان من الشيطان، فإن من جوز السهو و النسيان عليه (صلى الله عليه و آله و سلم) كالصدوق (ره) إنما جوز الإسهاء من [ص 230] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولٰئِكَ الَّذِينَ هَدٰاهُمُ اللّٰهُ﴾ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبٰابِ وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلٰاتِهِمْ خٰاشِعُونَ﴾ وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَ الَّذِينَ هُمْ لِلزَّكٰاةِ فٰاعِلُونَ وَ قَالَ وَ إِذٰا سَمِعُوا الله تعالى للمصلحة لا من الشيطان." فَبَشِّرْ عِبٰادِ" الإضافة للتشريف، و أحسن القول ما فيه رضا الله أو أشد رضاه، و ما هو أشق على النفس، و هذه كلمة جامعة يندرج فيها القول في أصول الدين و فروعه و الإصلاح بين الناس و التميز بين الحق و الباطل، و إيثار الأفضل فالأفضل، و في رواية هو الرجل يسمع الحديث فيحدث به كما سمع لا يزيد فيه و لا ينقص منه. " أُولٰئِكَ الَّذِينَ هَدٰاهُمُ اللّٰهُ" لدينه" وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبٰابِ" أي العقول السليمة عن منازعة الهوى و الوهم و العادات و" عبادي" في النسخ بإثبات الياء موافقا لرواية أبي عمرو برواية موسى حيث قرأ في الوصل بفتح الياء و في الوقف بإسكانها، و قرأ الباقون بإسقاط الياء و الاكتفاء بالكسرة. " ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلٰاتِهِمْ خٰاشِعُونَ﴾" قيل: أي خائفون من الله متذللون له يلزمون أبصارهم مساجدهم و في تفسير علي بن إبراهيم غضك بصرك في صلاتك و إقبالك عليها، و سيأتي تفسيره في كتاب الصلاة إنشاء الله. " وَ الَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ" قيل: اللغو ما لا يعنيهم من قول أو فعل، و في تفسير علي بن إبراهيم يعني عن الغناء و الملاهي، و في إرشاد المفيد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) كل قول ليس فيه ذكر فهو لغو، و في المجمع عن الصادق (عليه السلام) قال: أن يتقول الرجل عليك بالباطل أو يأتيك بما ليس فيك فتعرض عنه لله، قال: و في رواية أخرى أنه الغناء و الملاهي، و في الاعتقادات عنه (عليه السلام) أنه سئل عن القصاص أ يحل الاستماع لهم، [ص 231] اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَ قٰالُوا لَنٰا أَعْمٰالُنٰا وَ لَكُمْ أَعْمٰالُكُمْ وَ قَالَ وَ إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً فَهَذَا مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى السَّمْعِ مِنَ الْإِيمَانِ أَنْ لَا يُصْغِيَ إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَهُ وَ هُوَ عَمَلُهُ وَ هُوَ مِنَ الْإِيمَانِ وَ فَرَضَ عَلَى الْبَصَرِ أَنْ لَا يَنْظُرَ إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ أَنْ يُعْرِضَ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ وَ هُوَ عَمَلُهُ وَ هُوَ مِنَ الْإِيمَانِ فَقَالَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ﴾ وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ فَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْظُرُوا فقال: لا، و الحاصل أن اللغو كل ما لا خير فيه من الكلام و الأصوات، و يكفي في الاستشهاد كون بعض أفراده حراما مثل الغناء و الدف و الصنج و الطنبور و الأكاذيب و غيرها. و قال في سورة القصص:" وَ إِذٰا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ" قال علي بن إبراهيم: اللغو الكذب و اللهو و الغناء، و قال في الفرقان:" وَ إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً" أي معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه و الخوض فيه، و في أخبار كثيرة تفسير اللغو في هذه الآية بالغناء و الملاهي. قوله: من الإيمان،" من" تبعيضية" و أن لا يصغي" عطف بيان لهذا، و قيل: من الإيمان مبتدأ و أن لا يصغي خبره، و فيه ما فيه. " قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا" الخطاب للرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و يغضوا مجزوم بتقدير اللام، أي ليغضوا فالمقصود تبليغهم أمر ربهم أو حكاية لمضمون أمره (عليه السلام) أو منصوب بتقدير أن أي أمرهم أن يغيضوا فإن" قل لهم" في معنى مرهم، و قيل: أنه جواب الأمر أي قل لهم غضوا يغضوا، و اعترض بأنه حينئذ ينبغي الفاء أي فيغضوا و فيه: أنه سهل ليكن محذوفا و أبعد منه ما يقال: إن التقدير: قل لهم غضوا فإنك إن تقل لهم يغضوا و أصل الغض النقصان و الخفض كما في قوله:" وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ" و أجاز الأخفش أن تكون من زائدة و أباه سيبويه و قيل: إنه للتبعيض، و لعله الوجه، [ص 232] إِلَى عَوْرَاتِهِمْ وَ أَنْ يَنْظُرَ الْمَرْءُ إِلَى فَرْجِ أَخِيهِ وَ يَحْفَظَ فَرْجَهُ أَنْ يُنْظَرَ إِلَيْهِ وَ قَالَ وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ وَ يَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ مِنْ أَنْ تَنْظُرَ إِحْدَاهُنَّ إِلَى فَرْجِ أُخْتِهَا وَ تَحْفَظَ فَرْجَهَا مِنْ أَنْ يُنْظَرَ إِلَيْهَا وَ قَالَ كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ حِفْظِ الْفَرْجِ فَهُوَ مِنْ الزِّنَا إِلَّا هَذِهِ الْآيَةَ فَإِنَّهَا مِنَ النَّظَرِ ثُمَّ نَظَمَ مَا فَرَضَ عَلَى الْقَلْبِ وَ اللِّسَانِ وَ السَّمْعِ وَ الْبَصَرِ فِي آيَةٍ أُخْرَى فَقَالَ وَ مٰا ﴿كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ﴾ و ليس المراد نقص المبصرات و تبعيضها و لا الأبصار بل النظر بها و هو المراد مما قيل: المراد غض البصر و خفضه مما يحرم النظر إليه و الاقتصار به على ما يحل، و كذا قوله:" وَ يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ" أي ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾، فلما كان المستثنى هنا كالشاذ النادر مع كونه معروفا معلوما بخلافه في غض الأبصار أطلق الحفظ هنا و قيد الغض بحرف التبعيض، و في الكشاف و يجوز أن يراد مع حفظها عن الإبداء و هذه الرواية و غيرها تدل على أن المراد بحفظ الفرج هنا ستره عن أن ينظر إليه أحد و كذا ظاهر الرواية تخصيص غض البصر بترك النظر إلى العورة. قوله (عليه السلام): ثم نظم، أقول: و في تفسير النعماني: ثم نظم تعالى ما فرض على السمع و البصر و الفرج في آية واحدة فقال: و ما كنتم، و هو أظهر، و ما هنا يحتاج إلى تكلف في إدخال اللسان و القلب، فقيل: المراد بالاستتار ترك ذكر الأعمال القبيحة في المجالس" و أن يشهد" بتقدير من أن يشهد متعلقا بالاستتار بتضمين معنى الخوف، فقوله تستترون إشارة إلى فرض القلب و اللسان معا، و يحتمل أن يكون المراد بالآية الأخرى الجنس أي الآيتين، و الفؤاد داخل في الآية الثانية و كذا اللسان لأن قوله:" لٰا تَقْفُ" عبارة عن عدم متابعة غير المعلوم بعدم التصديق به بالقلب و عدم إظهار العلم به باللسان. " وَ مٰا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ" قبل هذه الآية في حم التنزيل:" وَ يَوْمَ ﴿يُحْشَرُ أَعْدٰاءُ اللّٰهِ إِلَى النّٰارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ، حَتّٰى إِذٰا مٰا﴾ جٰاؤُهٰا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَ أَبْصٰارُهُمْ وَ جُلُودُهُمْ بِمٰا [ص 233] كٰانُوا يَعْمَلُونَ، وَ قٰالُوا ﴿لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنٰا قٰالُوا أَنْطَقَنَا اللّٰهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ وَ هُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" قال الطبرسي (ره): أي شهد عليهم سمعهم بما قرعه من الدعاء إلى الحق" فأعرضوا عنه" و لم يقبلوه و أبصارهم بما رأوه من الآيات الدالة على وحدانية الله فلم يؤمنوا و سائر جلودهم بما باشروه من المعاصي و الأعمال القبيحة، و قيل في شهادة الجوارح قولان: أحدهما: أن الله تعالى يبنيها بنية الحي و يلجئها إلى الاعتراف و الشهادة بما فعله أصحابها، و الآخر: أن الله تعالى تفعل الشهادة فيها و إنما أضاف الشهادة إليها مجازا، و قيل: في ذلك أيضا وجه ثالث و هو أنه يظهر فيه أماراته الدالة على كون أصحابها مستحقين للنار فسمي ذلك شهادة مجازا كما يقال: عيناك تشهدان لسهرك، و قيل: إن المراد بالجلود هنا الفروج على طريق الكناية عن ابن عباس و المفسرين ثم قال:" وَ مٰا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ" أي من أن يشهد عليكم سمعكم، معناه و ما كنتم تستخفون أي لم يكن مهيئا لكم أن تستروا أعمالكم عن هذه الأعضاء لأنكم كنتم بما تعملون، فجعلها الله شاهدة عليكم في القيامة، و قيل: معناه و ما كنتم تتركون المعاصي حذرا أن تشهد عليكم جوارحكم بها لأنكم ما كنتم تظنون ذلك و لكن ﴿ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما﴾ كنتم تعملون لجهلكم بالله تعالى، فهان عليكم ارتكاب المعاصي لذلك. و روي عن ابن مسعود أنها نزلت في ثلاثة نفر تساروا فقالوا: أ ترى إن الله تعالى يسمع تسارنا. و يجوز أن يكون المعنى أنكم عملتم عمل من ظن أن عمله يخفى على الله كما يقال أهلكت نفسي أي عملت عمل من أهلك النفس، و قيل: إن الكفار كانوا يقولون إن الله لا يعلم ما في أنفسنا لكنه يعلم ما نظهر عن ابن عباس. " وَ ذٰلِكُمْ ﴿ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدٰاكُمْ﴾" ذلكم مبتدأ، و ظنكم خبره، و أرديكم خبر ثان، و يجوز أن يكون ظنكم بدلا من ذلكم، و يكون المعنى و ظنكم الذي ظننتم بربكم أنه ﴿لا يعلم كثيرا مما تعملون﴾ أهلككم إذ هون عليكم أمر المعاصي [ص 234] سَمْعُكُمْ وَ لٰا أَبْصٰارُكُمْ وَ لٰا جُلُودُكُمْ يَعْنِي بِالْجُلُودِ الْفُرُوجَ وَ الْأَفْخَاذَ وَ قَالَ وَ لٰا ﴿تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ﴾ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا فَهَذَا مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْعَيْنَيْنِ مِنْ غَضِّ الْبَصَرِ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ هُوَ عَمَلُهُمَا وَ هُوَ مِنَ الْإِيمَانِ وَ فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْيَدَيْنِ أَنْ لَا يَبْطِشَ بِهِمَا إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَ أَنْ يَبْطِشَ بِهِمَا إِلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ و أدى بكم إلى الكفر" فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخٰاسِرِينَ" أي فظللتم من جملة من خسرت تجارته، لأنكم خسرتم الجنة و خضتم في النار، انتهى. فإن قيل: هذه الآيات في السور المكية و كذا قوله:" وَ لٰا تَقْفُ" إلخ، كما مر في الخبر السابق فكيف صار أعمال الجوارح فيها جزءا من الإيمان، و كيف يوعد عليها. قلت: لعل الوعيد فيها باعتبار كفرهم و شركهم لأنها تدل على أنهم إنما فعلوا ذلك كفر بالله و استهانة بأمره و ظنهم أنه سبحانه لا يعلم كثيرا مما يعملون فالوعيد على شركهم و إتيانهم بتلك الأعمال من جهة الاستخفاف و الاستحلال وقفوا ما ليس لهم به علم كان في أصول الدين مع أنه قد مر أنه ليس فيها وعيد بالنار و كون جميع آيات حم مكية لم يثبت لعدم الاعتماد على قول المفسرين من العامة، و يحتمل أن يكون الغرض هنا محض كون الأعمال متعلقة بالجوارح و أن لها مدخلا في الإيمان و إن كان مدخليتها في كماله، و المقصود في الخبر السابق كان أمرا آخر، و كذا الكلام في قوله:" وَ لٰا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً" فإنها أيضا مكية. قوله: إلى ما حرم الله، مثل القتل و الضرب و النهب و السرقة و كتابة الجور و الكذب و الظلم و مس الأجانب و نحوها" و فرض عليهما من الصدقة و صلة الرحم" إذ إيصال الصدقة إلى الفقراء و الخير إلى الأقرباء و الضرب و البطش و القتال في الجهاد و الطهور للصلاة من فروض اليد، و قيل: يفهم منه وجوب استعمال اليد في غسل الوجه، و هو إما لأنه الفرد الغالب أو لأنه فرد الواجب التخييري. [ص 235] عَزَّ وَ جَلَّ وَ فَرَضَ عَلَيْهِمَا مِنَ الصَّدَقَةِ وَ صِلَةِ الرَّحِمِ وَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ الطَّهُورِ لِلصَّلَاةِ فَقَالَ- ﴿يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا﴾ ﴿قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَ قَالَ ﴿فَإِذٰا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقٰابِ حَتّٰى إِذٰا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثٰاقَ فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ﴾ وَ إِمّٰا ﴿فِدٰاءً حَتّٰى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا﴾- فَهَذَا مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْيَدَيْنِ لِأَنَّ الضَّرْبَ مِنْ عِلَاجِهِمَا وَ فَرَضَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ أَنْ لَا يَمْشِيَ بِهِمَا إِلَى شَيْءٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ وَ فَرَضَ عَلَيْهِمَا الْمَشْيَ إِلَى مَا و أقول: يمكن أن يكون غسل الوجه داخلا فيما سيأتي من قوله: و قال فيما فرض الله. " فَضَرْبَ الرِّقٰابِ" ضرب الرقاب عبارة عن القتل بضرب العنق، و أصله فاضربوا الرقاب ضربا، حذف الفعل و أقيم المصدر مقامه، و أضيف إلى المفعول و الإثخان إكثار القتل أو الجراح بحيث لا يقدر على النهوض، و الوثاق بالفتح و الكسر ما يوثق به و شده كناية عن الأسر، و" مَنًّا" و" فِدٰاءً" مفعول مطلق لفعل محذوف أي فإما تمنون منا، و إما تفدون فداءا، و أوزار الحرب أثقالها و آلاتها كالسيف و السنان و غيرهما، و هو كناية عن انقضاء أمرها. و المروي و مذهب الأصحاب أن الأسير إن أخذ و الحرب قائمة تعين قتله إما بضرب عنقه أو بقطع يده و رجله من خلاف و تركه حتى ينزف و يموت، و إن أخذ بعد انقضاء الحرب تخير الإمام بين المن و الفداء و الاسترقاق، و لا يجوز القتل. و الاسترقاق علم من السنة، و العلاج: المزاولة،" أن لا يمشي" بصيغة المجهول، و الباء في" بهما" للآلة، و الظرف نائب الفاعل و قوله (عليه السلام): فقال، لعله ليس لتفسير ما تقدم و الاستدلال عليه، بل لبيان نوع آخر من تكليف الرجلين و هو نوع المشي، و ما ذكر سابقا كان غاية المشي، و في رواية النعماني: أما ما فرضه الله [ص 236] يُرْضِي اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ وَ لٰا ﴿تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبٰالَ طُولًا وَ قَالَ وَ اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَ اغْضُضْ ﴿مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوٰاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ وَ قَالَ فِيمَا شَهِدَتِ الْأَيْدِي وَ الْأَرْجُلُ عَلَى أَنْفُسِهِمَا وَ عَلَى أَرْبَابِهِمَا مِنْ تَضْيِيعِهِمَا لِمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ وَ فَرَضَهُ عَلَيْهِمَا الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلىٰ أَفْوٰاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنٰا على الرجلين فالسعي بهما في ما يرضيه، و اجتناب السعي فيما يسخطه، و ذلك قوله سبحانه:" فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ" و قوله سبحانه:" وَ لٰا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً" و قوله:" وَ اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ" و فرض الله عليهما القيام في الصلاة فقال:" وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ" ثم أخبر أن الرجلين من الجوارح التي تشهد يوم القيامة حين تستنطق بقوله سبحانه:" الْيَوْمَ نَخْتِمُ" الآية. و قال البيضاوي:" وَ اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ" توسط فيه بين الدبيب و الإسراع، و عنه (صلى الله عليه و آله و سلم): سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن" وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ" و أنقص منه و اقصر" إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوٰاتِ" أوحشها" لَصَوْتُ الْحَمِيرِ" و الحمار مثل في الذم سيما نهاقه. و لذلك يكنى عنه فيقال: طويل الأذنين و في تمثيل الصوت المرتفع بصوته ثم إخراجه مخرج الاستعارة مبالغة شديدة، و توحيد الصوت لأن المراد تفضيل الجنس في النكر دون الآحاد، أو لأنه مصدر. و قال في قوله سبحانه:" الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلىٰ أَفْوٰاهِهِمْ" بأن نمنعها عن كلامهم" وَ تُكَلِّمُنٰا أَيْدِيهِمْ" إلخ، بظهور آثار المعاصي عليها و دلالتها على أفعالها أو بإنطاق الله إياها، و في الحديث أنهم يجحدون و يخاصمون فيختم على أفواههم و تكلمهم أيديهم و أرجلهم، انتهى. [ص 237] أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ فَهَذَا أَيْضاً مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى الْيَدَيْنِ وَ عَلَى الرِّجْلَيْنِ وَ هُوَ عَمَلُهُمَا وَ هُوَ مِنَ الْإِيمَانِ وَ فَرَضَ عَلَى الْوَجْهِ السُّجُودَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ فِي مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ ﴿يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ فَهَذِهِ فَرِيضَةٌ جَامِعَةٌ عَلَى الْوَجْهِ وَ الْيَدَيْنِ وَ الرِّجْلَيْنِ و قيل: هذا لا ينافي ما روي أن الناس في هذا اليوم يحتجون لأنفسهم، و يسعى كل منهم في فكاك رقبته كما قال سبحانه:" ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجٰادِلُ عَنْ نَفْسِهٰا﴾" و الله يلقن من يشاء حجته كما في دعاء الوضوء: اللهم لقني حجتي يوم ألقاك، لأن الختم مخصوص بالكفار كما قاله بعض المفسرين، أو أن الختم يكون بعد الاحتجاج و المجادلة كما في الرواية السابقة، و بالجملة الختم يقع في مقام و المجادلة في مقام آخر. قوله: فهذا أيضا، كأنه إشارة إلى ما تشهد به الجوارح، فمن في قوله" مما" تبعيضية، أو إلى التكليم و الشهادة فمن تعليلية، و يحتمل أن يكون إشارة إلى جميع ما تقدم، و قال البيضاوي في قوله تعالى:" ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا" أي في صلاتكم أمرهم بهما لأنهم ما كانوا يفعلونهما أول الإسلام، أو صلوا و عبر عن الصلاة بهما لأنهما أعظم أركانهما، أو اخضعوا لله و خروا له سجدا و اعبدوا ربكم بسائر ما تعبدكم به" وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ" و تحروا ما هو خير و أصلح فيما تأتون و تذرون كنوافل الطاعات و صلة الأرحام و مكارم الأخلاق" و لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" أي افعلوا هذه كلها و أنتم راجعون الفلاح غير متيقنين له، واثقين علي أعمالكم. و أقول:" لعل" من الله موجبة، و هذه فريضة جامعة أي ما ذكر في هذه الآية من الركوع و السجود و العبادة و فعل الخير، و مدخلية الأعضاء المذكورة في تلك الأعمال في الجملة ظاهرة. [ص 238] وَ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَ أَنَّ ﴿الْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ فَلٰا تَدْعُوا مَعَ اللّٰهِ أَحَداً﴾ وَ قَالَ فِيمَا فَرَضَ عَلَى الْجَوَارِحِ مِنَ الطَّهُورِ وَ الصَّلَاةِ بِهَا وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا صَرَفَ نَبِيَّهُ ص " وَ أَنَّ الْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ" ظاهر أنه (عليه السلام) فسر المساجد بالأعضاء السبعة التي تسجد عليها، أي خلقت لأن يعبد الله بها فلا تشركوا معه غيره في سجودكم عليها، و هذا التفسير هو المشهور بين المفسرين و المذكور في صحيحة حماد و المروي عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام) حين سأله المعتصم عنها، و به قال ابن جبير و الزجاج و الفراء فلا عبرة بقول من قال: أن المراد بها المساجد المعروفة، و لا بقول من قال: هي بقاع الأرض كلها، و لا بقول من قال: هي المسجد الحرام، و الجمع باعتبار أنه قبلة لجميع المساجد، و لا بقول من قال: هي السجدات جمع مسجد بالفتح مصدرا أي السجودات لله فلا تفعل لغيره. و قال في الفقيه: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لابنه محمد بن الحنفية رضي الله عنه: يا بني لا تقل ما لا تعلم بل لا تقل كل ما تعلم، فإن الله تعالى قد فرض على جوارحك كلها فرائض يحج بها عليك يوم القيامة و يسألك عنها، و ساق الحديث إلى أن قال: ثم استعبدها بطاعته فقال عز و جل:" ﴿يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾" إلى قوله:" لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" فهذه فريضة جامعة واجبة على الجوارح، و قال عز و جل: " وَ أَنَّ الْمَسٰاجِدَ لِلّٰهِ" إلخ، يعني بالمساجد الوجه و اليدين و الركبتين و الإبهامين، الحديث بطوله. قوله: و قال فيما فرض على الجوارح من الطهور و الصلاة بها، أي بالجوارح و كان مفعول القول محذوف أي ما قال، أو" من الطهور" مفعوله بزيادة من، أو بتقدير شيئا أو كثيرا أو المراد قال ذلك أي آية المساجد فيما فرض الله على هذه الجوارح من الطهور و الصلاة، لأن الطهور أيضا يتعلق بالمساجد. و على التقادير قوله: و ذلك، إشارة إلى كون الآيات السابقة دليلا على كون [ص 239] إِلَى الْكَعْبَةِ عَنِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ مٰا ﴿كٰانَ اللّٰهُ لِيُضِيعَ إِيمٰانَكُمْ إِنَّ اللّٰهَ بِالنّٰاسِ﴾ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ فَسَمَّى الصَّلَاةَ إِيمَاناً فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ حَافِظاً لِجَوَارِحِهِ الإيمان مبثوثا على الجوارح لأنها إنما دلت على أن الله تعالى فرض أعمالا متعلقة بتلك الجوارح، و لم تدل على أنها إيمان فاستدل (عليه السلام) على ذلك بأن الله تعالى سمي الصلاة المتعلقة بجميع الجوارح إيمانا فتم به الاستدلال بالآيات المذكورة على المطلوب. و الظاهر أن في العبارة سقطا أو تحريفا أو اختصارا مخلا من الرواة أو من المصنف إذ في تفسير النعماني و أما ما افترضه على الرأس فهو أن يمسح من مقدمه بالماء في وقت الطهور للصلاة بقوله:" وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ" و هو من الإيمان و فرض على الوجه الغسل بالماء عند الطهور، فقال:" ﴿يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا﴾ ﴿ قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا …
موسوعة الغيبة والظهور — الجزء 3 · باب إلا باب أو بابان قال فقال و ما عسيتم أن ترووا من فضلنا ما تروون من فضلنا إلا ألفا غير معطوفة