تمهيد هبط الكتاب ( القرآن الكريم) على صاحب الرسالة العامة محمد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله وسلم) بكل ما يصلح هذه البشرية في كافة نواحيها الحيوية فلم يغادر ضغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. ولم يفرط في شيء مما تحتاجه هذه الحياة إلا عالجه ولم يهمل جانباً من جوانب إصلاحها إلا أبانه، ملائماً لكل ظرف من ظروفها. موافقاً لكل دور من أدوار حياة الانسان في أجياله المتعاقبة وعصوره المتتالية. فهو إذن قانون عالمي عام وناموس إطلاحي شامل ومنهاج سماوي حكيم أرسله اللطيف الخبير بواسطة أصدق خلقه لاسعاد هذا الانسان الجاهل وتقويم ما اعوج من طباعه وانتشاله من هوة الهمجية إلى مرتفع ذروة الراحة والهناء فكان من الضروري ـ نظراً لهذه الغاية السامية ـ أن يجيء شاملاً بعنايته الاصلاحية لكل ناحية من مناحي الحياة الانسانية، ليسير كل حي في طريقه إلى السعادة فيؤدي واجبه من الطاعة والعبادة. وهكذا فقد جاء القرآن الحكيم وفيه تبيان كل شيء هدى ورحمة للعالمين حاوياً من الكنوز العلمية والارشادات السماوية مالا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم ممن مَنّ الله عليهم بمعرفتها وأختارهم للأطلاع عليها وخصهم دون خلقه بها فجعلهم أدلاء على الخير ومصابيح يهتدى بهم نحو سبيل الحياة السعيدة. ولما كانت التكاليف السماوية لم تشرع إلا لسليم العقل، ولم يكن العقل السليم إلا في الجسم السليم كان من الحكمة واللطف الإلهي أن يلحظ القرآن هذه الناحية المهمة من الانسان أعني صحة الجسم ملاحظة خاصة، وأن يهتم بها إهتماما لا يقل عن الاهتمام بالتكاليف الشرعية نفسها لتوقفها عليها. ولأجله فقد ذكر الكتاب المجيد كل أسس الطب ودعائم الصحة في آيه واحدة ترجع إليها خلاصة أفكار الفلاسفة والحكماء طيلة قرون عدة، وتقف عندها تجارب العلماء والأطباء حتى هذا العصر عصر العلم والإختراع وهي قوله عز وجل: ( يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إن الله لايحب المسرفين). فان كافة الأطباء قد أجمعوا بعد التحقيق العلمي المستمر والتجارب المتعاقبة على أن مدار صحة الأجسام ودعامة سلامتها هو الاعتدال في الطعام، وإن هذا الاعتدال إذا ما تعدى إلى الافراط أو الاسراف أصبح وبالأعلى البدن وفتح بابا واسعاً للفتك بالأجسام والنفوس، وما هذا النتاج العلمي الذي يفخر به الطب في تقدمه إلا مؤدى هذه الكلمات الثلاث ـ كلوا ـ واشربوا ـ ولاتسرفوا حيث جمعت في طيها جميع أسس حفظ الصحة وخلاصة نواميسه. أما النبي الكريم (ص) صاحب الرسالة (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد وردت عنه من التعاليم والارشادات الصحية ما تنوف حد الحصر، وكلها أصول ترتكز عليها قواعد هذا العلم وتدعم بها أركانه مثل قوله (ص) مشيراً إلى أعظم نقطة يتطلبها علماء هذا الفن في أبحاثهم وهي ـ النظافة والرياضة العقلية والبدنية حيث يقول: بئس العبد القاذورة. كل لهو باطل إلا ثلاث: تأديبه الفرس، ورميه عن قوسه، وملاعبته إمرأته فانه حق. روحوا القلوب ساعة بعد ساعة. كما كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول وهو حديث مشهور: المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء واعط كل بدن ماعود. وكقوله (ص): تداووا فما أنزل الله داء إلا أنزل معه الدواء إلا السام فانه لا دواء له. وكقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تكرهوا مرضاكم على الطعام فان الله يطعمهم ويسقيهم. وقوله (ص) في الحمى: اطفئوا حماكم بالماء. وكان (ص) إذا وعك دعا بماء فأدخل فيه يده. وعنه (ص) ان قوماً من الأنصار قالوا له: يا رسول الله ان لنا جاراً يشتكي بطنه، أتأذن لنا أن نداويه ؟ قال (ص): بماذا تداوونه ؟ قالوا: يهودي ههنا يعالج من هذه العلة، قال (ص): بماذا ؟ قالوا يشق بطنه فيستخرج منه شيئاً، فكره ذلك رسول الله ولم يجبهم، فعاودوه مرتين أو ثلاث فقال (ص): إفعلوا ما شئتم فدعوا اليهودي فشق بطنه ونزع منه جراحاً كثيراً ثم غسل بطنه، ثم خاطه وداواه فصح، فاخبر النبي (ص) بذلك فقال: ان الذي خلق الأدواء جعل لها دواء، وان خير الدواء الحجامة والفصاد والحبة السوداء.
طب الإمام الصادق (ع) — طب الامام (عليه السلام) · طب الامام (عليه السلام)