قوله (عليه السلام): " ولكني أردت إفهامك والتعبير عن نفسي، وليس مرجعي في ذلك إلا إلى أنه السميع البصير، العالم الخبير بلا اختلاف الذات ولا اختلاف المعنى " وهذه إشارة إلى ما دل عليه العقل والنقل من اتحاد الذات والصفات الذاتية والقدرة على الصفات الفعلية، وقد أشرنا إليه آنفا فلا نعيده، ثم كرر السائل السؤال عن الماهية والحقيقة بقوله: " فما هو؟
" ولا نعلم وجها لهذا التكرار إلا غموض المسألة وأن هذا المعنى لا يوافق أي معقول من المعقولات البشرية فأجابه الامام (عليه السلام) بقوله: " هو الرب والمعبود وهو الله " حيث لم يتصور السائل من هذه الالفاظ حقيقة وماهية واضحة فكأنه قد توهم أن هذا الموجود ليس من قبيل المعاني الواقعية فيكون مجرد لفظ بلا معنى معقول، فلذلك كرر الامام ثانيا الجواب الماضي في الجمل السابقة بأنه: " ليس قولي الله إثبات هذه الحروف ألف ولام وهاء ولا راء ولا باء، ولكن أرجع إلى معنى وشئ خالق الاشياء وصانعها " وفي نسخة الكافي بعد ذلك " ونعت هذه الحروف وهو المعنى إلخ " والظاهر أنه اشتباه من النساخ إذ لا معنى صحيح لان يكون المعنى نعتا للحروف بل الصحيح ما في التوحيد وهو: " وقعت عليه هذه الحروف " فيكون مقصوده سلام الله عليه كما سبق في الجمل الماضية أنه تعالى حقيقة استعمل فيه الالفاظ.
قال السائل:
" فانا لم نجد موهوما إلا مخلوقا " وهذا السؤال واضح قد مضى تفصيله آنفا، قال أبوعبدالله (عليه السلام): " لو كان ذلك كما تقول لكان التوحيد عنا مرتفعا لانا لم نكلف أن نعتقد غير موهوم " الظاهر أن المراد بالتوحيد هنا: أصل الوجود و الثبوت لا ما يقابل التشريك بعد ثبوته، وحاصل الجواب: أنه يمكننا التوجه إلى مثل ذلك الوجود، ونحن أيضا مكلفون على مثل هذا التوجه، ويدل عليه تصديقنا بوجوده أو عدمه أو الشك فيه فان كل هذه التصديقات مستلزمة للتوجه إليه، وإلا فما الذي نثبته أو ننفيه أو نشك فيه؟
نعم هذا التوجه لا يمكن أن يكون من طرق الحواس المحددة لانها لا تؤدي إلا إلى محسوسات محدودة مشخصة، فهي بمنزلة مرآة محدود لا يري إلا مرائي محدودة كما ذكرناه.
الأصول من الكافي