أمّا بعد، فإنّ اللّٰه عز وجلّ بعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم للناس كافّة، وجعله رحمة للعالمين فصدع بما أمر به وبلَّغ رسالات ربِّه، فلمّ به الصدع، ورتق به الفتق، وأمّن به السبل، وحقن به الدماء، وألف بين ذوي الإحن، والعداوة والوغر في الصدور والضغائن الراسخة في القلوب.
ثم قبضه اللّٰه اليه حميداً لم يقصّر في الغاية التي إليها أدى الرسالة، ولا بلغ شيئاً كان في التقصير عنه القصد، وكان من بعده ما كان من التنازع في الإمرة، وتولّى أبو بكر، وبعده عمر، ثم تولّىٰ عثمان، فلمَا التأليب: التحريض، تألبوا: تجمّعوا _ لسان العرب.
صَدَعَ: أظْهرَ - المصباح.
اللّم: الإصلاح والجمع، يقال لمّ اللّٰه شعثه أي أصلح وجمع ما تفرّق من أموره - الصحاح ٢٠٣١٥.
الصَدْعُ: الشَّقّ - مجمع البحرين.
الإخنَةُ بكسر الفاء واحدة الإحنْ وهي: الضغائن، يقال: في صدره عليَّ إحنة أي حقد - لجمع البحرين.
الْوَغَرُ محركة: الحقد والضّغن والعداوة والتوقد من الغيظ - مجمع البحرين.
فى (أ)): ثم ولى...
الاحتجاج / ج خطبته عليه السلام بعد توجّههما الىٰ مكّة ٣٧٥ كان من أمره ما كان، أتيتمونى فقلتم: (بايعنا) فقلت: (لا أفعل) فقلتم: (بلى) فقلت: (لا) وقبضت يدي فبسطتموها، ونازعتكم فجذبتموها، وتداككتم عليَّ تداكك الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها، حتى ظننت أنكم قاتلي وأن بعضكم قاتل بعض، فبسطت يدي فبا يعتموني مختارين، وبايعني في أولكم طلحة والزبير طائعين غير مكرهين، ثم لم يلبثا أن استأذناني في العمرة، والله يعلم أنّهما أرادا الغدرة، فجدّدت عليهما العهد في الطاعة، وأن لا يبغيا للأمّة الغوائل، فعاهداني، ثم لم يفيا لي، ونكنا بيعتي، ونقضا عهدي، فعجباً من انقيادهما لأبي بكر وعمر، وخلافهما لي، ولست بدون أحد الرجلين، ولو شئت أن أقول لقلت: (اللهم اغضب عليهما بما صنعا وظفّرني بهما)).
الأحتجاج