⟨ثُمَّ دَعَا (عليه السلام) بِالْعَشَاءِ فَأَجْلَسَنِي عَنْ يَمِينِهِ وَ أَجْلَسَ عِمْرَانَ عَنْ يَسَارِهِ حَتَّى إِذَا فَرَغْنَا⟩
قَالَ لِعِمْرَانَ انْصَرِفْ مُصَاحِباً وَ بَكِّرْ عَلَيْنَا نُطْعِمْكَ طَعَامَ الْمَدِينَةِ فَكَانَ عِمْرَانُ بَعْدَ ذَلِكَ يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْمَقَالاتِ فَيُبْطِلُ أَمْرَهُمْ حَتَّى اجْتَنَبُوهُ وَ وَصَلَهُ الْمَأْمُونُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَ أَعْطَاهُ الْفَضْلُ مَالًا وَ حَمَلَهُ وَ وَلَّاهُ الرِّضَا (عليه السلام) صَدَقَاتِ بَلْخٍ فَأَصَابَ الرَّغَائِبَ.- ج، الإحتجاج مُرْسَلًا مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ أَسْقَطَ بَعْضَ الْمَطَالِبِ الْغَامِضَةِ.بيان قال الفيروزآبادي الهرابذة قومة بيت النار للهند أو عظماء الهند أو علمائهم أو خدم نار المجوس الواحد كزبرج و قال نسطاس بالكسر علم و بالرومية العالم بالطب.قوله (عليه السلام) و رقة العراقي غير غليظة لعل المراد بالرقة سرعة الفهم أي هو قليل الفهم أو كثيره أي ليس في دقة فهمه غلظة بل هو في غاية الدقة و يمكن أن يقرأ رقة بتخفيف القاف كعدة و هي الأرض التي يصيبها المطر في القيظ فتنبت فتكون خضراءفتكون في الكلام استعارة أي ليس فيما ينبت في ساحة ضميره من المعاني غلظة و في بعض النسخ رية العراقي و هذا مثل مشهور بين العرب و العجم يعبر به عن الجبن و لعله أظهر و إن اتفقت أكثر نسخ الكتب الثلاثة على الأول و قال الجوهري المنزل غاص بالقوم أي ممتلئ بهم.قوله شديدا أي أومن إيمانا شديدا و في بعض النسخ بالسين المهملة على فعيل أو يكون سد أمرا من ساد يسود و يدا تمييزا أو يكون أصله أسد يدا أي أنعم علينا و على المعجمة أيضا يحتمل أن يكون شد بالتشديد أمرا و يدا مفعولا لكنه بعيد.قوله (عليه السلام) على الخبير سقطت منهم من قرأ على الجبير بالجيم أي وقعت من السطح على من يقدر جبر كسرك و الأشهر بالخاء المعجمة قوله و ما ننقم بكسر القاف أي نعيب.قوله (عليه السلام) أ تجد هؤلاء في شباب بني إسرائيل أي هؤلاء الذين أحياهم حزقيل كانوا من تلك الشباب و يحتمل أن يكون اسم الإشارة راجعا إلى حزقيل و اليسع و ما ذكره (عليه السلام) أخيرا من قوله إن قوما من بني إسرائيل هربوا هي قصة إحياء حزقيل كما سيأتي في باب أحواله في أخبار كثيرة أن الذي أحياهم كان حزقيل و إن كان ظاهر الخبر أنه غيره.قوله (عليه السلام) يترجح لقراءته أي يتحرك و يميل يمينا و شمالا من كثرة التعجب قال الفيروزآبادي ترجحت به الأرجوحة مالت و ترجح تذبذب و في بعض النسخ بالجيمين أي يضطرب و الغض الطري.قوله (عليه السلام) فيما تقول أنت و أصحابك في التوراة أي في الأسفار الملحقة بالتوراة و إلا فشيعا مؤخر عن موسى (عليه السلام) و لذا قال فيما تقول أنت و أصحابك أي تدعون أنها حق و ملحقة بالتوراة.قوله (عليه السلام) يحمل خيله في البحر إشارة إلى إجراء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و أصحابه خيلهم على الماء كما مر في خبر معجزاته (صلى الله عليه وآله وسلم) و سيأتي.قوله (عليه السلام) إن عيسى لم يخالف السنة لعل المعنى أن ظاهر قوله مقيم السنة أنه يأتي بسنة جديدة و عيسى لم ينسخ شرعه التوراة بل أحل لهم بعض الذي حرم عليهم.قوله (عليه السلام) لا في شيء أقامه أي في مادة قديمة كما زعمته الفلاسفة قوله و مثله له أي مثل أولا ذلك الشيء للشيء الكائن ثم خلق الكائن على حذوه كما هو شأن المخلوقين و يحتمل أن يكون ضمير له راجعا إلى الصانع تعالى.قوله (عليه السلام) و الحاجة يا عمران لا يسعها أي لا يسع الخلق الحاجة و لا يدفعها لأن كل من خلق لو كان على وجه الاحتياج لكان يحتاج لحفظه و تربيته و رزقه و دفع الشرور عنه إلى أضعافه من الخلق و هكذا قوله هل كان الكائن معلوما في نفسه عند نفسه أقول هذا الكلام و جوابه في غاية الإغلاق و قد خطر بالبال في حله وجوه لا يخلو كل منها من شيء.الأول أن يكون المراد بالكائن الصانع تعالى و المعنى أن الصانع تعالى هل كان معلوما في نفسه عند نفسه قبل وجوده فأجاب (عليه السلام) بأن المعلمة قبل الشيء إنما يكون لشيء يوجده غيره فيصوره في نفسه حتى يدفع عنه ما ينافي وجوده و كماله ثم يوجده على ما تصوره و الواجب الوجود بذاته ذاته مقتض لوجوده و لا مانع لوجوده حتى يحتاج إلى ذلك فلذلك هو أزلي غير معلول.الثاني أن يكون المراد بالكائن الصانع أيضا و يكون المعنى هل هو معلوم عند نفسه بصورة حاصلة في ذاته و لذا قال في نفسه فأجاب (عليه السلام) بأن الصورة الحاصلة إنما تكون لشيء يشترك مع غيره في شيء من الذاتيات و يخالفه في غيرها فيحتاج إلى الصورة الحاصلة لتعينه و تشخيصه و امتيازه عما يشاركه فأما البسيط المطلق الذي تشخصه من ذاته و لم يشارك غيره في شيء من الذاتيات فلا يحتاج لمعرفة نفسه إلى حصول صورة بل هو حاضر بذاته عند ذاته فقوله و لم يكن هناك شيء يخالف أي شيء يخالف في بعض الذاتيات فتدعوه الحاجة إلى نفي ذلك الشيء عن نفسه بتحديد ما علم من ذاته بجنس و فصل و تشخيص. الثالث أن يكون المراد بالكائن الحادث المعلول و المراد معلوميته عند الصانع بصورة حاصلة منه فيه و حاصل الجواب على هذا أن المخلوق إذا أراد صنع شيء يصوره أولا في نفسه لعجزه عن الإتيان بكل ما يريد و لإمكان وجود ما يخالفه و يعارضه فيما يريده فيصوره في نفسه على وجه لا يعارضه شيء في حصول ما أراد منه و ينفي الموانع عن نفسه بتحديد ما علم منه و أما الصانع تعالى فهو لا يحتاج إلى ذلك لكمال قدرته و لعدم تخيل الموانع عن الإيجاد ثمة بل ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فليس المراد نفي العلم رأسا بل نفي العلم على الوجه الذي تخيله السائل بوجه يوافق فهمه و ضمير منها راجع إلى الشيء الكائن باعتبار النفس أو إلى النفس أي علما ناشئا من النفس.الرابع أن يكون المراد كون الحادث معلوما لنفسه عند نفسه قبل وجوده لا كونه معلوما لصانعه فالجواب أن الشيء بعد وجوده و تشخصه يكون معلوما لنفسه على وجه يمتاز عن غيره و أما الأعدام ففي مرتبة عدمها لا يكون بينها تمييز حتى يحتاج كل عدم إلى العلم بامتيازه عن غيره و الحاصل أن الامتياز العيني للشيء لا يكون إلا بعد وجوده لافتقار وجوده إلى التميز عن غيره مما يخالفه في ذاته و تشخصه و أما امتيازه في علمه تعالى فليس على نحو الوجود العيني فلا يستلزم علم كل حادث هناك بنفسه كما يكون لذوي العقول بعد وجودها.قوله (عليه السلام) بأي شيء علم ما علم بضمير أم بغير ذلك أي بصورة ذهنية حصلت في الذهن أم بغيرها فأجاب (عليه السلام) بأن العلم لو لم يكن إلا بحصول صورة لشيء فالعلم بالمعلوم لا بد أن يكون موقوفا على العلم بالصورة التي هي آلة ملاحظة المعلوم و تحديدها و تصويرها قال عمران لا بد من ذلك فقال (عليه السلام) لا بد لك أن تعرف تلك الصورة و حقيقتها فبين لنا حقيقتها فلما عجز عن الجواب ألزم (عليه السلام) عليه الإيراد بوجه آخر و هو أنه على قولك إنه لا بد لكل معلوم أن يعرف بصورة فالصورة أيضا معلوم لا بد أن تعرف بصورة أخرى و هكذا إلى ما لا نهاية له و إن قلت إن الصورة تعرف بنفسها بالعلم الحضوري من غير احتياج إلى صورة أخرى فلم لا يجوز أن يكون علمه تعالى بأصل الأشياء على وجه لا يحتاج إلى صورة و ضمير.ثم لما أفسد (عليه السلام) الأصل الذي هو مبنى كلام السائل أقام البرهان على امتناع حلول الصور فيه و اتصافه بالضمير لمنافاته لوحدته الحقيقية و استلزامه التجزؤ و التبعض و كونه متصفا بالصفات الزائدة و كل ذلك ينافي وجوب الوجود فليس فيه تعالى عند إيجاد المخلوقين سوى التأثير من غير عمل و روية و تفكر و تصوير و خطور و تجربة و ذهاب الفكر إلى المذاهب و سائر ما يكون الناقصين العاجزين من الممكنات.قوله (عليه السلام) على ستة أنواع لعل الأول ما يكون ملموسا و موزونا و منظورا إليه و الثاني ما لا يكون له تلك الأوصاف كالروح و إنما عبر عنه بما لا ذوق له اكتفاء ببعض صفاته و في بعض النسخ و ما لا لون له و هو الروح و هو أظهر للمقابلة و الثالث ما يكون منظورا إليه و لا يكون ملموسا و لا محسوسا و لا موزونا و لا لون له كالهواء أو السماء فالمراد بكونه منظورا إليه أنه يظهر للنظر بآثاره أو قد يرى و لا لون له بذاته أو يراد به الجن و الملك و أشباههما و الظاهر أن قوله و لا لون زيد من النساخ و الرابع التقدير و يدخل فيه الصور و الطول و العرض.و الخامس الأعراض القارة المدركة بالحواس كاللون و الضوء و هو الذي عبر عنه بالأعراض و السادس الأعراض الغير القارة كالأعمال و الحركات التي تذهب هي و تبقى آثارها و يمكن تصوير التقسيم بوجوه أخر تركناها لمن تفكر فيه. قوله (عليه السلام) مشيته و اسمه و صفته يحتمل أن يكون المعنى آثار المشية و الصفات فإنها قد عرفنا الله بها و هي محدثات أو المعنى أن كل ما نتعقل من صفاته تعالى و ندركه بأذهاننا فهي مخلوقة مصنوعة و الله تعالى غيرها و قد مر تحقيق ذلك في كتاب التوحيد.قوله (عليه السلام) و ليس لك على أكثر من توحيدي إياه أي لا يمكنني أن أبين لك من ذات الصانع و صفاته إلا ما يرجع إلى توحيده تعالى و تنزيهه عن مشابهة من سواه أو لا يلزمني البيان لك في هذا الوقت إلا توحيده لترجع عما أنت عليه من الشرك.قوله (عليه السلام) لا يكون السكوت إلا عن نطق قبله حاصله أن السكوت عدم ملكة فلا يقال للسراج إنه ساكت حيث لا ينطق إذ ليس من شأنه النطق و كذلك الله سبحانه لا يوصف بالنطق بالمعنى الذي فهمت و هو مزاولته بلسان و شفة أو بغير ذلك مما يوجب التغير في ذاته بل كلامه هو إيجاده للأصوات و الحروف في الأجسام.ثم لما كان هذا أيضا موهما لنوع تغير في ذاته تعالى بأن يتوهم أن إيجاده بمزاولة الجوارح و الآلات و الأعمال أزال ذلك التوهم بأن الألفاظ كثيرا ما تطلق في بعض الموارد مقارنا لبعض الأشياء فيتوهم اشتراط تلك المقارنات في استعمالها و ليس كذلك و الخلق و الإيجاد كذلك فإنهما يطلقان في المخلوقين غالبا مقارنا لمزاولتهم الأعمال و تحريكهم الجوارح و استعانتهم بالآلات فيتوهم الجهال أنهما لا يطلقان إلا بذلك فبين ذلك بالتشبيه بالسراج أيضا فإنه يقال إنه يضيء و ليس معنى إضاءته أنه يفعل فعلا يزاول فيه الأعمال و الجوارح و الآلات أو أنه يحدث له عند ذلك إرادة و خطور بال كما يكون في ضرب زيد و قتل عمرو بل ليس إلا استتباع ضوئه لاستضاءتنا فكذلك الصانع تعالى ليس إيجاده بما يوجب تغييرا في ذاته من حدوث أمر فيه أو مزاولة عمل أو روية أو تفكر أو استعمال جارحة أو آلة كما يكون في المخلوقين غالبا و ليس الغرض التشبيه الكامل في ذلك حتى يلزم عدم كون إيجاده تعالى على وجه الإرادة و الاختيار بل فيما ذكرناه من الوجوه.فقوله (عليه السلام) و لا يقال إن السراج ليضيء فيما يريد أن يفعل بنا النفي فيه راجع إلى القيد أي لا يطلق إضاءة السراج على فعل يريده أن يفعل بنا لأن الضوء من السراج ليس بفعل منه و لا كون و إحداث و إنما هو السراج حسب ليس معه إرادة و لا فعل و لا مزاولة عمل فلما استضأنا به و حصل الضوء فينا من قبله نسبنا إليه الإضاءة و قلنا قد أضاء فلا يشترط في استعمال تلك الأفعال إلا الاستتباع و السببية من غير اشتراط شيء آخر و الأظهر بدل فلما استضاء لنا قوله فلما استضأنا به كما لا يخفى.قوله (عليه السلام) هل تجد النار يغيرها تغير نفسها حاصله أن الشيء لا يؤثر في نفسه بتغيير و إفناء و تأثير بل إنما يتأثر من غيره فالنار لا تتغير إلا بتأثير غيرها فيها و الحرارة لا تحرق نفسها و البصر لا ينطبع من نفسه بل من صورة غيره فالله سبحانه لا يمكن أن يتأثر و يتغير بفعل نفسه و تأثير غيره تعالى فيه محال و أما الإنسان إذا ضرب عضوا منه على عضو آخر فيتأثر فليس من ذلك لأن أحد العضوين مؤثر و الآخر متأثر أو يقال الإنسان أثر في نفسه بتوسط غيره و هو عضو منه و الله سبحانه لا يتأتى فيه ذلك لوحدته الحقيقية و بساطته المطلقة فلا يعقل تغيره بفعل نفسه بوجه ثم لما توهم عمران أن الخلق و التأثير لا يكون إلا بكون المؤثر في الأثر أو الأثر في المؤثر أجاب بذكر بعض الشرائط و العلل الناقصة على التنظير فمثل بالمرآة حيث يشترط انطباع صورة البصر في المرآة و انطباع صورة المرآة في البصر بوجود ضوء قائم بالهواء المتوسط بينهما فالضوء علة ناقصة لتأثر البصر و المرآة مع عدم حصوله في شيء منهما و عدم حصول شيء منهما فيه فلم لا يجوز تأثير الصانع في العالم مع عدم حصول العالم فيه و لا حصوله في العالم.قوله هل يوحد بحقيقة بالحاء المهملة المشددة المفتوحة أي هل يتأتى توحيده مع تعقل كنه حقيقته أو إنما يوحد مع تعقله بوجه من وجوهه و بوصف من أوصافه و في بعض النسخ يوجد بالجيم من الوجدان أي يعرف و هو أظهر فأجاب (عليه السلام) بأنه إنما يعرف بالوجوه التي هي محدثة في أذهاننا و هي مغايرة لحقيقته تعالى و ما ذكره أولا لبيان أنه قديم أزلي و القديم يخالف المحدثات في الحقيقة و كل شيء غيره فهو حادث.قوله (عليه السلام) لا معلوما تفصيل للثاني أي ليس معه غيره لا معلوم و لا مجهول و المراد بالمحكم ما يعرف حقيقته و بالمتشابه ضده و يحتمل أن يكون إشارة إلى نفي قول من قال بقدم القرآن فإن المحكم و المتشابه يطلقان على آياته و هذا الخبر أيضا يدل على أن إرادته تعالى من صفات الفعل و هي عين الإبداع و هي محدثة و قد مر الأخبار في ذلك و شرحها في كتاب التوحيد و يدل على أن أول مبدعاته تعالى الحروف.قوله (عليه السلام) و لم يجعل للحروف في إبداعه لها معنى أي إنما خلق الحروف المفردة التي ليس لها موضوع غير أنفسها و لم يجعل لها وضعا و لا معنى ينتهي إليه و يوجد و يعرف بذلك الحرف و يحتمل أن يكون المراد بالمعنى الصفة أي أول ما خلقها كان غير موصوف بمعنى و صفة ينتهي إليها و يوجد لأنها كانت مبدعة بمحض الإبداع و لم يكن هناك شيء غير الإبداع و الحروف حتى يكون معنى للحروف أو صفة لها و المراد بالنور الوجود إذ به يظهر الأشياء كما تظهر الموجودات للحس بالنور فالإبداع هو الإيجاد و بالإيجاد تصير الأشياء موجودة فالإبداع هو التأثير و الحروف هي الأثر موجودة بالتأثير و بعبارة أخرى الحروف محل تأثير يعبر عنه بالمفعول و الفعل و الأثر هو الوجود.قوله (عليه السلام) و أما الخمسة المختلفة فبحجج كذا في النسخ أي إنما حدثت تلك الحروف بحجج جمع الحجة أي أسباب و علل من انحراف لهجات الخلق و اختلاف منطقهم لا ينبغي ذكرها و الأظهر أنه (عليه السلام) كان ذكر تلك الحروف فاشتبه على الرواة و صحفوها فالخمسة الكاف الفارسية في قولهم بگو بمعنى تكلم و الجيم الفارسية المنقوطة بثلاث نقاط كما في قولهم چه ميگوئى و الزاي الفارسية المنقوطة بثلاث نقاط كما يقولون ژاله و الباء المنقوطة بثلاث نقاط كما في پياله و پياده و التاء الهندية ثم ركب الحروف و أوجد بها الأشياء و جعلها فعلا منه كما قال ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فكن صنع و إيجاد للأشياء و ما يوجد به هو المصنوع فأول صادر عنه تعالى هو الإيجاد و هو معنى لا وزن له و لا حركة و ليس بمسموع و لا ملون و لا محسوس و الخلق الثاني يعني الحرف غير موزون و لا ملون لكنها مسموعة موصوفة و لا يمكن إبصارها و الخلق الثالث و هو ما وجد بهذه الحروف من السماوات و الأرضين و غيرهما فهي محسوسة ملموسة مذوقة مبصرة فالله مقدم بوجوده على الإبداع الذي هو خلقه الأول لأنه ليس شيء قبله حتى يسبقه أيضا إبداع و لا كان شيء دائما معه و الإبداع متقدم على الحروف لوجودها به و معنى كون الحروف غير دالة على معنى غير نفسها هو أن الحروف المفردة إنما وضعت للتركيب و ليس لها معنى تدل عليه إلا بعد التركيب و ظاهر كلامه (عليه السلام) أن كل معنى يدل عليه الكلمات و يوضع بإزائها الألفاظ إنما هي محدثة و أما الأسماء الدالة على الرب تعالى فإنما وضعت لمعان محدثة ذهنية و هي تدل عليه تعالى و لم توضع أولا لكنه حقيقته المقدسة و لا لكنه صفاته الحقيقية لأنها إنما وضعت لمعرفة الخلق و دعائهم و لا يمكنهم الوصول إلى كنه الذات و الصفات و لذا قال لم يك إلا لمعنى لم يكن قبل ذلك شيئا و إن أمكن أن يكون المراد بها غير أسمائه تعالى.قوله (عليه السلام) و الصفات و الأسماء كلها تدل على الكمال و الوجود أي صفات الله و أسماؤه كلها دالة على وجوده و كماله لا على ما يشتمل على النقص كالإحاطة و قوله كما تدل بيان للمنفي أي كأن يدل الحدود التي هي التربيع و التثليث و التسديس و يحتمل أن يكون المعنى لأن الإحاطة تدل على أن المحاط مشتمل على الحدود.قوله (عليه السلام) بمعرفتهم أنفسهم أي على نحو ما يعرفون أنفسهم أو بسبب معرفة أنفسهم قوله (عليه السلام) بالضرورة التي ذكرنا أي لأنه ضروري أنه لا يحد بالحدود و لا يوصف بها أو المعنى أنه تعالى لا يعرف بالتحديد لأنه لا يحل فيه الحدود و قد ذكرنا أنه ضروري أنه لا حد لغير محدود فلو عرف بالحدود يلزم كونه محدودا بها و لعل غرضه تنزيهه تعالى عن صفات تلك المعرفات بأن الحروف و إن دلت عليه لكن ليس فيه صفاتها و المعاني الذهنية و إن دلتنا عليه لكن فيه حدودها و لوازمها.ثم استدل (عليه السلام) بأنه لا بد أن ينتقل الناس من تلك الأسماء و الصفات التي يدركونها إلى ذاته تعالى بوجه و إلا يلزم أن يكون الخلق عابدين للأسماء و الصفات لا لله تعالى لأن صفاته و أسماءه المدركة غيره تعالى فهذه الصفات المدركة و إن كانت مخالفة بالحقيقة له تعالى لكنها آلة لملاحظته و وسيلة للانتقال إليه و توجه العبادة نحوه و المعلمة محل العلم و الإدراك من القوى و المشاعر و يمكن أن يقرأ على صيغة اسم الفاعل.قوله لمعناه الضمير راجع إلى الخلق أي لقصد الخلق إليه أو إلى الله فيكون بدلا من الضمير و الأظهر لا تدرك معناه قوله إن الله جل و تقدس موجود في الآخرة مأخوذ من الوجدان أي يعرفونه و يجدونه بالبصر و استدل (عليه السلام) على ذلك بأنه لو كان إدراكه بالبصر نقصا له كما هو الواقع لم يدرك في الآخرة أيضا به و لو كان كمالا له لكان مبصرا في الدنيا أيضا قوله عن الحقائق الموجودة أي المدركة قوله على ما هناك أي ما عند الله تعالى من صفاته إلا بما هاهنا أي لا يمكن الاستبداد في معرفته تعالى بالعقل بل لا بد من الرجوع في ذلك إلى ما أوحى إلى أنبيائه (عليه السلام) و يحتمل أن يكون المراد بقوله هناك الآخرة و بقوله هاهنا الدنيا أي إنما يقاس أحوال الآخرة بالدنيا فكيف يجوز رؤيته تعالى في الآخرة مع استحالته في الدنيا و الأول أظهر كما يدل عليه ما بعده.قوله بل خلق ساكن أي نسبة و إضافة بين العلة و المعلول فكأنه ساكن فيهما أو عرض قائم بمحل لا يمكنه مفارقته. و قوله لا يدرك بالسكون أي أمر اعتباري إضافي ينتزعه العقل و لا يشار إليه في الخارج و إنما قلنا إنه خلق لأن هذه النسبة و التأثير غيره تعالى و هو محدث و كل محدث معلول فلا تتوهم أنه خلق يحتاج إلى تأثير آخر و هكذا حتى يتسلسل بل ليس في الحقيقة إلا الرب و مخلوقه الذي أوجده و الإيجاد معنى صار سببا لوجود المعلول بتأثيره تعالى فكل شيء خلقه الله لم يعد و لم يتجاوز أن يصدق عليه أن الله خلقه فهذا هو معنى الإبداع لا غير و هذا المعنى يقع عليه حد و كل ما يقع عليه حد فهو خلق الله. قوله (عليه السلام) و كان الذي خلق خلقين اثنين لعله إشارة إلى الخلق الأول و هي الحروف ففي خلق الحروف يخلق شيئان حرف و تحديد و تقدير قائم به و ليس شيء من الحرف و العرض القائم به ذا لون و وزن و ذوق و جعل أحدهما يدرك بالآخر أي الحرف يعرف بالحدود القائمة به فيعرف بأنه شيء محدود أو المعنى أنه لو لم يكن محدودا لم يكن مدركا بالحواس و جعل الحرف و حده كليهما مدركين بنفسهما لا بآثارهما فإن الأمور المحسوسة إنما تدرك بأنفسها لا بآثارها و لم يخلق شيئا فردا عن الحدود و التقديرات قائما بنفسه دون غيره أي من غير أن يخلق معه غيره كالحدود لأنه أراد أن يكون حروفا و أصواتا دالة على نفسه و إثبات وجوده و ما يكون دالا على المعاني هاديا للناس إلى المعرفة لا يكون إلا محسوسا و كل محسوس يكون محدودا و المعنى أنه أراد أن يكون محدودا ليدل بكونه على هذه الحالة على إمكانه و افتقاره إلى الصانع فيكون بوجوده بنفسه دالا على الصانع لا باعتبار مدلوله.قوله (عليه السلام) و لا يكنه أي لا يستره و قال الجوهري ارتبك الرجل في الأمر أي نشب فيه و لم يكد يتخلص منه قوله المتفاوت عقله أي المتباعد عنه عقله من التفاوت بمعنى التباعد أو بمعنى الاختلاف أي لا يثبت عقله على أمر ثابت بل يكون دائما في الشك و التردد.أقول هذا الخبر من متشابهات الأخبار التي لا يعلم تأويلها إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ و لا يلزمنا فيها سوى التسليم و إنما ذكرنا فيها ما ذكرنا على سبيل الاحتمال على قدر ما يصل إليه فهمي الناقص مع أن في تلك الأخبار الطويلة المشتملة على المعاني المعضلة كثيرا ما يقع التحريف و الإسقاط من الرواة و الله يعلم و حججه (صلوات الله عليهم) حقائق كلامهم.2- يد، التوحيد ن، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بِالْإِسْنَادِ الْمُتَقَدِّمِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّوْفَلِيِّ قَالَ: قَدِمَ سُلَيْمَانُ الْمَرْوَزِيُّ مُتَكَلِّمُ خُرَاسَانَ عَلَى الْمَأْمُونِ فَأَكْرَمَهُ وَ وَصَلَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ إِنَّ ابْنَ عَمِّي عَلِيَّ بْنَ مُوسَى قَدِمَ عَلَيَّ مِنَ الْحِجَازِ وَ هُوَ يُحِبُّ الْكَلَامَ وَ أَصْحَابَهُ فَلَا عَلَيْكَ أَنْ تَصِيرَ إِلَيْنَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ لِمُنَاظَرَتِهِ فَقَالَ سُلَيْمَانُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ مِثْلَهُ فِي مَجْلِسِكَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَيَنْتَقِصَ عِنْدَ الْقَوْمِ إِذَا كَلَّمَنِي وَ لَا يَجُوزُ الِاسْتِقْصَاءُ عَلَيْهِ قَالَ الْمَأْمُونُ إِنَّمَا وَجَّهْتُ إِلَيْكَ لِمَعْرِفَتِي بِقُوَّتِكَ وَ لَيْسَ مُرَادِي إِلَّا أَنْ تَقْطَعَهُ عَنْ حُجَّةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ فَقَالَ سُلَيْمَانُ حَسْبُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اجْمَعْ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ وَ خَلِّنِي وَ الذَّمَ فَوَجَّهَ الْمَأْمُونُ إِلَى الرِّضَا (عليه السلام) فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ قَدِمَ عَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَرْوَ وَ هُوَ وَاحِدُ خُرَاسَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْكَلَامِ فَإِنْ خَفَّ عَلَيْكَ أَنْ تَتَجَشَّمَ الْمَصِيرَ إِلَيْنَا فَعَلْتَ فَنَهَضَ (عليه السلام) لِلْوُضُوءِ وَ قَالَ لَنَا تَقَدَّمُونِي وَ عِمْرَانُ الصَّابِئُ مَعَنَا فَصِرْنَا إِلَى الْبَابِ فَأَخَذَ يَاسِرٌ وَ خَالِدٌ بِيَدِي فَأَدْخَلَانِي عَلَى الْمَأْمُونِ فَلَمَّا سَلَّمْتُ قَالَ أَيْنَ أَخِي أَبُو الْحَسَنِ أَبْقَاهُ اللَّهُ قُلْتُ خَلَّفْتُهُ يَلْبَسُ ثِيَابَهُ وَ أَمَرَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَ ثُمَّ قُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ عِمْرَانَ مَوْلَاكَ مَعِي وَ هُوَ بِالْبَابِ فَقَالَ مَنْ عِمْرَانُ قُلْتُ الصَّابِئُ الَّذِي أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْكَ قَالَ فَلْيَدْخُلْ فَدَخَلَ فَرَحَّبَ بِهِ الْمَأْمُونُ ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا عِمْرَانُ لَمْ تَمُتْ حَتَّى صِرْتَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَّفَنِي بِكُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُونُ يَا عِمْرَانُ هَذَا سُلَيْمَانُ الْمَرْوَزِيُّ مُتَكَلِّمُ خُرَاسَانَ قَالَ عِمْرَانُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ وَاحِدُ خُرَاسَانَ فِي النَّظَرِ وَ يُنْكِرُ الْبَدَاءَ قَالَ فَلِمَ لَا تُنَاظِرُهُ قَالَ عِمْرَانُ ذَاكَ إِلَيْهِ فَدَخَلَ الرِّضَا (عليه السلام) فَقَالَ فِي أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ قَالَ عِمْرَانُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ هَذَا سُلَيْمَانُ الْمَرْوَزِيُّ فَقَالَ سُلَيْمَانُ أَ تَرْضَى بِأَبِي الْحَسَنِ وَ بِقَوْلِهِ فِيهِ قَالَ عِمْرَانُ قَدْ رَضِيتُ بِقَوْلِ أَبِي الْحَسَنِ فِي الْبَدَاءِ عَلَى أَنْ يَأْتِيَنِي فِيهِ بِحُجَّةٍ أَحْتَجُّ بِهَا عَلَى نُظَرَائِي مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ قَالَ الْمَأْمُونُ يَا أَبَا الْحَسَنِ مَا تَقُولُ فِيمَا تَشَاجَرَا فِيهِ قَالَ وَ مَا أَنْكَرْتَ مِنَ الْبَدَاءِ يَا سُلَيْمَانُ وَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ أَ وَ لا ﴿يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ﴾ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاًوَ يَقُولُ عَزَّ وَ جَلَ وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُوَ يَقُولُ بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِوَ يَقُولُ عَزَّ وَ جَلَ ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ﴾وَ يَقُولُ وَ بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍوَ يَقُولُ عَزَّ وَ جَلَ وَ آخَرُونَ ﴿مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ وَ إِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْوَ يَقُولُ عَزَّ وَ جَلَ وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا ﴿يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ﴾
[بحار الأنوار (ج1-16)] · موسوعة الغيبة والظهور