⟨يَعْنُونَ قَدْ فَرَغَ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ لُعِنُوا بِما⟩
يَدُ اللَّهِ و وَجْهُ اللَّهِ و جَنْبِ اللَّهِ إلى غير ذلك مما لا يحصى و قد ورد في أخبارهم ما يدل على البداء بالمعنى الذي قالت به الشيعة أكثر مما ورد في أخبارنا كخبر دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على اليهودي و أخبار عيسى على نبينا و آله و (عليه السلام) و أن الصدقة و الدعاء يغيّران القضاء و غير ذلك و قال ابن الأثير في النهاية في حديث الأقرع و الأبرص و الأعمى بدا لله عز و جل أن يبتليهم أي قضى بذلك و هو معنى البداء هاهنا لأن القضاء سابق و البداء استصواب شيء علم بعد أن لم يعلم و ذلك على الله غير جائز انتهى. و قد دلّت الآية على الأجلين و فسّرهما أخيرا بما عرفت و قد قال تعالى يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ و قال هذا الناصبي في تفسيرها في هذه الآية قولان الأول أنها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ قالوا إن الله يمحو من الرزق و يزيد فيه و كذا القول في الأجل و السعادة و الشقاوة و الإيمان و الكفر و هو مذهب عمرو بن مسعود و رواه جابر عن رسول الله ص.و الثاني أنها خاصة في بعض الأشياء دون البعض ففيها وجوه الأول أن المراد من المحو و الإثبات نسخ الحكم المتقدم و إثبات حكم آخر بدلا عن الأول الثاني أنه تعالى يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة و لا سيئة لأنهم مأمورون بكتبة كل قول و فعل و يثبت غيره الثالث أنه تعالى أراد بالمحو أن من أذنب أثبت ذلك الذنب في ديوانه فإذا تاب عنه محا عن ديوانه الرابع يمحو الله ما يشاء و هو من جاء أجله و يدع من لم يجئ أجله و يثبته الخامس أنه تعالى يثبت في أول السنة فإذا مضت السنة محيت و أثبت كتاب آخر للمستقبل السادس يمحو نور القمر و يثبت نور الشمس السابع يمحو الدنيا و يثبت الآخرة الثامن أنه في الأرزاق و المحن و المصائب يثبتها في الكتاب ثم يزيلها بالدعاء و الصدقة و فيه حث على الانقطاع إلى الله تعالى التاسع تعير أحوال العبد فما مضى منها فهو المحو و ما حضر و حصل فهو الإثبات العاشر يزيل ما يشاء من حكمه لا يطلع على غيبه أحد فهو المتفرد بالحكم كما يشاء و هو المستقلّ بالإيجاد و الإعدام و الإحياء و الإماتة و الإغناء و الإفقار بحيث لا يطّلع على تلك الغيوب أحد من خلقه.و اعلم أن هذا الباب فيه مجال عظيم فإن قال قائل أ لستم تزعمون أن المقادير سابقة قد جفّ بها القلم فكيف يستقيم مع هذا المعنى المحو و الإثبات قلنا ذلك المحو و الإثبات أيضا مما قد جفّ به القلم فلا يمحو إلا ما سبق في علمه و قضائه محوه ثم قال قالت الرافضة البداء جائز على الله تعالى و هو أن يعتقد شيئا ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده و تمسكوا فيه بقوله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ انتهى كلامه لعنه الله. و لا أدري من أين أخذ هذا القول الذي افترى عليهم مع أن كتب الإمامية المتقدمين عليه كالصدوق و المفيد و الشيخ و المرتضى و غيرهم مشحونة بالتبرّي عن ذلك و لا يقولون إلا ببعض ما ذكره سابقا أو بما هو أصوب منها كما ستعرف و العجب أنهم في أكثر الموارد ينسبون إلى الربّ تعالى ما لا يليق به و الإمامية (قدس الله أسرارهم) يبالغون في تنزيهه تعالى و يفحمونهم بالحجج البالغة و لما لم يظفروا في عقائدهم بما يوجب نقصا يباهتونهم و يفترون عليهم بأمثال تلك الأقاويل الفاسدة و هل البهتان و الافتراء إلا دأب العاجزين و لو فرض أن بعضا من الجهلة المنتحلين للتشيع قال بذلك فالإمامية يتبرّءون منه و من قوله كما يتبرءون من هذا الناصبي و أمثاله و أقاويلهم الفاسدة فأما ما قيل في توجيه البداء فقد عرفت ما ذكره الصدوق و الشيخ (قدس الله روحهما) في ذلك قال الصدوق في كتاب العقائد: «باب الاعتقاد في البداء» إن اليهود قالوا: إن اللّه تبارك و تعالى قد فرغ من الامر! قلنا: بل هو تعالى ﴿كل يوم هو في شأن﴾، لا يشغله شأن عن شأن، يحيى و يميت، و يخلق و يرزق، و يفعل ما يشاء، و قلنا:«يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ» و أنّه لا يمحو إلّا ما كان، و لا يثبت إلّا ما لم يكن، و هذا ليس ببداء كما قالت اليهود و اتباعهم فنسبنا في ذلك إلى القول بالبداء، و تبعهم على ذلك من خالفنا من أهل الاهواء المختلفة، و قال الصادق (عليه السلام):«ما بعث اللّه نبيّا قط حتّى يأخذ عليه الإقرار للّه بالعبودية و خلع الانداد، و ان اللّه يؤخر ما يشاء، و يقدم ما يشاء» و نسخ الشرائع و الاحكام بشريعة نبيّنا و أحكامه من ذلك، و نسخ الكتب بالقرآن من ذلك، و قال الصادق (عليه السلام): «من زعم أن اللّه عزّ و جلّ بدا في شيء و لم يعلمه أمس فأبرأ منه» و قال: «من زعم أن اللّه بدا له من شيء بداء ندامة فهو عندنا كافر باللّه العظيم» اه.و قال الشيخ الطوسيّ في العدة: البداء حقيقة في اللغة هو الظهور، و لذلك يقال: بدا لنا سور المدينة، و بدا لنا وجه الرأى، و قال اللّه تعالى: ❮وَ بَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا، وَ بَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ و قد قيل فيه وجوه أخر الأول ما ذكره السيد الداماد (قدس الله روحه) في نبراس الضياء حيث قال البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع فما في الأمر التشريعي و الأحكام التكليفية نسخ فهو في الأمر التكويني و المكونات الزمانية بداء فالنسخ كأنه بداء تشريعي و البداء كأنه نسخ تكويني و لا بداء في القضاء و لا بالنسبة إلى جناب القدسما كَسَبُوا❯ و يراد بذلك كله «ظهر» و قد يستعمل ذلك في العلم بالشيء بعد أن لم يكن حاصلا، و كذلك في الظنّ، فأما إذا اضيف هذه اللفظة إلى اللّه تعالى فمنه ما يجوز اطلاقه عليه و منه ما لا يجوز، فأما ما يجوز من ذلك فهو ما أفاد النسخ بعينه. و يكون اطلاق ذلك عليه على ضرب من التوسع، و على هذا الوجه يحمل جميع ما ورد عن الصادقين (عليهما السلام) من الاخبار المتضمنة لإضافة البداء إلى اللّه تعالى، دون ما لا يجوز عليه من حصول العلم بعد أن لم يكن، و يكون وجه اطلاق ذلك فيه تعالى و التشبيه هو أنّه إذا كان ما يدل على النسخ يظهر به للمكلفين ما لم يكن ظاهرا لهم و يحصل لهم العلم به بعد أن لم يكن حاصلا لهم اطلق على ذلك لفظ البداء.و ذكر سيدنا الأجل المرتضى (قدس الله روحه) وجها آخر في ذلك: و هو أن قال: يمكن حمل ذلك على حقيقته بأن يقال: بدا له تعالى بمعنى أنّه ظهر له من الامر ما لم يكن ظاهرا له، و بدا له من النهى ما لم يكن ظاهرا له، لان قبل وجود الامر و النهى لا يكونان ظاهرين مدركين، و إنّما يعلم أنّه يامر أو ينهى في المستقبل، فاما كونه آمرا أو ناهيا فلا يصحّ أن يعلمه الا إذا وجد الامر و النهى، و جرى ذلك مجرى أحد الوجهين المذكورين في قوله تعالى: ❮وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ بان نحمله على أن المراد به حتّى نعلم جهادكم موجودا، لان قبل وجود الجهاد لا يعلم الجهاد موجودا، و انما يعلم كذلك بعد حصوله فكذلك القول في البداء و هذا وجه حسن جدا اه.و قال الإمام العلامة، معلم الأمة الشيخ المفيد محمّد بن النعمان في كتاب تصحيح الاعتقاد في شرح ما قدمنا من كلام الصدوق: قول الإماميّة في البداء طريقه السمع دون العقل و قد جاءت الاخبار به عن أئمة الهدى (عليهم السلام)، و الأصل في البداء هو الظهور، قال اللّه تعالى «وَ بَدا ﴿لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾❯ يعنى به ظهر لهم من أفعال اللّه تعالى بهم ما لم يكن في حسبانهم و تقديرهم، و قال: «وَ بَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَ حاقَ بِهِمْ» يعنى ظهر لهم جزاء كسبهم و بان لهم ذلك، و تقول العرب: «قد بدا لفلان عمل حسن، و بدا له كلام فصيح» كما يقولون: «بدا من فلان كذا» فيجعلون اللام قائمة مقامه، فالمعنى في قول الإماميّة: بدا للّه في كذا أي ظهر له فيه، و معنى ظهر فيه أى ظهر منه، و ليس المراد منه تعقب الراى و وضوح أمر كان قد خفى عنه، و جميع أفعاله تعالى الظاهرة في خلقه بعد أن لم تكن فهي معلومة فيما لم يزل، و انما يوصف منها بالبداء ما لم يكن في الاحتساب ظهوره، و لا في غالب الظنّ وقوعه، فأما ما علم كونه و غلب في الظنّ حصوله فلا يستعمل فيه لفظ. الحق و المفارقات المحضة من ملائكته القدسية و في متن الدهر الذي هو ظرف مطلق الحصول القار و الثبات البات و وعاء عالم الوجود كله و إنما البداء في القدر و في امتداد الزمان الذي هو أفق التقضي و التجدد و ظرف التدريج و التعاقب و بالنسبة إلى الكائنات الزمانية و من في عالم الزمان و المكان و إقليم المادة و الطبيعة و كما حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي و انقطاع استمراره لا رفعه و ارتفاعه من وعاء الواقع فكذا حقيقة البداء عند الفحص البالغ انبتات استمرار الأمر التكويني و انتهاءالبداء، و قول أبي عبد اللّه (عليه السلام): «ما بدا للّه في شيء كما بدا له في إسماعيل» فانما أراد به ما ظهر من اللّه تعالى فيه من دفاع القتل عنه و قد كان مخوفا عليه من ذلك، مظنونا به فلطف له في دفعه عنه، و قد جاء الخبر بذلك عن الصادق (عليه السلام) فروى عنه (عليه السلام) أنّه قال: «ان القتل قد كتب على إسماعيل مرتين فسألت اللّه في دفعه عنه فدفعه» و قد يكون الشيء مكتوبا بشرط فيتغير الحال فيه، قال اللّه تعالى: ❮ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ❯ فتبيّن أن الآجال على ضربين: ضرب منها مشترط يصحّ فيه الزيادة و النقصان، ألا ترى الى قوله تعالى: ❮وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا ﴿يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ﴾❯ و قوله تعالى: ❮وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ﴾ وَ الْأَرْضِ❯ فبين أن آجالهم كانت مشترطة في الامتداد بالبر و الانقطاع بالفسوق، و قال تعالى- فيما خبر به عن نوح (عليه السلام) في خطابه لقومه-: «﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً﴾» الى آخر الآيات، فاشترط لهم في مد الأجل و سبوغ النعم الاستغفار، فلما لم يفعلوه قطع آجالهم و بتر أعمارهم و استأصلهم بالعذاب؛فالبداء من اللّه تعالى يختص ما كان مشترطا في التقدير، و ليس هو الانتقال من عزيمة الى عزيمة، و لا من تعقب الرأى- تعالى اللّه عما يقول المبطلون علوا كبيرا-.و قد قال بعض أصحابنا: ان لفظ البداء اطلق في أصل اللغة على تعقب الرأى و الانتقال من عزيمة الى عزيمة، و انما اطلق على اللّه تعالى على وجه الاستعارة كما يطلق عليه الغضب و الرضا مجازا غير حقيقة، و ان هذا القول لم يضر بالمذهب، اذ المجاز من القول يطلق على اللّه تعالى فيما ورد به السمع، و قد ورد السمع بالبداء على ما بينا. و الذي اعتمدناه في معنى البداء انه الظهور على ما قدمت القول في معناه، فهو خاصّ فيما يظهر من الفعل الذي كان وقوعه يبعد في النظر (الظنّ خ ل) دون المعتاد، اذ لو كان في كل واقع من أفعال اللّه تعالى لكان اللّه تعالى موصوفا بالبداء في كل أفعاله و ذلك باطل بالاتفاق.انتهى كلامه.أقول: انما أطلنا الكلام في نقل الأقوال حتّى يتضح جلية الحال في هذه المرغمة و الفرية الشائنة، و ترى الباحث أن أقوال الشيعة التي تعرب عن معتقداتهم قديما و حديثا تكذب ما عزاه المخالفون الينا، و أنهم لم يلتزموا بالصدق و الأمانة فيما يكتب عن الشيعة بل التزموا بضدها و لم يتركون قوس افكهم منزعا لم يرموا بها الشيعة، و سيعلم ﴿الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون﴾، ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا﴾ و ما ﴿عملت من سوء تود لو أن بينها﴾ و بينه أمدا بعيدا و اللّه خبير بما يعملون. اتصال الإفاضة و مرجعه إلى تحديد زمان الكون و تخصيص وقت الإفاضة لا أنه ارتفاع المعلول الكائن عن وقت كونه و بطلانه في حد حصوله انتهى. الثاني ما ذكره بعض الأفاضل في شرحه على الكافي و تبعه غيره من معاصرينا و هو أن القوى المنطبعة الفلكية لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الأمور دفعة واحدة لعدم تناهي تلك الأمور بل إنما ينتقش فيها الحوادث شيئا فشيئا و جملة فجملة مع أسبابها و عللها على نهج مستمر و نظام مستقرّ فإن ما يحدث في عالم الكون و الفساد فإنما هو من لوازم حركات الأفلاك المسخرة لله تعالى و نتائج بركاتها فهي تعلم أنه كلما كان كذا كان كذا فمهما حصل لها العلم بأسباب حدوث أمر ما في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه فينتقش فيها ذلك الحكم و ربما تأخر بعض الأسباب الموجب لوقوع الحادث على خلاف ما يوجبه بقية الأسباب لو لا ذلك السبب و لم يحصل لها العلم بذلك بعد لعدم اطلاعها على سبب ذلك السبب ثم لما جاء أوانه و اطلعت عليه حكمت بخلاف الحكم الأول فيمحى عنها نقش الحكم السابق و يثبت الحكم الآخر مثلا لما حصل لها العلم بموت زيد بمرض كذا لأسباب تقتضي ذلك و لم يحصل لها العلم بتصدقه الذي سيأتي به قبل ذلك الوقت لعدم اطلاعها على أسباب التصدق بعد ثم علمت به و كان موته بتلك الأسباب مشروطا بأن لا يتصدق فتحكم أولا بالموت و ثانيا بالبرء و إذا كانت الأسباب لوقوع أمر و لا وقوعه متكافئة و لم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعد لعدم مجيء أوان سبب ذلك الرجحان بعد كان لها التردد في وقوع ذلك الأمر و لا وقوعه فينتقش فيها الوقوع تارة و اللاوقوع أخرى فهذا هو السبب في البداء و المحو و الإثبات و التردد و أمثال ذلك في أمور العالم فإذا اتصلت بتلك القوى نفس النبي أو الإمام عليهما الصلاة و السلام و قرأ فيها بعض تلك الأمور فله أن يخبر بما رآه بعين قلبه أو شاهده بنور بصيرته أو سمع بأذن قلبه و أما نسبة ذلك كله إلى الله تعالى فلأن كل ما يجري في العالم الملكوتي إنما يجري بإرادة الله تعالى بل فعلهم بعينه فعل الله سبحانه حيث إنهم ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ﴾ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ إذ لا داعي لهم على الفعل إلا إرادة الله عز و جل لاستهلاكإرادتهم في إرادته تعالى و مثلهم كمثل الحواس للإنسان كلما هم بأمر محسوس امتثلت الحواس لما هم به فكل كتابة تكون في هذه الألواح و الصحف فهو أيضا مكتوب لله عز و جل بعد قضائه السابق المكتوب بقلمه الأول فيصح أن يوصف الله عز و جل نفسه بأمثال ذلك بهذا الاعتبار و إن كان مثل هذه الأمور يشعر بالتغير و السنوح و هو سبحانه منزه عنه فإن كل ما وجد فهو غير خارج عن عالم ربوبيته. الثالث ما ذكره بعض المحققين حيث قال تحقيق القول في البداء أن الأمور كلها عامها و خاصها و مطلقها و مقيدها و ناسخها و منسوخها و مفرداتها و مركباتها و إخباراتها و إنشاءاتها بحيث لا يشذ عنها شيء منتقشة في اللوح و الفائض منه على الملائكة و النفوس العلوية و النفوس السفلية قد يكون الأمر العام المطلق أو المنسوخ حسب ما تقتضيه الحكمة الكاملة من الفيضان في ذلك الوقت و يتأخر المبين إلى وقت تقتضي الحكمة فيضانه فيه و هذه النفوس العلوية و ما يشبهها يعبر عنها بكتاب المحو و الإثبات و البداء عبارة عن هذا التغيير في ذلك الكتاب.الرابع ما ذكره السيد المرتضى في جواب مسائل أهل الري و هو و إنه قال المراد بالبداء النسخ و ادعى أنه ليس بخارج عن معناه اللغوي. أقول هذا ما قيل في هذا الباب و قد قيل فيه وجوه أخر لا طائل في إيرادها و الوجوه التي أوردناها بعضها بمعزل عن معنى البداء و بينهما كما بين الأرض و السماء و بعضها مبنية على مقدمات لم تثبت في الدين بل ادعي على خلافها إجماع المسلمين و كلها يشتمل على تأويل نصوص كثيرة بلا ضرورة تدعو إليه و تفصيل القول في كل منها يفضي إلى الإطناب و لنذكر ما ظهر لنا من الآيات و الأخبار بحيث تدل عليه النصوص الصريحة و تأبى عنه العقول الصحيحة.فنقول و بالله التوفيق إنهم (عليه السلام) إنما بالغوا في البداء ردا على اليهود الذينيقولون إن الله قد فرغ من الأمر و على النظام و بعض المعتزلة الذين يقولون إن الله خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن معادن و نباتا و حيوانا و إنسانا و لم يتقدم خلق آدم على خلق أولاده و التقدم إنما يقع في ظهورها. لا في حدوثها و وجودها و إنما أخذوا هذه المقالة من أصحاب الكمون و الظهور من الفلاسفة و على بعض الفلاسفة القائلين بالعقول و النفوس الفلكية و بأن الله تعالى لم يؤثر حقيقة إلا في العقل الأول فهم يعزلونه تعالى عن ملكه و ينسبون الحوادث إلى هؤلاء فنفوا (عليه السلام) ذلك و أثبتوا أنه تعالى كل يوم في شأن من إعدام شيء و إحداث آخر و إماتة شخص و إحياء آخر إلى غير ذلك لئلا يتركوا العباد التضرع إلى الله و مسألته و طاعته و التقرب إليه بما يصلح أمور دنياهم و عقباهم و ليرجوا عند التصدق على الفقراء و صلة الأرحام و بر الوالدين و المعروف و الإحسان ما وعدوا عليها من طول العمر و زيادة الرزق و غير ذلك.ثم اعلم أن الآيات و الأخبار تدل على أن الله خلق لوحين أثبت فيهما ما يحدث من الكائنات أحدهما اللوح المحفوظ الذي لا تغير فيه أصلا و هو مطابق لعلمه تعالى و الآخر لوح المحو و الإثبات فيثبت فيه شيئا ثم يمحوه لحكم كثيرة لا تخفى على أولي الألباب مثلا يكتب فيه أن عمر زيد خمسون سنة و معناه أن مقتضى الحكمة أن يكون عمره كذا إذا لم يفعل ما يقتضي طوله أو قصره فإذا وصل الرحم مثلا يمحى الخمسون و يكتب مكانه ستون و إذا قطعها يكتب مكانه أربعون و في
[بحار الأنوار (ج1-16)] · موسوعة الغيبة والظهور