الأقسامالنبوّة والإمامة والولاية وعلوم الأئمة ومعاجزهمالأنبياء السابقون
بحار الأنوار · رقم ٧٥

يَعْنُونَ قَدْ فَرَغَ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ لُعِنُوا بِما

اللوح المحفوظ أنه يصل و عمره ستون كما أن الطبيب الحاذق إذا اطلع على مزاج شخص يحكم بأن عمره بحسب هذا المزاج يكون ستين سنة فإذا شرب سما و مات أو قتله إنسان فنقص من ذلك أو استعمل دواء قوي مزاجه به فزاد عليه لم يخالف قول الطبيب و التغيير الواقع في هذا اللوح مسمى بالبداء إما لأنه مشبه به كما في سائر ما يطلق عليه تعالى من الابتلاء و الاستهزاء و السخرية و أمثالها أو لأنه يظهر للملائكة أو للخلق إذا أخبروا بالأول خلاف ما علموا أولا و أي استبعاد في تحقق هذين اللوحين و أية استحالة في هذا المحو و الإثبات حتى يحتاج إلى التأويل و التكلف و إن لم تظهر الحكمة فيه لنا لعجز عقولنا عن الإحاطة بها مع أن الحكم فيه ظاهرة. منها أن يظهر للملائكة الكاتبين في اللوح و المطلعين عليه لطفه تعالى بعباده و إيصالهم في الدنيا إلى ما يستحقونه فيزدادوا به معرفة. و منها أن يعلم بإخبار الرسل و الحجج عليهم الصلاة و السلام أن لأعمالهم الحسنة مثل هذه التأثيرات في صلاح أمورهم و لأعمالهم السيئة تأثيرا في فسادها فيكون داعيا لهم إلى الخيرات صارفا لهم عن السيئات فظهر أن لهذا اللوح تقدما على اللوح المحفوظ من جهة لصيرورته سببا لحصول بعض الأعمال فبذلك انتقش في اللوح المحفوظ حصوله فلا يتوهم أنه بعد ما كتب في هذا اللوح حصوله لا فائدة في المحو و الإثبات.و منها أنه إذا أخبر الأنبياء و الأوصياء أحيانا من كتاب المحو و الإثبات ثم أخبروا بخلافه يلزمهم الإذعان به و يكون ذلك تشديدا للتكليف عليهم تسبيبا لمزيد الأجر لهم كما في سائر ما يبتلي الله عباده منه من التكاليف الشاقة و إيراد الأمور التي تعجز أكثر العقول عن الإحاطة بها و بها يمتاز المسلمون الذين فازوا بدرجات اليقين عن الضعفاء الذين ليس لهم قدم راسخ في الدين. و منها أن يكون هذه الأخبار تسلية من المؤمنين المنتظرين لفرج أولياء الله و غلبة الحق و أهله كما روي في قصة نوح على نبينا و آله و (عليه السلام) حين أخبر بهلاك القوم ثم أخر ذلك مرارا و كما روي في فرج أهل البيت (عليهم السلام) و غلبتهم لأنهم (عليه السلام) لو كانوا أخبروا الشيعة في أول ابتلائهم باستيلاء المخالفين و شدة محنتهم أنه ليس فرجهم إلا بعد ألف سنة ليئسوا و رجعوا عن الدين و لكنهم أخبروا شيعتهم بتعجيل الفرج و ربما أخبروهم بأنه يمكن أن يحصل الفرج في بعض الأزمنة القريبة ليثبتوا على الدين و يثابوا بانتظار الفرج كما مر في خبر أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)- وَ رَوَى الْكُلَيْنِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى وَ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنِ السَّيَّارِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ عَنْ أَخِيهِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو الْحَسَنِ (عليه السلام) الشِّيعَةُ تُرَبَّى بِالْأَمَانِيِّ مُنْذُ مِائَتَيْ سَنَةٍ.قَالَ وَ قَالَ يَقْطِينٌ لِابْنِهِ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ مَا بَالُنَا قِيلَ لَنَا فَكَانَ وَ قِيلَ لَكُمْ فَلَمْ يَكُنْ قَالَ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ إِنَّ الَّذِي قِيلَ لَنَا وَ لَكُمْ كَانَ مِنْ مَخْرَجٍ وَاحِدٍ غَيْرَ أَنَّ أَمْرَكُمْ حَضَرَ فَأُعْطِيتُمْ مَحْضَةً فَكَانَ كَمَا قِيلَ لَكُمْ وَ أَنَّ أَمْرَنَا لَمْ يَحْضُرْ فَعُلِّلْنَا بِالْأَمَانِيِّ فَلَوْ قِيلَ لَنَا إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا إِلَى مِائَتَيْ سَنَةٍ أَوْ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ لَقَسَتِ الْقُلُوبُ وَ لَرَجَعَ عَامَّةُ النَّاسِ عَنِ الْإِسْلَامِ وَ لَكِنْ قَالُوا مَا أَسْرَعَهُ وَ مَا أَقْرَبَهُ تَأْلِيفاً لِقُلُوبِ النَّاسِ وَ تَقْرِيباً لِلْفَرَجِ و قوله قيل لنا أي في خلافة العباسية و كان من شيعتهم أو في دولة آل يقطين و قيل لكم أي في أمر القائم و ظهور فرج الشيعة.- وَ رُوِيَ أَيْضاً عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْخَزَّازِ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عَمْرٍو الْخَثْعَمِيِّ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لِهَذَا الْأَمْرِ وَقْتٌ فَقَالَ كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ كَذَبَ الْوَقَّاتُونَ إِنَّ مُوسَى عَلَى نَبِيِّنَا وَ آلِهِ وَ (عليه السلام) لَمَّا خَرَجَ وَافِداً إِلَى رَبِّهِ وَاعَدَهُمْ ثَلَاثِينَ يَوْماً فَلَمَّا زَادَ اللَّهُ إِلَى الثَّلَاثِينَ عَشْراً قَالَ قَوْمُهُ قَدْ أَخْلَفَنَا مُوسَى فَصَنَعُوا مَا صَنَعُوا فَإِذَا حَدَّثْنَاكُمُ الْحَدِيثَ فَجَاءَ عَلَى مَا حَدَّثْنَاكُمْ فَقُولُوا صَدَقَ اللَّهُ وَ إِذَا حَدَّثْنَاكُمُ الْحَدِيثَ فَجَاءَ عَلَى خِلَافِ مَا حَدَّثْنَاكُمْ بِهِ فَقُولُوا صَدَقَ اللَّهُ تُؤْجَرُوا مَرَّتَيْنِ.. و سيأتي كثير من الأخبار في ذلك في كتاب النبوة لا سيما في أبواب قصص نوح و موسى و شعيا على نبينا و آله و (عليهم السلام) و سيأتي أيضا في كتاب الغيبة فأخبارهم (عليه السلام) بما يظهر خلافه ظاهرا من قبيل المجملات و المتشابهات التي تصدر عنهم بمقتضى الحكم ثم يصدر عنهم بعد ذلك تفسيرها و بيانها و قولهم يقع الأمر الفلاني في وقت كذا معناه إن كان كذا أو إن لم يقع الأمر الفلاني الذي ينافيه و إن لم يذكروا الشرط كما قالوا في النسخ قبل الفعل و قد أوضحناه في باب ذبح إسماعيل على نبينا و آله و (عليه السلام) فمعنى قولهم (عليه السلام) ما عبد الله بمثل البداء أن الإيمان بالبداء من أعظم العبادات القلبية لصعوبته و معارضته الوساوس الشيطانية فيه و لكونه إقرارا بأن لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ و هذا كمال التوحيد أو المعنى أنه من أعظم الأسباب و الدواعي لعبادة الرب تعالى كما عرفت و كذا قولهم (عليه السلام) ما عظم الله بمثل البداء يحتمل الوجهين و إن كان الأول فيه أظهر و أما- قول الصادق (عليه السلام) لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه.فلما مر أيضا من أن أكثر مصالح العباد موقوفة على القول بالبداء إذ لو اعتقدوا أن كل ما قدر في الأزل فلا بد من وقوعه حتما لما دعوا الله في شيء من مطالبهم و ما تضرعوا إليه و ما استكانوا لديه و لا خافوا منه و لا رجعوا إليه إلى غير ذلك مما قد أومأنا إليه و أما إن هذه الأمور من جملة الأسباب المقدرة في الأزل أن يقع الأمر بها لا بدونها فمما لا يصل إليه عقول أكثر الخلق فظهر أن هذا اللوح و علمهم بما يقع فيه من المحو و الإثبات أصلح لهم من كل شيء.بقي هاهنا إشكال آخر و هو أنه يظهر من كثير من الأخبار المتقدمة أن البداء لا يقع فيما يصل علمه إلى الأنبياء و الأئمة عليهم الصلاة و السلام و يظهر من كثير منها وقوع البداء فيما وصل إليهم أيضا و يمكن الجمع بينها بوجوه الأول أن يكون المراد بالأخبار الأولة عدم وقوع البداء فيما وصل إليهم على سبيل التبليغ بأن يؤمروا بتبليغه ليكون أخبارهم بها من قبل أنفسهم لا على وجه التبليغ. الثاني أن يكون المراد بالأولة الوحي و يكون و ما يخبرون به من جهة الإلهام و اطلاع نفوسهم على الصحف السماوية و هذا قريب من الأول.الثالث أن تكون الأولة محمولة على الغالب فلا ينافي ما وقع على سبيل الندرة. الرابع ما أشار إليه الشيخ (قدس الله روحه) من أن المراد بالأخبار الأولة عدم وصول الخبر إليهم و أخبارهم على سبيل الحتم فيكون أخبارهم على قسمين أحدهما ما أوحي إليهم أنه من الأمور المحتومة فهم يخبرون كذلك و لا بداء فيه و ثانيهما ما يوحىإليهم لا على هذا الوجه فهم يخبرون كذلك و ربما أشعروا أيضا باحتمال وقوع البداء فيه كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد الإخبار بالسبعين و يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ و هذا وجه قريب. الخامس أن يكون المراد بالأخبار الأولة أنهم لا يخبرون بشيء لا يظهر وجه الحكمة فيه على الخلق لئلا يوجب تكذيبهم بل لو أخبروا بشيء من ذلك يظهر وجه الصدق فيما أخبروا به كخبر عيسى على نبينا و آله و (عليه السلام) و النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث ظهرت الحية دالة على صدق مقالهما و سيأتي بعض القول في ذلك في باب ليلة القدر و سيأتي بعض أخبار البداء في باب القضاء و إيفاء حق الكلام في هذه المسألة يقتضي رسالة مفردة و الله الموفق.

[بحار الأنوار (ج1-16)] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.