⟨رَوَى مَسْعَدَةُ بْنُ صَدَقَةَ عَنْ كُلَيْبٍ⟩
جمعت لوقتها و هو يوم القيامة لتشهد على الأمم و هو قوله لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ أي أخرت و ضرب لهم الأجل لجمعهم تعجب العباد من ذلك اليوم و قيل أُقِّتَتْ معناه عرفت وقت الحساب و الجزاء لأنهم في الدنيا لا يعرفون متى تكون الساعة و قيل عرفت ثوابها في ذلك اليوم- وَ قَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام) أُقِّتَتْأَيْ بُعِثَتْ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.ثم بين سبحانه ذلك اليوم فقال لِيَوْمِ الْفَصْلِ أي يوم يفصل الرحمن بين الخلائق ثم عظم ذلك اليوم فقال وَ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ ثم أخبر سبحانه عن حال من كذب به فقال وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ و في قوله تعالى هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ فيه قولان أحدهما أنهم لا ينطقون بنطق ينتفعون به فكأنهم لم ينطقوا و الثاني أن في القيامة مواقف ففي بعضها يختصمون و يتكلمون و في بعضها يختم على أفواههم فلا يتكلمون و عن قتادة قال جاء رجل إلى عكرمة فقال أ رأيت قول الله تعالى هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ و قوله ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ قال إنها مواقف فأما موقف منها فتكلموا و اختصموا ثم ختم على أفواههم فتكلمت أيديهم و أرجلهم فحينئذ لا ينطقون.و في قوله تعالى ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً﴾ أي لما وعد الله من الجزاء و الحساب و الثواب و العقاب ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً﴾ أي جماعة جماعة إلى أن تتكاملوا في القيامة و قيل زمرا زمرا من كل مكان للحساب و كل فريق يأتي مع شكله و قيل إن كل أمة تأتي مع نبيها وَ فُتِحَتِ السَّماءُ أي شقت لتزول الملائكة فَكانَتْ أَبْواباً أي ذات أبواب و قيل صار فيها طرق و لم يكن كذلك من قبل وَ سُيِّرَتِ الْجِبالُ أي أزيلت عن أماكنها و ذهب بها فَكانَتْ سَراباً أي كالسراب يظن أنها جبال و ليست إياهاوَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ جَالِساً قَرِيباً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فِي مَنْزِلِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ فَقَالَ مُعَاذٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ رَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً﴾الْآيَاتِ فَقَالَ يَا مُعَاذُ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ مِنَ الْأَمْرِ ثُمَّ أَرْسَلَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ تُحْشَرُ عَشَرَةُ أَصْنَافٍ مِنْ أُمَّتِي أَشْتَاتاً قَدْ مَيَّزَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَ بَدَّلَ صُوَرَهُمْ فَبَعْضُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ وَ بَعْضُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْخَنَازِيرِ وَ بَعْضُهُمْ مُنَكَّسُونَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ فَوْقُ وَ وُجُوهُهُمْ مِنْ تَحْتُ ثُمَّ يُسْحَبُونَ عَلَيْهَا وَ بَعْضُهُمْ عُمْيٌ يَتَرَدَّدُونَ وَ بَعْضُهُمْ بُكْمٌ لَا يَعْقِلُونَ وَ بَعْضُهُمْ يَمْضَغُونَ أَلْسِنَتَهُمْ يَسِيلُ الْقَيْحُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ لُعَاباً يَتَقَذَّرُهُمْ أَهْلُ الْجَمْعِ وَ بَعْضُهُمْ مُقَطَّعَةٌ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ وَ بَعْضُهُمْ مُصَلَّبُونَ عَلَى جُذُوعٍ مِنْ نَارٍ وَ بَعْضُهُمْ أَشَدُّ نَتْناً مِنَ الْجِيَفِ وَ بَعْضُهُمْ يَلْبَسُونَ جِبَاباً سَابِغَةً مِنْ قَطِرَانٍ لَازِقَةٍ بِجُلُودِهِمْ فَأَمَّا الَّذِينَ عَلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ فَالْقَتَّاتُ مِنَ النَّاسِ وَ أَمَّا الَّذِينَ عَلَى صُورَةِ الْخَنَازِيرِ فَأَهْلُ السُّحْتِ وَ أَمَّا الْمُنَكَّسُونَ عَلَى رُءُوسِهِمْ فَأَكَلَةُ الرِّبَا وَ الْعُمْيُ الْجَائِرُونَ فِي الْحُكْمِ وَ الصُّمُّ الْبُكْمُ الْمُعْجَبُونَ بِأَعْمَالِهِمْ وَ الَّذِينَ يَمْضَغُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَالْعُلَمَاءُ وَ الْقُضَاةُ الَّذِينَ خَالَفَتْ أَعْمَالُهُمْ أَقْوَالَهُمْ وَ الْمُقَطَّعَةُ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الْجِيرَانَ وَ الْمُصَلَّبُونَ عَلَى جُذُوعٍ مِنْ نَارٍ فَالسُّعَاةُ بِالنَّاسِ إِلَى السُّلْطَانِ وَ الَّذِينَ هُمْ أَشَدُّ نَتْناً مِنَ الْجِيَفِ فَالَّذِينَ يَتَمَتَّعُونَ بِالشَّهَوَاتِ وَ اللَّذَّاتِ وَ يَمْنَعُونَ حَقَّ اللَّهِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَ الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الْجِبَابَ فَأَهْلُ التَّجَبُّرِ وَ الْخُيَلَاءِ.. و في قوله تعالى لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً أي لا يملكون أن يسألوا إلا فيما أذن لهم فيه قال مقاتل لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا اختلف في الروح فقيل خلق الله على صورة بني آدم و ليسوا بناس و لا بملائكة يقومون صفا و الملائكة صفا و قيل ملك من الملائكة ما خلق الله مخلوقا أعظم منه فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفا و قامت الملائكة كلهم صفا واحدا فيكون عظم خلقه مثل صفهم عن ابن عباس و قيل إنها أرواح الناس تقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد الأرواح إلى الأجساد عن ابن عباس أيضا و قيل إنه جبرئيل (عليه السلام) و قال وهب إن جبرئيل واقف بين يدي الله عز و جل ترعد فرائصه يخلق الله عز و جل من كل رعدة منه مائة ألف ملك فالملائكة صفوف بين يدي الله عز و جل منكسو رءوسهم فإذا أذن الله لهم في الكلام قالوا لا إله إلا الله وَ قالَ صَواباً أي لا إله إلا الله- وَ عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام) أَنَّهُ مَلَكٌ أَعْظَمُ مِنْ جَبْرَئِيلَ وَ مِيكَائِيلَ.و قيل إن الروح بنو آدم.و قوله صفا معناه مصطفين ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ﴾ و هم المؤمنون و الملائكة وَ قالَ في الدنيا صَواباً أي شهد بالتوحيد و قال لا إله إلا الله و قيل إن الكلام هاهنا الشفاعة ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُ الذي لا شك فيه يعني القيامة ﴿فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً﴾ أي مرجعا بالطاعة إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يعني العذاب في الآخرة ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ أي ينتظر جزاء ما قدمه من طاعة و معصية و قيل معناه أن كل أحد ينظر إلى عمله في ذلك اليوم من خير و شر مثبتا عليه في صحيفته فيرجو ثواب الله على صالح عمله و يخاف العقاب على سوء عمله وَ يَقُولُ الْكافِرُ في ذلك اليوم يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً أي يتمنى أن لو كان ترابا لا يعود و لا يحاسب ليتخلص من عقاب ذلك اليوم و قال عبد الله بن عمر إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم و حشر الدواب و البهائم و الوحوش ثم يجعل القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء التي نطحتها و قال مجاهد يقاد يوم القيامة للمنطوحة من الناطحة و قال المقاتل إن الله يجمع الوحوش و الهوام و الطير و كل شيء غير الثقلين فيقول من ربكم فيقولون الرحمن الرحيم فيقول لهم الرب بعدما يقضي بينهم حتى يقتص للجماء من القرناء إنا خلقناكم و سخرناكم لبني آدم و كنتم مطيعين أيام حياتكم فارجعوا إلى الذي كنتم كونوا ترابا فتكون ترابا فإذا التفت الكافر إلى شيء صار ترابا يتمنى فيقول يا ليتني كنت في الدنيا على صورة خنزير رزقي كرزقه و كنت اليوم أي في الآخرة ترابا و قيل إن المراد بالكافر هنا إبليس عاب آدم بأن خلق من تراب و افتخر بالنار فيوم القيامة إذا رأى كرامة آدم و ولده المؤمنين قال يا ليتني كنت ترابا.و في قوله تعالى فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى هي القيامة لأنها تطم على كل داهية هائلة أي تعلو و تغلب و قال الحسن هي النفخة الثانية و قيل هي الغاشية الغليظة المجللة التي تدفق الشيء بالغلظ و قيل إن ذلك حين يساق أهل الجنة إلى الجنة و أهل النار إلى النار ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى﴾ أي تجيء الطامة في يوم يتذكر الإنسان ما عمله من خير أو شر وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ أي أظهرت النار لِمَنْ يَرى فيراها الخلق مكشوفا عنها الغطاء و يبصرونها مشاهدة.و في قوله تعالى فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ يعني صيحة القيامة عن ابن عباس سميت بذلك لأنها تصخ الآذان أي تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها و قيل لأنها يصخ لها الخلق أي يستمع ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ﴾ وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ وَ صاحِبَتِهِ أي زوجته وَ بَنِيهِ أي لا يلتفت إلى واحد من هؤلاء لعظم ما هو فيه و شغله بنفسه و إن كان في الدنيا يعتني بشأنهم و قيل يفر منهم حذرا من مطالبتهم إياه بما بينه و بينهم من التبعات و المظالم و قيل لعلمه بأنهم لا يشفعون له و لا يغنون عنه شيئا و يجوز أن يكون مؤمنا و أقرباؤه من أهل النار فيعاديهم و لا يلتفت إليهم أو يفر منهم لئلا يرى ما نزل بهم من الهوان ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أي لكل إنسان منهم أمر عظيم يشغله عن الأقرباء و يصرفه عنهم وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ أي مشرقة مضيئة ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ من سرورها و فرحها بما أعد لها من الثواب و أراد بالوجوه أصحابها وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ أي سواد و كآبة للهم تَرْهَقُها أي تعلوها و تغشاها قَتَرَةٌ أي سواد و كسوف عند معاينة النار و قيل الغبرة ما انحطت من السماء إلى الأرض و القترة ما ارتفعت من الأرض إلى السماء.و في قوله سبحانه إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ أي إذا ذهب ضوؤها فأظلمت و اضمحلت و قيل ألقيت و رمي بها و قيل جمع ضوؤها و لفت كما تلف العمامة و المعنى أن الشمس تكور بأن تجمع نورها حتى تصير كالكارة الملقاة و يذهب ضوؤها و يحدث الله تعالى للعباد ضياء غيرها وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ أي تساقطت و تناثرت يقال انكدر الطائر من الهواء إذا انقض و قيل تغيرت من الكدورة و الأول أولى لقوله وَ إِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ إلا أن يقال يذهب ضوؤها ثم تتناثر وَ إِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ عن وجه الأرض فصارت هباء منبثا و سرابا وَ إِذَا الْعِشارُ و هي النوق الحوامل أتت عليها عشرة أشهر و بعد الوضع تسمى عشارا أيضا و هي أنفس مال عند العرب عُطِّلَتْ أي تركت هملا بلا راع و قيل العشار السحاب يعطل فلا يمطر وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ أي جمعت حتى يقتص بعضها من بعض فيقتص للجماء من القرناء و يحشر الله سبحانه الوحوش ليوصل إليها ما تستحقه من الأعواض على الآلام التي نالتها في الدنيا و ينتصف لبعضها من بعض فإذا وصل إليها ما استحقته من الأعواض فمن قال إن العوض دائم قال تبقى منعمة إلى الأبد و من قال باستحقاقها العوض منقطعا فقال بعضهم يديمه الله لها تفضلا لئلا يدخل على المعوض غم بانقطاعه و قال بعضهم إذا فعل الله بها ما استحقته من الأعواض جعلها ترابا وَ إِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ أي أرسل عذبها على مالحها و مالحها على عذبها حتى امتلأت و قيل إن المعنى فجر بعضها في بعض فصارت البحور كلها بحرا واحدا و يرتفع البرزخ و قيل أي أوقدت فصارت نارا تصطرم عن ابن عباس و قيل يبست و ذهبت ماؤها فلم يبق فيها قطرة و قيل ملئت من القيح و الصديد الذي يسيل من أبدان أهل النار في النار و أراد بحار جهنم لأن بحور الدنيا قد فنيت عن الجبائي وَ إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ أي قرن كل واحد منها إلى شكله و ضم إليها من أهل النار و أهل الجنة و قيل أي ردت الأرواح إلى الأجساد و قيل يقرن الغاوي بمن أغواه من إنسان أو شيطان و قيل أي قرنت نفوس الصالحين بالحور العين و نفوس الكافرين بالشياطين وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ يعني الجارية المدفونة حيا و كانت المرأة إذا حان وقت ولادتها حفرت حفرة و قعدت على رأسها فإن ولد بنتا رمت بها في الحفرة و إن ولدت غلاما حبسته بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ أي يقال لها بأي ذنب قتلت و معنى سؤالها توبيخ قاتلها لأنها تقول قتلت بغير ذنب و قيل إن معنى سئلت طولب قاتلها بالحجة في قتلها فكأنه قيل سئل قاتلها بأي ذنب قتلت هذه و نظير قوله إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا أي مسئولا عنه وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ يعني صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها أعمال أهلها من خير و شر تنشر ليقرأها أصحابها و لتظهر الأعمال فيجازوا بحسبها وَ إِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ أي أزيلت عن موضعها كالجلد يزال عن الجزور ثم يطويها الله و قيل معناه قلعت كما يقلع السقف و قيل كشفت عمن فيها و معنى الكشط رفعك شيئا عن شيء قد غطاه كما يكشط الجلد عن السنام وَ إِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ أوقدت و أضرمت حتى ازدادت شدة على شدة و قيل سعرها غضب الله و خطايا بني آدم وَ إِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ أي قربت من أهلها بدخول و قيل قربت بما فيها من النعيم فيزداد المؤمن سرورا و يزداد أهل النار حسرة عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ أي إذا كانت هذه الأشياء التي تكون في القيامة علمت في ذلك الوقت كل نفس ما وجدت حاضرا من عمله كما قالوا أحمدته وجدته محمودا و قيل علمت ما أحضرته من خير و شر و إحضار الأعمال مجاز لأنها لا تبقى و المعنى أنه لا يشذ عنها شيء فكان كلها حاضرة و قيل إن المراد صحائف الأعمال.و في قوله سبحانه إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ أي انشقت و تقطعت وَ إِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ أي تساقطت و تهافتت قال ابن عباس سقطت سودا لا ضوء لها وَ إِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ أي فتح بعضها في بعض عذبها في ملحها و ملحها في عذبها فصارت بحرا واحدا و قيل معناه ذهب ماؤها وَ إِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ أي قلبت ترابها و بعثت الموتى التي فيها و قيل معناه بحثت عن الموتى فأخرجوا منها يريد عند البعث عن ابن عباس عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ عن ابن مسعود قال ما قدمت من خير أو شر و ما أخرت من سنة حسنة استن بها بعده فله أجر من اتبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء أو سنة سيئة عمل بها بعده فعليه وزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء. ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ أي أي شيء غرك بخالقك و خدعك و سول لك الباطل حتى عصيته و خالفته- وَ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لَمَّا تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ غَرَّهُ جَهْلُهُ.و قيل للفضيل بن عياض لو أقامك الله يوم القيامة بين يديه فقال ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ما ذا كنت تقول قال أقول غرني ستورك المرخاة و قال يحيى بن معاذ لو أقامني الله بين يديه فقال ما غرك بي قلت غرني بك برك بي سالفا و آنفا و عن بعضهم قال غرني حلمك و عن أبي بكر الوراق غرني كرم الكريم و إنما قال سبحانه الْكَرِيمِ دون سائر أسمائه و صفاته لأنه كان لقنه الإجابة حتى يقول غرني كرم الكريم و قال عبد الله بن مسعود ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة فيقول يا ابن آدم ما غرك بي يا ابن آدم ما ذا عملت فيما عملت يا ابن آدم ما ذا أجبت المرسلين الَّذِي خَلَقَكَ من نطفة و لم تك شيئا فَسَوَّاكَ إنسانا تسمع و تبصر فَعَدَلَكَ أي جعلك معتدلا ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ أي في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم.
[بحار الأنوار (ج1-16)] · موسوعة الغيبة والظهور