⟨و روي عن أبي صالح و بكر بن عبد الله و غيرهما أنه كما⟩
دعانا إليه ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ﴾ بضلالهم في نفوسهم و إضلالهم إيانا أي عذبهم مثلي ما تعذب به غيرهم وَ الْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً مرة بعد أخرى و زدهم غضبا إلى غضبك.و في قوله لا يُقْضى عَلَيْهِمْ بالموت فَيَمُوتُوا فيستريحوا وَ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها أي و لا يسهل عليهم عذاب النار كَذلِكَ أي و مثل هذا العذاب و نظيره نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ و جاحد كثير الكفران مكذب لأنبياء الله وَ هُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها أي يتصايحون بالاستغاثة يقولون رَبَّنا أَخْرِجْنا من عذاب النار نَعْمَلْ صالِحاً أي نؤمن بدل الكفر و نطيع بدل المعصية و المعنى ردنا إلى الدنيا لنعمل بالطاعات التي تأمرنا بها غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ فوبخهم الله تعالى فقال أَ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ أي أ لم نعطكم من العمر مقدار ما يمكن أن يتفكر و يعتبر و ينظر في أمور دينه و عواقب حاله من يريد أن يتفكر و يتذكر.- وَ اخْتَلَفَ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ فَقِيلَ هُوَ سِتُّونَ سَنَةً وَ هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَالَ: الْعُمُرُ الَّذِي أَعْذَرَ اللَّهُ فِيهِ إِلَى ابْنِ آدَمَ سِتُّونَ سَنَةً.و هو إحدى الروايتين عن ابن عباس و قيل هو أربعون سنة عن ابن عباس و مسروق وَ قِيلَ هُوَ تَوْبِيخٌ لِابْنِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً عَنْ وَهَبٍ وَ قَتَادَةَ وَ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام) وَ جاءَكُمُ النَّذِيرُ أي المخوف من عذاب الله و هو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و قيل القرآن و قيل الشيب.و في قوله تعالى أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ الزقوم ثمر شجرة منكرة جدا من قولهم تزقم هذا الطعام إذا تناوله على تكره و مشقة شديدة و قيل الزقوم شجرة في النار يقتاتها أهل النار لها ثمرة مرة خشنة اللمس منتنة الريح و قيل إنها معروفة من شجر الدنيا تعرفها العرب و قيل إنها لا تعرفها فقد روي أن قريشا لما سمعت هذه الآية قالت ما نعرف هذه الشجرة قال ابن الزبعري الزقوم بكلام البربر التمر و الزبد و في رواية بلغة اليمن فقال أبو جهل لجاريته يا جارية زقمينا فأتته الجارية بتمر و زبد فقال لأصحابه تزقموا بهذا الذي يخوفكم به محمد فيزعم أن النار تنبت الشجر و النار تحرق الشجر فأنزل الله سبحانه إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ أي خبرة لهم افتتنوا بها و كذبوا بكونها فصارت فتنة لهم و قيل المراد بالفتنة العذاب من قوله ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ أي يعذبون إِنَّها أي الزقوم ﴿شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ أي في قعر جهنم و أغصانها ترفع إلى دركاتها عن الحسن و لا يبعد أن يخلق الله سبحانه بكمال قدرته في النار من جنس النار أو من جوهر لا تأكله النار و لا تحرقه كما أنها لا تحرق السلاسل و الأغلال و كما لا تحرق حياتها و عقاربها و كذلك الضريع و ما أشبه ذلك طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُالشَّياطِينِ يسأل عن هذا فيقال كيف شبه طلع هذه الشجرة برءوس الشياطين و هي لا تعرف و إنما يشبه الشيء بما يعرف و أجيب عنه بثلاثة أجوبة أحدها أن رءوس الشياطين ثمرة يقال لها أستن قال الأصمعي يقال له الصورم و ثانيها أن الشيطان جنس من الحيات فشبه سبحانه طلع تلك الشجرة برءوس تلك الحيات و ثالثها أن قبح صور الشياطين متصور في النفوس و لذلك يقولون لما يستقبحون جدا كأنه شيطان فشبه سبحانه طلع هذه الشجرة بما استقرت شناعته في قلوب الناس و هذا قول ابن عباس و محمد بن كعب و قال الجبائي إن الله تعالى يشوه خلق الشياطين في النار حتى أنه لو رآه راء من العباد لاستوحش منهم فلذلك شبه برءوسهم.فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها يعني أن أهل النار ليأكلون من ثمرة تلك الشجرة فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ أي يملئون بطونهم منها لشدة ما يلحقهم من ألم الجوع و قد روي أن الله تعالى يجوعهم حتى ينسوا عذاب النار من شدة الجوع فيصرخون إلى مالك فيحملهم إلى تلك الشجرة و فيهم أبو جهل فيأكلون منها فتغلي بطونهم كغلي الحميم فيستسقون فيسقون شربة من الماء الحار الذي بلغ نهايته في الحرارة فإذا قربوها من وجوههم شوت وجوههم فذلك قوله يَشْوِي الْوُجُوهَ فإذا وصل إلى بطونهم صهر ما في بطونهم كما قال سبحانه ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ﴾ وَ الْجُلُودُ فذلك شرابهم و طعامهم ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها زيادة على شجرة الزقوم لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ أي خلطا و مزاجا من ماء حار يمزج ذلك الطعام بهذا الشراب و قيل إنهم يكرهون على ذلك عقوبة لهم ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ بعد أكل الزقوم و شراب الحميم لَإِلَى الْجَحِيمِ و ذلك أنهم يوردون الحميم لشربه و هو خارج من الجحيم كما تورد الإبل إلى الماء ثم يوردون إلى الجحيم و يدل على ذلك قوله يَطُوفُونَ بَيْنَها وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ و الجحيم النار الموقودة و المعنى أن الزقوم و الحميم طعامهم و شرابهم و الجحيم المسعرة منقلبهم و مآبهم.و في قوله سبحانه هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَ غَسَّاقٌ أي هذا حميم و غساق فليذوقوه و قيل معناه هذا الجزاء للطاغين فليذوقوه و أطلق عليه لفظ الذوق لأن الذائق يدرك الطعم بعد طلبه فهو أشد إحساسا به و الحميم الماء الحار و الغساق البارد الزمهرير عن ابن مسعود و ابن عباس فالمعنى أنهم يعذبون بحار الشراب الذي انتهت حرارته و ببارده الذي انتهت برودته فببرده يحرق كما يحرق النار و قيل إن الغساق عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذات حمة من حية و عقرب و قيل هو ما يسيل من دموعهم يسقونه مع الحميم و قيل هو القيح الذي يسيل منهم يجمع و يسقونه و قيل هو عذاب لا يعلمه إلا الله وَ آخَرُ أي و ضروب أخر مِنْ شَكْلِهِ أي من جنس هذا العذاب أَزْواجٌ أي ألوان و أنواع متشابهة في الشدة لا نوع واحد هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ أي يقال لهم هذا فوج و هم قادة أهل الضلالة إذا دخلوا النار ثم يدخل الأتباع فتقول الخزنة للقادة هذا فَوْجٌ أي قطع من الناس و هم الأتباع مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ في النار دخلوها كما دخلتم عن ابن عباس و قيل يعني بالأول أولاد إبليس و بالفوج الثاني بني آدم أي يقال لبني إبليس بأمر الله هذا جمع من بني آدم مقتحم معكم يدخلون النار و عذابها و أنتم معهم عن الحسن لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ أي لا اتسعت لهم أماكنهم لأنهم لازموا النار فيكون المعنى على القول الأول أن القادة و الرؤساء يقولون للأتباع لا مرحبا بهؤلاء إنهم يدخلون النار مثلنا فلا فرج لنا في مشاركتهم إيانا فتقول الأتباع لهم ﴿بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ﴾ أي لا نلتم رحبا و سعة أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا أي حملتمونا على الكفر الذي أوجب لنا هذا العذاب و دعوتمونا إليه و أما على القول الثاني فإن أولاد إبليس يقولون لا مرحبا بهؤلاء قد ضاقت أماكنهم إذ كانت النار مملوءة منا فليس لنا منهم إلا الضيق و الشدة- وَ هَذَا كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَنَّ النَّارَ تَضِيقُ عَلَيْهِمْ كَضِيقِ الزُّجِ بِالرُّمْحِ.. ﴿قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ﴾ أي تقول بنو آدم لا كرامة لكم أنتم شرعتموه لنا و زينتموه في نفوسنا فَبِئْسَ الْقَرارُ الذي استقررنا عليه ﴿قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا﴾هذا أي يدعون عليهم بهذا إذا حصلوا في نار جهنم أي من سبب لنا هذا العذاب و دعانا إلى ما استوجبنا به ذلك فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً أي مثلا مضاعفا إلى ما يستحقه من النار أحد الضعفين لكفرهم بالله و الضعف الآخر لدعائهم إيانا إلى الكفر وَ قالُوا ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ﴾ أي يقولون ذلك حين ينظرون في النار فلا يرون من كان يخالفهم فيها معهم و هم المؤمنون عن الكلبي و قيل نزلت في أبي جهل و الوليد بن المغيرة و ذويهما يقولون ما لنا لا نرى عمارا و خبابا و صهيبا و بلالا الذين كنا نعدهم في الدنيا من جملة الذين يفعلون الشر و القبيح و لا يفعلون الخير عن مجاهد- وَ رَوَى الْعَيَّاشِيُّ بِالْإِسْنَادِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: أَهْلُ النَّارِ يَقُولُونَ ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ﴾يَعْنُونَكُمْ لَا يَرَوْنَكُمْ فِي النَّارِ لَا يَرَوْنَ وَ اللَّهِ أَحَداً مِنْكُمْ فِي النَّارِ.. ﴿أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ﴾ معناه أنهم يقولون لما لم يروهم في النار اتخذناهم هزوا في الدنيا فأخطأنا أم عدلت عنهم أبصارنا فلا نراهم و هم معنا في النار إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌ أي ما ذكر قبل هذا لحق أي كائن لا محالة ثم بين ما هو فقال تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ يعني تخاصم الأتباع و القادة أو مجادلة أهل النار بعضهم لبعض على ما أخبر عنهم.و في قوله تعالى قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ في الحقيقة هم الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فلا ينتفعون بأنفسهم و لا يجدون في النار أهلا كما كان لهم في الدنيا أهل فقد فاتتهم المنفعة بأنفسهم و أهليهم و قيل خسروا أنفسهم بأن قذفوها بين أطباق الجحيم و خسروا أهليهم الذين أعدوا لهم في جنة النعيم عن الحسن.قال ابن عباس إن الله تعالى جعل لكل إنسان في الجنة منزلا و أهلا فمن عمل بطاعته كان له ذلك و من عصاه فصار إلى النار و دفع منزله و أهله إلى من أطاع فذلك قوله أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ﴿أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ أي الظاهر الذي لا يخفى ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ أي سرادقات و أطباق من النار و دخانها نعوذ بالله منها وَ مِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ أي فرش و مهد منها و قيل إنما سمي ما تحتهم ظللا لأنها ظلل لمن تحتهم إذ النار أدراك و هم بين أطباقها و قيل إنما أجري اسم الظلل على قطع النار على سبيل التوسع و المجاز لأنها في مقابلة ما لأهل الجنة من الظلل و المراد أن النار تحيط بجوانبهم.و في قوله أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ اختلف في تقديره فقيل معناه أ فمن وجب عليه وعيد الله بالعقاب أ فأنت تخلصه من النار فاكتفي بذكر من في النار عن الضمير العائد إلى المبتدأ و قيل تقديره أ فأنت تنقذ من في النار منهم و أتي بالاستفهام مرتين توكيدا للتنبيه على المعنى و قال ابن الأنباري الوقف على قوله كَلِمَةُ الْعَذابِ و التقدير كمن وجبت له الجنة ثم يبتدئ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ و أراد بكلمة العذاب قوله لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ و في قوله تعالى أَ فَمَنْ ﴿يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ تقديره أ فحال من يدفع عذاب الله بوجهه يوم القيامة كحال من يأتي آمنا لا يمسه النار و إنما قال بِوَجْهِهِ لأن الوجه أعز أعضاء الإنسان و قيل معناه أم من يلقى منكوسا فأول عضو منه مسته النار وجهه و معنى يتقي يتوقى وَ قِيلَ لِلظَّالِمِينَ يقوله خزنة النار.و في قوله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ أي تناديهم الملائكة يوم القيامة لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ المقت أشد العداوة و البغض و المعنى أنهم لما رأوا أعمالهم و نظروا في كتابهم و أدخلوا النار مقتوا أنفسهم لسوء صنيعهم فنودوا لمقت الله إياكم في الدنيا ﴿إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون﴾ أكبر مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ اليوم و قيل إنهم لما تركوا الإيمان و صاروا إلى الكفر فقد مقتوا أنفسهم أعظم المقت ثم حكى سبحانه عن الكفار الذين تقدم وصفهم بعد حصولهم في النار بأنهم قالوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ اختلف في معناه على وجوه أحدها أن الإماتة الأولىفي الدنيا بعد الحياة و الثانية في القبر قبل البعث و الإحياء الأولى في القبر للمساءلة و الثانية في الحشر.و ثانيها أن الإماتة الأولى حالكونهم نطفا فأحياهم الله في الدنيا ثم أماتهم الموتة الثانية ثم أحياهم للبعث فهاتان حياتان و مماتان.و ثالثها أن الحياة الأولى في الدنيا و الثانية في القبر و لم يرد الحياة يوم القيامة و الموتة الأولى في الدنيا و الثانية في القبر فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا التي اقترفناها في الدنيا ﴿فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ هذا تلطف منهم في الاستدعاء أي هل بعد الاعتراف سبيل إلى الخروج و قيل إنهم سألوا الرجوع إلى الدنيا أي هل من خروج من النار إلى الدنيا لنعمل بطاعتك ذلِكُمْ أي ذلك العذاب الذي حل بكم ﴿بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أي إذا قيل لا إله إلا الله قلتم أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً و جحدتم ذلك وَ إِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا أي و إن يشرك به معبود آخر من الأصنام و الأوثان تصدقوا.و في قوله تعالى وَ إِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ أي و اذكر يا محمد لقومك الوقت الذي يتحاج فيه أهل النار في النار و يتخاصم الرؤساء و الأتباع فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ و هم الأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا و هم الرؤساء إِنَّا كُنَّا لَكُمْ معاشر الرؤساء تَبَعاً و كنا نمتثل أمركم و نجيبكم إلى ما تدعوننا إليه ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ﴾ لأنه يلزم الرئيس الدفع عن أتباعه المنقادين لأمره ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها﴾ أي نحن و أنتم في النار ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ﴾ بذلك بأن لا يتحمل أحد عن أحد و أنه يعاقب من أشرك به و عبد معه غيره لا محالة وَ قالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ من الأتباع و المتبوعين لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ و هم الذين يتولون عذاب أهل النار من الملائكة الموكلين بهم ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ﴾ يقولون ذلك لأنهم لا طاقة لهم على شدة العذاب و لشدة جزعهم لا أنهم يطمعون في التخفيف لأن معارفهم ضرورية يعلمون أن عقابهم لا ينقطع و لا يخفف عنهم قالُوا أي الخزنة أَ وَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ أي بالحجج و الدلالات على صحة التوحيد و النبوة أي فكفرتم و عاندتم حتى استحققتم هذا العذاب قالُوا بَلى جاءتنا الرسل و البينات فكذبناهم و جحدنا نبوتهم قالُوا فَادْعُوا أي قالت الخزنة فادعوا أنتم فإنا لا ندعو إلا بإذن الله و لم يؤذن لنا فيه و قيل إنما قالوا ذلك استخفافا بهم و قيل معناه فادعوا بالويل و الثبور وَ ما ﴿دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ أي في ضياع لأنه لا ينفع.و في قوله يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ أي يجرون في الماء الحار الذي قد انتهت حرارته ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ أي ثم يقذفون في النار و قيل أي ثم يصيرون وقود النار ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أي لهؤلاء الكفار إذا دخلوا النار على وجه التوبيخ ﴿أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من أصنامكم قالُوا ضَلُّوا عَنَّا أي ضاعوا و هلكوا فلا نراهم و لا نقدر عليهم ثم يستدركون فيقولون بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً أي شيئا يستحق العبادة و لا ما ننتفع بعبادته و قيل لم نكن ندعو شيئا ينفع و يضر و يسمع و يبصر و هذا كما يقال لكل ما لا يغني شيئا هذا ليس بشيء و قيل معناه ضاعت عبادتنا لهم فلم نكن نصنع شيئا إذ عبدناها كما يقول المتحسر ما فعلت ﴿شيئا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ﴾ أي كما أضل أعمال هؤلاء و أبطل ما كانوا يأملونه كذلك يفعل بجميع من يتدين بالكفر فلا ينتفعون بشيء من أعمالهم و قيل يضل الله أعمالهم أي يبطلها و قيل يضلهم عن طريق الجنة و الثواب كما أضلهم عما اتخذوه إلها بأن صرفهم عن الطمع في نيل منفعة من جهتها ذلِكُمْ العذاب الذي نزل بكم ﴿بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وَ بِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ أي تأشرون و تبطرون.و في قوله تعالى أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ أي نجازيهم بأقبح الجزاء على أقبح معاصيهم و هو الكفر و الشرك و خص الأسوأ بالذكر للمبالغة في الزجر و قيل معناه لنجزينهم بأسوإ أعمالهم و هي المعاصي دون غيرها مما لا يستحق به العذاب وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ يعنون إبليس الأبالسة و قابيل بن آدم أول من أبدع الكفر و الضلال و المعصية روي ذلك عن علي (عليه السلام) و قيل كل من دعا إلى الضلال و الكفر من الجن و الإنس و المراد باللذين جنس الجن و الإنس ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ تمنوا لشدة عداوتهم لهم بما أضلوهم أن يجعلوهم تحت أقدامهم ﴿فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ و قيل أي ندوسهما و نطؤهما بأقدامنا إذلالا لهما ليكونا من الأذلين قال ابن عباس ليكونا أشد عذابا منا.و في قوله تعالى لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ العذاب أي لا يخفف عنهم وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ آيسون من كل خير وَ نادَوْا يا مالِكُ أي يدعون خازن جهنم فيقولون ﴿يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾ أي ليمتنا ربك حتى نتخلص و نستريح من هذا العذاب قالَ أي فيقول مالك مجيبا لهم إِنَّكُمْ ماكِثُونَ أي لابثون
[بحار الأنوار (ج1-16)] · موسوعة الغيبة والظهور