⟨و روي عن أبي صالح و بكر بن عبد الله و غيرهما أنه كما⟩
دائمون في العذاب قال ابن عباس و السدي إنما يجيبهم مالك بذلك بعد ألف سنة و قال ابن عمر بعد أربعين عاما لَقَدْ جِئْناكُمْ أي يقول الله تعالى لقد أرسلنا إليكم الرسل بِالْحَقِ أي جاءكم رسلنا بالحق و إضافة إلى نفسه لأنه كان بأمره و قيل هو قول مالك و إنما قال قد جئناكم لأنه من الملائكة و هم من جنس الرسل وَ لكِنَّ أَكْثَرَكُمْ معاشر الخلق لِلْحَقِّ كارِهُونَ لأنكم ألفتم الباطل فكرهتم مفارقته.و في قوله طَعامُ الْأَثِيمِ أي الآثم و هو أبو جهل و روي أن أبا جهل أتى بتمر و زبد فجمع بينهما و أكل و قال هذا هو الزقوم الذي يخوفنا محمد به نحن نتزقمه أي نملأ أفواهنا به فقال سبحانه كَالْمُهْلِ و هو المذاب من النحاس أو الرصاص أو الذهب أو الفضة و قيل هو دردي الزيت ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ أي إذا حصلت في أجواف أهل النار تغلي كغلي الماء الحار الشديد الحرارة قال أبو علي الفارسي لا يجوز أن يكون المعنى يغلي المهل في البطون لأن المهل إنما ذكر للتشبيه به في الذوب أ لا ترى أن المهل لا يغلي في البطون و إنما يغلي ما يشبه به خُذُوهُ أي يقال للزبانية خذوه بالإثم فَاعْتِلُوهُ أي زعزعوه و ادفعوه بعنف و قيل معناه جروا على وجهه إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ أي إلى وسط النار ثُمَصُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ قال مقاتل إن خازن النار يمر به على رأسه فيذهب رأسه عن دماغه ثم يصب فيه مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ و هو الماء الذي قد انتهى حره و يقول له ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ و ذلك أنه كان يقول أنا أعز أهل الوادي و أكرمهم فيقول له الملك ذق العذاب أيها المتعزز المتكرم في زعمك و فيما كنت تقوله و قيل إنه على معنى النقيض فكأنه قيل إنك أنت الذليل المهين إلا أنه قيل على هذا الوجه للاستخفاف به و قيل معناه إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ في قومك الْكَرِيمُ عليهم فما أغنى عنك ذلك ﴿إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ أي ثم يقال لهم إن هذا العذاب ما كنتم تشكون فيه في الدنيا.و في قوله تعالى مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ أي من وراء ما هم فيه من التعزز بالمال و الدنيا جهنم وَ لا ﴿يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً﴾ أي لا يغني عنهم ما حصلوه و جمعوه من المال و الولد شيئا من عذاب الله وَ لا ﴿مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ﴾ من الآلهة التي عبدوها لتكون شفعاءهم عند الله هذا هُدىً أي هذا القرآن الذي تلوناه و الحديث الذي ذكرناه دلالة موصلة إلى الفرق بين الحق و الباطل و الرجز العذاب.و في قوله وَ يَوْمَ ﴿يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ يعني يوم القيامة أي يدخلون النار كما يقال عرض فلان على السوط و قيل معناه عرض عليهم النار قبل أن يدخلوها ليروا أهوالها ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا﴾ أي فيقال لهم آثرتم طيباتكم و لذاتكم في الدنيا على طيبات الجنة وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِها أي انتفعتم بها منهمكين فيها و قيل هي الطيبات من الرزق يقول أنفقتموها في شهواتكم و في ملاذ الدنيا و لم تنفقوها في مرضاة الله فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ أي العذاب الذي فيه الذل و الخزي و الهوان ﴿بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي باستكباركم عن الانقياد للحق في الدنيا وَ بِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ أي و بخروجكم عن طاعة الله إلى معاصيه.و في قوله وَ يَوْمَ ﴿يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِ أي يقال لهم على وجه الاحتجاج عليهم أ ليس هذا الذي جوزيتم به حق لا ظلم فيه قالُوا أي فيقولون بَلى وَ رَبِّنا اعترفوا بذلك و حلفوا عليه بعد ما كانوا منكرين﴿قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي بكفركم في الدنيا و إنكاركم.و في قوله سبحانه وَ قالَ قَرِينُهُ يعني الملك الشهيد عليه عن الحسن و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليه السلام) و قيل قرينه الذي قيض له من الشيطان و قيل قرينه من الإنس هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ إن كان المراد به الملك فمعناه هذا حسابه حاضر لدي في هذا الكتاب أي يقول لربه كنت وكلتني به فما كتبت من عمله حاضر عندي و إن كان المراد به الشيطان أو القرين من الإنس فالمعنى هذا العذاب حاضر عندي معد لي بسبب سيئاتي ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ هذا خطاب لخازن النار و العرب تأمر الواحد و القوم بما تأمر به الاثنين أ لا ترى في الشعر أكثر شيء قيلا يا صاحبي و يا خليلي و قيل إنما ثني ليدل على التكثير كأنه قال ألق ألق فثني الضمير ليدل على تكرير الفعل و قيل خطاب للملكين الموكلين به و هما السائق و الشهيد.- وَ رَوَى أَبُو الْقَاسِمِ الْحَسْكَانِيُّ بِالْإِسْنَادِ عَنِ الْأَعْمَشِ أَنَّهُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِي وَ لِعَلِيٍّ أَلْقِيَا فِي النَّارِ مَنْ أَبْغَضَكُمَا وَ أَدْخِلَا الْجَنَّةَ مَنْ أَحَبَّكُمَا وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾و العنيد الذاهب عن الحق و سبيل الرشد مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ الذي أمر الله به من بذل المال في وجوهه مُعْتَدٍ ظالم متجاوز يتعدى حدود الله مُرِيبٍ أي شاك في الله و فيما جاء من عند الله و قيل متهم يفعل ما يرتاب بفعله و يظن به غير الجميل و قيل إنها نزلت في وليد بن المغيرة حين استشاره بنو أخيه في الإسلام فمنعهم فيكون المراد بالخير الإسلام ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ﴾ من الأصنام و الأوثان فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ هذا تأكيد للأول فكأنه قال افعلا ما أمرتكما به فإنه مستحق لذلك قالَ قَرِينُهُ أي شيطانه الذي أغواه عن ابن عباس و غيره و إنما سمي قرينه لأنه يقرن به في العذاب و قيل قرينه من الإنس و هم علماء السوء و المبتدعون رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ أي ما أضللته و ما أوقعته في الطغيان باستكراه وَ لكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ من الإيمان بَعِيدٍ أي و لكنه طغى باختياره السوء قالَ أي فيقول الله لهم لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَ أي لا يخاصم بعضكم بعضا عندي وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ في دار التكليف فلم تنزجروا و خالفتم أمري ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَ المعنى أن الذي قدمته لكم في دار الدنيا من أني أعاقب من جحدني و كذب رسلي و خالف أمري لا يبدل بغيره و لا يكون خلافه وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أي لست بظالم أحدا في عقابي لمن استحقه بل هو الظالم لنفسه بارتكابه المعاصي التي استحق بها ذلك ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ متعلق بقوله ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ أو بتقدير اذكر وَ تَقُولُ جهنم هَلْ مِنْ مَزِيدٍ قال أنس طلبت الزيادة و قال مجاهد المعنى معنى الكفاية أي لم يبق مزيد لامتلائها و يدل على هذا القول قوله لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ و قيل في وجه الأول إن هذا القول منها كان قبل دخول جميع أهل النار فيها و يجوز أن تكون تطلب الزيادة على أن يزاد في سعتهاكَمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَنَّهُ قِيلَ لَهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ أَ لَا تَنْزِلُ دَارَكَ فَقَالَ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ.لأنه باع دور بني هاشم لما خرجوا إلى المدينة فعلى هذا يكون المعنى و هل بقي زيادة.فأما الوجه في كلام جهنم فقيل فيه وجوه أحدها أنه خرج مخرج المثل أي إن جهنم من سعتها و عظمها بمنزلة الناطقة التي إذا قيل لها هل امتلأت تقول لم أمتل و بقي فيَّ سعة كثيرة.و ثانيها أن الله سبحانه يخلق لجهنم آلة الكلام فتتكلم و هذا غير منكر لأن من أنطق الأيدي و الجوارح و الجلود قادر على أن ينطق جهنم.و ثالثها أنه خطاب لخزنة جهنم على وجه التقرير لهم هل امتلأت جهنم فيقولون بلى لم يبق موضع لمزيد ليعلم الخلق صدق وعده عن الحسن قال معناه ما من مزيد أي لا مزيد.و في قوله تعالى يَوْمَ يُدَعُّونَ أي يدفعون إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا أي دفعا بعنف و جفوة قال مقاتل هو أن تغل أيديهم إلى أعناقهم و تجمع نواصيهم إلى أقدامهم ثم يدفعون إلى جهنم دفعا على وجوههم حتى إذا دنوا قال لهم خزنتها هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ في الدنيا ثم وبخهم لما عاينوا ما كانوا يكذبون به و هو قوله أَ فَسِحْرٌ هذا الذي ترون أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ و ذلك أنهم كانوا ينسبون محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى السحر و إلى أنه يغطي على الأبصار بالسحر فلما شاهدوا ما وعدوا به من العذاب وبخوا بهذا ثم يقال لهم اصْلَوْها قاسوا شدتها فَاصْبِرُوا على العذاب أَوْ لا تَصْبِرُوا عليه سَواءٌ عَلَيْكُمْ الصبر و الجزع ﴿إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا من المعاصي بكفركم و تكذيبكم الرسول.و في قوله تعالى إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ أي في ذهاب عن وجه النجاة و طريق الجنة و في نار مسعرة و قيل أي في هلاك و ذهاب عن الحق وَ سُعُرٍ أي عناء و عذاب يَوْمَ يُسْحَبُونَ أي يجرون فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ يعني أن هذا العذاب يكون لهم في يوم يجرهم الملائكة فيه على وجوههم في النار و يقال لهم ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ أي إصابتها إياهم بعذابها و حرها و هو كقولهم وجدت مس الحمى و سقر جهنم و قيل هو باب من أبوابها.و في قوله تعالى فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَ الْأَقْدامِ فتأخذهم الزبانية فتجمع بين نواصيهم و أقدامهم بالغل ثم يسبحون في النار و يقذفون فيها عن الحسن و قيل تأخذهم الزبانية بنواصيهم و بأقدامهم فيسوقونهم إلى النار هذِهِ جَهَنَّمُ أي و يقال لهم ﴿هذه جهنم الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ الكافرون في الدنيا قد أظهرها الله تعالى حتى زالت الشكوك فأدخلوها و يمكن أنه لما أخبر الله تعالى أنهم يؤخذون بالنواصي و الأقدام ثم قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي المشركون من قومك و سيردونها فليهن عليك أمرهم يَطُوفُونَ بَيْنَها وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ أي يطوفون مرة بين الجحيم و مرة بين الحميم و الجحيم النار و الحميم الشراب و قيل معناه أنهم يعذبون بالنار مرة و يجرعون من الحميم يصب عليهم ليس لهم من العذاب أبدا فرج عن ابن عباس و الآني الذي انتهت حرارته و قيل الآني الحاضر.و في قوله تعالى فِي سَمُومٍ وَ حَمِيمٍ أي في ريح حارة تدخل مسامهم و خروقهم و في ماء مغلي حار انتهت حرارته وَ ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ أي دخان أسود شديد السواد عن ابن عباس و غيره و قيل اليحموم جبل في جهنم يستغيث أهل النار إلى ظله ثم نعت ذلك الظل فقال لا بارِدٍ وَ لا كَرِيمٍ أي لا بارد المنزل و لا كريم المنظر و قيل لا بارد يستراح إليه لأنه دخان جهنم و لا كريم فيشتهى مثله و قيل و لا كريم أي لا منفعة فيه بوجه من الوجوه و العرب إذا أرادت نفي صفة الحمد عن الشيء نفت عنه الكرم و قال الفراء العرب تجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه وصفا تنوي به الذم تقول ما هو بسمين و لا كريم و ما هذه الدار بواسعة و لا كريمة.ثم ذكر سبحانه أعمالهم التي أوجبت لهم هذا فقال ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أي كانوا في الدنيا متنعمين عن ابن عباس وَ كانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ أي الذنب العظيم و الإصرار أن يقيم عليه فلا يقلع عنه و قيل الحنث العظيم الشرك و قيل كانوا يحلفون ﴿لا يبعث الله من يموت﴾ و أن الأصنام أنداد الله.قوله فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ أي كشرب الهيم و هي الإبل التي أصابها الهيام و هو شدة العطش فلا تزال تشرب الماء حتى تموت و قيل هي الأرض الرملة التي لا تروى بالماء هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ النزل الأمر الذي ينزل عليه صاحبه و المعنى هذا طعامهم و شرابهم يوم الجزاء في جهنم.و في قوله تعالى قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً أي قوا أنفسكم النار بالصبر على طاعة الله و عن معصيته و عن اتباع الشهوات و أهليكم بدعائهم إلى طاعة الله و تعليمهم الفرائض و نهيهم عن القبائح و حثهم على أفعال الخير عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ أي غلاظ القلوب لا يرحمون أهل النار أقوياء يعني الزبانية التسعة عشر و أعوانها ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ﴾ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ في هذا دلالة على أن الملائكة الموكلين بالنار معصومون عن القبائح لا يخالفون الله في أوامره و نواهيه ثم حكى سبحانه ما يقال للكفار يوم القيامة فقال ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ و ذلك أنهم إذا عذبوا يأخذون في الاعتذار فلا يلتفت إلى معاذيرهم و يقال لهم لا تعتذروا فهذا جزاء فعلكم.و في قوله وَ أَعْتَدْنا لَهُمْ أي للشياطين عَذابَ السَّعِيرِ عذاب النار المسعرة المشعلة ﴿إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً﴾ أي إذا طرح الكفار في النار سمعوا للنار صوتا فظيعا مثل صوت القدر عند غليانها و فورانها فيعظم بسماع ذلك عذابهم لما يرد على قلوبهم من هوله وَ هِيَ تَفُورُ أي تغلي بهم كغلي المرجل تَكادُ تَمَيَّزُ أي تتقطع و تتمزق مِنَ الْغَيْظِ أي شدة الغضب سمى سبحانه شدة التهاب النار غيظا على الكفار لأن المغتاظ هو المتقطع مما يجد من الألم الباعث على الإيقاع بغيره فحال جهنم كحال المتغيظ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها أي كلما طرح في النار فَوْجٌ من الكفار سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ أي يقول لهم الملائكة الموكلون بالنار على وجه التبكيت لهم في صيغة الاستفهام أ لم يجئكم مخوف من جهة الله سبحانه يخوفكم عذاب هذه النار ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ أي مخوف فَكَذَّبْنا وَ قُلْنا ﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي لم نقبل منه بل قلنا ما نزل الله شيئا مما تدعونا إليه و تحذرونا منه فتقول لهم الملائكة ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ أي لستم اليوم إلا في عذاب عظيم و قيل معناه قلنا للرسل ما أنتم إلا في ضلال أي ذهاب عن الصواب كبير في قولكم أنزل الله علينا كتابا وَ قالُوا ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ من النذر ما جاءونا به و دعونا إليه و عملنا بذلك ﴿ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ قال الزجاج لو كنا نسمع سمع من يعي و يفكر و نعقل عقل من يميز و ينظر ما كنا من أهل النار فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ في ذلك الوقت الذي لا ينفعهم فيه الإقرار و الاعتراف فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ هذا دعاء عليهم أي أسحقهم الله و أبعدهم من النجاة سحقا.و في قوله وَ أَمَّا الْقاسِطُونَ العادلون عن طريق الحق و الدين فَكانُوا في علم الله و حكمه لِجَهَنَّمَ حَطَباً يلقون فيها فتحرقهم كما تحرق النار الحطب أو يكون معناه فسيكونون لجهنم حطبا توقد بهم كما توقد النار بالحطب.و في قوله يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً أي يدخله عذابا شاقا شديدا متصعدا في العظم و إنما قال يسلكه لأنه تقدم ذكر الطريقة و قيل معناه عذابا ذا صعد أي ذا مشقة و في قوله تعالى إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا أي عندنا في الآخرة قيودا عظامالا تفك أبدا و قيل أغلالا وَ جَحِيماً و هو اسم من أسماء جهنم و قيل يعني و نارا عظيمة و لا تسمى القليلة به وَ طَعاماً ذا غُصَّةٍ أي ذا شوك يأخذ الحلق فلا يدخل و لا يخرج عن ابن عباس و قيل طعاما يأخذ بالحلقوم لخشونته و شدة تكرهه و قيل يعني الزقوم و الضريع- وَ رُوِيَ عَنْ حُمْرَانَ بْنَ أَعْيَنَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) سَمِعَ قَارِئاً يَقْرَأُ هَذَا فَصَعِقَ.وَ عَذاباً أَلِيماً أي عقابا موجعا مؤلما.و في قوله سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً أي سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة فيه و قيل صعود جبل في جهنم من نار يؤخذ بارتقائه فإذا وضع يده عليه ذابت فإذا رفعها عادت و كذلك رجله في خبر مرفوع و قيل هو جبل من صخرة ملساء في النار يكلف أن يصعدها حتى إذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها ثم يكلف أيضا أن يصعدها فذلك دأبه أبدا يجذب من أمامه بسلاسل الحديد و يضرب من خلفه بمقامع الحديد فيصعدها في أربعين سنة عن الكلبي.و في قوله سَأُصْلِيهِ سَقَرَ أي سأدخله جهنم و ألزمه إياها و قيل سقر دركة من دركات جهنم و قيل باب من أبوابها وَ ما أَدْراكَ أيها السامع ما سَقَرُ في شدتها و هولها و ضيقها لا تُبْقِي وَ لا تَذَرُ أي لا تبقي لهم لحما إلا أكلته و لا تذرهم إذا أعيدوا خلقا جديدا و قيل لا تُبْقِي شيئا إلا أحرقته وَ لا تَذَرُ أي لا إبقاء عليهم بل يبلغ مجهودهم في أنواع العذاب لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ أي مغيرة للجلود و قيل لافحة للجلود حتى تدعها أشد سوادا من الليل عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ من الملائكة هم خزنتها مالك و معه ثمانية عشر أعينهم كالبرق الخاطف و أنيابهم كالصياصي يخرج لهب النار من أفواههم ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة تسع كف أحدهم مثل ربيعة و مضر نزعت منهم الرحمة يرفع أحدهم سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم و قيل معناه على
[بحار الأنوار (ج1-16)] · موسوعة الغيبة والظهور