⟨عَبْدُ الْمُطَّلِبِ تَكُونِينَ عِنْدِي فَآمُرُ لَكِ بِإِفْرَاغِ قَصْرٍ بِجَنْبِ قَصْرِي وَ أُعْطِيكِ كُلَّ شَهْرٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِيضٍ وَ دَسْتَ ثِيَابٍ رُومِيَّةٍ وَ كُلَّ يَوْمٍ عَشَرَةَ أَمْنَانِ خُبْزٍ حُوَّارَى وَ لَحْماً مَشْوِيّاً قَالَ فَلَمَّا سَمِعَ أَبُوهَا عَبْدُ اللَّهِ ذَلِكَ أَوْحَى لَهَا أَنْ لَا تُقِيمِي عِنْدَهُ⟩
قَالَتْ يَا أَبَا الْحَارِثِ لَوْ جَعَلْتَ لِي مَالَ الدُّنْيَا مَا أَقَمْتُ عِنْدَكَ وَ لَا تَرَكْتُ الزَّوْجَ وَ الْأَوْلَادَ قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَإِنْ كَانَ هَكَذَا فَأَدْفَعُ إِلَيْكَ مُحَمَّداً عَلَى شَرْطَيْنِ قَالَتْ وَ مَا الشرطين [الشَّرْطَانِ قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَنْ تُحْسِنِي إِلَيْهِ وَ تُنَوِّمِيهِ إِلَى جَنْبِكَ وَ تُدَثِّرِيهِبِيَمِينِكِ وَ تُوَسِّدِيهِ بِيَسَارِكِ وَ لَا تَنْبِذِيهِ وَرَاءَ ظَهْرِكِ قَالَتْ حَلِيمَةُ وَ حَقِّ رَبِّ السَّمَاءِ إِنِّي مُنْذُ وَقَعَ عَلَيْهِ نَظَرِي قَدْ ثَبَتَ حُبُّهُ فِي فُؤَادِي فَلَكَ السَّمْعُ وَ الطَّاعَةُ يَا أَبَا الْحَارِثِ ثُمَّ قَالَ وَ أَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ تَحْمِلِيهِ إِلَيَّ فِي كُلِّ جُمْعَةٍ حَتَّى أَتَمَتَّعَ بِرُؤْيَتِهِ فَإِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى مُفَارَقَتِهِ قَالَتْ أَفْعَلُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَنْ تَغْسِلَ رَأْسَ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَغَسَلَتْ رَأْسَهُ وَ لَفَّفَتْهُ فِي خِرَقِ السُّنْدُسِ ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ دَفَعَهُ إِلَيْهَا وَ أَخَذَ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ وَ قَالَ لَهَا يَا حَلِيمَةُ نَمْضِي إِلَى بَيْتِ اللَّهِ حَتَّى أُسَلِّمَهُ إِلَيْكِ فِيهِ فَحَمَلَهُ عَلَى سَاعِدِهِ وَ دَخَلَ وَ طَافَ بِالنَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) سَبْعاً وَ هُوَ عَلَى سَاعِدِهِ مُلَفَّفاً بِخِرَقِ السُّنْدُسِ ثُمَّ إِنَّهُ دَفَعَهُ إِلَيْهَا وَ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ بِيضٍ وَ أَرْبَعِينَ ثَوْباً مِنْ خَوَاصِّ كِسْوَتِهِ وَ وَهَبَ لَهَا أَرْبَعَ جَوَارٍ رُومِيَّةٍ وَ حُلَلَ سُنْدُسٍ ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ أَتَى بِالنَّاقَةِ فَرَكِبَتْهَا حَلِيمَةُ وَ أَخَذَتْ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فِي حَجْرِهَا وَ شَيَّعَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى خَارِجِ مَكَّةَ ثُمَّ أَخَذَتْ حَلِيمَةُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) إِلَى جَنْبِهَا مِنْ دَاخِلِ خِمَارِهَا فَلَمَّا بَلَغَتْ حَلِيمَةُ حَيَّ بَنِي سَعْدٍ كَشَفَتْ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَأَبْرَقَ مِنْ وَجَنَاتِهِ نُورٌ فَارْتَفَعَ فِي الْهَوَاءِ طُولًا وَ عَرْضاً إِلَى أَعْنَانِ السَّمَاءِ قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَلَمَّا رَأَى الْخَلْقُ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ فِي حَيِّ بَنِي سَعْدٍ صَغِيرٌ وَ لَا كَبِيرٌ وَ لَا شَيْخٌ وَ لَا شَابٌّ إِلَّا اسْتَقْبَلُوا حَلِيمَةَ وَ هَنَّئُوهَا بِمَا رَزَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْكَرَامَةِ الْكُبْرَى فَذَهَبَتْ حَلِيمَةُ إِلَى بَابِ خَيْمَتِهَا وَ بَرَكَتِ النَّاقَةُ وَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فِي حَجْرِهَا فَمَا وَضَعَتْهُ عِنْدَ الصَّغِيرِ إِلَّا حَمَلَهُ الْكَبِيرُ وَ مَا وَضَعَتْهُ عِنْدَ الْكَبِيرِ إِلَّا وَ أَخَذَهُ الصَّغِيرُ وَ ذَلِكَ كُلُّهُ لِمَحَبَّةِ النَّبِيِّ ص.قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَبَقِيَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عِنْدَ حَلِيمَةَ تُرْضِعُهُ وَ كَانَتْ تَقُولُ يَا وَلَدِي وَ رَبِّ السَّمَاءِ إِنَّكَ لَعِنْدِي أَعَزُّ مِنْ وَلَدَيَّ ضَمْرَةَ وَ قُرَّةَ [قُرَّةُ عَيْنِي أَ تَرَى أَعِيشُ حَتَّى أَرَاكَ كَبِيراً كَمَا رَأَيْتُكَ صَغِيراً وَ كَانَتْ تُؤْثِرُ مُحَمَّداً عَلَى أَوْلَادِهَا جِدّاً وَ لَا تُفَارِقُهُ سَاعَةً. قَالَ الْوَاقِدِيُّ قَالَتْ حَلِيمَةُ وَ اللَّهِ مَا غَسَلْتُ لِمُحَمَّدٍ ثَوْباً مِنْ بَوْلٍ وَ لَا غَائِطٍ بَلْ كَانَ إِذَا جَاءَ وَقْتُ حَاجَتِهِ يَنْقَلِبُ مِنْ جَنْبٍ إِلَى جَنْبٍ حَتَّى تَعْلَمَ حَلِيمَةُ بِذَلِكَ وَ تَأْخُذُهُ وَ تَخْدُمُهُ حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَهُ وَ لَا شَمِمْتُ وَ رَبِّ السَّمَاءِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَائِحَةَ النَّتْنِ قَطُّ بَلْ كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ شَيْءٌ يَفُوحُ مِنْهُ رَائِحَةُ الْمِسْكِ وَ الْكَافُورِ قَالَتْ حَلِيمَةُ فَلَمَّا أَتَى عَلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) تِسْعَةُ أَشْهُرٍ مَا رَأَيْتُ مَا يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ لِأَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ تَبْتَلِعُ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ فَلِهَذَا لَمْ أَرَهُ.قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَ لَمَّا كَمَلَتْ لَهُ عَشَرَةُ أَشْهُرٍ قَامَتْ حَلِيمَةُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَ قَعَدَتْ عَلَى بَابِ الْخَيْمَةِ مُنْتَظِرَةً لِانْتِبَاهِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لِتُزَيِّنَهُ وَ تَحْمِلَهُ إِلَى عِنْدِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ فَلَمْ يَنْتَبِهِ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ أَبْطَأَ الْخُرُوجُ مِنَ الْخَيْمَةِ إِلَى حَلِيمَةَ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَّا بَعْدَ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ مَغْسُولَ الرَّأْسِ مُسَرَّحَ الذَّوَائِبِ وَ قَدْ زُوِّقَ جَبِينُهُ وَ ذَقَنُهُ وَ عَلَيْهِ أَلْوَانُ الثِّيَابِ مِنَ السُّنْدُسِ وَ الْإِسْتَبْرَقِ فَتَعَجَّبَتْ حَلِيمَةُ مِنْ زِينَةِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ مِنْ لِبَاسِهِ مِمَّا رَأَتْ عَلَيْهِ فَقَالَتْ يَا وَلَدِي مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذِهِ الثِّيَابُ الْفَاخِرَةُ وَ الزِّينَةُ الْكَامِلَةُ فَقَالَ لَهَا مُحَمَّدٌ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَمَّا الثِّيَابُ فَمِنَ الْجَنَّةِ وَ أَمَّا الزِّينَةِ فَمِنَ الْمَلَائِكَةِ قَالَ فَتَعَجَّبَتْ حَلِيمَةُ مِنْ ذَلِكَ عَجَباً شَدِيداً ثُمَّ حَمَلَتْهُ إِلَى جَدِّهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَامَ إِلَيْهِ وَ اعْتَنَقَهُ وَ أَخَذَهُ إِلَى حَجْرِهِ فَقَالَ لَهُ يَا وَلَدِي مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذِهِ الثِّيَابُ الْفَاخِرَةُ وَ الزِّينَةُ الْكَامِلَةُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يَا جَدِّ اسْتَخْبِرْ ذَلِكَ مِنْ حَلِيمَةَ فَكَلَّمَتْهُ حَلِيمَةُ وَ قَالَتْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَالِنَا فَأَمَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَلِيمَةَ أَنْ تَكْتُمَ ذَلِكَ وَ أَمَرَ لَهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ بِيضٍ وَ عَشَرَةِ دُسُوتِ ثِيَابٍ وَ جَارِيَةٍ رُومِيَّةٍ فَخَرَجَتْ حَلِيمَةُ مِنْ عِنْدِهِ فَرِحَةً مَسْرُورَةً إِلَى حَيِّهَا.قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَلَمَّا أَتَى عَلَى النَّبِيِّ خَمْسَةَ عَشَرَ شَهْراً كَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ النَّاظِرُ يَتَوَهَّمُ أَنَّهُ مِنْ أَبْنَاءِ خَمْسِ سِنِينَ لِإِتْمَامِ وَقَارَةِ جِسْمِهِ وَ مَلَاحَةِ بَدَنِهِ.قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَلَمَّا حَمَلَتْ حَلِيمَةُ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إِلَى حَيِّهَا حِينَ أَخَذَتْهُ مِنْ عِنْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَ كَانَ لَهَا اثْنَانِ وَ عِشْرُونَ رَأْساً مِنَ الْمَوَاشِي فَوَضَعَتْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ كُلُّ شَاةٍ تَوْأَماً بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا وَ لَهَا أَلْفٌ وَ ثَلَاثُونَ رَأْساً مِنَ الشَّاغِيَةِ وَ الرَّاغِيَةِ.قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) إِخْوَةٌ مِنَ الرَّضَاعَةِ يَخْرُجُونَ بِالنَّهَارِ إِلَى الرِّعَايَةِ وَ يَعُودُونَ بِاللَّيْلِ إِلَى مَنَازِلِهِمْ فَرَجَعُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ مَغْمُومِينَ فَلَمَّا دَخَلُوا الدَّارَ قَالَتْ لَهُمْ حَلِيمَةُ مَا لِي أَرَاكُمْ مَغْمُومِينَ قَالُوا يَا أُمَّنَا إِنَّ فِي هَذَا الْيَوْمِ جَاءَ ذِئْبٌ وَ أَخَذَ شَاتَيْنِ مِنْ شِيَاهِنَا وَ ذَهَبَ بِهِمَا فَقَالَتْ حَلِيمَةُ الْخَلَفُ وَ الْخَيْرُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَسَمِعَ النَّبِيُّ قَوْلَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ لَا عَلَيْكُمْ فَإِنِّي أَسْتَرْجِعُ الشَّاتَيْنِ مِنَ الذِّئْبِ بِمَشِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ ضَمْرَةُ وَا عَجَبَا مِنْكَ يَا أَخِي قَدْ أَخَذَهُمَا بِالْأَمْسِ فَكَيْفَ تَسْتَرْجِعُهُمَا بِالْيَوْمِ فَقَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إِنَّهُ صَغِيرٌ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَامَ ضَمْرَةُ وَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى كَتِفِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مُرَّ بِي إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَ الذِّئْبُ فِيهِ الشَّاتَيْنِ قَالَ فَذَهَبَ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) إِلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَعِنْدَ ذَلِكَ نَزَلَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عَنْ كَتِفِ أَخِيهِ ضَمْرَةَ وَ سَجَدَ سَجْدَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَ قَالَ إِلَهِي وَ سَيِّدِي وَ مَوْلَايَ تَعْلَمُ حَقَّ حَلِيمَةَ عَلَيَّ وَ قَدْ تَعَدَّى ذِئْبٌ عَلَى مَوَاشِيهَا فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُلْزِمَ الذِّئْبَ بِرَدِّ الْمَوَاشِي إِلَيَّ قَالَ فَمَا اسْتَتَمَّ دُعَاءَهُ حَتَّى أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الذِّئْبِ أَنْ يَرُدَّ الْمَوَاشِيَ إِلَى صَاحِبِهَا.قَالَ الْوَاقِدِيُّ إِنَّ الذِّئْبَ لَمَّا ذَهَبَ بِالشَّاتَيْنِ حِينَ أَخَذَهُمَا نَادَى مُنَادٍ يَا أَيُّهَا الذِّئْبُ احْذَرِ اللَّهَ وَ بَأْسَهُ وَ عُقُوبَتَهُ وَ احْفَظِ الشَّاتَيْنِ اللَّتَيْنِ أَخَذْتَهُمَا حَتَّى تَرُدَّهُمَا عَلَى خَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَ الْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَلَمَّا سَمِعَ الذِّئْبُ النِّدَاءَ تَحَيَّرَ وَ دَهِشَ وَ وَكَّلَ بِهِمَا رَاعِياً يَرْعَاهُمَا إِلَى الصَّبَاحِ فَلَمَّا حَضَرَ النَّبِيُّ (عليه السلام) وَ دَعَا بِدُعَائِهِ قَامَ الذِّئْبُ وَ رَدَّهُمَا وَ قَبَّلَ قَدَمَ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ قَالَ يَا مُحَمَّدُ اعْذِرْنِي فَإِنِّي لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُمَا لَكَ فَأَخَذَ ضَمْرَةُ الشَّاتَيْنِ وَ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُمَا شَيْءٌ فَقَالَ ضَمْرَةُ يَا مُحَمَّدُ مَا أَعْجَبَ شَأْنَكَ وَ أَنْفَذَ أَمْرَكَ فَبَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ فَأَمَرَهُمْ بِكِتْمَانِهِ فَكَتَمُوهُ مَخَافَةَ أَنْ يَحْسُدَهُ قُرَيْشٌ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَبَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) سَنَتَيْنِ وَ نَظَرَ إِلَى حَلِيمَةَ وَ قَالَ لَهَا مَا لِي لَا أَرَى إِخْوَتِي بِالنَّهَارِ وَ أَرَاهُمْ بِاللَّيْلِ فَقَالَتْ لَهُ يَا سَيِّدِي سَأَلْتَنِي عَنْ إِخْوَتِكَ وَ هُمْ يَخْرُجُونَ فِي النَّهَارِ إِلَى الرِّعَاءِ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يَا أُمَّاهْ أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ مَعَهُمْ إِلَى الرِّعَاءِ وَ أَنْظُرَ إِلَى الْبَرِّ وَ السَّهْلِ وَ الْجَبَلِ وَ أَنْظُرَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ تَشْرَبُ اللَّبَنَ مِنْ أُمَّهَاتِهَا وَ أَنْظُرَ إِلَى الْقَطَائِعِ وَ إِلَى عَجَائِبِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَرْضِهِ وَ أَعْتَبِرَ مِنْ ذَلِكِ وَ أَعْرِفَ الْمَنْفَعَةَ مِنَ الْمَضَرَّةِ فَقَالَتْ لَهُ حَلِيمَةُ أَ فَتُحِبُّ يَا وَلَدِي ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ فَلَمَّا أَصْبَحُوا الْيَوْمَ الثَّانِيَ قَامَتْ حَلِيمَةُ فَغَسَلَتْ رَأْسَ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ سَرَّحَتْ شَعْرَهُ وَ دَهَنَتْهُ وَ مَشَطَتْهُ وَ أَلْبَسَتْهُ ثِيَاباً فَاخِرَةً وَ جَعَلَتْ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلَيْنِ مِنْ حِذَاءِ مَكَّةَ وَ عَمَدَتْ إِلَى سَلَّةٍ وَ جَعَلَتْ فِيهَا أَطْعِمَةً جَيِّدَةً وَ بَعَثَتْهُ مَعَ أَوْلَادِهَا وَ قَالَتْ لَهُمْ يَا أَوْلَادِي أُوصِيكُمْ بِسَيِّدِي مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَنْ تَحْفَظُوهُ وَ إِذَا جَاعَ فَأَطْعِمُوهُ وَ إِذَا عَطِشَ فَاسْقُوهُ فَإِذَا عَيَ فَأَقْعِدُوهُ حَتَّى يَسْتَرِيحَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ عَلَى يَمِينِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ وَ عَنْ يَسَارِهِ ضَمْرَةُ وَ قُرَّةُ قُدَّامَهُ وَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بَيْنَهُمْ كَالْبَدْرِ بَيْنَ النُّجُومِ فَمَا بَقِيَ حَجَرٌ وَ لَا مَدَرٌ إِلَّا وَ هُمْ يُنَادُونَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَحْمَدُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا حَامِدُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَحْمُودُ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا صَاحِبَ الْقَوْلِ الْعَدْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ طُوبَى لِمَنْ آمَنَ بِكَ وَ الْوَيْلُ لِمَنْ كَفَرَ بِكَ وَ رَدَّ عَلَيْكَ حَرْفاً تَأْتِي بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ وَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يَرُدُّ (عليهم السلام) وَ قَدْ تَحَيَّرَ الَّذِينَ مَعَهُ مِمَّا يَرَوْنَ مِنَ الْعَجَائِبِ ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَصَابَهُ حَرُّ الشَّمْسِ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى إِسْتِحْيَائِيلَ أَنْ مُدَّ فَوْقَ رَأْسِ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) سَحَابَةً بَيْضَاءَ فَمَدَّهَا فَأَرْسَلَتْ عَزَالِيَهَا كَأَفْوَاهِ الْقِرَبِ وَ رَشَّ الْقَطْرُ عَلَى السَّهْلِ وَ الْجَبَلِ وَ لَمْ تَقْطُرْ عَلَى رَأْسِيا أمنا إن محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لاعزنا و هو أخونا، و نفذت معهم عبد اللّه بن الحارث، و يسارة و زوجها ابن بكير بن سعد، فخرج النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، إه قلت: قوله:ابن بكير تصحيف من الناسخ، و الصحيح: بكر بن سعد كما تقدم، و تقدم في الحديث الثاني أن زوجها الحارث بن عبد العزى. قال الجزريّ: العزالى جمع العزلاء و هو فم المزادة الاسفل، فشبه اتساع المطر و اندفاقه بالذى يخرج من فم المزادة و منه الحديث: فأرسلت السماء عزّ إليها. قلت: المزادة: الراوية. مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَطْرَةٌ وَ سَالَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَطَرِ الْأَوْدِيَةُ وَ صَارَ الْوَحَلُ فِي الْأَرْضِ مَا خَلَا طَرِيقَ مُحَمَّدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ كَانَ يَنْزِلُ مِنْ تِلْكَ السَّحَابَةِ رِيشُ الزَّعْفَرَانِ وَ سَنَابِلُ الْمِسْكِ وَ كَانَ فِي تِلْكَ الْبَرِّيَّةِ نَخْلَةٌ يَابِسَةٌ عَادِيَةٌ قَدْ يَبِسَتْ أَغْصَانُهَا وَ تَنَاثَرَتْ أَوْرَاقُهَا مُنْذُ سَنَتَيْنِ فَاسْتَنَدَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إِلَيْهَا فَأَوْرَقَتْ وَ أَرْطَبَتْ وَ أَثْمَرَتْ وَ أَرْسَلَتْ ثِمَارَهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَجْنَاسٍ أَخْضَرَ وَ أَحْمَرَ وَ أَصْفَرَ وَ قَعَدَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) هُنَالِكَ يُكَلِّمُ إِخْوَتَهُ وَ رَأَى النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) رَوْضَةً خَضْرَاءَ فَقَالَ يَا إِخْوَتِي أُرِيدُ أَنْ أَمُرَّ بِهَذِهِ الرَّوْضَةِ وَ كَانَ وَرَاءَ الرَّوْضَةِ تَلٌّ كَئُودٌ وَ عَلَيْهِ أَنْوَاعُ النَّبَاتَاتِ فَقَالَ يَا إِخْوَتِي مَا ذَلِكَ التَّلُّ فَقَالُوا لَهُ يَا مُحَمَّدُ وَرَاءَ ذَلِكَ التَّلِّ الْبَرَارِي وَ الْمَفَاوِزُ فَقَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إِنِّي قَدِ اشْتَهَيْتُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَيْهِ فَقَالَ الْقَوْمُ نَحْنُ نَمْضِي مَعَكَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بَلِ اشْتَغِلُوا أَنْتُمْ بِأَعْمَالِكُمْ وَ أَنَا أَمْضِي وَحْدِي وَ أَرْجِعُ إِلَيْكُمْ سَرِيعاً إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالُوا جَمِيعاً مُرَّ يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّ قُلُوبَنَا مُتَفَكِّرَةٌ بِسَبَبِكَ.قَالَ الْوَاقِدِيُّ ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مَرَّ فِي تِلْكَ الرَّوْضَةِ وَحْدَهُ وَ نَظَرَ إِلَى تِلْكَ الْبَرَارِي وَ الْمَفَاوِزِ وَ هُوَ يَعْتَبِرُ وَ يَتَعَجَّبُ مِنَ الرَّوْضَةِ حَتَّى بَلَغَ التَّلَّ وَ نَظَرَ إِلَى جَبَلٍ شَاهِقٍ فِي الْهَوَاءِ كَالْحَائِطِ وَ لَا يَتَهَيَّأُ لَهُ صُعُودُهُ لِاعْتِدَالِهِ وَ ارْتِفَاعِهِ فِي الْهَوَاءِ فَقَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فِي نَفْسِهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَصْعَدَ هَذَا التَّلَّ فَأَنْظُرَ إِلَى مَا وَرَاءَهُ مِنَ الْعَجَائِبِ قَالَ الْوَاقِدِيُّ فَأَرَادَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَنْ يَصْعَدَ الْجَبَلَ فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ ذَلِكَ لِاسْتِوَائِهِ فِي الْهَوَاءِ فَصَاحَ إِسْتِحْيَائِيلُ فِي الْجَبَلِ صَيْحَةً أَرْعَشَتْهُ فَاهْتَزَّ اهْتِزَازاً وَ قَالَ لَهُ أَيُّهَا الْجَبَلُ وَيْحَكَ أَطِعْ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) خَيْرَ الْمُرْسَلِينَ فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَصْعَدَ عَلَيْكَ فَفَرِحَ الْجَبَلُ وَ تَرَاكَمَ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ كَمَا يَتَرَاكَمُ الْجِلْدُ فِي النَّارِ فَصَعِدَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَعْلَاهُ وَ كَانَتْ تَحْتَهَذَا الْجَبَلِ حَيَّاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ أَلْوَانٍ شَتَّى وَ عَقَارِبُ كَالْبِغَالِ فَلَمَّا هَمَّ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بِالنُّزُولِ إِلَى تَحْتِ الْجَبَلِ صَاحَ الْمَلَكُ إِسْتِحْيَائِيلُ صَيْحَةً عَظِيمَةً وَ قَالَ أَيَّتُهَا الْحَيَّاتُ وَ الْعَقَارِبُ
[بحار الأنوار (ج1-16)] · موسوعة الغيبة والظهور