الأقسامالنبوّة والإمامة والولاية وعلوم الأئمة ومعاجزهمالأنبياء السابقون
بحار الأنوار · رقم ٣٨

قَالُوا خَلَّفْنَاهُ عِنْدَ أَخِيهِ صَالِحاً قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ يَعْقُوبُ عِنْدَ ذَلِكَ وَ سَجَدَ لِرَبِّهِ سَجْدَةَ الشُّكْرِ وَ رَجَعَ إِلَيْهِ بَصَرُهُ وَ تَقَوَّمَ لَهُ ظَهْرُهُ وَ

قَالَ لِوُلْدِهِ تَحَمَّلُوا إِلَى يُوسُفَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا بِأَجْمَعِكُمْ فَسَارُوا إِلَى يُوسُفَ وَ مَعَهُمْ يَعْقُوبُ وَ خَالَةُ يُوسُفَ يَامِيلُ فَأَحَثُّوا السَّيْرَ فَرَحاً وَ سُرُوراً فَسَارُوا تِسْعَةَ أَيَّامٍ إِلَى مِصْرَ.141 شي، تفسير العياشي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيفَقَالَ أَخَّرَهُمْ إِلَى السَّحَرِ قَالَ يَا رَبِّ إِنَّمَا ذَنْبُهُمْ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَهُمْ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ.142 شي، تفسير العياشي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيقَالَ أَخَّرَهُمْ إِلَى السَّحَرِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ.143 شي، تفسير العياشي عَنْ أَبِي بَصِيرٍ فِي تَتِمَّةِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: فَصَارُوا تِسْعَةَ أَيَّامٍ إِلَى مِصْرَ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ فِي دَارِ الْمَلِكِ اعْتَنَقَ أَبَاهُ فَقَبَّلَهُ وَ بَكَى وَ رَفَعَهُ وَ رَفَعَ خَالَتَهُ عَلَى سَرِيرِ الْمُلْكِ ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَادَّهَنَ وَ اكْتَحَلَ وَ لَبِسَ ثِيَابَ الْعِزِّ وَ الْمُلْكِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ فَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا جَمِيعاً لَهُ إِعْظَاماً لَهُ وَ شُكْراً لِلَّهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ قَالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُإِلَى قَوْلِهِ بَيْنِي وَ بَيْنَ إِخْوَتِيقَالَ وَ لَمْ يَكُنْ يُوسُفُ فِي تِلْكَ الْعِشْرِينَ السَّنَةَ يَدَّهِنُ وَ لَا يَكْتَحِلُ وَ لَا يَتَطَيَّبُ وَ لَا يَضْحَكُ وَ لَا يَمَسُّ النِّسَاءَ- حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ يَعْقُوبَ (عليه السلام) شَمْلَهُ وَ جَمَعَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ يَعْقُوبَ وَ إِخْوَتِهِ.بيان: قال الرازي اختلفوا في مقدار المدة بين هذا الوقت و بين وقت الرؤيا فقيل ثمانون سنة و قيل سبعون و قيل أربعون سنة و هو قول الأكثرين و لذلك يقولون إن تأويل الرؤيا ربما صحت بعد أربعين سنة و قيل ثماني عشرة سنة و عن الحسن أنه ألقي في الجب ابن سبع عشرة سنة و بقي في العبودية و السجن و الملك ثمانين سنة ثموصل إلى أبيه و أقاربه و عاش بعد ذلك ثلاثا و عشرين سنة فكان عمره مائة و عشرين سنة و الله أعلم بالحقائق.144 شي، تفسير العياشي عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَسْبَاطٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ (عليه السلام) فِي كَمْ دَخَلَ يَعْقُوبُ مِنْ وُلْدِهِ عَلَى يُوسُفَ قَالَ فِي أَحَدَ عَشَرَ ابْناً لَهُ فَقِيلَ لَهُ أَسْبَاطٌ قَالَ نَعَمْ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ يُوسُفَ وَ أَخِيهِ أَ كَانَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ أَمْ ابْنَ خَالَتِهِ فَقَالَ ابْنَ خَالَتِهِ.بيان: هذا الخبر يدل على أن بنيامين لم يكن من أم يوسف بل من خالته و إنما دعاه أخا من أمه مجازا كما تجوز في قوله وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ و هو قول جماعة من المفسرين و المؤرخين.145 شي، تفسير العياشي عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِ اللَّهِ وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِقَالَ الْعَرْشُ السَّرِيرُ وَ فِي قَوْلِهِ وَ خَرُّوا لَهُ سُجَّداًقَالَ كَانَ سُجُودُهُمْ ذَلِكَ عِبَادَةً لِلَّهِ.146 شي، تفسير العياشي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِهْرُوزَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ يَعْقُوبَ قَالَ لِيُوسُفَ حَيْثُ الْتَقَيَا أَخْبِرْنِي يَا بُنَيَّ كَيْفَ صُنِعَ بِكَ فَقَالَ لَهُ يُوسُفُ انْطَلِقْ بِي فَأُقْعِدْتُ عَلَى رَأْسِ الْجُبِّ فَقِيلَ لِيَ انْزِعِ الْقَمِيصَ فَقُلْتُ لَهُمْ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِوَجْهِ أَبِيَ الصِّدِّيقِ يَعْقُوبَ أَنْ لَا تُبْدُوا عَوْرَتِي وَ لَا تَسْلُبُونِي قَمِيصِي قَالَ فَأَخْرَجَ عَلَيَّ فُلَانٌ السِّكِّينَ فَغُشِيَ عَلَى يَعْقُوبَ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ لَهُ يَعْقُوبُ حَدِّثْنِي كَيْفَ صُنِعَ بِكَ فَقَالَ لَهُ يُوسُفُ إِنِّي أُطَالَبُ يَا أَبَتَاهْ لَمَّا كَفَفْتَ فَكَفَ.147 شي، تفسير العياشي عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ إِلَى يُوسُفَ وَ هُوَ فِي السِّجْنِ- يَا ابْنَ يَعْقُوبَ مَا أَسْكَنَكَ مَعَ الْخَطَّائِينَ قَالَ جُرْمِي قَالَ فَاعْتَرَفَ بِجُرْمِهِ فَأُخْرِجَ- فَاعْتَرَفَ بِمَجْلِسِهِ مِنْهَا مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالَ لَهُ ادْعُ بِهَذَا الدُّعَاءِ يَا كَبِيرَ كُلِّ كَبِيرٍ يَا مَنْ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ لَا وَزِيرَ يَا خَالِقَ الشَّمْسِ وَ الْقَمَرِ الْمُنِيرِيَا عِصْمَةَ الْمُضْطَرِّ الضَّرِيرِ يَا قَاصِمَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ يَا مُغْنِيَ الْبَائِسِ الْفَقِيرِ يَا جَابِرَ الْعَظْمِ الْكَسِيرِ يَا مُطْلِقَ الْمُكَبَّلِ الْأَسِيرِ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ أَنْ تَجْعَلَ لِي مِنْ أَمْرِي فَرَجاً وَ مَخْرَجاً وَ تَرْزُقَنِي مِنْ حَيْثُ أَحْتَسِبُ وَ مِنْ حَيْثُ لَا أَحْتَسِبُ قَالَ فَلَمَّا أَصْبَحَ دَعَاهُ الْمَلِكُ فَخَلَّى سَبِيلَهُ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ وَ قَدْ ﴿‏أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ‏﴾.148 شي، تفسير العياشي عَنْ عَبَّاسِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) جَالِسٌ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ إِذْ قَالَ أَحَبَّ يُوسُفُ أَنْ يَسْتَوْثِقَ لِنَفْسِهِ قَالَ فَقِيلَ بِمَا ذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لَمَّا عَزَلَ لَهُ عَزِيزُ مِصْرَ عَنْ مِصْرَ لَبِسَ ثَوْبَيْنِ جَدِيدَيْنِ أَوْ قَالَ لَطِيفَيْنِ وَ خَرَجَ إِلَى فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَصَلَّى رَكَعَاتٍ فَلَمَّا فَرَغَ رَفَعَ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ ﴿‏رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ‏﴾ وَ عَلَّمْتَنِي ﴿‏مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ‏﴾ وَ الْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِقَالَ فَهَبَطَ إِلَيْهِ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ لَهُ يَا يُوسُفُ مَا حَاجَتُكَ فَقَالَ رَبِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَفَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) خَشِيَ الْفِتَنَ.أقول: ذكر السيد في سعد السعود نقلا عن ترجمة التوراة أن إخوة يوسف باعوه بعشرين مثقالا من فضة و أن عمره كان عشرين سنة و أن عمر يعقوب كان مائة و سبعا و أربعين سنة و أن يوسف بكى على أبيه سبعة أيام و ناح المقربون عليه سبعين يوما و أن عمر يوسف كان مائة و عشرين سنة ثم قال و ذكر محمد بن خالد البرقي في كتاب المبتدإ أن عمره يوم باعوه كان ثلاث عشرة سنة. لما جمع اللّه سبحانه ليوسف شمله و أقر له عينه و أتم له رؤياه و وسع عليه في ملك الدنيا و نعيمها علم أن ذلك لا يبقى له و لا يدوم، فطلب من اللّه عزّ و جلّ نعيما لا يفنى، و تاقت نفسه الى الجنة فتمنى الموت و دعى به، و لم يتمن ذلك قبله و لا بعده أحد، قيل: فتوفاه اللّه بمصر و هو نبى، فدفن في النيل في صندوق من رخام، و ذلك أنّه لما مات تشاح الناس عليه كل يحب أن يدفن في محلته لما كانوا يرجون من بركته، فرأوا أن يدفنوه في النيل فيمر الماء عليه، ثمّ يصل الى جميع مصر فيكون كلهم فيه شركاء و في بركته شرعا سواء فكان قبره في النيل الى أن حمله موسى (عليه السلام) حين خرج من مصر منه (رحمه الله). مخطوط. م. سعد السعود: 43، و فيه: و ذكر الزمخشريّ في الكشّاف في رواية ان عمر يوسف لما باعوه كان سبعة عشر سنة. أقول وجدت في كتاب الفهرست لأبي غالب الزراري ما هذا لفظه أبو حمزة البطائني اسمه سالم روي عنه أن صاع يوسف كان يصوت بصوت حسن واحد و اثنان.تذنيب في حل ما يورد من الإشكال على ما مر من الآيات و الأخبار و فيه فصول.الأول فيما يتعلق بأحوال يعقوب و لنذكر هنا بعض ما أورده السيد (قدس الله روحه) في كتاب تنزيه الأنبياء.قال فإن قيل فما معنى تفضيل يعقوب ليوسف (عليه السلام) على إخوته في البر و التقريب و المحبة حتى أوقع ذلك التحاسد بينهم و بينه و أفضى إلى الحال المكروهة التي نطق بها القرآن حتى قالوا على ما حكاه الله تعالى عنهم لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَ نَحْنُ ﴿‏عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏﴾ فنسبوه إلى الضلال و الخطاء و ليس لكم أن تقولوا إن يعقوب (عليه السلام) لم يعلم بذلك من حالهم قبل أن يكون منه التفضيل ليوسف (عليه السلام) لأن ذلك لا بد من أن يكون معلوما من حيث كان في طباع البشر التنافس و التحاسد.الجواب قيل له ليس فيما نطق به القرآن ما يدل على أن يعقوب فضله بشيء من فعله لأن المحبة التي هي ميل الطباع ليست مما يكتسبه الإنسان و يختاره و إنما ذلك موقوف على فعل الله تعالى فيه و لهذا يكون للرجل عدة أولاد فيحب أحدهم دون غيره و ربما كان المحبوب أدونهم في الجمال و الكمال و قد قال الله تعالى وَ لَنْ ﴿‏تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ‏﴾ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ و إنما أراد ما بيناه من ميل النفس الذي لا يمكن الإنسان أن يعدل فيه بين نسائه لأن ما عدا ذلك من البر و العطاء و التقريب و ما أشبهه يستطيع الإنسان أن يعدل فيه بين النساء.فإن قيل فكأنكم نفيتم عن يعقوب (عليه السلام) القبيح و الاستفساد و أضفتموها إلى الله فما الجواب عن المسألة على هذا الوجه قلنا عنها جوابان أحدهما أنه لا يمتنع أن يكون الله تعالى علم أن إخوة يوسف سيكون بينهم ذلك التحاسد و الفعل القبيح على كل حال و إن لم يفضل يوسف في محبة أبيه له و الجواب الآخر أن يكون ذلك جاريا مجرى التمكين و التكليف الشاق لأن هؤلاء الإخوة متى امتنعوا من حسد أخيهم و البغي عليه و الإضرار به و هو غير مفضل عليهم و لا مقدم لا يستحقون من الثواب ما يستحقونه إذا امتنعوا من ذلك مع التقديم و التفضيل فأراد الله تعالى منهم أن يمتنعوا على هذا الوجه الشاق و إذا كان مكلفا على هذا الوجه فلا استفساد في تمييله طباع أبيهم إلى محبة يوسف (عليه السلام) لأن بذلك ينتظم هذا التكليف و يجري هذا الباب مجرى خلق إبليس مع علمه تعالى بضلال من ضل عند خلقه ممن لو لم يخلقه لم يكن ضالا و مجرى زيادة الشهوة فيمن يعلم تعالى أنه عند هذه الزيادة يفعل قبيحا لولاها لم يفعله.و وجه آخر في الجواب عن أصل المسألة و هو أنه يجوز أن يكون يعقوب (عليه السلام) كان مفضلا ليوسف (عليه السلام) في العطاء و التقريب و الترحيب و البر الذي وصل إليه من جهته و ليس ذلك بقبيح لأنه لا يمتنع أن يكون يعقوب (عليه السلام) لم يعلم أن ذلك يؤدي إلى ما أدى إليه و يجوز أن يكون رأى من سيرة إخوته و سدادهم و جميل ظاهرهم ما غلب على ظنه أنهم لا يحسدونه و إن فضله عليهم فإن الحسد و إن كان كثيرا ما يكون في الطباع فإن كثيرا من الناس يتنزهون عنه و يتجنبونه و يظهر من أحوالهم أمارات يظن معها بهم ما ذكرناه و ليس التفضيل لبعض الأولاد على بعض في العطاء محاباة لأن المحاباة هي مفاعلة من الحباء و معناها أن تحبو غيرك ليحبوك و هذا خارج عن معنى التفضيل بالبر الذي لا يقصد به إلى ما ذكرناه فأما قولهم ﴿‏إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ‏﴾ فلم يريدوا به الضلال عن الدين و إنما أرادوا الذهاب عن التسوية بينهم في العطية لأنهم رأوا أن ذلك أصوب في تدبيرهم و أصل الضلال هو العدول و كل من عدل عن شيء و ذهب عنه فقد ضل و يجوز أيضا أن يريدوا بذلك الضلال عن الدين لأنهم خبروا عن اعتقادهم و قد يجوز أن يعتقدوا في الصواب الخطاء فإن قيل كيف يجوز أن يقع من إخوة يوسف هذا الخطاء العظيم و الفعل القبيحو قد كانوا أنبياء فإن قلتم لم يكونوا أنبياء في الحال قيل لكم و أي منفعة في ذلك لكم و أنتم تذهبون إلى أن الأنبياء لا يواقعون القبائح قبل النبوة و لا بعدها قلنا لم يقم الحجة بأن إخوة يوسف الذين فعلوا به ما فعلوه كانوا أنبياء في حال من الأحوال و إذا لم يقم بذلك الحجة جاز على هؤلاء الإخوة من فعل القبيح ما يجوز على كل مكلف لم تقم حجة بعصمته و ليس لأحد أن يقول كيف تدفعون نبوتهم و الظاهر أن الأسباط من بني يعقوب كانوا أنبياء لأنه لا يمتنع أن يكون الأسباط الذين كانوا أنبياء غير هؤلاء الإخوة الذين فعلوا بيوسف ما قصه الله تعالى عنهم و ليس في ظاهر الكتاب أن جميع إخوة يوسف و سائر أسباط يعقوب كادوا يوسف (عليه السلام) بما حكاه الله تعالى من الكيد و قد قيل إن هؤلاء الإخوة في تلك الحال لم يكونوا بلغوا الحلم و لا توجه إليهم التكليف و قد يقع ممن قارب البلوغ من الغلمان مثل هذه الأفعال و قد يلزمهم بعض العتاب و اللوم فإن ثبت هذا الوجه سقطت المسألة أيضا مع تسليم أن هؤلاء الإخوة كانوا أنبياء في المستقبل انتهى كلامه (رحمه الله). أقول الأظهر في الجواب هو ما أومئ إليه من أن التفضيل بين الأولاد في العطاء و المحبة و الإكرام إذا كان لأمر ديني و لفضيلة واقعية لم يدل دليل على كونه مرجوحا بل دلت الأخبار المعتبرة على رجحانه كما سيأتي في بابه فعلى هذا لا حرج في تفضيل يعقوب يوسف مع علمه بأنه سيكون من الأنبياء و الصديقين عليهم و لا يوجب العلم بحسد الإخوة ترك أمر راجح ديني يقتضيه العقل و الشرع و أما خطاء الإخوة فقد عرفت بما مر من الأخبار أنهم لم يكونوا من الأنبياء و ذهب كثير من العامة أيضا إلى ذلك فلا يستبعد منهم صدور الذنب و لكن دلت الآية ظاهرا و الأخبار صريحا على أنهم فارقوا الدنيا تائبين مغفورين كما عرفت.«وَ الْأَسْباطِ» فالمراد يوسف و داود و سليمان (عليهم السلام)؛ و قوله تعالى: ❮‏وَ أَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ‏❯ فالمراد يوسف (عليه السلام) فتأمل. ثم قال (قدس الله روحه) مسألة فإن قال فلم أرسل يعقوب (عليه السلام) يوسف مع إخوته مع خوفه عليه منهم و قوله أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَ أَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ و هل هذا إلا تغرير به و مخاطرة.الجواب قيل له ليس يمتنع أن يكون يعقوب لما رأى من بنيه ما رأى من الأيمان و العهود و الاجتهاد في الحفظ و الرعاية لأخيهم ظن مع ذلك السلامة و غلب النجاة بعد أن كان خائفا مغلبا لغير السلامة و قوي في نفسه أن يرسله معهم إشفاقه من إيقاع الوحشة و العداوة بينهم لأنه إذا لم يرسله مع الطلب منهم و الحرص علموا أن سبب ذلك هو التهمة لهم و الخوف من ناحيتهم و استوحشوا منه و من يوسف (عليه السلام) و انضاف هذا الداعي إلى ما ظنه من السلامة و النجاة فأرسله. مسألة فإن قال فما معنى قولهم ليعقوب ع وَ ما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَ لَوْ كُنَّا صادِقِينَ و كيف يجوز أن ينسبوه إلى أنه لا يصدق الصادق و يكذبه.الجواب إنهم لما علموا على مرور الأيام شدة تهمة أبيهم لهم و خوفه على أخيهم منهم لما كان يظهر منهم من أمارات الحسد و النفاسة أيقنوا بأنه يكذبهم فيما أخبروا به من أكل الذئب أخاهم فقالوا له إنك لا تصدقنا في هذا الخبر لما سبق إلى قلبك من تهمتنا و إن كنا صادقين و قد يفعل مثل ذلك المخادع المماكر إذا أراد أن يوقع في قلب من يخبره بالشيء ليصدقه فيقول له أنا أعلم أنك لا تصدقني في كذا و كذا و إن كنت صادقا و هذا بين.مسألة فإن قال فلم أسرف يعقوب (عليه السلام) في الحزن و التهالك و ترك التماسك حتى ابيضت عيناه من البكاء و من شأن الأنبياء التجلد و التصبر و تحمل الأثقال و لهذه الحالة ما عظمت منازلهم و ارتفعت درجاتهم. الجواب قيل له إن يعقوب (عليه السلام) بلي و امتحن في ابنه بما لم يمتحن به أحدقبله لأن الله تعالى رزقه من يوسف أحسن الناس و أجملهم و أكملهم علما و فضلا و أدبا و عفافا ثم أصيب به أعجب مصيبة و أطرفها لأنه لم يمرض بين يديه مرضا يئول إلى الموت فيسليه عنه تمريضه له ثم يئس منه بالموت بل فقده فقدا لا يقطع معه على الهلاك فييأس و لا يجد أمارة على حياته و سلامته فيرجو و يطمع فكان متردد الفكر بين يأس و طمع و هذا أغلظ ما يكون على الإنسان و أنكى لقلبه و قد يرد على الإنسان من الحزن ما لا يملك رده و لا يقوى على دفعه و لهذا لم يكن أحد منهيا عن مجرد الحزن و البكاء و إنما نهي عن اللطم و النوح و أن يطلق لسانه بما سخط ربهوَ قَدْ بَكَى نَبِيُّنَا (صلى الله عليه وآله وسلم) عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ وَفَاتِهِ وَ قَالَ الْعَيْنُ تَدْمَعُ وَ الْقَلْبُ يَخْشَعُ وَ لَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ.و هو عليه الصلاة و السلام القدوة في جميع الآداب و الفضائل على أن يعقوب (عليه السلام) إنما أبدى من حزنه يسيرا من كثير و كان ما يخبه و يتصبر عليه و يغالبه أكثر و أوسع مما أظهره و بعد فإن التجلد على المصائب و كظم الحزن من المندوب إليه و ليس بواجب لازم و قد يعدل الأنبياء (عليهم السلام) عن كثير من المندوبات انتهى كلامه رفع الله مقامه. أقول قد حققنا في بعض كتبنا أن محبة المقربين لأولادهم و أقربائهم و أحبائهم ليست من جهة الدواعي النفسانية و الشهوات البشرية بل تجردوا عن جميع ذلك و أخلصوا حبهم و ودهم و إرادتهم لله فهم ما

[بحار الأنوار (ج1-16)] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.