⟨قَالُوا خَلَّفْنَاهُ عِنْدَ أَخِيهِ صَالِحاً قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ يَعْقُوبُ عِنْدَ ذَلِكَ وَ سَجَدَ لِرَبِّهِ سَجْدَةَ الشُّكْرِ وَ رَجَعَ إِلَيْهِ بَصَرُهُ وَ تَقَوَّمَ لَهُ ظَهْرُهُ وَ⟩
يحبون سوى الله تعالى و حبهم لغيره تعالى إنما يرجع إلى حبهم له و لذا لم يحب يعقوب (عليه السلام) من سائر أولاده مثل ما أحب يوسف (عليه السلام) و هم لجهلهم بسبب حبه له نسبوه إلى الضلال و قالوا نحن عصبة و نحن أحق بأن نكون محبوبين له لأنا أقوياء على تمشية ما يريده من أمور الدنيا ففرط حبه ليوسف إنما كان لحب الله تعالى له و اصطفائه إياه و محبوب المحبوب محبوب فإفراطه في حب يوسف لا ينافي خلوص حبه لربه و لا يخل بعلو قدره و منزلته عند سيده و سيأتي الكلامفي ذلك على وجه أبسط في محله و فيما أوردته كفاية لأولي الألباب.ثم قال (رحمه الله) مسألة فإن قال كيف لم يتسل يعقوب (عليه السلام) و يخفف عنه الحزن ما تحققه من رؤيا ابنه يوسف و رؤيا الأنبياء لا تكون إلا صادقة.الجواب قيل له عن ذلك جوابان أحدهما أن يوسف (عليه السلام) رأى تلك الرؤيا و هو صبي غير نبي و لا موحى إليه فلا وجه في تلك الحال للقطع على صدقها و صحتها و الآخر أن أكثر ما في هذا الباب أن يكون يعقوب (عليه السلام) قاطعا على بقاء ابنه و أن الأمر سيئول فيه إلى ما تضمنته الرؤيا و هذا لا يوجب نفي الحزن و الجزع لأنا نعلم أن طول المفارقة و استمرار الغيبة تقتضيان الحزن مع القطع على أن المفارق باق يجوز أن يئول حاله إلى القدوم و قد جزع الأنبياء (عليهم السلام) و من جرى مجراهم من المؤمنين المطهرين من مفارقة أولادهم و أحبائهم مع ثقتهم بالالتقاء بهم في الآخرة و الحصول معهم في الجنة و الوجه في ذلك ما ذكرناه انتهى كلامه (رحمه الله). الفصل الثاني في تأويل قوله تعالى وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ و لنذكر هنا ما أورده الرازي في تفسيره في هذا المقام فإن اعتراف الخصم أجدى لإتمام المرام.قال اعلم أن هذه الآية من المهمات التي يجب الاعتناء بالبحث عنها و في هذه الآية مسائل.المسألة الأولى في أنه (عليه السلام) هل صدر عنه ذنب أم لا و في هذه المسألة قولان أحدهما أن يوسف (عليه السلام) هم بالفاحشة قال الواحدي في كتاب البسيط قال المفسرون الموثوق بعلمهم المرجوع إلى روايتهم هم يوسف أيضا بهذه المرأة همّا صحيحا و جلس منها مجلس الرجل من المرأة فلما رأى البرهان من ربه زالت كل شهوة عنه- قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: طَمِعَتْ فِيهِ وَ طَمِعَ فِيهَا وَ كَانَ طَمَعَهُفِيهَا أَنَّهُ هَمَّ أَنْ يَحِلَّ التِّكَّةَ.و عن ابن عباس قال حل الهميان و جلس منها مجلس الخائن و عنه أيضا أنها استلقت له و قعد هو بين رجليها ينزع ثيابه ثم إن الواحدي طول في كلمات عديمة الفائدة في هذا الباب و ما ذكر آية يحتج بها أو حديثا صحيحا يعول عليه في تصحيح هذه المقالة و لما أمعن في الكلمات العارية عن الفائدة روي أن يوسف لما قال ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ قال له جبرئيل و لا حين هممت يا يوسف فقال يوسف عند ذلك وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي ثم قال و الذين أثبتوا هذا العمل ليوسف كانوا أعرف بحقوق الأنبياء و ارتفاع منازلهم عند الله من الذين نفوا لهم عنه فهذا خلاصة كلامه في هذا الباب.و القول الثاني أن يوسف (عليه السلام) كان بريئا من العمل الباطل و الهم المحرم و هذا قول المحققين من المفسرين و المتكلمين و به نقول و عنه نذب.و اعلم أن الدلائل الدالة على وجوب عصمة الأنبياء (عليهم السلام) كثيرة استقصيناها في سورة البقرة في قصة آدم (عليه السلام) فلا نعيدها إلا أنا نزيد هاهنا وجوها.فالحجة الأولى أن الزنا من منكرات الكبائر و الخيانة من معرض الأمانة من منكرات الذنوب و أيضا مقابلة الإحسان العظيم الدائم بالإساءة الموجبة للفضيحة الباقية و العار الشديد من منكرات الذنوب و أيضا الصبي إذا تربى في حجر إنسان و بقي مكفي المئونة مصون العرض من أول صباه إلى زمان شبابه و كمال قوته فإقدام هذا الصبي علىإيصال أقبح أنواع الإساءة إلى ذلك المنعم من منكرات الأعمال إذا ثبت هذا فنقول إن هذه التي نسبوها إلى يوسف كانت موصوفة بجميع هذه الجهات الأربعة و مثل هذه المعصية لو نسبت إلى أفسق خلق الله و أبعدهم عن كل خير لاستنكف منه فكيف يجوز إسناده إلى الرسول المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة.الثاني أنه تعالى قال في عين هذه الواقعة كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ و ذلك يدل على أن ماهية السوء و ماهية الفحشاء مصروفة عنه و لا شك أن المعصية التي نسبوها إليه أعظم أنواع السوء و أفحش أقسام الفحشاء فكيف يليق برب العالمين أن يشهد في عين هذه الواقعة بكونه بريئا من السوء و الفحشاء مع أنه كان قد أتى بأعظم أنواع السوء و الفحشاء و أيضا فالآية تدل على قولنا من وجه آخر و ذلك لأنا نقول هب أن هذه الآية لا تدل على نفي هذه المعصية عنه إلا أنه لا شك أنها تفيد المدح العظيم و الثناء البالغ و لا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي عن إنسان إقدامه على معصية عظيمة ثم إنه يمدحه و يثني عليه بأعظم المدائح و الأثنية عقيب أن يحكي عنه ذلك الذنب العظيم فإن مثاله ما إذا حكى السلطان عن بعض عبيده أقبح الذنوب و أفحش الأعمال ثم يذكره بالمدح العظيم و الثناء البالغ عقيبه فإن ذلك يستنكر جدا فكذا هاهنا.الثالث أن الأنبياء متى صدرت عنهم زلة أو هفوة استعظموا ذلك و أتبعوها بإظهار الندامة و التوبة و التواضع و لو كان يوسف أقدم هاهنا على هذه الكبيرة المنكرة لكان من المحال أن لا يتبعها بالتوبة و الاستغفار و لو أتى بالتوبة لحكى الله عنه إتيانه بها كما في سائر المواضع و حيث لم يوجد شيء من ذلك علمنا أنه ما صدر عنه في هذه الواقعة ذنب و لا معصية.الرابع أن كل من كان له تعلق بتلك الواقعة فقد شهد ببراءة يوسف (عليه السلام) عن المعصية.و اعلم أن الذين لهم تعلق بهذه الواقعة يوسف و تلك المرأة و زوجها و النسوة و الشهود و رب العالمين شهد ببراءته عن الذنب و إبليس أيضا أقر ببراءته عن المعصيةو إذا كان الأمر كذلك فحينئذ لم يبق للمسلم توقف في هذا الباب أما بيان أن يوسف (عليه السلام) ادعى البراءة عن الذنب فهو قوله ع هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي و قوله ع ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ و أما بيان أن المرأة اعترفت بذلك فلأنها قالت للنسوة وَ لَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ و أيضا قالت ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ و أما بيان أن زوج المرأة أقر بذلك فهو قوله ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ وَ اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ و أما النسوة فلقولهن ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ و قولهن ﴿حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ و أما الشهود فقوله تعالى وَ شَهِدَ ﴿شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ إلى آخر الآية و أما شهادة الله بذلك فقوله كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ فقد شهد الله تعالى في هذه الآية على طهارته أربع مرات أولها قوله لنصرف عنه السوء و اللام للتأكيد و المبالغة و الثاني قوله وَ الْفَحْشاءَ أي كذلك لنصرف عنه الفحشاء و الثالث قوله إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا مع أنه تعالى قال وَ عِبادُ ﴿الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾ وَ إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً الرابع قوله الْمُخْلَصِينَ و فيه قراءتان تارة باسم الفاعل و تارة باسم المفعول فوروده باسم الفاعل دل على كونه آتيا بالطاعات و القربات مع صفة الإخلاص و وروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه و اصطفاه لحضرته و على كلا الوجهين فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزها مما أضافوه إليه و أما بيان أن إبليس أقر بطهارته فلأنه ﴿قال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ﴾«وَ لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ». الْمُخْلَصِينَ فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين و يوسف من المخلصين لقوله تعالى إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ و كان هذا إقرارا من إبليس بأنه ما أغواه و ما أضله عن طريق الهدى و عند هذا نقول هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف (عليه السلام) هذه الفضيحة إن كانوا من أتباع دين الله فليقبلوا شهادة الله على طهارته و إن كانوا من أتباع إبليس و جنوده فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته و لعلهم يقولون كنا في أول الأمر تلامذة إبليس إلا أنا تخرجنا و زدنا عليه في السفاهة كما قال الحروري.و كنت فتى من جند إبليس فارتقى.* * * بي الأمر حتى صار إبليس من جندي.فلو مات قبلي كنت أحسن بعده.* * * طرائق فسق ليس يحسنها بعدي.فثبت بهذه الدلائل أن يوسف (عليه السلام) بريء عما يقوله هؤلاء الجهال.و إذا عرفت هذا فنقول الكلام على ظاهر هذه الآية يقع في مقامين المقام الأول أن نقول لا نسلم أن يوسف (عليه السلام) هم بها و الدليل عليه أنه تعالى قال وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ و جواب لو لا هاهنا مقدم و هو كما يقال قد كنت من الهالكين لو لا أخلصك و طعن الزجاج في هذا الجواب من وجهين.الأول أن تقدم جواب لو لا شاذ و غير موجود في الكلام الفصيح الثاني أن لو لا يجاب باللام فلو كان الأمر على ما ذكرتم لقال و لقد همت به و لهم بها و ذكر غير الزجاج سؤالا ثالثا و هو أنه لو لم يوجد الهم لما بقي لقوله لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ فائدة.و اعلم أن ما ذكره الزجاج بعيد لأنا نسلم أن تأخير جواب لو لا حسن جائز إلا أن جوازه لا يمنع من جواز تقديم هذا الجواب و كيف و نقل عن سيبويه أنه قال إنهم يقدمون الأهم و الذي هم بشأنه أعنى فكان الأمر في جواز التقديم و التأخير مربوطا بشدة الاهتمام فأما تعيين بعض الألفاظ بالمنع فذلك ما لا يليق بالحكمة و أيضا ذكر جواب لو لا باللام جائز أما هذا لا يدل على أن ذكره بغير اللام لا يجوز لأنا نذكر آية أخرى تدل على فساد قول الزجاج في هذين السؤالين و هو قوله تعالى إِنْ كادَتْ لَتُبْدِيبِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها و أما السؤال الثالث و هو أنه لو لم يوجد الهم لم يبق لقوله لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ فائدة فنقول بل فيه أعظم الفوائد و هو بيان أن ترك الهم بها ما كان لعدم رغبته في النساء و عدم قدرته عليهن بل لأجل أن دلائل دين الله منعته عن ذلك العمل ثم نقول الذي يدل على أن جواب لو لا ما ذكرناه أن لو لا يستدعي جوابا و هذا المذكور يصلح جوابا له فوجب الحكم بكونه جوابا له.لا يقال إنا نضمر له جوابا و ترك الجواب كثير في القرآن فنقول لا نزاع أنه كثير في القرآن إلا أن الأصل أن لا يكون محذوفا و أيضا فالجواب إنما يحسن تركه و حذفه إذا حصل في الملفوظ ما يدل على تعينه فهاهنا بتقدير أن يكون الجواب محذوفا فليس في اللفظ ما يدل على تعيين ذلك الجواب فإن هاهنا أنواعا من الإضمارات يحسن إضمار كل واحد منها و ليس إضمار بعضها أولى من إضمار الباقي فظهر الفرق.المقام الثاني في الكلام على هذه الآية أن نقول سلمنا أن الهم قد حصل إلا أنا نقول إن قوله وَ هَمَّ بِها لا يمكن حمله على ظاهره لأن تعليق الهم بذات المرأة محال لأن الهم من جنس القصد و القصد لا يتعلق بالذوات الباقية فثبت أنه لا بد من إضمار فعل مخصوص يجعل متعلق ذلك الهم و ذلك الفعل غير مذكور فهم زعموا أن ذلك المضمر هو إيقاع الفاحشة و نحن نضمر شيئا آخر يغاير ما ذكروه و بيانه من وجوه.الأول المراد أنه (عليه السلام) هم بدفعها عن نفسه و منعها من ذلك القبيح لأن الهم هو القصد فوجب أن يحمل في حق كل واحد على القصد الذي يليق به فاللائق بالمرأة القصد إلى تحصيل اللذة و التنعم و التمتع و اللائق بالرسول المبعوث إلى الخلق القصد إلى زجر العاصي عن معصيته و إلى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر يقال هممت بفلان أي بضربه و دفعه.فإن قالوا فعلى هذا التقدير لا يبقى لقوله لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ فائدة قلنا بل فيه أعظم الفوائد و بيانه من وجهين الأول أنه تعالى أعلم يوسف (عليه السلام) أنه لو هم بدفعها لقتلته أو لكانت تأمر الحاضرين بقتله فأعلمه تعالى أن الامتناع من ضربها أولى صونا للنفس عن الهلاك و الثاني أنه (عليه السلام) لو اشتغل بدفعها عن نفسه فربما تعلقت به فكان يتمزق ثوبه من قدام و كان في علم الله تعالى أن الشاهد يشهد بأن ثوبه لو تمزق من قدام لكان يوسف هو الجاني و لو كان ثوبه متمزقا من خلف لكانت المرأة هي الجانية فالله تعالى أعلمه هذا المعنى فلا جرم لم يشتغل بدفعها عن نفسه بل ولى هاربا عنها حتى صارت شهادة الشاهد حجة له على براءته عن المعصية.الوجه الثاني في الجواب أن نفسر الهم بالشهوة و هذا مستعمل في اللغة الشائعة يقول القائل فيما لا يشتهيه ما يهمني هذا و فيما يشتهيه هذا أهم الأشياء إلي فسمى الله تعالى شهوة يوسف هما فمعنى الآية و لقد اشتهته و اشتهاها و لو لا أن رأى برهان ربه لدخل ذلك العمل في الوجود.الثالث أن نفسر الهم بحديث النفس و ذلك لأن المرأة الفائقة في الحسن و الجمال إذا تزينت و تهيأت للرجل الشاب القوي فلا بد و أن يقع هناك بين الشهوة و الحكمة و بين النفس و العقل مجاذبات و منازعات فتارة تقوى داعية الطبيعة و الشهوة و تارة تقوى داعية العقل و الحكمة فالهم عبارة عن جواذب الطبيعة و رؤية البرهان عبارة عن جواذب العبودية و مثاله أن الرجل الصالح الصائم في الصيف الصائف إذا رأى الجلاب المبرد بالثلج فإن طبيعته تحمله على شربه إلا أن دينه و هداه يمنعه منه فهذا لا يدل على حصول الذنب بل كلما كانت هذه الحالة أشد كانت القوة في القيام بلوازم العبودية أكمل فقد ظهر بحمد الله صحة القول الذي ذهبنا إليه و لم يبق في يد الواحدي إلا مجرد التصلف و تعديد أسماء المفسرين و لو كان قد ذكر في تقرير ذلك شبهة لأجبنا عنها إلا أنه ما زاد على الرواية عن بعض المفسرين.و اعلم أن- بعض الحشوية روى عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات.فقلت الأولى أن لا يقبل مثل هذه الأخبار فقال على طريق الاستنكارفإن لم نقبله لزمنا تكذيب الرواة فقلت له يا مسكين إن قبلناه لزمنا الحكم بتكذيب إبراهيم و إن رددناه لزمنا الحكم بتكذيب الرواة و لا شك أن صون إبراهيم (عليه السلام) عن الكذب أولى من صون طائفة من المجاهيل عن الكذب إذا عرفت هذا الأصل فنقول للواحدي و من الذي يضمن لنا أن الذين نقلوا هذا القول عن هؤلاء المفسرين كانوا صادقين أم كاذبين المسألة الثانية في أن المراد بذلك البرهان ما هو أما المحققون المثبتون للعصمة فقد فسروا رؤية البرهان بوجوه.الأول أنه حجة الله تعالى في تحريم الزنا و العلم بما على الزاني من العقاب.و الثاني أن الله تعال طهر نفوس الأنبياء عن الأخلاق الذميمة بل نقول إنه تعالى طهر نفوس المتصلين بهم عنها كما قال ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً فالمراد برؤية البرهان هو حصول تلك الأخلاق و تذكير الأحوال الرادعة لهم عن الإقدام على المنكرات.الثالث أنه رأى مكتوبا في سقف البيت وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً و مقتا وَ ساءَ سَبِيلًا الرابع أنه النبوة المانعة من ارتكاب الفواحش و الدليل عليه أن الأنبياء بعثوا لمنع الخلق عن القبائح و الفضائح فلو أنهم منعوا الناس عنها ثم أقدموا على أقبح أنواعها و أفحش أقسامها لدخلوا تحت قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ و أيضا إن الله تعالى عير اليهود بقوله أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ و ما يكون عيبا في حق اليهود كيف ينسب إلى الرسول المؤيد بالمعجزات.و أما الذين نسبوا المعصية إلى يوسف (عليه السلام) فقد ذكروا في تفسير ذلك البرهان أمورا.الأول قالوا إن المرأة قامت إلى صنم مكلل بالدر و الياقوت في زاوية البيت فسترته بثوب فقال يوسف و لم قالت أستحي من إلهي هذا أن يراني على المعصية فقال يوسف تستحي من صنم لا يعقل و لا يسمع و لا أستحي من إلهي القائم ﴿على كل نفس بما كسبت﴾ فو الله لا أفعل ذلك أبدا قالوا فهذا هو البرهان.الثاني نقلوا عن ابن عباس أنه مثل له يعقوب فرآه عاضا على أصابعه و يقول له أ تعمل عمل الفجار و أنت مكتوب في زمرة الأنبياء فاستحيا منه قالوا هو قول عكرمة و مجاهد و الحسن و سعيد بن جبير و قتادة و الضحاك و مقاتل و ابن سيرين قال سعيد بن جبير تمثل له يعقوب فضرب في صدره فخرجت شهوته من أنامله.الثالث قالوا إنه سمع في الهواء قائلا يقول يا ابن يعقوب لا تكن كالطير يكون له ريش فإذا زنى ذهب ريشه.و الرابع نقلوا عن ابن عباس أن يوسف لم يزدجر برؤية صورة يعقوب حتى ركضه جبرئيل (عليه السلام) فلم يبق فيه شيء من الشهوة إلا خرج.و لما نقل الواحدي هذه الروايات تصلف و قال هذا الذي ذكرناه قول أئمة التفسير الذين
[بحار الأنوار (ج1-16)] · موسوعة الغيبة والظهور