الأقسامالنبوّة والإمامة والولاية وعلوم الأئمة ومعاجزهمالأنبياء السابقون
بحار الأنوار · رقم ٤١

ثُمَّ إِنَّ ابْنَ أَخِي مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا يُوزَنُ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا رَجَحَ وَ لَا يُقَاسُ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا عَظُمَ عَنْهُ وَ إِنْ كَانَ فِي الْمَالِ قَلَّ فَإِنَّ الْمَالَ رِزْقٌ حَائِلٌ وَ ظِلٌّ زَائِلٌ وَ لَهُ فِي خَدِيجَةَ رَغْبَةٌ وَ لَهَا فِيهِ

مكة و غاب عن الأبصار فبعث الله ملكا يطوي له البعيد و يهون عليه الصعب الشديد فلما أشرف على الجبالأرسل الله عليه النوم فنام فأوحى الله تعالى إلى جبرئيل أن اهبط إلى جنات عدن و أخرج منها القبة التي خلقتها لصفوتي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل أن أخلق آدم (عليه السلام) بألفي عام و انشرها على رأسه و كانت من الياقوت الأحمر معلقة بعلائق من اللؤلؤ الأبيض يرى باطنها من ظاهرها و ظاهرها من باطنها لها أربعة أركان و أربعة أبواب ركن من الزبرجد و ركن من الياقوت و ركن من العقيان و ركن من اللؤلؤ و كذا الأبواب فنزل جبرئيل و استخرجها فتباشرت الحور العين و أشرفت من قصورها و قلن لك الحمد يا رحمان هذا الآن يبعث صاحب القبة و هبت ريح الرحمة و صفقت الأشجار و نشر جبرئيل (عليه السلام) القبة على رأس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و أحدقت الملائكة بأركانها ثم أعلنوا بالتقديس و التسبيح و نشر جبرئيل بين يديه ثلاثة أعلام و تطاولت الجبال و نادت الأشجار و الأطيار و الأملاك يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هنيئا لك من عبد ما أكرمك على الله تعالى قال و كانت خديجة متكئة على موضع عال و جواريها حولها و عندها جماعة من نساء قريش و هي تطيل النظر إلى شعاب مكة إذ كشف الله تعالى عن بصرها دون غيرها و قد نظرت نورا ساطعا و ضياء لامعا من جهة باب المعلى ثم إنها حققت النظر فرأت القبة و المحدقين بها ناشرين أعلامها و النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نائم بها فحارت في أمرها فجعلت تنظر إليه فقلن لها النسوة ما لنا نراك باهتة يا بنت العم فقالت يا بنات العرب أنا نائمة أم يقظانة فقلن نعيذك بالله بل أنت يقظانة قالت لهن انظروا إلى باب المعلى و انظروا إلى القبة قلن نعم رأينا قالت لهن و ماانظرن. هكذا في نسخة المصنّف و المصدر، و الصحيح كما استظهر المصنّف في الهامش:انظرن. الذي ترون غير ذلك قلن نرى نورا ساطعا و ضياء لامعا قد بلغ عنان السماء قالت و ما الذي ترون غير ذلك قلن لم نر شيئا قالت أ ما ترون القبة و الراكب و الأطيار الخضر المحدقين بالقبة فقلن لها لم نر شيئا قالت أرى راكبا أبهى من نور الشمس في قبة خضراء لم أر أحسن منها على ناقة واسعة الخطا و لا شك أن الناقة هي ناقتي الصهباء و الراكب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلن يا سيدتنا و من أين لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ما تقولين و ليس يقدر على هذا كسرى و لا قيصر فقالت لهن فضل محمد أعظم من ذلك ثم إن الناقة دخلت بين الشعاب ثم قصدت باب المعلى ثم إن الملائكة عرجت إلى السماء و عرج جبرئيل (عليه السلام) بالقبة و الأعلام و انتبه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من نومه و دخل مكة و قصد منزل خديجة فوجدها و هي تقول متى يصل محمد حتى أمتع بالنظر إليه و هي تقوم و تقعد و إذا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قرع الباب قالت الجارية من بالباب قال أنا محمد قد جئت أبشر خديجة بقدوم أموالها و سلامتها فلما سمعت خديجة كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انحدرت إلى وسط الدار و وقفت بالحجاب و فتحت الجارية الباب فقال السلام عليكم يا أهل البيت فقالت خديجة هنيئا لك السلامة يا قرة عيني قال و أنت يهنؤك سلامة أموالك قالت خديجة تهنئني سلامتك أنت يا قرة العين فو الله أنت عندي خير من جميع الأموال و الأهل ثم قالت شعراجاء الحبيب الذي أهواه من سفر.* * * و الشمس قد أثرت في وجهه أثرا.عجبت للشمس من تقبيل وجنته. * * * و الشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا.ثم قالت يا حبيبي أين خلفت الركب قال بالجحفة قالت و متى عهدك بهم قال ساعتي هذه فلما سمعت خديجة كلامه اقشعر جلدها و قالت سألتك بالله أنك فارقتهم بالجحفة قال نعم و لكن طوى الله لي البعيد قالت و الله ما كنت أحب أن تجيء هكذا وحيدا إنما كنت أحب أن تكون أول القوم و أنظر إليك و أنت مقدمالرجال و أرسل إليك جواري على رءوس الجبال بأيديهم المباخر و المعازف و آمر عبيدي بالذبائح و العقائر و يكون لك يوم مشهور قال يا خديجة إني أتيت و لم يعلم بي أحد من أهل مكة فإن أمرتيني بالرجوع رجعت من هذه الساعة و تفعلين مرادك فقالت له يا سيدي أمهل قليلا ثم عملت له زادا ساخنا فوضعته في مزادة و كانت العرب تعرفه بنقائه و طيب ريحه و ملأت له قربة من ماء زمزم و قالت له ارجع أودعتك من طوى لك البعيد من الأرض فرجع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم إن خديجة رجعت إلى موضعها لتنظر هل تعود القبة أم لا و إذا بالقبة قد عادت و جبرئيل قد نزل و الملائكة قد أحدقوا بها كالأول ففرحت خديجة بذلك و أنشأت تقولنعم لي منكم ملزم أي ملزم.* * * و وصل مدى الأيام لم يتصرم.و لو لم يكن قلب المتيم فيكم.* * * جريحا لما سالت دموعي بالدم.و لم يخل طرفي ساعة من خيالكم.* * * و من حبكم قلبي و من ذكركم فمي.و لو جبلا حملتموه بعادكم.* * * لمال و ما زال جسمي و أعظمي.أشد على كبدي يدي فيردها.* * * بما فيه من وجد من الشوق مضرم.طويت الهوى و الشوق ينشر طيه.* * * و كتمت أشجاني فلم تتكتم.فيا رب قد طالت بنا شقة النوى.* * * و أنت قدير تنظم الشمل فانظم.قال ثم إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سار قليلا و التحق بالقوم و بعضهم يقظان و بعضهم رقود فلما أحس به ميسرة قال من الطارق في هذا الليل العاكر قال من عكر الليل: اشتد سواده. أنا محمد بن عبد الله قال يا سيدي ما عهدتك أن تهزأ و عهدي بك أنك سائر فما الذي أرجعك يا سيدي فقال له يا ميسرة إني سافرت ثم عدت فضحك ميسرة و قال سافرت إلى ذيل هذا الجبل ثم عدت قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بل قصدت البيت الحرام فقال له ميسرة ما عهدت منك يا سيدي إلا الصدق فقال يا ميسرة ما قلت لك إلا الصدق فإن كان عندك شك فهذا خبز مولاتك خديجة و هذا ماء زمزم فلما نظر ميسرة إلى ذلك نهض قائما على قدميه و نادى يا معاشر قريش و يا بني النضر و يا بني زهرة و يا بني هاشم هل غاب محمد عنكم غير ساعتين أو أقل من ذلك فقالوا نعم قال قد سار إلى مكة و رجع و هذا خبز مولاتي خديجة و هذا ماء زمزم فتعجب القوم و دهشت عقولهم و صاح أبو جهل لعنه الله و قال لا يبعد هذا على الساحر فلما أصبح الصباح بلغ العرب و سبق الخبر بقدوم القافلة و خرج أهل مكة مبادرين و سبق عبيد خديجة و جواريها و تفرقوا في شعاب مكة و أوديتها بأيديهم المعازف و المباخر فكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يمر على عبد من عبيد خديجة إلا يعقر ناقة فرحا بقدومه ثم تفرق الناس إلى منازلهم و نظرت خديجة إلى جمالها و قد أقبلت كالعرائس و كانت معتادة أن يموت بعض جمالها و يجرب بعضها إلا تلك السفرة فإنها لم تنقص منها شعرة فوقف قريش متعجبين من تلك الجمال كلما مر بهم جمل بإزائه ناقة هيفاء فيقولون لمن هذا فيقال هذا ماأفاده محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لخديجة من الشام فذهلت عقول قريش لذلك فلما اجتمعت أموال خديجة فكوا رحالها و عرضواالجميع على خديجة و كانت جالسة خلف الحجاب و النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جالس وسط الدار و ميسرة يعرض عليها الأمتعة شيئا فشيئا فنظرت خديجة إلى شيء قد أدهشها فبعثت إلى أبيها تعرفه بذلك و ترغبه في محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم تك إلا ساعة واحدة و إذا بخويلد قد أقبل و دخل منزل ابنته خديجة و هو متزين بالثياب متقلد سيفا فلما نظرت إليه قامت و أجلسته إلى جنبها و ابتدأته بالترحيب و جعلت تعرض عليه البضائع و هي تقول يا أبت هذا كله ببركة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و الله يا أبتاه إنه مبارك الطلعة ميمون الغرة فما ربحت ربحا أغنم من هذه السفرة ثم التفتت إلى ميسرة و قالت حدثني كيف كان سفركم و ما الذي عاينتم من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قال يا سيدتي و هل أطيق أن أصف لك بعضا من صفاته و ما عاينت منه (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم أخبرها بحديث السيل و البئر و الثعبان و النخل و ما أخبره الراهب و ما أوصاه إلى خديجة فقالت حسبك يا ميسرة لقد زدتني شوقا إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) اذهب فأنت حر لوجه الله و زوجتك و أولادك و لك عندي مائتا درهم و راحلتان و خلعت عليه خلعة سنية و قد امتلأ سرورا و فرحا ثم إن خديجة التفتت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و قالت ادن مني فلا حجاب اليوم بيني و بينك ثم رفعت عنها الحجاب و أمرت أن ينصب له كرسي من العاج و الآبنوس و أجلسته عليه و قالت يا سيدي كيف كان سفركم فأخذ يحدثها بما باعه و ما شراه فرأت خديجة ربحا عظيما و قالت يا سيدي لقد فرحتني بطلعتك و أسعدتني برؤيتك فلا لقيت بؤسا و لا رأيت نحوسا ثم جعلت تقول شعرافلو أنني أمسيت في كل نعمة.* * * و دامت لي الدنيا و ملك الأكاسرة.فما سويت عندي جناح بعوضة.* * * إذا لم يكن عيني لعينك ناظرة.قال ثم إن خديجة قالت يا سيدي لك عندي حق البشارة زيادة على ما كان بيننا فهل لك الساعة من حاجة فتقضى قال (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى أستريح و أعود إليك ثم خرج ودخل منزل عمه أبي طالب و كان أبو طالب فرحا بما عاين من ابن أخيه فقبل ما بين عينيه و جاءت أعمامه حوله و قال أبو طالب يا ولدي ما الذي أعطتك خديجة قال وعدتني الزيادة على ما بيننا قال هذه نعمة جليلة و قد عزمت أن أترك لك بعيرين تسافر عليهما و راحلتين تصلح بهما شأنك و أما الذهب و الفضة أخطب لك بهما فتاة من نسوان قريش من قومك ثم لا أبالي بالموت حيث أتى و كيف نزل فقال يا عماه افعل ما بدا لك فلما كان وقت الغداة اغتسل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من وعك السفر و تطيب و سرح رأسه و لبس أفخر أثوابه و سار إلى منزل خديجة فلم يجد عندها سوى ميسرة فلما رأته فرحت بقدومه و جعلت تقولدنا فرمى من قوس حاجبه سهما.* * * فصادفني حتى قتلت به ظلما.و أسفر عن وجه و أسبل شعره.* * * فبات يباهي البدر في ليلة ظلماء.و لم أدر حتى زار من غير موعد.* * * على رغم واش ما أحاط به علما.و علمني من طيب حسن حديثه.* * * منادمة يستنطق الصخرة الصماء.قال ثم التفتت إليه و قالت يا سيدي نعمت الصباح و دامت لك الأفراح هل من حاجة فتقضى فاستحيا و طأطأ رأسه و عرق جبينه فأقبلت عليه تلاطفه في الكلام ثم قالت يا سيدي إذا سألتك عن شيء تخبرني قال نعم قالت خديجة إذا أخذت الجمال و المال من عندي ما تريد أن تصنع به قال لها و ما تريدين بذلك يا خديجة قالت أزيدك و ما أقدر عليه قال اعلمي أن عمي أبا طالب قد أشار علي أن يترك لي بعيرين أسافر بهما و بعيرين أصلح بهما شأني و الذهب و الفضة يخطب لي بهما امرأة من قومي تقنع مني بالقليل و لا تكلفني ما لا أطيق فتبسمت خديجة و قالت يا سيدي أ ماترضى أني أخطب لك امرأة تحسن بقلبي قال نعم قالت قد وجدت لك زوجة و هي من أهل مكة من قومك و هي أكثرهن مالا و أحسنهن جمالا و أعظمهن كمالا و أعفهن فرجا و أبسطهن يدا طاهرة مصونة تساعدك على الأمور و تقنع منك بالميسور و لا ترضى من غيرك بالكثير و هي قريبة منك في النسب يحسدك عليه جميع الملوك و العرب غير أني أصف لك عيبها كما وصفت لك خيرها قال و ما ذلك قالت عرفت قبلك رجلين و هي أكبر منك سنا قال (صلى الله عليه وآله وسلم) سميها لي قالت هي مملوكتك خديجة فأطرق منها خجلا حتى عرق جبينه و أمسك عن الكلام فأعادت عليه القول مرة أخرى و قالت يا سيدي ما لك لا تجيب و أنت و الله لي حبيب و إني لا أخالف لك أمرا و أنشأت تقوليا سعد إن جزت بوادي الأراك.* * * بلغ قليبا ضاع مني هناك.و استفت غزلان الفلا سائلا.* * * هل لأسير الحب منهم فكاك.و إن ترى [تر ركبا بوادي الحمى.* * * سائلهم عني و من لي بذاك.نعم سروا و استصحبوا ناظري.* * * و الآن عيني تشتهي أن تراك.ما في من عضو و لا مفصل.* * * إلا و قد ركب منه هواك.عذبتني بالهجرة بعد الجفاء. * * * يا سيدي ما ذا جزاء بذاك.فاحكم بما شئت و ما ترتضي.* * * فالقلب ما يرضيه إلا رضاك. ما جزاء هذا خ ل. قال ثم ألحت عليه بالكلام فقال لها يا ابنة العم أنت امرأة ذات مال و أنا فقير لا أملك إلا ما تجودين به علي و ليس مثلك من يرغب في مثلي و أنا أطلب امرأة يكون حالها كحالي و مالها كمالي و أنت ملكة لا يصلح لك إلا الملوك فلما سمعت كلامه قالت و الله يا محمد إن كان مالك قليلا فمالي كثير و من يسمح لك بنفسه كيف لا يسمح لك بماله و أنا و مالي و جواري و جميع ما أملك بين يديك و في حكمك لا أمنعك منه شيئا و حق الكعبة و الصفا ما كان ظني أن تبعدني عنك ثم ذرفت عبرتها و قالت شعراو الله ما هب نسيم الشمال.* * * إلا تذكرت ليالي الوصال.و لا أضا من نحوكم بارق.* * * إلا توهمت لطيف الخيال.أحبابنا ما خطرت خطرة. * * * منكم غداة الوصل مني ببال.جور الليالي خصني بالجفا.* * * منكم و من يأمن جور الليال.رقوا و جودوا و اعطفوا و ارحموا.* * * لا بد لي منكم على كل حال.قال ثم إن خديجة قالت و رب احتجب عن الأبصار و علم حقيقة الأسرار في المصدر: و ربّ الكعبة، و حقّ من اختفى عن الابصار. في المصدر: و علم خفية الاسرار ما قلت لك قولا اداعبك فيه، و ما أنا الا فيما قلته محقة و لم أقل باطلا، قم و أمض الى عمومتك. إني محقة لك في هذا الأمر قم إلى عمومتك و قل لهم يخطبوني لك من أبي و لا تخف من كثرة المهر فهو عندي و أنا أقوم لك بالهدايا و المصانعات فسر و أحسن الظن فيمن أحسن بك الظن فخرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من عندها و دخل على عمه أبي طالب و السرور في وجهه فوجد أعمامه مجتمعين فنظر إليه أبو طالب و قال يا ابن أخي يهنؤك ما أعطتك خديجة و أظنها قد غمرتك من عطاياها قال محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يا عم لي إليك حاجة قال و ما هي قال تنهض أنت و أعمامي هذه الساعة إلى خويلد و تخطبون لي منه خديجة فلم يرد أحد منهم عليه جوابا غير أبي طالب فقال يا حبيبي إليك نصير و بأمرك نستشير في أمورنا و أنت تعلم أن خديجة امرأة كاملة ميمونة فاضلة تخشى العار و تحذر الشنار و قد عرفت قبلك رجلين أحدهما عتيق بن عائذ و الآخر عمرو الكندي و قد رزقت منه ولدا و خطبها ملوك العرب و رؤساؤهم و صناديد قريش و سادات بني هاشم و ملوك اليمن و أكابر الطائف و بذلوا لها الأموال فلم ترغب في أحد منهم و رأت أنها أكبر منهم و أنت يا ابن أخي فقير لا مال لك و لا تجارة و خديجة امرأة مزاحة عليك فلا تعلل نفسك بمزاحها و لا تسمع قريشا هذا الأمر فقال أبو لهب يا ابن أخي لا تجعلنا في أفواه العرب و أنت لا تصلح لخديجة فقام إليه العباس و انتهره و قال و الله إنك لرذل الرجال ردي الأفعال و ما عسى أن يقولوا في ابن أخي و الله إنه أكثر منهم جمالا و أزيد كمالا و بما ذا تتكبر عليه خديجة لمالها أم لزيادة كمالها و جمالها فأقسم برب الكعبة لأن طلبت عليه مالا لأركبن جوادي و أطوف في الفلوات و لأدخلنعلى الملوك حتى أجمع له ما تطلب عليه خديجة قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يا معاشر الأعمام قد أطلتم الكلام فيما لا فائدة فيه قوموا و اخطبوا لي خديجة من أبيها فما عندكم من العلم مثل ما عندي منها فنهضت صفية بنت عبد المطلب و قالت و الله أنا أعلم أن ابن أخي صادق فيما قاله و يمكن أن تكون خديجة مازحة عليه و لكن أنا أروح و أبين لكم الأمر ثم لبست أفخر ثيابها و سارت نحو منزل خديجة فلقيتها بعض جواريها في الطريق فسبقتها إلى الدار و أعلمت خديجة بقدوم صفية بنت عبد المطلب و كانت قد عزمت على النوم فأخلت لها المكان و قد عثرت خديجة بذيلها فقالت لا أفلح من عاداك يا محمد فسمعت صفية كلام خديجة فقالت في نفسها أجاد الدليل ثم طرقت الباب ففتح و جاءت إلى خديجة فلقيتها بالرحب و التحية و أرادت أن تأتي لها بطعام فقالت يا خديجة ما جئت لأكل طعام بل يا ابنة العم جئت أسألك عن كلام أ هو صحيح أم لا فقالت خديجة بل هو صحيح إن شئت تخفيه أو شئت تبديه و أنا قد خطبت محمدا لنفسي و تحملت عنه مهري فلا تكذبوه إن كان قد ذكر لكم بشيء و إني قد علمت أنه مؤيد من رب السماء فتبسمت صفية و قالت و الله إنك لمعذورة فيمن أحببت و الله ما شاهدت عيني مثل نور جبينه و لا أعذب من كلام ابن أخي و لا أحلى من لفظه ثم أنشأت تقول شعراالله أكبر كل الحسن في العرب.* * * كم تحت غرة هذا البدر من عجب.قوامه ثم إن مالت ذوائبه.* * * من خلفه فهي تغنيه عن الأدب.تبت يد اللائمي فيه و حاسده.* * * و ليس لي في سواه قط من أرب. قال ثم إن صفية عزمت على الخروج من بيتها فقالت لها خديجة أمهلي قليلا ثم أخرجت خلعة سنية و خلعتها على صفية و ضمتها إلى صدرها و قالت يا صفية بالله عليك إلا ما أعنتيني على وصال محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) قالت نعم ثم خرجت طالبة لإخوتها فقالوا لها ما وراءك يا صفية يا ابنة الطيبين قالت يا إخوتي قوموا إن كنتم قائمين فو الله إن لها في ابن أخيكم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) رغبة ليس تدرك ففرحوا بذلك كلهم غير أبي لهب فإن كلامها زاده غيظا و حسدا لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و ذلك بسبب الشقاوة السابقة فزعق بهم العباس و قال فما قعودكم إذ كان قد حصل الأمر فنهضوا جميعا إلى دار خويلد و قد عمد أبو طالب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و ألبسه أحسن الثياب و قلده سيفا و أركبه على جواده و دار حوله عمومته و كلهم محدقون به فلقاهم أبو بكر بن أبي قحافة و قال إلى أين تريدون

[بحار الأنوار (ج1-16)] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.