⟨ثُمَّ إِنَّ ابْنَ أَخِي مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا يُوزَنُ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا رَجَحَ وَ لَا يُقَاسُ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ إِلَّا عَظُمَ عَنْهُ وَ إِنْ كَانَ فِي الْمَالِ قَلَّ فَإِنَّ الْمَالَ رِزْقٌ حَائِلٌ وَ ظِلٌّ زَائِلٌ وَ لَهُ فِي خَدِيجَةَ رَغْبَةٌ وَ لَهَا فِيهِ⟩
يا أولاد عبد المطلب لقد كنت قاصدا إليكم في حاجة خطرت ببالي فقال له العباس و ما هي اذكرها قال رأيت في منامي كأن نجما قد ظهر في منزل أبي طالب و ارتفع إلى أفق السماء و أنار و استنار إلى أن صار كالقمر الزاهر ثم نزل بين الجدران فتبعته فإذا هو قد دخل في بيت خديجة بنت خويلد و دخل معها تحت الثياب فما تأويله قال له أبو طالب ها نحن لها قاصدون و على خطبتها معولون ثم ساروا حتى وصلوا منزل خويلد فسبقتهم الجواري إليه و كان يشرب الخمر و قد لعب الخمر في رأسه فلما نظر إلى بني هاشم قام لهم و قال مرحبا و أهلا بأبناء آبائنا و أعز الخلق علينا فقال أبو طالب يا خويلد ما جئنا إلا لحاجة و أنت تعلم قربنا منكم و نحن في هذا الحرم أبناء أب واحد و قد جئنا خاطبين ابنتك خديجة لسيدنا و نحن لها راغبون فقال خويلدو من الخاطب منكم و من المخطوبة مني فقال أبو طالب الخاطب منا محمد ابن أخي و المخطوبة خديجة فلما سمع ذلك خويلد تغير لونه و كبر عليه و قال و الله إن فيكم الكفاية و أنتم أعز الخلق علينا و لكن خديجة قد ملكت نفسها و عقلها أوفر من عقلي و أنا لم تطب قلبي إن خطبها الملوك فكيف و هذا محمد فقير صعلوك فقام إليه حمزة فقال له لا يقدر اليوم بأمس و لا تشاكل القمر بالشمس يا بادي الجهل و يا خسيف العقل أ ما علمت أنك قد ضل رشدك و غاب عقلك أ تثلب ابن أخينا أ ما علمت أنه إذا أراد أموالنا و أرواحنا قدمنا الكل بين يديه و لكن سوف يبين لك غب فعلك ثم نفض أثوابه و نهض و نهض إخوته و ساروا إلى منازلهم و بلغ الخبر خديجة من جارية لها فقالت ما وراءك قالت أمر يغم القلوب فقالت لها ما ذا يا ويحك قالت إن أباك قد رد أولاد عبد المطلب خائبين فلما سمعت خديجة كلامها قالت اطلبي لي عمي ورقة فخرجت الجارية و عادت و معها ورقة فلما جاءها استقبلته بأحسن قبول و قالت مرحبا بك يا عم فلا غابت طلعتك عني ثم طرقت إلى الأرض و قد قطب حاجباها فقال ورقة حاشاك يا خديجة من السوء ما الذي حل بك قالت يا عم ما حال السائل و ما نال المسئول قال في أنحس حال قال و لكن أراك يا في المصدر: و إنّي أراه في أنحس حال. و أسقط قوله: قال. في المصدر: و أراك. خديجة تخاطبيني بهذا الكلام كأنك تريدين الزواج قالت أجل قال يا خديجة لقد خطبك الملوك و الصناديد و لم ترضي بأحد منهم قالت ما أريد من يخرجني من مكة فقال و الله ما منها أحد إلا و قد خطبك مثل شيبة بن ربيعة و عقبة بن أبي معيط و أبي جهل بن هشام و الصلت بن أبي يهاب فأبيتي عنهم جميعا قالت ما أريد من فيه عيب ثم قالت يا عم صف لي عيبهم قال يا خديجة أما شيبة ففيه سوء الظن و أما عقبة فهو كثير السن و أما أبو جهل فهو بخيل متكبر كريه النفس و أما الصلت فهو رجل مطلاق فقالت لعن الله من ذكرت و هل تعلم أنه خطبني غير هؤلاء قال سمعت أنه قد خطبك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم قالت يا عم صف لي عيبه و كان ورقة عنده علم من الكتب السالفة بما يكون من أمر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما سمع كلامها طأطأ رأسه و قال أصف لك عيبه قالت نعم قال أصله أصيل و فرعه طويل و طرفه كحيل و خلقه جميل و فضله عميم و جوده عظيم و الله يا خديجة ما كذبت فيما قلت قالت يا عم صف لي عيبه كما وصفت لي خيره قال يا خديجة وجهه أقمر و جبينه أزهر و طرفه أحور و لفظه أعذب من المسك الأذفر و أحلى من السكر و إذا مشى كأنه البدر إذا بدر و الوبل إذا أمطر قالت يا عم صف لي عيبه قال يا خديجة مخلوق من الحسن الشامخ و النسب الباذخ و هو أحسن العالم سيرة و أصفاهم سريرة إذا مشى تخاله ينحدر من صبب شعره كالغيهب و خده أزهر من الورد الأحمر و ريحهأزكى من المسك الأذفر و لفظه أعذب من الشهد و أخير أشهدك يا خديجة أني أحبه قالت يا عم أراك كلما قلت لك صف لي عيبه وصفت لي حسنه قال يا ابنتي و هل أنا أقدر على وصف خيره ثم أنشأ يقوللقد علمت كل القبائل و الملإ.* * * بأن حبيب الله أطهرهم قلبا.و أصدق من في الأرض قولا و موعدا.* * * و أفضل خلق الله كلهم قربا.فقالت يا ورقة إن أكثر الناس يثلبونه قال ثلبهم له إنه فقير قالت يا عم أ ما سمعت قول الشاعرإذا سلمت رءوس الرجال من الأذى* * * فما المال إلا مثل قلم الأظافرو لكن يا عم إذا كان ماله قليلا فمالي كثير و إني يا عم محبة له على كل حال فقال لها إذن و الله تسعدين و ترشدين و تحضين بنبي كريم فقالت يا عم أنا الذي خطبته لنفسي فقال لها ورقة و ما الذي تعطيني و أنا أزوجك في هذه الليلة بمحمد فقالت يا عم و هل لي شيء دونك أم يخفى عليك و هذه ذخائري بين يديك و منزلي لك و أنا كما قال القائل شعراإذا تحققتم ما عند صاحبكم.* * * من الغرام فذاك العذر يكفيه.أنتم سكنتم بقلبي فهو منزلكم.* * * و صاحب البيت أدرى بالذي فيه.ثم قال ورقة يا خديجة لست أريد شيئا من حطام الدنيا و إنما أريد أن تشفعي لي عند محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم القيامة و اعلمي يا خديجة أن بين أيدينا حساب [حسابا و كتاب [كتابا و عقاب [عقابا و عذاب [عذابا و لا ينجو إلا من تبع محمدا و صدق برسالته فيا ويل من زحزح عن الجنة و أدخل النار فلما سمعت خديجة كلامه قالت يا عم لك عندي ما طلبت فخرج ورقة وو تقربين من نبى كريم، و زاد في المصدر: و رسول عظيم، و إنّه يا خديجة نبى هذه الأمة، فقالت:يا عم و اللّه انى احبه، و أنا الذي أمرته أن يخطبنى، فالآن أنا الذي أمرته و أبى ابعده، قال ورقة: و هو ان أبيك، يا خديجة ما الذي تعطينى حتّى ازوجك. هكذا في الأصل و المصدر بالرفع. زحزحه: باعده أو أزاله عنه فتباعد فتنحى. دخل على أخيه خويلد و قد غلب عليه السكر فجلس ورقة و قد ظهر الغيظ في وجهه و قال يا أخي ما أغفلك عن نفسك تريد أن تقتلها أنت بنفسك فقال و من أين علمت يا أخي فقال لقد خلفت بني عبد المطلب و قلوبهم تغلي عليك كغلي القدر و قد أراد حمزة أن يهجم عليك في دارك فقال خويلد يا أخي و أي ذنب أذنبته عليهم حتى يفعلوا بي ذلك قال سمعتهم يقولون إنك تثلب ابن أخيهم و هو عليك قبيح إن كان قد وقع منك ذلك و الله ما وطئ الحصى مثل محمد أ نسيت ما جرى له في صغره و ما بان له في كبره و الله ما يثلبه إلا لئيم قال خويلد و الله يا أخي ما ثلبت الرجل و إنه خير مني و إنما أراد أن يتزوج بخديجة فقال له أخوه ما ذا تنكر منه قال خويلد و الله يا أخي ما أقول فيه شيئا و لكن خشيت من وجهين الأول تسبني العرب حيث إني رددت أكابرهم و ساداتهم و أزوجها الآن بفقير لا مال له و الثاني أنها لا ترضاه فقال ورقة إن العرب ما منهم أحد إلا و يحب أن يزوجه بابنته و يشتهي أن يكون محمد نسيبه و قريبه و أما خديجة فمذ عاينت فضله رضيت به و أما أنت فقد جلبت لنفسك عداوة من بني هاشم على غير شيء و إنهم ما يتركونك غير ساعة و لا سيما الأسد الهجوم حمزة القضاء المحتوم لا يصده عنك صاد و يرده عنك راد و الله إن قبلت نصحي و سرت معي إلى بني هاشم سألتهم أن يرفعوا عنك يد العداوة و تزوج محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) بخديجة و الله ما تصلح إلا له و لا يصلح إلا لها فقال يا أخي أخاف أن يهجموا بي و يقتلوني فقال ورقة ضمان هذا الأمر علي فلا تخف فنهضا جميعا و سارا حتى دخلا على أولاد عبد المطلب فوقفا على الباب و كان من الأمر المقدر أن في ذلك الوقت كان أولاد عبد المطلب جالسين وبينهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فنظر إليه حمزة و قال يا قرة العين ما تقول و الله لئن أمرتني لآتينك في هذه الساعة برأس خويلد فقال خويلد لورقة اسمع يا أخي فقال ورقة اسمع أنت فقال خويلد دعني أرجع قال ورقة لا و انظر الآن ما أصنع دعنا نأتي إليهم فإنهم لا يبعدون من يأتي إليهم ثم إن ورقة قرع الباب فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لقد جاءكم خويلد و أخوه ورقة فقام حمزة فأدخلهم و يد خويلد في يد ورقة و نادى نعمتم صباحا و مساء و كفيتم شر الأعداء يا أولاد زمزم و الصفا فناداه أبو طالب و أنت يا خويلد كفيت ما تحذر و تخشى فانتهره حمزة و قال لا أهلا و لا سهلا لمن طلب منا بعدا و أرانا هجرا و صدا قال خويلد ما كان ذلك مني يا سيدي و أنتم تعلمون أن خديجة وافرة العقل مالكة نفسها و إنما تكلمت بهذا الكلام حتى أسمع ما تقول و الآن عرفت أن المرأة فيكم راغبة فلا تؤاخذوني بما جرى و نحن كما قال الشاعرو من عجب الأيام أنك هاجري.* * * و ما زالت الأيام تبدئ العجائبا.و ما لي ذنب أستحق به الجفا.* * * و إن كان لي ذنب أتيتك تائبا.و الآن قد رضيت لرضاها و لأجل القرابة و النسب و قال شعراعودوني الوصال فالوصل عذب.* * * و ارحموا فالفراق و الهجر صعب.زعموا حين عاينوا أن جرمي.* * * فرط حبي لهم و ما ذاك ذنب.لا و حق الخضوع عند التلاقي.* * * ما جزى من يحب أن لا يحب.فقال عند ذلك حمزة يا خويلد أنت عندنا عزيز كريم و لكن ما كان يجوز منك إذا جئناك أن تبعدنا فقال ورقة إنا لنحب محمدا أشد محبة و نحن على ما تقولون و لكني أريد يا بني هاشم أن تكون هذه الخطبة في غداة غد على رءوس الأنام حتىيسمع الغائب و الحاضر فقال حمزة لا نخالفكم فيما تقولون فقال ورقة أعلمكم أن أخي له لسان لا يخلص به عند العرب و أريد أن يوكلني في أمر ابنته خديجة حتى أصير أنا المجاوب و أنتم تعلمون أني قد قرأت سائر الكتب و عرفت سائر الأديان فقال حمزة وكله يا خويلد على ذلك فقال خويلد أشهدكم يا أولاد هاشم أني قد وكلت أخي ورقة في أمر ابنتي خديجة فقال ورقة أريد أن يكون هذا الأمر عند الكعبة فساروا جميعا إلى الكعبة فوجدوا العرب مجتمعين بين زمزم و المقام و هم جماعات كثيرة منهم الصلت بن أبي يهاب و لئيمة بن الحجاج و هشام بن المغيرة و أبو جهل بن هشام و عثمان بن مبارك العميري و أسد بن غويلب الدارمي و عقبة بن أبي معيط و أمية بن خلف و أبو سفيان بن حرب فناداهم ورقة نعمتم صباحا يا سكان حرم الله فقالوا كلهم أهلا و سهلا يا أبا البيان فقال ورقة يا معشر قريش يا جميع من حضر أني أسألكم ما تقولون في خديجة بنت خويلد فنطق العرب بأجمعهم فقالوا بخ بخ لقد ذكرت و الله الشرف الأوفى و النسب الأعلى و الرأي الأزكى و من لا يوجد لها نظير في نساء العرب و العجم فقال أ تحمدون أن تكون بلا بعل فقالوا ليس بواجب و قد وجدنا الخطاب لها كثيرا و هي تأبى قال ورقة يا سادات العرب ألا و إن هذا أخي قد وكلني في أمرها و هي قد أمرتني أن أزوجها و أعلمتني أن لها رغبة في سيد من سادات قريش و سألتها أن تسميه لي فأبت و أحب أن تسمعوا الوكالة منه و أن تحضروا كلكم جميعا غداة غد في منزلها فما تسعكم غير دارها و كان لها دار واسعة تسع أهل مكة فلما سمعوا كلامه لم يبق أحد منهم إلا يقول أنا هو المطلوب فقالوانعم الوكيل و الكفيل أنت فقال ورقة لأخيه خويلد تكلم ما دامت السادات حاضرين قال خويلد أشهدكم يا سادات العرب على أني قد نزعت نفسي من أمر ابنتي خديجة و جعلت وكيلي و كفيلي في هذا الأمر أخي فلا رأي فوق رأيه و لا أمر فوق أمره فقال ورقة اسمعوا أيها السادات و إنه غير مجنون و لا مجبور و لا مخمور و إني أزوجها بمن شئت فقال العرب سمعنا و أطعنا و شهدنا و خرج خويلد و قد ذهب حكمها من يده و سار ورقة إلى منزل خديجة و هو فرح مسرور فلما نظرت إليه قالت مرحبا و أهلا بك يا عم لعلك قضيت الحاجة قال نعم يا خديجة يهنؤك و قد رجعت أحكامك إلي فأنا وكيلك و في غداة غد أزوجك إن شاء الله تعالى بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فلما سمعت خديجة كلامه فرحت و خلعت عليه خلعة قد اشتراها عبدها ميسرة من الشام بخمسمائة دينار فقال ورقة لا ترغبيني في مثل هذا فلست براغب فيه و إنما الرغبة في شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت لك ذلك ثم قال لها يا خديجة قومي هذه الساعة و جهزي أمرك و جملي منزلك و أخرجي ذخائرك و علقي ستورك و انشري حللك و اكمدي عدوك فما يدخر المال إلا لمثل هذا اليوم و اصنعي وليمة لا يعوزك فيها شيء فإن العرب في غداة غد يأتون كلهم إلى دارك فلما سمعت منه ذلك نادت في عبيدها و جواريها و أخرجوا الستور و المساند و الوسائد و البسط المختلفة الألوان و الحلل ذات الأثمان و العقود و القلائد و نشرت الرايات.و قد روت الرواة الذين شاهدوا تلك الليلة أن تلك العبيد و الإماء الذين كانوا برسم الخدمة لحمل الآنية ثمانون عبدا و ذبحت الذبائح و عقرت العقائر و عقدت الحلاوات من كل لون و جمعت الفواكه من كل فاكهة و قصد ورقة منزل أبي طالب فوجده و إخوتهمجتمعين فقال لهم نعمتم صباحا و مساء ما يحبسكم عن إصلاح أمركم انهضوا في أمر خديجة فقد صار أمرها بيدي فإذا كان غداة غد إن شاء الله تعالى أزوجها بمحمد (صلى الله عليه و آله) فعندها قال محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لا أنسى الله لك ذلك يا ورقة و جزاك فوق صنيعك معنا ثم قال أبو طالب الآن و الله طاب قلبي و علمت أن أخي قد بلغ المنى و قام لعمل الوليمة و إخوته عنده فعند ذلك اهتز العرش و الكرسي و سجد الملائكة و أوحى الله تعالى إلى رضوان خازن الجنان أن يزينها و يصف الحور و الولدان و يهيئ أقداح الشراب و يزين الكواعب و الأتراب و أوحى إلى الأمين جبرئيل (عليه السلام) أن ينشر لواء الحمد على الكعبة و تطاولت الجبال و سبحت بحمد الملك المتعال على ما خص به محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) و فرحت الأرض و باتت مكة تغلي بأهلها كما يغلي المرجل على النار فلما أصبحوا أقبلت الطوائف و الأكابر و القبائل و العشائر فلما دخلوا منزل خديجة وجدوها و قد أعدت لهم المساند و الوسائد و الكراسي و المراتب و جعلت مجلس كل واحد منهم في مرتبته و محله فدخل أبو جهل لعنه الله و هو يختال في مشيته و زينته و قد أرخى ذوائبه من ورائه و حمائل سيفه على منكبه و قد أحدقت به بنو مخزوم فنظر إلى صدر المجلس و قد نصب فيه كرسي عظيم و تحته أحد عشر كرسيا في أعلى مكان مصفوفا لم ير أحسن منها فتقدم و أراد الجلوس على ذلك السرير العالي فصاح به ميسرة و قال له يا سيدي تمهل قليلا و لا تعجل فقد وضعت منزلك عند بني مخزوم فرجع هو خجلان و جلس فما كان إلا قليلا و إذا بأصوات قد علت و العرب قد تواثبت و قد أقبل العباس و حمزة إلى جانبه و سيفه مجرد من غمده و أبو طالب يقدمهم و حمزة يقول يا أهل مكة الزموا الأدب و قللوا الكلام و انهضوا على الأقدام و دعوا الكبر فإنه قد جاءكم صاحب الزمان محمد المختار من الملك الجبار المتوج بالأنوار صاحب الهيبة و الوقار قد ورد عليكم فنظرت العرب و إذا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد جاء و هو معتم بعمامة سوداء تلوح ضياء جبينه من تحتها و عليه قميص عبد المطلب و بردة إلياس و في رجليه نعلان لجده عبد المطلب و في يده قضيب إبراهيم الخليل متختم بخاتم من العقيق الأحمر و الناس محدقون به ينظرون إليه و قد أحاطت به عشيرته و حمزة يحجبه عن أعين الناظرين و قد شخصت إليه جميع المخلوقات و الموجودات بالإشارة يسلمون عليه و قد ذهلت العرب مما رأوا منه و قام كل قاعد منهم على قدميه و جلس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و أعمامه في أعلى موضع و مكان و هو المكان الذي نحي عنه أبو جهل و أصحابه و لم يبق منهم جالس غير أبو جهل لعنه الله و أخزاه و قال إن كان الأمر لخديجة لتأخذن محمدا فتقدم إليه حمزة كالأسد و قبض على أطرافه و قال له قم لا سلمت من النوائب و لا نجوت من المصائب فأخذ أبو جهل يده و ضربها في قائم سيفه فسبقه حمزة و قبض على يده حتى نبع الدم من تحت أظفاره و وكزه الحارث و قال له ويلك يا ابن هشام ما أنت عديل من نهض إليك من جملة الناس و رأيت أنك أشرف منهم لئن لم تقعد لأخذ رأسك فخاف الفتنة و سكت و ظن أنه زوج خديجة فلما استقر بالناس الجلوس إذا بخويلد* * * في المصدر: و خاف أن يكون خديجة قد علمت ما جرى عليه، لانه كان ممن يرجوا أن يتزوج بها. و إذا خ ل و في المصدر: و إذا بصرخة قد علت، فنظر الناس إليها و إذا بخويلد. قد أقبل و دخل على خديجة و هي تحت حجابها و قال يا خديجة أين عقلك و أين سؤددك أنا لم أرض لك بالملوك و رددتهم كبرا عليهم و ترضين الآن لنفسك بصبي صغير فقير يتيم ليس له مال أبدا قد كان لك أجيرا و هذا اليوم يكون لك بعلا لا كان ذلك أبدا و الآن إن قبلتيه لأعلينك بهذا السيف و اليوم لا شك فيه تسفك الدماء و نهض على قدميه و خرج كأنه مجنون حتى وقف على صدر المجلس و قال يا معاشر العرب و يا ذوي المعالي و الرتب أشهدكم على أني لم أرض محمدا لابنتي بعلا و لو دفع لي وزن جبل أبي قبيس ذهبا فما بيني و بينه إلا السيوف فما مثلي من يخدع بشرب المدام ثم قالو لو أنها قالت نعم لعلوتها.* * * بشفرة حد للجماجم فاصل.فمن رام تزويج ابنتي بمحمد.* * * و إن رضيت يا قوم لست بقابل.قال فلما سمع أعمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كلامه و الحاضرون قال حمزة لأخيه أبي طالب مع إخوته ما بقي للجلوس موضع قوموا بنا فبينا هم في ذلك إذ أقبلت جارية لخديجة و أشارت إلى أبي طالب فقام معها و وقف أبو طالب خلف الحجاب فسلمت عليه خديجة و قالت نعمت صباحا و مساء يا سيد الحرم لا تغتر بشقشقة أبي فإنه ينصلح بشيء قليل ثم أعطته كيسا فيه ألفا دينار و قالت يا سيدي خذ هذا و سر به إليه كأنك تعاتبه و صبه في حجره فإنه يرضى فسار أبو طالب و الناس حاضرون و قال له يا خويلد ادن مني قال لا أدنو منك أبدا قال يا خويلد إنه كلام تسمعه فإن
[بحار الأنوار (ج1-16)] · موسوعة الغيبة والظهور