⟨النَّخَعِيِّ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَالِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ⟩
ذوي الأمر منهم فَظَلَمُوا بِها أي ظلموا أنفسهم بجحدها و قيل فظلموا بها بوضعها غير مواضعها فجعلوا بدل الإيمان بها الكفر و الجحود قال وهب و كان اسم فرعون الوليد بن مصعب و هو فرعون يوسف و كان بين اليوم الذي دخل يوسف مصر و اليوم الذي دخلها موسى رسولا أربعمائة عام ﴿حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ﴾ أي حقيق على ترك القول على الله إلا الحق و قال الفراء على بمعنى الباء أي حقيق بأن لا أقول و قيل أي حريص على أن لا أقول بِبَيِّنَةٍ أي بحجة و معجزة فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي فأطلق بني إسرائيل عن عقال التسخير و خلهم يرجعوا إلى الأرض المقدسة فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ أي حية عظيمة بين ظاهر أنه ثعبان بحيث لا يشتبه على الناس و لم يكن مما يخيل أنه حية و ليس بحية و قيل إن العصا لما صارت حية أخذت قبة فرعون بين فكيها و كان ما بينهما ثمانون ذراعا فتضرع فرعون إلى موسى بعد أن وثب من سريره و هرب منها و أحدث و هرب الناس و دخل فرعون البيت و صاح يا موسى خذها و أنا أؤمن بك فأخذها موسى فعادت عصا عن ابن عباس و السدي و قيل كان طولها ثمانين ذراعا وَ نَزَعَ يَدَهُ قيل إن فرعون قال له هل معك آية أخرى قال نعم فأدخل يده في جيبه و قيل تحت إبطه ثم نزعها أي أخرجها منه و أظهرها فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ أي لونها أبيض نوري و لهاشعاع يغلب نور الشمس و كان موسى آدم فيما يروى ثم أعاد اليد إلى كمه فعادت إلى لونها الأول عن ابن عباس و السدي و اختلف في عصاه فقيل أعطاه ملك حين توجه إلى مدين و قيل إن عصا آدم كانت من آس الجنة حين أهبط فكانت تدور بين أولاده حتى انتهت النوبة إلى شعيب و كانت ميراثا مع أربعين عصا كانت لآبائه فلما استأجر شعيب موسى أمره بدخول بيت فيه العصي و قال له خذ عصا من تلك العصي فوقع تلك العصا بيد موسى فاسترده شعيب و قال خذ غيرها حتى فعل ذلك ثلاث مرات في كل مرة تقع يده عليها دون غيرها فتركها في يده في المرة الرابعة فلما خرج من عنده متوجها إلى مصر و رأى نارا و أتى الشجرة فناداه الله تعالى ﴿أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ و أمره بإلقائها فألقاها فصارت حية فولى هاربا فناداه الله سبحانه خُذْها وَ لا تَخَفْ فأدخل يده بين لحييها فعادت عصا فلما أتى فرعون ألقاها بين يديه على ما تقدم بيانه و قيل كان الأنبياء يأخذون العصا تجنبا من الخيلاء.﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لمن دونهم من الحاضرين إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ بالسحر ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ أي يريد أن يستميل بقلوب بني إسرائيل إلى نفسه و يتقوى بهم فيغلبكم بهم و يخرجوكم من بلدتكم فَما ذا تَأْمُرُونَ قيل إن هذا قول الأشراف بعضهم لبعض على سبيل المشورة و يحتمل أن يكون قالوا ذلك لفرعون و إنما قالوا تأمرون بلفظ الجمع على خطاب الملوك و يحتمل أيضا أن يكون قول فرعون لقومه فتقديره قال فرعون لهم فما ذا تأمرون قالُوا أي لفرعون أَرْجِهْ وَ أَخاهُ أي أخره و أخاه هارون و لا تعجل بالحكم فيهما بشيء فتكون عجلتك حجة عليك و قيل أخره أي احبسه و الأول أصح وَ أَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ التي حولك حاشِرِينَ أي جامعين للسحرة يحشرون من يعلمونه منهم عن مجاهد و السدي و قيل هم أصحاب الشرط أرسلهم في حشر السحرة و كانوا اثنين و سبعين رجلا عن ابن عباس وَ جاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ و كانوا خمسة عشر ألفا و قيل ثمانين ألفا و قيل سبعين ألفا و قيل بضعا و ثلاثين ألفا و قيل كانوا اثنين و سبعين اثنان من القبط و هما رئيسا القوم و سبعون من بني إسرائيلو قيل كانوا سبعين وَ إِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ أي و إنكم مع حصول الأجر لكم لمن المقربين إلى المنازل الجليلة.قالُوا يا مُوسى أي قالت السحرة لموسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ ما معك من العصا أولا وَ إِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ لما معنا من العصي و الحبال أولا قالَ أَلْقُوا هذا أمر تهديد و تقريع سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ أي احتالوا في تحريك العصي و الحبال بما جعلوا فيها من الزيبق حتى تحركت بحرارة الشمس و غير ذلك من الحيل و أنواع التمويه و التلبيس و خيل إلى الناس أنها تتحرك على ما تتحرك الحية وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ أي استدعوا رهبتهم حتى رهبهم الناس ﴿فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ أي فألقاها فصارت ثعبانا فإذا هي تبتلع ما يكذبون فيه أنها حيات فَوَقَعَ الْحَقُ أي ظهر لأنهم لما رأوا تلك الآيات الباهرة علموا أنه أمر سماوي لا يقدر عليه غير الله تعالى فمنها قلب العصا حية و منها أكلها حبالهم و عصيهم مع كثرتها و منها فناء حبالهم و عصيهم في بطنه إما بالتفرق و إما بالفناء عند من جوزه و منها عودها عصا كما كانت من غير زيادة و لا نقصان و كل من هذه الأمور يعلم كل عاقل أنه لا يدخل تحت مقدور البشر فاعترفوا بالتوحيد و النبوة و صار إسلامهم حجة على فرعون و قومه فَغُلِبُوا هُنالِكَ أي قهر فرعون و قومه عند ذلك المجمع و بهت فرعون و خلى سبيل موسى و من تبعه وَ انْقَلَبُوا صاغِرِينَ أي انصرفوا أذلاء مقهورين وَ أُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ألهمهم الله ذلك.و قيل إن موسى و هارون سجدا لله شكرا له على ظهور الحق فاقتدوا بهما فسجدوا معهما و إنما قال ألقي على ما لم يسم فاعله للإشارة إلى أنه ألقاهم ما رأوا من عظيم الآيات حيث لم يتمالكوا أنفسهم عند ذلك أن وقعوا ساجدين رَبِّ مُوسى وَ هارُونَ خصوهما لأنهما دعوا إلى الإيمان و لتفضيلها أو لئلا يتوهم متوهم أنهم سجدوا لفرعون لأنه كان يدعي أنه رب العالمين إِنَّ هذا لَمَكْرٌ أراد به التلبيس على الناس و إيهامهم أن إيمان السحرة لم يكن عن علم و لكن لتواطؤ منهم ليذهبوا بأموالكم و ملككم فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقبة أمركم لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ أي من كل شق طرفا قال الحسن هو أن يقطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى و قال غيره و كذلك اليد اليسرى مع الرجل اليمنى قيل أول من قطع الرجل و صلب فرعون صلبهم في جذوع النخل على شاطئ نهر مصر إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ راجعون إلى ربنا بالتوحيد و الإخلاص و الانقلاب إلى الله هو الانقلاب إلى جزائه و غرضهم التسلي في الصبر على الشدة لما فيه من المثوبة مع مقابلة وعيده بوعيد أشد منه و هو عقاب الله وَ ما تَنْقِمُ مِنَّا أي و ما تطعن علينا و ما تكره منا إلا إيماننا بالله و تصديقنا بآياته التي ﴿جاءتنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً﴾ أي أصبب علينا الصبر عند القطع و الصلب حتى لا نرجع كفارا وَ تَوَفَّنا مُسْلِمِينَ أي وفقنا للثبات على الإسلام إلى وقت الوفاة قالوا فصلبهم فرعون من يومه فكانوا أول النهار كفارا سحرة و آخر النهار شهداء بررة و قيل أيضا إنه لم يصل إليهم و عصمهم الله منه.وَ ﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لما أسلم السحرة أَ تَذَرُ مُوسى وَ قَوْمَهُ أي أ تتركهم أحياء ليظهروا خلافك و يدعوا الناس إلى مخالفتك ليغلبوا عليك فيفسد به ملكك وروي 17 عن ابن عباس أنه لما آمن السحرة أسلم من بني إسرائيل ستمائة ألف نفس و اتبعوه.قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ قال ابن عباس كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل فلما كان من أمر موسى ما كان أمر بإعادة القتل عليهم فشكا ذلك بنو إسرائيل إلى موسى فعند ذلك قال اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ في دفع بلاء فرعون عنكم وَ اصْبِرُوا على دينكم يُورِثُها مَنْ يَشاءُ أي ينقلها إلى من يشاء نقل المواريث وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ أي تمسكوا بالتقوى فإن حسن العاقبة في الدارين للمتقين قالُوا أي بنو إسرائيل لموسى ﴿أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا﴾ أي عذبنا فرعون بقتل الأبناء و استخدام النساء قبل أن تأتينا بالرسالة وَ مِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا أيضا و يتوعدنا و يأخذ أموالنا و يكلفنا الأعمال الشاقة فلم ننتفع بمجيئك و هذا يدل على أنه جرى فيهم القتل و التعذيب مرتين قال الحسن كان فرعون يأخذ الجزية قبل مجيء موسى و بعده من بني إسرائيل و هذا كان استبطاء منهم لما وعدهم موسى من النجاة فجدد لهم (عليه السلام) الوعد ﴿قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ و عسى من الله موجب وَ يَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي يملككم ما كانوا يملكونه في الأرض من بعدهم فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ شكرا لما منحكم.وَ لَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ اللام للقسم أي عاقبنا قوم فرعون بالجدوب و القحط فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ يعني الخصب و النعمة و السعة في الرزق و السلامة و العافية قالُوا لَنا هذِهِ أي إنا نستحق ذلك على العادة الجارية لنا و لم يعلموا أنه من عند الله تعالى فيشكروه وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ أي جوع و بلاء و قحط المطر و ضيق الرزق و هلاك الثمر و المواشي يَطَّيَّرُوا أي يتطيروا و يتشأموا بِمُوسى وَ مَنْ مَعَهُ و قالوا ما رأينا شرا حتى رأيناكم ﴿أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ معناه ألا إن الشؤم الذي يلحقهم هو الذي وعدوا به من العقاب عند الله يفعل بهم في الآخرة لا ما ينالهم في الدنيا أو أن الله هو الذي يأتي بطائر البركة و طائر الشؤم من الخير و الشر و النفع و الضر فلو عقلوا لطلبوا الخير و السلامة من الشر من قبله و قيل أي ما تشأموا به محفوظ عليهم حتى يجازيهم الله به يوم القيامة وَ قالُوا أي قوم فرعون لموسى ﴿مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾ أي أي شيء تأتينا به من المعجزات لِتَسْحَرَنا بِها أي لتموه علينا بها حتى تنقلنا عن دين فرعون فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ- قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَ ابْنُ جُبَيْرٍ وَ قَتَادَةُ وَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليهم السلام) دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ قَالُوا لَمَّا آمَنَتِ السَّحَرَةُ وَ رَجَعَ فِرْعَوْنُ مَغْلُوباً وَ أَبَى هُوَ وَ قَوْمُهُ إِلَّا الْإِقَامَةَ عَلَى الْكُفْرِ قَالَ هَامَانُ لِفِرْعَوْنَ إِنَّ النَّاسَ قَدْ آمَنُوا بِمُوسَى فَانْظُرْ مَنْ دَخَلَ فِي دِينِهِ فَاحْبِسْهُ فَحَبَسَ كُلَّ مَنْ آمَنَ بِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَتَابَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالْآيَاتِ وَ أَخَذَهُمْ بِالسِّنِينَ وَ نَقْصِ الثَّمَرَاتِ ثُمَّ بَعَثَ عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ فَخَرَّبَ دُورَهُمْ وَ مَسَاكِنَهُمْ حَتَّى خَرَجُوا إِلَى الْبَرِّيَّةِ وَ ضَرَبُوا الْخِيَامَ وَ امْتَلَأَتْ بُيُوتُ الْقِبْطِ مَاءً وَ لَمْ يَدْخُلْ بُيُوتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْمَاءِ قَطْرَةٌ وَ أَقَامَ الْمَاءُ عَلَى وَجْهِ أَرَضِيهِمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَحْرِثُوا فَقَالُوا لِمُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَأَنْ يَكْشِفَ عَنَّا الْمَطَرَ فَنُؤْمِنَ لَكَ وَ نُرْسِلَ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمُ الطُّوفَانَ فَلَمْ يُؤْمِنُوا وَ قَالَ هَامَانُ لِفِرْعَوْنَ لَئِنْ خَلَّيْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ غَلَبَكَ مُوسَى وَ أَزَالَ مُلْكَكَ وَ أَنْبَتَ اللَّهُ لَهُمْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مِنَ الْكَلَإِ وَ الزَّرْعِ وَ الثَّمَرِ مَا أَعْشَبَتْ بِهِ بِلَادُهُمْ وَ أَخْصَبَتْ فَقَالُوا مَا كَانَ هَذَا الْمَاءُ إِلَّا نِعْمَةً عَلَيْنَا وَ خِصْباً فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِإِبْرَاهِيمَ وَ فِي الشَّهْرِ الثَّانِي عَنْ غَيْرِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ الْجَرَادَ فَجَرَّدَتْ زُرُوعَهُمْ وَ أَشْجَارَهُمْ حَتَّى كَانَتْ تُجَرِّدُ شُعُورَهُمْ وَ لِحَاهُمْ وَ تَأْكُلُ الْأَبْوَابَ وَ الثِّيَابَ وَ الْأَمْتِعَةَ وَ كَانَتْ لَا تَدْخُلُ بُيُوتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ لَا يُصِيبُهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَعَجُّوا وَ ضَجُّوا وَ جَزِعَ فِرْعَوْنُ مِنْ ذَلِكَ جَزَعاً شَدِيداً وَ قَالَ ﴿يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾أَنْ يَكُفَّ عَنَّا الْجَرَادَ حَتَّى أُخَلِّيَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَدَعَا مُوسَى رَبَّهُ فَكَفَّ عَنْهُمُ الْجَرَادَ بَعْدَ مَا أَقَامَ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ مِنَ السَّبْتِ إِلَى السَّبْتِ.. و قيل إن موسى (عليه السلام) برز إلى الفضاء فأشار بعصاه نحو المشرق و المغرب فرجعت الجراد من حيث جاءت حتى كأن لم يكن قط و لم يدع هامان فرعون أن يخلي عن بني إسرائيل فأنزل الله عليهم في السنة الثالثة في رواية علي بن إبراهيم و في الشهر الثالث عن غيره من المفسرين القمل و هو الجراد الصغار الذي لا أجنحة له و هو شر ما يكون و أخبثه فأتى على زروعهم كلها و اجتثها من أصلها فذهب زروعهم و لحس الأرض كلها.و قيل أمر موسى (عليه السلام) أن يمشي إلى كثيب أعفر بقرية من قرى مصر تدعى عين الشمس فأتاه فضربه بعصاه فانثال عليهم قملا فكان يدخل بين ثوب أحدهم فيعضه و كان يأكل أحدهم الطعام فيمتلئ قملا قال ابن جبير القمل السوس الذي يخرج من الحبوب فكان الرجل يخرج عشرة أجربة إلى الرحى فلا يرد منها ثلاثة أقفزة فلم يصابوا ببلاء كان أشد عليهم من القمل و أخذت أشعارهم و أبشارهم و أشفار عيونهم و حواجبهم و لزمت جلودهم كأنها الجدري عليهم و منعتهم النور و القرار فصرخوا و صاحوا فقال فرعون لموسى ادع لنا ربك لئن كشف عنا القمل لأكفن عن بني إسرائيل فدعا موسى (عليه السلام) حتىذهب القمل بعد ما أقام عندهم سبعة أيام من السبت إلى السبت فنكثوا فأنزل الله عليهم في السنة الرابعة و قيل في الشهر الرابع الضفادع فكانت تكون في طعامهم و شرابهم و امتلأت منها بيوتهم و أبنيتهم فلا يكشف أحدهم ثوبا و لا إناء و لا طعاما و لا شرابا إلا وجد فيه الضفادع و كانت تثب في قدورهم فتفسد عليهم ما فيها و كان الرجل يجلس إلى ذقنه من الضفادع و يهم أن يتكلم فيثب الضفدع في فيه و يفتح فاه لأكلته فيسبق الضفدع أكلته إلى فيه فلقوا منها أذى شديدا فلما رأوا ذلك بكوا و شكوا إلى موسى و قالوا هذه المرة نتوب و لا نعود فادع الله أن يذهب عنا الضفادع فإنا نؤمن بك و نرسل معك بني إسرائيل فأخذ عهودهم و مواثيقهم ثم دعا ربه فكشف عنهم الضفادع بعد ما أقام عليهم سبعا من السبت إلى السبت ثم نقضوا العهد و عادوا لكفرهم فلما كانت السنة الخامسة أرسل الله عليهم الدم فسال ماء النيل عليهم دما فكان القبطي يراه دما و الإسرائيلي يراه ماء فإذا شربه الإسرائيلي كان ماء و إذا شربه القبطي كان دما و كان القبطي يقول للإسرائيلي خذ الماء في فيك و صبه في في فكان إذا صبه في فم القبطي تحول دما و إن فرعون اعتراه العطش حتى إنه ليضطر إلى مضغ الأشجار الرطبة فإذا مضغها يصير ماؤها في فيه دما فمكثوا في ذلك سبعة أيام لا يأكلون إلا الدم و لا يشربون إلا الدم.قال زيد بن أسلم الدم الذي سلط عليهم كان الرعاف فأتوا موسى فقالوا ادع لنا ربك يكشف عنا هذا الدم فنؤمن لك و نرسل معك بني إسرائيل فلما دفع الله عنهم الدم لم يؤمنوا و لم يخلوا عن بني إسرائيل وَ لَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ أي العذاب و هو ما نزل بهم من الطوفان و غيره و قيل هو الطاعون أصابهم فمات من القبط سبعون ألف إنسان و هو العذاب السادس عن ابن جبير و مثله- مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) أَنَّهُ أَصَابَهُمْ ثَلْجٌ أَحْمَرُ فَمَاتُوا فِيهِ وَ جَزِعُوا.. قالُوا أي فرعون و قومه ﴿يا مُوسَى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أي بما تقدم إليك أن تدعوه به فإنه يجيبك كما أجابك في آياتك أو بما عهد إليك أنا لو آمنا لرفععنا العذاب أو بما عهد عندك من النبوة فالباء للقسم إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ يعني الأجل الذي غرقهم الله فيه إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ أي ينقضون العهد فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ أي فجازيناهم على سوء صنيعهم فِي الْيَمِ أي البحر وَ كانُوا عَنْها غافِلِينَ أي عن نزول العذاب بهم أو المعنى أنا عاقبناهم بتكذيبهم و تعرضهم لأسباب الغفلة و عملهم عمل الغافل عنها.وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ يعني بني إسرائيل فإن القبط كانوا يستضعفونهم فأورثهم الله بأن مكنهم و حكم لهم بالتصرف بعد إهلاك فرعون و قومه فكأنهم ورثوا منهم مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا التي كانوا فيها يعني جهات الشرق و الغرب منها يريد به ملك فرعون من أدناه إلى أقصاه و قيل هي أرض الشام و مصر و قيل هي أرض الشام شرقها و غربها و قيل أرض مصر قال الزجاج كان من بني إسرائيل داود و سليمان ملكوا الأرض الَّتِي بارَكْنا فِيها بإخراج الزروع و الثمار و سائر صنوف النبات و الأشجار و العيون و الأنهار و ضروب المنافع وَ تَمَّتْ ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي صح كلام ربك بإنجاز الوعد بإهلاك عدوهم و استخلافهم في الأرض و قيل وعد الجنة بِما صَبَرُوا على أذى فرعون و قومه وَ دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَ قَوْمُهُ أي أهلكنا ما كانوا يبنون من الأبنية و القصور و الديار وَ ما كانُوا يَعْرِشُونَ من الأشجار و الأعناب و الثمار أو يسقفون من القصور و البيوت.﴿فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا﴾ أي ما أتى به من المعجزات و البراهين أَ تَقُولُونَ
[بحار الأنوار (ج1-16)] · موسوعة الغيبة والظهور