⟨و الجواب عن ذلك أن القبطي جائز أن يكون من أهل العهد الذين أخذ عليهم أن يجري فيهم أحكام المسلمين و أن يكون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تقدم إليه بالانتهاء عن الدخول إلى مارية فخالف و أقام على ذلك و هذا نقض للعهد و ناقض العهود من أهل الكفر مؤذن بالمحاربة و المؤذن بها مستحق للقتل فأما قوله بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب فإنما عنى به رؤية العلم لا رؤية البصر لأنه لا معنى في هذا الموضع لرؤية البصر فكأنه (صلى الله عليه وآله وسلم)⟩
قال بل الشاهد يعلم و يصح له من وجه الرأي و التدبير ما لا يصح للغائب و لو لم يقل ذلك لوجب قتل الرجل على كل حال و إنما جاز منه أن يخير بين قتله و الكف عنه و يفوض الأمر في ذلك إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) من حيث لم يكن قتله من الحدود و الحقوق التي لا يجوز العفو عنها و لا يسع إلا إقامتها لأن ناقض العهد ممن إلى الإمام القائم بأمور المسلمين إذا قدر عليه قبل التوبة أن يقتله أو يمن عليه و مما فيه أيضا من الأحكام اقتضاؤه أن مجرد أمر الرسول لا يقتضي الوجوب لأنه لو اقتضى ذلك لما حسنت مراجعته و لا استفهامه و في حسنها و وقوعها موقعها دلالة على أنه لا يقتضي ذلك و مما فيه أيضا من الأحكام دلالته على أنه لا بأس بالنظر إلى عورة الرجل عند الأمر ينزل فلا يوجد من النظر إليها بد إما لحد يقام أو لعقوبة تسقط لأن العلم بأنه أمسح أجب لم يكن إلا عن تأمل و نظر و إنما جازالتأمل و النظر ليتبين هل هو ممن يكون منه ما قرف به أم لا و الواجب على الإمام فيمن شهد عليه بالزنى و ادعى أنه مجبوب أن يأمر بالنظر إليه و يتبين أمره و مثله أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قتل مقاتلة بني قريظة لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أن ينظروا إلى مؤتزر كل من أشكل عليهم أمره فمن وجدوه قد أنبت قتلوه و لو لا جواز النظر إلى العورة عند الضرورة لما قامت شهادة الزنى لأن من رأى رجلا مع امرأة واقعا عليها متى لم يتأمل أمرهما حق التأمل لم تصح شهادته و لهذا قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لسعد بن عبادة و قد سأله عمن وجد مع امرأته رجلا أ يقتله فقال حتى يأتي بأربعة شهداء فلو لم يكن الشهداء إذا حضروا تعمدوا إلى النظر إلى عورتيهما لإقامة الشهادة كان حضورهم كغيبتهم و لم تقم شهادة الزنى لأن من شرطها مشاهدة العضو في العضو كالميل في المكحلة.فإن قيل كيف جاز لأمير المؤمنين (عليه السلام) الكف عن القتل و من أي جهة آثره لما وجده أجب و أي تأثير لكونه أجب فيما استحق به القتل و هو نقض العهد.قلنا إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لما فوض إليه الأمر في القتل و الكف كان له أن يقتله على كل حال و إن وجده أجب لأن كونه بهذه الصفة لا يخرجه عن نقض العهد و إنما آثر الكف الذي كان إليه و مفوضا إلى رأيه لإزالة التهمة و الشك الواقعين في أمر مارية و لأنه أشفق من أن يقتله فيتحقق الظن و يلحق بذلك العار فرأى (عليه السلام) أن الكف أولى لما ذكرناه.فأما غريب الحديث فقوله شغر برجليه يريد رفعهما و أصله في وصف الكلب إذا رفع رجله للبول و أما قوله فإذا إنه أجب فيعني به المقطوع الذكر لأن الجب هو القطع و منه بعير أجب إذا كان مقطوع السنام و قد ظن بعض من تأول هذا الخبر أن الأمسح هاهنا هو قليل لحم الألية و هذا غلط لأن الوصف بذلك لا معنى له في الخبر و إنما أراد تأكيد الوصف له بأنه أجب و المبالغةفيه لأن قوله أمسح يفيد أنه مصطلم الذكر و يزيد على معنى الأجب زيادة ظاهرة انتهى كلامه (قدسّ سرّه) و لم نتعرض لما يرد على بعض ما أفاده (رحمه الله) أحاله على فهم الناظرين.
[بحار الأنوار (ج17-35)] · موسوعة الغيبة والظهور