⟨وَ ذَكَرْتَ أَنَّهُ لَيْسَ لِي وَ لِأَصْحَابِي عِنْدَكَ إِلَّا السَّيْفُ فَلَقَدْ أَضْحَكْتَ بَعْدَ اسْتِعْبَارٍ مَتَى أَلْفَيْتَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنِ الْأَعْدَاءِ نَاكِلِينَ وَ بِالسُّيُوفِ مُخَوَّفِينَ⟩
فَالْبَثْ قَلِيلًا يَلْحَقِ الْهَيْجَا حَمَلٌ-فَسَيَطْلُبُكَ مَنْ تَطْلُبُ وَ يَقْرُبُ مِنْكَ مَا تَسْتَبْعِدُ وَ أَنَا مُرْقِلٌ نَحْوَكَ فِي جَحْفَلٍ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ وَ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ شَدِيدٍ زِحَامُهُمْ سَاطِعٍ قَتَامُهُمْ مُتَسَرْبِلِينَ سَرَابِيلَ الْمَوْتِ أَحَبُّ اللِّقَاءِ إِلَيْهِمْ لِقَاءُ رَبِّهِمْ قَدْ صَحِبَتْهُمْ ذُرِّيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ وَ سُيُوفٌ هَاشِمِيَّةٌ قَدْ عَرَفْتَ مَوَاقِعَ نِصَالِهَا فِي أَخِيكَ وَ خَالِكَ وَ جَدِّكَ وَ أَهْلِكَ وَ ما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ.بيان قال ابن أبي الحديد بعد إيراد هذا الكتاب سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد قلت أرى هذا الجواب منطبقا على كتاب معاوية الذي بعثه مع أبي مسلم الخولاني إلى علي (عليه السلام) فإن كان هذا هو الجواب فالجواب الذي ذكره أرباب السيرة و أورده نصر بن مزاحم في كتاب صفين إذن غير صحيح و إن كان ذاك الجواب فهذا الجواب إذن غير صحيح و لا ثابت.فقال لي بل كلاهما ثابت مروي و كلاهما كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) و ألفاظه ثم أمرني أن أكتب ما يمليه علي فكتبته.قال رحمه الله كان معاوية يتسقط عليا (عليه السلام) و يبغي عليه ما عساه أن يذكره من حال أبي بكر و عمر و أنهما غصباه حقه و لا يزال يكيده بالكتاب يكتبه و الرسالة يبعثها يطلب غرته لينفث بما في صدره من حال أبي بكر و عمر إما مكاتبة أو مراسلة فيجعل ذلك حجة عليه عند أهل الشام و يضيفه إلى ما قدره في أنفسهم من ذنوبه كما زعم فكان غمصه عندهم بأنه قتل عثمان أو مالأ على قتله و أنه قتل طلحة و الزبير و أسر عائشة و أراق دماء أهل البصرةو بقيت خصلة واحدة و هو أن يثبت عندهم أنه يبرأ من أبي بكر و عمر و ينسبهما إلى الظلم و مخالفة الرسول في أمر الخلافة و أنهما وثبا عليها غلبة و غصباه إياها فكانت هذه تكون الطامة الكبرى و ليست مقتصرة على إفساد أهل الشام عليه بل و أهل العراق الذين هم جنده و بطانته و أنصاره لأنهم كانوا يعتقدون إمامة الشيخين إلا القليل الشاذ من خواص الشيعة.فلما كتب ذلك الكتاب مع أبي مسلم الخولاني قصد أن يغضب عليا و يحرجه و يحوجه إذا قرأ ذكر أبي بكر و أنه أفضل المسلمين إلى أن يرهن خطه في الجواب بكلمة تقتضي طعنا في أبي بكر فكان الجواب مجمجما غير بين ليس فيه تصريح بالتظليم لهما و لا التصريح ببراءتهما و تارة يترحم عليهما و تارة يقول أخذا حقي و قد تركته لهما.فأشار عمرو بن العاص على معاوية أن يكتب كتابا ثانيا مناسبا للكتاب الأول ليستفزا فيه عليا (عليه السلام) و يستخفاه و يحمله الغضب منه أن يكتب كلاما يتعلقان به في تقبيح حاله و تهجين مذهبه و قال له عمرو إن عليا (عليه السلام) رجل نزق تياه ما استطعمت منه الكلام بمثل تقريظ أبي بكر و عمر فاكتب إليه ثانيا فكتب كتابا أنفذه إليه مع أبي أمامة الباهلي و هو من الصحابة بعد أن عزم على بعثه مع أبي الدرداء و نسخة الكتاب.من عبد الله معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب أما بعد فإن الله تعالى جده اصطفى محمدا ص لرسالته و اختصه بوحيه و تأدية شريعته فأنقذ به من العماية و هدى به من الغواية ثم قبضه إليه رشيدا حميدا قدو قال المجلسيّ على ما في هامش بحار الأنوار ط الكمبانيّ: «الاستطعام» هنا استخراج الكلام. قال الجوهريّ: «استطعمه» سأله أن يطعمه، و في الحديث: إن استطعمكم الامام فأطعموه. انتهى. و في بعض النسخ بتقديم الميم على العين و لعله تصحيف. بلغ الشرع و محق الشرك و أخمد نار الإفك فأحسن الله جزاءه و ضاعف عليه نعمه و آلاءه.ثم إن الله سبحانه اختص محمدا ص بأصحاب أيدوه و آزروه و نصروه و كانوا كما قال الله سبحانه لهم ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾فكان أفضلهم مرتبة و أعلاهم عند الله و المسلمين منزلة الخليفة الأول الذي جمع الكلمة و لم الدعوة و قاتل أهل الردة ثم الخليفة الثاني الذي فتح الفتوح و مصر الأمصار و أذل رقاب المشركين ثم الخليفة الثالث المظلوم الذي نشر الملة و طبق الآفاق بالكلمة الحنيفية.فلما استوثق الإسلام و ضرب بجرانه عدوت عليه فبغيته الغوائل و نصبت له المكايد و ضربت له بطن الأمر و ظهره و دسست عليه و أغريت به و قعدت حيث استنصرك عن نصرته و سألك أن تدركه قبل أن يمزق فما أدركته.و ما يوم المسلمين منك بواحد لقد حسدت أبا بكر و التويت عليه و رمت إفساد أمره و قعدت في بيتك عنه و استغويت عصابة من الناس حتى تأخروا عن بيعته.ثم كرهت خلافة عمر و حسدته و استطلت مدته و سررت بقتله و أظهرت الشماتة بمصابه حتى إنك حاولت قتل ولده لأنه قتل قاتل أبيه.ثم لم تكن أشد حسدا منك لابن عمك عثمان نشرت مقابحه و طويت محاسنه و طعنت في فقهه ثم في دينه ثم في سيرته ثم في عقله و أغريت به السفهاء من أصحابك و شيعتك حتى قتلوه بمحضر منك لا تدفع عنه بلسان و لا يد.و ما من هؤلاء إلا من بغيت عليه و تلكأت في بيعته حتى حملت إليه قهرا تساق بخزائم الاقتسار كما يساق الفحل المخشوش ثم نهضت الآنتطلب الخلافة و قتلة عثمان خلصاؤك و سجراؤك و المحدقون بك و تلك من أماني النفوس و ضلالات الأهواء.فدع اللجاج و العنت جانبا و ادفع إلينا قتلة عثمان و أعد الأمر شورى بين المسلمين ليتفقوا على من هو لله رضا فلا بيعة لك في أعناقها و لا طاعة لك علينا و لا عتبى لك عندنا و ليس لك و لأصحابك عندي إلا السيف و ﴿الذي لا إله إلا هو﴾ لأطلبن قتلة عثمان أين كانوا و حيث كانوا حتى أقتلهم أو تلحق روحي بالله.فأما ما لا تزال تمت به من سابقتك و جهادك فإني وجدت الله سبحانه يقول ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾و لو نظرت في حال نفسك لوجدتها أشد الأنفس امتنانا على الله بعملها و إذا كان الامتنان على السائل يبطل أجر الصدقة فالامتنان على الله يبطل أجر الجهاد و يجعله ك ﴿صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ وَ ﴿اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾قال النقيب أبو جعفر فلما وصل هذا الكتاب إلى علي (عليه السلام) مع أبي أمامة الباهلي كلم أبا أمامة بنحو مما كلم به أبا مسلم الخولاني و كتب معه هذا الجواب.قال النقيب و في كتاب معاوية هذا ذكر لفظة الجمل المخشوش أو الفحل المخشوش لا في الكتاب الواصل مع أبي مسلم و ليس في ذلك هذه اللفظة و إنما فيه حسدت الخلفاء و بغيت عليهم عرفنا ذلك من نظرك الشزر و قولكأقول: و في المطبوع من شرح النهج: «تمن» كما هو المتناسب مع الآية. الهجر و تنفسك الصعداء و إبطاؤك عن الخلفاء قال و إنما كثير من الناس لا يعرفون الكتابين و المشهور عندهم كتاب أبي مسلم فيجعلون هذه اللفظة فيه و الصحيح أنها في كتاب أبي أمامة أ لا تراها عادت في الجواب و لو كانت في كتاب أبي مسلم لعادت في جوابه.انتهى كلام النقيب أبي جعفر أقول إنما أوردت هذا الكتاب على كاتبه و ممليه أشد العذاب ليتضح الجواب و ليظهر لكل عاقل كفر هذا المنافق المرتاب.قوله (عليه السلام) فلقد خبأ لنا الدهر قال في النهاية خبأت الشيء خبئا إذا أخفيته و الخبء كل شيء غائب مستور و لعل المعنى أن الدهر أخفى لنا من أحوالك شيئا عجبا لم نكن نظن ذلك حتى ظهر منك.و يحتمل أن يكون على سبيل التجريد أي أنت أعجب الأشياء في الدهر كنت مخفيا فظهرت من قبيل لقيني منه أسد: قال ابن ميثم و وجه العجب أنه أخبر أهل بيت النبي ص بحاله و ما أنعم الله به عليه مع علمهم البالغ بحاله و كونهم أولى بالإخبار عنها و ضرب له في ذلك مثلين و أصل المثل الأول أن رجلا قدم من هجر إلى البصرة بمال اشترى به شيئا للربح فلم يجد فيها أكسد من التمر فاشترى بماله تمرا و حمله إلى هجر و ادخره في البيوت ينتظر به السعر فلم يزدد إلا رخصا حتى فسد جميعه و تلف ما له فضرب مثلا لمن يحمل الشيء إلى معدنه لينتفع به فيه و هجر معروفة بكثرة التمر حتى أنه ربما يبلغ سعر خمسين جلة بدينار و وزن الجلة مائة رطل فذلك خمسة آلاف رطل و لم يسمع ذلك في غيرها من البلاد.و الثاني أنه شبهه بداعي مسدده و أستاده في الرمي إلى المراماة و مسدده أولى بأن يدعوه إلى ذلك.قوله (عليه السلام) إن تم اعتزلك كله أي تباعد عنك و المعنى ذكرت أمرا إن تم لم ينفعك و إن نقص لم يضرك بل لا تعلق له بك أصلا و الثلمة الخلل في الحائط و غيره و السياسة القيام على الشيء بما يصلحه و ليس في هذا الكلام شهادة منه (عليه السلام) على فضل الخلفاء لما عرفت من المصلحة في هذا الإجمال.و قال في النهاية أصل الحنين ترجيع الناقة صوتها أثر ولدها و منه كتاب علي (عليه السلام) إلى معاوية و أما قولك كيت و كيت فقد حن قدح ليس منها هو مثل يضرب لرجل ينتمي إلى نسب ليس منه أو يدعي ما ليس منه في شيء و القدح بالكسر أحد سهام الميسر فإذا كان من غير جوهر أخواته ثم حركها المفيض بها خرج له صوت يخالف أصواتها يعرف به.قال الزمخشري في المستقصى القداح التي يضرب بها تكون من نبع فربما ضاع منها قدح فنحيت على مثاله من غرب أو غيره آخر بالعجلة فإذا احتك معها صوت صوتا لا يشابه أصواتها فيقال ذلك ثم ضربه عمر لعقبة بن أبي معيط حين أمر النبي ص بضرب عنقه يوم بدر فقال اقتل من بين قريش أراد عمر أنك لست من قريش.و قيل في بني الحنان و هم بطن من بلحرث إن جدهم ألقى قدحا في قداح قوم يضربون بالمسير و كان يضرب لهم رجل أعمى فلما وقع قدحه في يده قال حن قدح ليس منها فلقب الحنان لذلك يضرب لمنتحل نسبا أو فضلا انتهى.قوله (عليه السلام) يحكم فيها أي في هذه القصة أو القضية من كان الحكم لها عليه لا له.و يجوز إرجاع الضمير إلى الطبقات.و قال ابن ميثم يضرب لمن يحكم على قوم و فيهم و هو من أراد لهم و ليس للحكم بأهل بل هم أولى منه به.و قال الجوهري يقال اربع على نفسك و اربع على ظلعك أي ارفق بنفسك و كف يقال ظلعت الأرض بأهلها أي ضاقت بهم من كثرتهم و يقال ارق على ظلعك أي اربع على نفسك و لا تحمل عليها أكثر مما تطيق.و قال في النهاية فيه أنه لا يربع على ظلعك الظلع بالسكون العرج و المعنى لا يقيم عليك في حال ضعفك و ربع في المكان إذا أقام به.و في الصحاح أصل الذراع هو بسط اليد و يقال ضقت بالأمر ذرعا إذا لم تطقه و لم تقو عليه.و قال ابن ميثم قوله (عليه السلام) حيث أخره القدر إشارة إلى مرتبته النازلة التي جرى القدر بها أن تكون نازلة عن مراتب السابقين و قد أمره بالتأخر فيها و الوقوف عندها.قوله (عليه السلام) في التيه أي في الضلال و التحير أو في التكبر.قال في النهاية تاه يتيه تيها إذا تحير و ضل و إذا تكبر و الرواغ الميال.و القصد المعتدل الذي لا يميل إلى طرفي الإفراط و التفريط.قوله (عليه السلام) غير مخبر أي أتكلم بكلامي هذا لا لإخباري إياك بل للتحدث بنعمته سبحانه إما لأن معاوية غير قابل للخطاب و الإخبار بهذا الكلام و المقام مقام تحقيره أو لأنه كان عالما به أو لأنه يتراءى من مثل هذا الكلام و إخبار الخصم به المفاخرة بذكر تلك الفضائل فدفع ذلك التوهم بقوله لكن بنعمة الله أحدث و ما بعد لكن بهذا الاحتمال أنسب و إن كان قوله (عليه السلام) لك بالأول ألصق.قوله (عليه السلام) قيل سيد الشهداء قال ابن أبي الحديد أي في حياة النبي ص لأن عليا (عليه السلام) مات شهيدا و لا خلاف في أنه أفضل من حمزة و جعفر و غيرهما بل هو سيد المسلمين.المراد هاهنا [من قوله:] «سيد الشهداء» حمزة.و ينبغي أن يحمل قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فيه: «إنّه سيد الشهداء» على أنّه سيد الشهداء في حياة النبيّ [لا عموم الشهداء] لأن عليّا (عليه السلام) مات شهيدا، و لا يجوز أن يقال: حمزة سيده، بل هو سيّد المسلمين كلهم و لا خلاف بين أصحابنا أنّه أفضل من حمزة و جعفر... قوله بسبعين تكبيرة قال ابن ميثم أي في أربع عشرة صلاة و ذلك أنه كلما كبر عليه خمسا حضرت جماعة أخرى من الملائكة فصلى بهم عليه أيضا و ذلك من خصائص حمزة.قوله (عليه السلام) لذكر ذاكر يعني نفسه و إنما نكره و لم يأت بالألف و اللام و لم ينسبه إلى نفسه لئلا يصرح بتزكية نفسه و استعار لفظ المج لكراهية النفس لبعض ما يكرر سماعه و إعراضها عنه فإنها تصير كالقاذف له من الأذن كما يقذف الماج الماء من فيه كذا قيل و الظاهر أنه كناية عن أنها لوضوحها لا يمكن لأحد إنكارها فغير المؤمنين و إن ثقل عليهم سماعها فلا يمكنهم إنكارها.قوله (عليه السلام) فدع عنك إلخ الرمية الصيد يرمى يقال بئس الرمية الأرنب أي بئس الشيء مما يرمي الأرنب و المعنى دع ذكر من مال إلى الدنيا و أمالته إليها و أمالته عن الطريق المستقيم فإن شأن الصيد الخروج عن الطريق و هي إشارة إلى الخلفاء و الكلام في بيان التفاضل سابقا و لاحقا.و قال ابن أبي الحديد هذه إشارة إلى عثمان لا إلى أبي بكر و عمر و هذا مما لا يُسْمِنُ وَ لا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ مع أن المذكور في كتاب معاوية لم يكن عثمان وحده كما عرفت.و قال ابن ميثم رحمه الله أي فدع عنك أصحاب الأغراض الفاسدة و لا تلتفت إلى ما يقولون في حقنا كعمرو بن العاص و يحتمل أن يكون الإشارة إلى نفسه على طريقة قولهم إياك أعني و اسمعي يا جارة.و استعار لفظ الرمية و كنى بها عن الأمور التي تقصدها النفوس و ترميها بقصودها انتهى.و لا يخفى بعده و أبعد منه ما ذكره الكيدري حيث قال أراد أنه مطعون في نسبه و حسبه و أنه أزاله عن مقام التفاخر و التنافر مطاعن شهرت فيه انتهى. و كأنه حمل الرمية على السهام المرمية.قوله (عليه السلام) فإنا صنائع ربنا هذا كلام مشتمل على أسرار عجيبة من غرائب شأنهم التي تعجز عنها العقول و لنتكلم على ما يمكننا إظهاره و الخوض فيه فنقول صنيعة الملك من يصطنعه و يرفع قدره و منه قوله تعالى وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي أي اخترتك و أخذتك صنيعتي لتنصرف عن إرادتي و محبتي فالمعنى أنه ليس لأحد من البشر علينا نعمة بل الله تعالى أنعم علينا فليس بيننا و بينه واسطة و الناس بأسرهم صنائعنا فنحن الوسائط بينهم و بين الله سبحانه.و يحتمل أن يريد بالناس بعض الناس أي المختار من الناس نصطنعه و نرفع قدره.و قال ابن أبي الحديد هذا مقام جليل ظاهره ما سمعت و باطنه أنهم عبيد الله و الناس عبيدهم.و قال ابن ميثم لفظ الصنائع في الموضعين مجاز من قبيل إطلاق اسم المقبول على القابل و الحال على المحل يقال فلان صنيعة فلان إذا اختصه لموضع نعمته و النعمة الجزيلة التي اختصهم الله بها هي نعمة الرسالة و ما يستلزمه من الشرف و الفضل حتى كان الناس عيالاتهم فيها.قوله (عليه السلام) و عادي طولنا قال الجوهري عاد قبيلة و هم قوم هود (عليه السلام) و شيء عادي أي قديم كأنه منسوب إلى عاد.و قال ابن أبي الحديد الطول الفضل و قال الأفعال الجميلة كما تكون عادية بطول المدة تكون عادية بكثرة المناقب و المآثر و المفاخر و إن كانت المدة قصيرة و لا يراد بالقديم قديم الزمان بل من قولهم لفلان قديم أثر أي سابقة حسنة و إنما جعلنا اللفظ مجازا لأن بني هاشم و بني أمية لم يفترقا في الشرف إلا منذ نشأ هاشم بن عبد مناف ثم لم تكن المدة بين نشإ هاشم و إظهار محمد ص الدعوة إلا نحو تسعين سنة انتهى. و أقول قد ظهر لك مما سبق أن بني أمية لم يكن لهم نسب صحيح ليشاركوا في الحسب آباءه مع أن قديم عزهم لم ينحصر في النسب بل أنوارهم (عليه السلام) أول المخلوقات و من بدء خلق أنوارهم إلى خلق أجسادهم و ظهور آثارهم كانوا معروفين بالعز و الشرف و الكمالات في الأرضين و السماوات يخبر بفضلهم كل سلف خلفا و رفع الله ذكرهم في كل أمة عزا و شرفا.و قوله (عليه السلام) فعل الأكفاء منصوب على المصدر بفعل مقدر المكذب أبو سفيان و قيل أبو جهل و أسد الله حمزة و أرضاه و أسد الأحلاف هو أسد بن عبد العزى و قال في القاموس الحلف بالكسر العهد بين القوم و الصداقة و الصديق يحلف لصاحبه أن لا يغدر به و الجمع أحلاف. و الأحلاف في قول زهير أسد و غطفان لأنهم تحالفوا علىروى أحمد في الحديث: من باب فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) من كتاب الفضائل، ط 1، قال:حدّثنا الحسن، قال: حدّثنا أحمد بن المقدام العجليّ قال: حدّثنا الفضيل بن عياض، قال: حدّثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن زاذان:عن سلمان قال: سمعت حبيبي رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] و سلم يقول:كنت أنا و على نورا بين يدي اللّه عزّ و جلّ قبل أن يخلق اللّه آدم بأربعة عشر ألف عام، فلما خلق اللّه آدم قسم ذلك النور جزءين فجزء أنا و جزء على.و للحديث مصادر كثيرة يقف عليها الباحث في تعليق الحديث، و في الحديث: و تعليقه من ترجمة أمير المؤمنين (عليه السلام) من تاريخ دمشق: ج 1،، ط 2.و رواه أيضا ابن أبي الحديد في شرح المختار: من نهج البلاغة من شرحه:ج 9، ط مصر، و في ط الحديث ببيروت: ج 3 قال: رواه أحمد في مسند [سلمان من كتاب] المسند [ج 5 ص 437] و ذكره [أيضا] صاحب الفردوس و زاد فيه: ثم انتقلنا حتّى صرنا في عبد المطلب فكان لي النبوّة و لعلى الوصية. التناصر و الأحلاف قوم من ثقيف و في قريش ست قبائل عبد الدار و كعب و جمح و سهم و مخزوم و عدي لأنهم
[بحار الأنوار (ج17-35)] · موسوعة الغيبة والظهور