⟨قَالَ مَنْ تَقَدَّمَ إِلَى وَلَايَتِنَا أُخِّرَ عَنْ سَقَرَ وَ مَنْ تَأَخَّرَ عَنَّا تَقَدَّمَ إِلَى سَقَرَ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ⟩
قَالَ هُمْ وَ اللَّهِ شِيعَتُنَا قُلْتُ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَقَالَ إِنَّا لَمْنَتَوَلَّ وَصِيَّ مُحَمَّدٍ وَ الْأَوْصِيَاءَ مِنْ بَعْدِهِ وَ لَا يُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ قُلْتُ ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾قَالَ عَنِ الْوَلَايَةِ مُعْرِضِينَ قُلْتُ كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ قَالَ الْوَلَايَةُ قُلْتُ قَوْلُهُ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ قَالَ يُوفُونَ لِلَّهِ بِالنَّذْرِ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْهِمْ فِي الْمِيثَاقِ مِنْ وَلَايَتِنَا قُلْتُ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ قَالَ بِوَلَايَةِ عَلِيٍّ تَنْزِيلًا قُلْتُ هَذَا تَنْزِيلٌ قَالَ نَعَمْ هَذَا تَأْوِيلٌ قُلْتُ إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ قَالَ الْوَلَايَةُ قُلْتُ ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾قَالَ فِي وَلَايَتِنَا قَالَ وَ الظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً أَ لَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَعَزُّ وَ أَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَظْلِمَ أَوْ أَنْ يَنْسُبَ نَفْسَهُ إِلَى ظُلْمٍ وَ لَكِنَّ اللَّهَ خَلَطَنَا بِنَفْسِهِ فَجَعَلَ ظُلْمَنَا ظُلْمَهُ وَ وَلَايَتَنَا وَلَايَتَهُ ثُمَّ أَنْزَلَ بِذَلِكَ قُرْآناً عَلَى نَبِيِّهِ فَقَالَ وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ قُلْتُ هَذَا تَنْزِيلٌ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَقَالَ يَقُولُ وَيْلٌ لِلْمُكَذِّبِينَ يَا مُحَمَّدُ بِمَا أَوْحَيْتُ إِلَيْكَ مِنْ وَلَايَةِ عَلِيٍ أَ لَمْ ﴿نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾قَالَ الْأَوَّلِينَالَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ فِي طَاعَةِ الْأَوْصِيَاءِ كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَقَالَ مَنْ أَجْرَمَ إِلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَ رَكِبَ مِنْ وَصِيِّهِ مَا رَكِبَ قُلْتُ إِنَّ الْمُتَّقِينَ قَالَ نَحْنُ وَ اللَّهِ وَ شِيعَتُنَا لَيْسَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرُنَا وَ سَائِرُ النَّاسِ مِنْهَا بَرَاءٌ قُلْتُ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ الْآيَةَ قَالَ نَحْنُ وَ اللَّهِ الْمَأْذُونُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ الْقَائِلُونَ صَوَاباً قُلْتُ مَا تَقُولُونَ إِذَا تَكَلَّمْتُمْ قَالَ نُمَجِّدُ رَبَّنَا وَ نُصَلِّي عَلَى النحل: 118. المرسلات: 17 و 41. النبأ: 38. في نسخة: نحمد-. نَبِيِّنَا وَ نَشْفَعُ لِشِيعَتِنَا فَلَا يَرُدُّنَا رَبُّنَا قُلْتُ ﴿كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾قَالَ هُمُ الَّذِينَ فَجَرُوا فِي حَقِّ الْأَئِمَّةِ وَ اعْتَدَوْا عَلَيْهِمْ قُلْتُ ﴿ثُمَّ يُقَالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ قَالَ يَعْنِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قُلْتُ تَنْزِيلٌ قَالَ نَعَمْ.تبيين قوله (عليه السلام) ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) فسر المفسرون النور بالإيمان و الإسلام و فسره (عليه السلام) بالولاية لأنها العمدة فيهما و بها يتبين سائر أركانهما قوله (عليه السلام) متم الإمامة أي بنصب إمام في كل عصر و تبيين حجيته للناس و إن أنكروه أو الإتمام في زمان القائم (عليه السلام) ثم استشهد (عليه السلام) لكون النور الإمام بآية أخرى في سورة التغابن و هي هكذا فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فالتغيير إما من الرواة و النساخ أو منه (عليه السلام) نقلا بالمعنى و فسر المفسرون النور بالقرآن و أوله (عليه السلام) بالإمام (عليه السلام) لمقارنته للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في سائر الآيات الواردة في ذلك كآية إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ و آية أُولِي الْأَمْرِ و غيرهما و الإنزال لا ينافي ذلك لأنه قد ورد في شأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضا ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا﴾ فأنزل نور النبي و الوصي (صلوات الله عليهما) من صلب آدم إلى الأصلاب الطاهرة إلى صلب عبد المطلب فافترق نصفين فانتقل نصف إلى صلب عبد الله و نصف إلى صلب أبي طالب كما مر و قد قال تعالى النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ و فسر بعلي (عليه السلام) و أيضا يحتمل أن يكون الإنزال إشارة إلى أنه بعد رفعهم (عليه السلام) إلى أعلى منازل القرب و التقدس و العز و الكرامة أنزلهم إلى معاشرة الخلق و هدايتهم ليأخذوا عنهم العلوم بقدسهم و طهارتهم و يبلغوا إلىالخلق بظاهر بشريتهم فإنزالهم إشارة إلى هذا المعنى كما حققناه في مقام آخر و يحتمل أن يكون مبنيا على أنه ليس المراد بالإيمان بالقرآن الإذعان به مجملا بل فهم معانيه و التصديق بها و لا يتيسر ذلك إلا بمعرفة الإمام و ولايته فإنه الحافظ للقرآن لفظا و معنى و ظهرا و بطنا بل هو القرآن حقيقة كما سيأتي تحقيقه في كتاب القرآن و غيره إن شاء الله.هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ أقول هذا المضمون مذكور في ثلاثة مواضع من القرآن أولها في التوبة يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى ﴿اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ وَ لَوْ ﴿كَرِهَ الْكافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى﴾ وَ دِينِ ﴿الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.و ثانيها في الفتح ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى﴾ وَ دِينِ ﴿الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ وَ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً و ثالثها في الصف يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ ﴿كَرِهَ الْكافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى﴾ وَ دِينِ ﴿الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ و الظاهر أن الذي ورد في الخبر هو تأويل ما في سورة الصف و قوله وَ اللَّهُ مُتِمُ ولاية القائم عود إلى تأويل تتمة الآية الأولى لأن السائل استعجل و سأل عن تفسير الآية الثانية قبل إتمام تفسير الأولى فعاد (عليه السلام) إلى تفسير الآية الأولى و لم يفسر وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ لتقارب مفهومي عجزي الآيتين و يحتمل أن يكون وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ تفسيرا لقوله وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ أو نقلا بالمعنى و الأول أظهر.و قوله (عليه السلام) أما هذا الحرف أي قوله بولاية علي في آخر الآية أو من قوله و الله إلى قوله علي.قوله (عليه السلام) بولاية وصيك أي بسببها فإن نفاقهم كان بسبب إنكار الولاية أو فيها لأنهم كانوا يظهرون قبولها و يسعون باطنا في إزالتها لَكاذِبُونَ أي في ادعائهم الإذعان بنبوتك إذ تكذيب الولاية يستلزم تكذيب النبوة و السبيل هو الوصي لأنه الموصل إلى النجاة و الداعي إلى سبيل الخير و لا يقبل عمل إلا بولايته لا يعقلون بنبوتك أي لا يدركون حقيقتها و حقيتها و لا يفهمون أن إنكار الوصي تكذيب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و أن معنى النبوة و فائدتها و نفعها لا تتم إلا بتعيين وصي معصوم حافظ لشريعته فمن لم يؤمن بالوصي لم يعقل معنى النبوة فتصديقه على فرض وقوعه تصديق من غير تصور لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ أي عطفوها إعراضا و استكبارا عن ذلك وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ أي يعرضون قوله (عليه السلام) ثم عطف القول هو على بناء المفعول و الباء في قوله بمعرفته بمعنى إلى أي عطف الله تعالى القول عن بيان حالهم إلى بيان علمه بعاقبة أمرهم و أنهم لا ينفعهم الإنذار و يحتمل أن تكون الباء سببية فيرجع إلى الأول.فإن قيل المشهور بين المفسرين نزول تلك الآيات في ابن أبي المنافق و أصحابه و هو مناف لما في الخبر.قلت خصوص السبب لا يصير سببا لخصوص الحكم و ما ورد من الأحكام في جماعة يجري في أضرابهم إلى يوم القيامة مع أنه قد كانت الآيات تنزل مرتين في قضيتين لتشابههما و أيضا لا اعتماد على أكثر ما رووه في أسباب النزول و بالجملة يحتمل أن يكون المعنى أن آيات النفاق تشمل جماعة كانوا يظهرون الإيمان بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) و ينكرون إمامة وصيه فإنه كفر به حقيقة أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا يقال كببته فأكب و قد مر تفسير الآية من حاد أي مال و عدل و الحاصل أن شيعة علي (عليه السلام) التابع له في عقائده و أعماله يمشي على صراط مستقيم لا يعوج عن الحق و لا يشتبه عليه الطريق و لا يقع في الشبهات التي توجب عثاره و يعسر عليه التخلص منها و المخالف له أعمى حيران لا يعلم مقصده عاقبة أمره فيسلك الطرق الوعرة المشتبهة التي لا يدري أين ينتهي و يقع في حفر و مضايق و شبهات لا يعرف كيفية التخلص منها و الصراط المستقيم أمير المؤمنين أي ولايته و متابعته أو يقدر في الآية مضاف.إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ قال المفسرون الضمير راجع إلى القرآن و على ما فسره (عليه السلام) أيضا راجع إليه لكن باعتبار الآيات النازلة في الولاية أو المعنى أنها جار فيها أيضا بل هي عمدتها.قوله (عليه السلام) قالوا إن محمدا تفسير لشاعر لأن المراد به من يروج الكذب بلطائف الحيل و يكون بناء كلامه على الخيالات الشعرية لأن عدم كون القرآن شعرا مما لا يريب فيه أحد قوله (عليه السلام) إن ولاية علي لا ينافي رجوع الضمير إلى القرآن لأن المراد به الآيات النازلة في الولاية كما عرفت لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ كناية عن شدة الأخذ لأن الأخذ بها أشد و أقوى من الأخذ باليسار و الوتين عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه ثم عطف على بناء المعلوم و الضمير لله أي أرجع القول إلى ما كان في الولاية إن ولاية علي تفسير لقوله وَ إِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ أي الآيات النازلة في الولاية و فسر المتقين بالعالمين بالولاية أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ أي بالولاية و إن عليا لحسرة هذا أيضا تفسير لمرجع الضمير و بيان لحاصل المعنى فإن الآيات النازلة في الولاية و عدم العمل بها لما صارت وبالا و حسرة على الكافرين يوم القيامة فكأنه (عليه السلام) حسرة لهم و كذا الكلام في قوله و إن ولايته فإن الضمائر كلها راجعة إلى شيء واحد و عبر عنه بعبارات مختلفة تفننا و توضيحا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى فسروا الهدى بالقرآن و لما كان أكثره في الولاية إما تصريحا أو تلويحا و إما ظهرا أو بطنا فسر (عليه السلام) الهدى بالولاية و لما كان الإيمان بالولاية راجعا إلى الإيمان بالمولى أي صاحب الولاية و الذي هو أولى بكل أحد من نفسه أرجع ضمير به إلى المولى بيانا لحاصل المعنى و يحتمل أن يكون الهدى مصدرا بمعنى اسم الفاعل مبالغة فالمراد بالهدى الهادي و هو المولى و أول (عليه السلام) فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ بالإيمان بالولاية للدلالة على أن من لم يؤمن بالولاية لم يؤمن بربه فإنها شرط الإيمان بالله.فَلا يَخافُ بَخْساً وَ لا رَهَقاً قال البيضاوي أي نقصا في الجزاء و لا أن ترهقه دلة أو جزاء نقص لأنه لم يبخس حقا و لم يرهق ظلما لأن من حق الإيمان بالقرآن أن يجتنب ذلك.و في القاموس البخس النقص و الظلم و الرهق محركة غشيان المحارم ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا﴾ وَ لا رَشَداً قال البيضاوي أي و لا نفعا أو غيا و لا رشدا عبر عن أحدهما باسمه و عن الآخر باسم سببه أو مسببه إشعارا بالمعنيين ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ إن أراد بي سوءا وَ لَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً أي منحرفا و ملتجئا إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ استثناء من قوله لا أَمْلِكُ فإن التبليغ إرشاد و إنفاع و ما بينهما اعتراض مؤكد لنفي الاستطاعة أو من مُلْتَحَداً أو معناه أن لا أبلغ بلاغا و ما قبله دليل الجواب و رِسالاتِهِ عطف على بَلاغاً و مِنَ اللَّهِ صفته فإن صلته عن كقوله أبلغوا عني و لو آية انتهى.قوله أعفنا يقال أعفاه عن الأمر إذا لم يكلفه يعني بذلك القائم فإنه من جملة ما وعدوا به و لا ينافي شموله للقيامة و عقوباتها أيضا فاصبر عَلى ما يَقُولُونَ في المزمل وَ اصْبِرْ و كأنه من النساخ أو ذكر الفاء للإشعار بأن وَ اصْبِرْ عطف على ما اتخذ و هو من تتمة التفريع قال يقولون فيك أي إنه شاعر أو كاهن أو إن ما يقوله في ابن عمه هو من قبل نفسه وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا بأن تجانبهم و تداريهم و لا تكافيهم و تكل أمرهم إلى الله وَ ذَرْنِي أي دعني و إياهم فإني أجازيهم أُولِي النَّعْمَةِ أي أرباب التنعم وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلًا أي زمانا أو إمهالا قليلا قلت إن هذا تنزيل أي قوله بوصيك أي كذا نزل أو هو مدلوله التضمني فإن تكذيبه (صلى الله عليه وآله وسلم) في أمر الوصي تكذيب للوصي لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ قبله في المدثر ذَرْنِي وَ مَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَ جَعَلْتُ لَهُ مالًامَمْدُوداً إلى قوله سبحانه سَأُصْلِيهِ سَقَرَ وَ ما ﴿أَدْراكَ ما سَقَرُ لا تُبْقِي﴾ وَ لا ﴿تَذَرُ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ وَ ما ﴿جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً﴾ وَ ما ﴿جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ﴾ إلخ.و قال المفسرون الوحيد الوليد بن المغيرة و استيقان أهل الكتاب لموافقة عدد الزبانية لما في كتبهم و ازدياد إيمان المؤمنين بالإيمان به أو بتصديق أهل الكتاب وَ لا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَ الْمُؤْمِنُونَ تأكيد للاستيقان و زيادة الإيمان و نفي لما يعرض المستيقن حيثما عراه شبهة و قد ورد في أخبارنا أن الوحيد ولد الزنا و هو عمر و كذا تتمة الآيات فيه كما أوردناه في موضع آخر و لما كان تهديده بعذاب سقر لإنكار الولاية فذكر الولاية في تلك الآيات لذلك و فقه ذلك أنك قد عرفت مرارا أن الآية إذا نزلت في قوم فهي تجري في أمثالهم إلى يوم القيامة فظاهر الآيات في الوليد و باطنها في الزنيم العنيد و كما أن الأول كان معارضا في النبوة فكذا الثاني كان معارضا في الولاية و هما متلازمان و نفي كل منهما يستلزم نفي الأخرى فلا ينافي هذا التأويل كون السورة مكية مع أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أول بعثته (عليه السلام) أظهر إمامة وصيه كما مر فيحتمل أن يكون الكافر و المنافق معا نسباه إلى السحر لإظهار الولاية و أيضا نفي القرآن على أي وجه كان يستلزم نفي الولاية و إثباته إثباتها.قوله ما هذا الارتياب لعل السائل جعل قوله بولاية علي متعلقا بالمؤمنين فلا يعلم حينئذ أن متعلق الارتياب المنفي ما هو فلذلك سأل عنه.قوله نعم ولاية علي كان المعنى أن التذكير لولايته و يحتمل في بطن القرآن إرجاع الضمير إلى الولاية لكون الآيات نازلة فيها و كذا قوله (عليه السلام) الولاية يحتمل الوجهين و قوله (عليه السلام) من تقدم إلى ولايتنا يحتمل وجوها الأول أن يكون المراد بالتقدم التقدم إلى الولاية و بالتأخر التأخر عن سقر فالترديد بحسب اللفظ فقط.الثاني أن يكون كلاهما بالنظر إلى الولاية و أو للتقسيم كقولهم الكلمة اسم أو فعل أو حرف. الثالث أن يكون المراد كليهما بحسب ظهر الآية و بطنها بأن يكون بحسب ظهرها المراد التقدم إلى سقر و التأخر عنها و بحسب بطنها التقدم إلى الولاية و التأخر عنها كَلَّا إِنَّها في المدثر إِنَّهُ فكأنه في قراءتهم (عليه السلام) إنها أو هو من النساخ نعم في سورة عبس كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ فيحتمل أن يكون سؤال السائل عنها.قال بولاية علي أي المراد بالقرآن ما نزل منه في الولاية أو هي العمدة فيه قال نعم ليس نعم في بعض النسخ و هو أظهر و رواه صاحب تأويل الآيات الباهرة نقلا عن الكافي قال لا تأويل و على ما في أكثر النسخ من وجود نعم فيمكن أن يكون مبنيا على أن سؤال السائل على وجه الإنكار و الاستبعاد فقال (عليه السلام) نعم تصديقا لإنكاره أو يكون نعم فقط جوابا عن السؤال و ذا إشارة إلى ما قال (عليه السلام) في الآية السابقة إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ أقول المفسرون أرجعوا الضمير إلى السورة أو الآيات القريبة و لما تعاضدت روايات الخاص و العام على نزول السورة في أهل البيت (عليهم السلام) فتفسيره الإشارة بالولاية غير مناف لما ذكروه إذ السورة من حيث نزولها فيهم تذكرة لولايتهم و الاعتقاد بجلالتهم بل يحتمل أن يكون على تفسيره (عليه السلام) هذه إشارة إلى السورة أو الآيات و يكون قوله (عليه السلام) الولاية تفسيرا لمتعلق التذكرة أي ما يتذكر بها فلا تكلف أصلا في ولايتنا لا ريب أن الولاية من أعظم الرحمات الدنيوية و الأخروية و الظلم عليهم أعظم الظلم فهم لا محالة داخلون في الآية إن لم تكن مخصوصة بهم بقرينة مورد النزول ثم الظاهر من كلامه (عليه السلام) أن المراد بالظالمين من ظلم الله أي من ظلم الأئمة (عليهم السلام) و أنه عبر كذلك لبيان أن ظلمهم بمنزلة ظلم الرب تعالى شأنه و الحاصل أن الله تعالى أجل من أن ينسب إليه أحد ظلما بالظالميةأو المظلومية حتى يحتاج إلى أن ينفي عن نفسه ذلك بل الله سبحانه خلط الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام) بنفسه و نسب إلى نفسه سبحانه كل ما يفعل بهم أو ينسب إليهم لبيان كرامتهم لديه فقوله تعالى وَ ما ظَلَمْناهُمْ ليس الغرض نفي الظلم عن نفسه بل عن حججه بأنهم لا يظلمون الناس بقتلهم و جبرهم على الإسلام و الاستقامة على الحق بل هم يظلمون أنفسهم بترك متابعة الأنبياء و الأوصياء (صلوات الله عليهم) ثم إن تلك الآيات وردت في مواضع من القرآن المجيد ففي سورة البقرة وَ ظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.و في الأعراف وَ ظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَ إلى آخر ما مر و في هود وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ و في النحل وَ عَلَى ﴿الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فالآية الأولى هنا هي ما في البقرة و الأعراف و الثانية هي ما في النحل فقوله (عليه السلام) نعم في جواب هذا تنزيل مشكل إذ كون الولاية مكان الرحمة بعيد جدا و كون الآية و الظالمين آل محمد كما قيل تنافي ما حققه (عليه السلام) من قوله خلطنا بنفسه إلخ إلا أن يقال المراد بالتنزيل ما مر من أنه مدلوله المطابقي و التضمني لا الالتزامي أو أنه قاله جبرئيل عند إنزال الآية و في بعض النسخ و ما ظلموناهم في الأخير فيدل على أنه كان في النحل هكذا فضمير هم تأكيد و مضمونها مطابق لما في البقرة و الأعراف و هو أظهر.فإن قيل هذه القراءة تنافي ما في صدر الآية إذ الظاهر أنه استدراك لما يتوهم من أن التحريم ظلم عليهم فبين أن هذا جزاء ظلمهم.قلت قد قال تعالى في سورة النساء ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ﴾طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَ بِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً الآية فيحتمل أن يكون هذا لبيان أن ظلمهم الذي صار سببا لتحريم الطيبات عليهم لم يكن علينا أي على أنبيائنا و حججنا بل كان على أنفسهم حيث حرموا بذلك طيبات الدنيا و الآخرة و لعل هذا أفيد فخذ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ هي في المرسلات بعد قوله لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ أي يوم القيامة و تفسير المكذبين بالذين كذبوا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما أوحي إليه من الولاية إما لأنه مورد نزول الآية أو لأن التكذيب في الولاية داخل فيه بل هي عمدته و أشد أفراده و كذا الآيات اللاحقة يجري فيها الوجهان ثم قال في هذه السورة إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَ عُيُونٍ ففسر المتقين بالأئمة (عليهم السلام) و شيعتهم لأنه في مقابلة المكذبين المنكرين للولاية و لا ريب أن الإقرار بالولاية مأخوذ في التقوى بل فيما هو أعم منه و هو الإيمان و ملة إبراهيم هي التوحيد الخالص المتضمن للإقرار بجميع ما جاء به الرسل و أصله و عمدته الولاية و قد مر نزول الآية التالية في شفاعة النبي و الأئمة (عليهم السلام) في كتاب المعاد.60- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ مَنْ ﴿أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾قَالَ يَعْنِي بِهِ وَلَايَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قُلْتُ وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى
[بحار الأنوار (ج17-35)] · موسوعة الغيبة والظهور