الأقسامالنبوّة والإمامة والولاية وعلوم الأئمة ومعاجزهمالأنبياء السابقون
بحار الأنوار · رقم ٣١٥

المأمون لمّا جاءه رسول بني فاطمة فنصب وكيلا من قبلهم و جلس محاكما فردّها عليهم، و في ذلك يقول دعبل الخزاعي:أصبح وجه الزمان قد ضحكا* * * بردّ مأمون هاشما فدكا 154، جمهرة رسائل العرب 510، أعلام النساء 1211 و غيرها، بل ألّفت كتب كثيرة في الباب: ك (فدك) للسيّد محمّد حسين الموسوي القزوينيّ، و (فدك في التاريخ) للسيّد محمّد باقر الصدر، و غيرهما. انظر الآراء المتضاربة حول فدك في كتاب الغدير 194- 197 و غيره. ديوان دعبل الخزاعيّ: 248، و انظر: معجم البلدان 239، و شرح النهج لابن أبي الحديد 81، أمالي السيّد المرتضى 92، العقد الفريد 214 [5- 375]، الأغاني 32، معجم الأدباء 197، وفيات الأعيان 179 [2- 36]، مرآة الجنان 146، شذرات الذهب 112، النجوم الزاهرة 323، تاريخ بغداد 384، طبقات الشعراء:73، تاريخ دمشق 229، لسان الميزان 430.. و عشرات المصادر الأخرى. و لنبيّن خطأ أبي بكر في تلك القضية مع وضوحها بوجوه:أمّا أنّ فدكا كان لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فممّا لا نزاع فيه، و قد أوردنا من رواياتنا و أخبارنا لمخالفين ما فيه كفاية، و نزيده وضوحا بما رواه في:.22- جَامِعُ الْأُصُولِ مِمَّا أَخْرَجَهُ مِنْ صَحِيحِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ أَمْوَالَ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ*مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) خَاصَّةً قُرَى عُرَيْنَةَ وَ فَدَكُ وَ كَذَا وَ كَذَا.. يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ مِنْهَا نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَ الْكُرَاعِ عَدَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَ تَلَا: ﴿‏ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ‏﴾ وَ لِلرَّسُولِ... الْآيَةَ.23- وَ رَوَى أَيْضاً عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: كَانَ فِيمَا احْتَجَّ عُمَرُ أَنْ قَالَ:كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) ثَلَاثُ صَفَايَا: بَنُو النَّضِيرِ وَ خَيْبَرُ وَ فَدَكُ..إلى آخر الخبر.24- وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ كِتَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَوْهَرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ تَحَصَّنُوا، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنْ يَحْقُنَ دِمَاءَهُمْ وَ يُسَيِّرَهُمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَسَمِعَ أَهْلُ فَدَكَفَنَزَلُوا عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) خَاصَّةً، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا بِ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍقَالَ: وَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَمَّا فَرَغَ مِنْ خَيْبَرَ قَذَفَ اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ أَهْلِ فَدَكَ فَبَعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يُصَالِحُونَهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ فَدَكَ، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ رُسُلُهُمْ بِخَيْبَرَ أَوْ بِالطَّرِيقِ أَوْ بَعْدَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَكَانَتْ فَدَكُ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) خَاصَّةً لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهَا بِ خَيْلٍ وَ لا رِكابٍقَالَ: وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ صَالَحَهُمْ عَلَيْهَا كُلِّهَا، وَ اللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ، انتهى.و سيأتي اعتراف عمر بذلك في تنازع عليّ (عليه السلام) و العباس.و أمّا أنّه وهبها لفاطمة (عليها السلام)، فلأنّه لا خلاف في أنّها (صلوات اللّه عليها) ادّعت النحلة مع عصمتها الثابتة بالأدلّة المتقدّمة، و شهد له من ثبتت عصمته بالأدلّة الماضية و الآتية، و المعصوم لا يدّعي إلّا الحقّ، و لا يشهد إلّا بالحقّ، و يدور الحقّ معه حيثما دار.و أمّا أنّها كانت في يدها (صلوات اللّه عليها) فلأنّها ادّعتها بعد وفاة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) على وجه الاستحقاق، و شهد المعصوم بذلك لها، فإن كانت الهبة قبل الموت تبطل بموت الواهب- كما هو المشهور- ثبت القبض، و إلّا فلا حاجة إليه في إثبات المدّعى، و قد مرّ من الأخبار الدالّة على نحلتها، و أنّها كانت في يدها (عليها السلام) ما يزيد على كفاية المصنف، بل يسدّ طريق إنكارالمتعسّف.و يدلّ على أنّها كانت في يدها (صلوات اللّه عليها)ما ذكر أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي كِتَابِهِ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ حَيْثُ قَالَ: بَلَى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكٌ، مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ، فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ وَ سَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ آخَرِينَ، وَ نِعْمَ الْحَكَمُ اللَّهُ.و أمّا أنّ أبا بكر و عمر أغضبا فاطمة (عليها السلام)، فقد اتّضح بالأخبار المتقدّمة.ثم اعلم أنّا لم نجد أحدا من المخالفين أنكر كون فدك خالصة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في حياته، و لا أحدا من الأصحاب طعن على أبي بكر بإنكاره ذلك، إلّا ما تفطّن به بعض الأفاضل من الأشارف، مع أنّه يظهر من كثير من أخبار المؤالف و المخالف ذلك، و قد تقدّم ما رواه ابن أبي الحديد في ذلك عن أحمد ابن عبد العزيز الجوهري و غيرها من الأخبار، و لا يخفى أنّ ذلك يتضمّن إنكار الآية و إجماع المسلمين، إذ القائل بأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يصرف شيئا من غلّة فدك و غيرها من الصفايا في بعض مصالح المسلمين لم يقل بأنّها لم تكن لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، بل قال: بأنّه فعل ذلك على وجه التفضّل و ابتغاء مرضاة اللّه تعالى، و ظاهر الحال أنّه أنكر ذلك دفعا لصحّة النحلة، فكيف كان يسمع الشهود على النحلة مع ادّعائه أنّها كانت من أموال المسلمين.و اعتذر المخالفون من قبل أبي بكر بوجوه سخيفة...الأوّل: منع عصمتها (صلوات اللّه عليها)، و قد تقدّمت الدلائل المثبتة لها.الثاني: أنّه لو سلّم عصمتها فليس للحاكم أن يحكم بمجرّد دعواها و إنتيقّن صدقها.و أجاب أصحابنا بالأدلّة الدالّة على أنّ الحاكم يحكم بعلمه.و أيضا اتّفقت الخاصّة و العامّة على رواية قصّة خزيمة بن ثابت و تسميته بذي الشهادتين لما شهد للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بدعواه، و لو كان المعصوم كغيره لما جاز للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قبول شاهد واحد و الحكم لنفسه، بل كان يجب عليه الترافع إلى غيره.- وَ قَدْ رَوَى أَصْحَابُنَا أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) خَطَّأَ شُرَيْحاً فِي طَلَبِ الْبَيِّنَةِ مِنْهُ، وَ قَالَ: إِنَّ إِمَامَ الْمُسْلِمِينَ يُؤْتَمَنُ مِنْ أُمُورِهِمْ عَلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَ أَخَذَ مَا ادَّعَاهُ مِنْ دِرْعِ طَلْحَةَ بِغَيْرِ حُكْمِ شُرَيْحٍ،.و المخالفون حرّفوا هذا الخبر و جعلوه حجّة لهم.و اعتذروا بوجوه أخرى سخيفة لا يخفى على عاقل- بعد ما أوردنا في تلك الفصول- ضعفها و وهنها، فلا نطيل الكلام بذكرها.الرابعة:في توضيح بطلان ما ادّعاه أبو بكر من عدم توريث الأنبياء (عليهم السلام):.استدلّ أصحابنا على بطلان ذلك بآي من القرآن:الأولى:قوله تعالى مخبرا عن زكريّا (عليه السلام): وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَ كانَتِ ﴿‏امْرَأَتِي عاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي‏﴾ وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا.قوله تعالى: ❮‏وَلِيًّا‏❯ أي ولدا يكون أولى بميراثي، و ليس المراد بالولي من يقوم مقامه، ولدا كان أو غيره، لقوله تعالى حكاية عن زكريّا: ﴿‏رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً‏﴾. و قوله: رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَ وَهَبْنا لَهُ يَحْيى. و القرآن يفسّر بعضه بعضا.و اختلف المفسّرون في أنّ المراد بالميراث العلم أو المال؟.فقال ابن عباس و الحسن و الضحّاك أنّ المراد به في قوله تعالى: ❮‏يَرِثُنِي.‏❯و قوله سبحانه: وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ. ميراث المال، و قال أبو صالح:المراد به في الموضعين ميراث النبوّة. و قال السدّي و مجاهد و الشعبي: المراد به في الأوّل ميراث المال و في الثاني ميراث النبوّة، و حكي هذا القول عن ابن عباس و الحسن و الضحّاك، و حكي عن مجاهد أنّه قال: المراد من الأوّل العلم و من الثاني النبوّة.بتغيير في اللفظ. حكى هذا القول عنهم في التفسير الكبير 184، و عن ابن عبّاس في أحكام القرآن للجصّاص 216، و في زاد المسير لابن الجوزي 209. كما قاله في تفسير الفخر الرازيّ 184. و أمّا وجه دلالة الآية على المراد، فهو أنّ لفظ الميراث في اللغة و الشريعة و العرف إذا أطلق و لم يقيّد لا يفهم منه إلّا الأموال و ما في معناها و لا يستعمل في غيرها إلّا مجازا، و كذا لا يفهم من قول القائل لا وارث لفلان إلّا من ينتقل إليه أمواله و ما يضاهيها دون العلوم و ما يشاكلها، و لا يجوز العدول عن ظاهر اللفظ و حقيقته إلّا لدليل، فلو لم يكن في الكلام قرينة توجب حمل اللفظ على أحد المعنيين لكفى في مطلوبنا، كيف و القرائن الدالّة على المقصود موجودة في اللفظ؟!.أمّا أوّلا: فلأنّ زكريّا (عليه السلام) اشترط في وارثه أن يكون رضيّا، و إذا حمل الميراث على العلم و النبوّة لم يكن لهذا الاشتراط معنى، بل كان لغوا عبثا، لأنّه إذا سأل من يقوم مقامه في العلم و النبوّة فقد دخل في سؤاله الرضا و ما هو أعظم منه فلا معنى لاشتراطه، أ لا ترى أنّه لا يحسن أن يقول أحد: اللّهمّ ابعث إلينا نبيّا و اجعله مكلّفا عاقلا؟!.و أمّا ثانيا: فلأنّ الخوف من بني العم و من يحذو حذوهم يناسب المال دون النبوّة و العلم، و كيف يخاف مثل زكريّا (عليه السلام) من أن يبعث اللّه تعالى إلى خلقه نبيّا يقيمه مقام زكريّا و لم يكن أهلا للنبوّة و العلم، سواء كان من موالي زكريّا أو من غيرهم؟، على أنّ زكريّا (عليه السلام) كان إنّما بعث لإذاعة العلم و نشره في الناس فلا يجوز أن يخاف من الأمر الذي هو الغرض في بعثته.فإن قيل: كيف يجوز على مثل زكريّا (عليه السلام) الخوف من أن يرث الموالي ماله؟ و هل هذا إلّا الضنّ و البخل؟.قلنا: لمّا علم زكريّا (عليه السلام) من حال الموالي أنّهم من أهل الفساد، خاف أن ينفقوا أمواله في المعاصي و يصرفوه في غير الوجوه المحبوبة، مع أنّ في وراثتهم ماله كان يقوّي فسادهم و فجورهم، فكان خوفه خوفا من قوّة الفسّاقو تمكّنهم في سلوك الطرائق المذمومة، و انتهاك محارم اللّه عزّ و جلّ، و ليس مثل ذلك من الشحّ و البخل.فإن قيل: كما جاز الخوف على المال من هذا الوجه جاز الخوف على وراثتهم العلم لئلّا يفسدوا به الناس و يضلّوهم، و لا ريب في أنّ ظهور آثار العلم فيهم كان من دواعي اتّباع الناس إيّاهم و انقيادهم لهم.قلنا: لا يخلو هذا العلم الذي ذكرتموه من أن يكون هو كتبا علميّة و صحفا حكمية، لأنّ ذلك قد يسمّى علما مجازا، أو يكون هو العلم الذي يملأ القلوب و تعيه الصدور، فإن كان الأوّل، فقد رجع إلى معنى المال و صحّ أنّ الأنبياء (عليهم السلام) يورثون الأموال، و كان حاصل خوف زكريّا (عليه السلام) أنّه خاف من أن ينتفعوا ببعض أمواله نوعا خاصّا من الانتفاع، فسأل ربّه أن يرزقه الولد حذرا من ذلك، و إن كان الثاني، فلا يخلو- أيضا- من أن يكون هو العلم الذي بعث النبيّ لنشره و أدائه إلى الخلق، أو أن يكون علما مخصوصا لا يتعلّق لشريعة و لا يجب اطّلاع الأمّة عليه كعلم العواقب و ما يجري في مستقبل الأوقات..و نحو ذلك.و القسم الأوّل: لا يجوز أن يخاف النبيّ من وصوله إلى بني عمّه- و هم من جملة أمّته المبعوث إليهم لأن يهديهم و يعلّمهم- و كان خوفه من ذلك خوفا من غرض البعثة.و القسم الثاني: لا معنى للخوف من أن يرثوه إذ كان أمره بيده، و يقدر على أن يلقيه إليهم، و لو صحّ الخوف على القسم الأوّل لجرى ذلك فيه أيضا، فتأمّل.هذا خلاصة ما ذكره السيّد المرتضى في الشافي عند تقرير هذا الدليل، و ما أورد عليه من تأخّر عنه يندفع بنفس التقرير، كما لا يخفى علىالناقد البصير، فلذا لا نسوّد بإيرادها الطوامير.الآية الثانية:قوله تعالى: وَ وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَ قالَ ﴿‏يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ‏﴾ وَ أُوتِينا ﴿‏مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ‏﴾.وجه الدلالة، هو أنّ المتبادر من قوله تعالى- ورثه-، أنّه ورث ماله كما سبق في الآية المتقدّمة، فلا يعدل عنه إلّا لدليل.و أجاب قاضي القضاة في المغني: بأنّ في الآية ما يدلّ على أنّ المراد وراثة العلم دون المال، و هو قوله تعالى: وَ قالَ ﴿‏يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ‏﴾ فإنّه يدلّ على أنّ الذي ورث هو هذا العلم و هذا الفضل، و إلّا لم يكن لهذا تعلّق بالأوّل.و قال الرازي في تفسيره: لو قال تعالى: ورث سليمان داود ماله، لم يكن لقوله تعالى: وَ قالَ ﴿‏يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ‏﴾ معنى، و إذا قلنا ورث مقامه من النبوّة و الملك حسن ذلك، لأنّ علم منطق الطير يكون داخلا في جملة ما ورثه، و كذلك قوله: وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ لأنّ وارث العلم يجمع ذلك و وارث المال لا يجمعه، و قوله: ﴿‏إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ‏﴾ يليق أيضا بما ذكر دون المال الذي يحصل للكامل و الناقص، و ما ذكره اللّه تعالى من جنود سليمان بعده لا يليق إلّا بما ذكرنا، فبطل بما ذكرنا قول من زعم أنّه لا يورث إلّا المال، فأمّا إذا ورث المال و الملك معا فهذا لا يبطل بالوجوه الذي ذكرنا، بل بظاهرقَوْلِهِ (صلّى اللّه عليه و آله): نَحْنُ مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ. كما جاء في تفسير الفخر الرّازيّ 186. و ردّ السيّد المرتضى في الشافي كلام المغني بأنّه لا يمتنع أن يريد ميراث المال خاصّة، ثم يقول مع ذلك: إنّا عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ، و يشير بالفضل المبين إلى العلم و المال جميعا، فله في الأمرين جميعا فضل على من لم يكن كذلك، و قوله: وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتمل المال كما يحتمل العلم فليس بخالص لما ظنّه، و لو سلم دلالة الكلام على العلم لما ذكره، فلا يمتنع أن يريد أنّه ورث المال بالظاهر، و العلم بهذا النوع من الاستدلال فليس يجب إذا دلّت الدلالة في بعض الألفاظ على المجاز أن نقتصر بها عليه، بل يجب أن نحملها على الحقيقة- التي هي الأصل- إذا لم يمنع من ذلك مانع.و قد ظهر بما ذكره السيّد (قدّس سرّه) بطلان قول الرازي أيضا، و كان القاضي يزعم أنّ العطف لو لم يكن للتفسير لم يكن للمعطوف تعلّق بما عطف عليه و انقطع نظام الكلام.و ما اشتهر من أنّ التأسيس أولى من التأكيد من الأغلاط المشهورة، و كأنّ الرازي يذهب إلى أنّه لا معنى للعطف إلّا إذا كان المعطوف داخلا في المعطوف عليه، فعلى أيّ شيء يعطف حينئذ قوله تعالى: وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؟فتدبّر.و أمّا قوله: إنّ المال يحصل للكامل و الناقص، فلو حمل الميراث على المال لم يناسبه قوله: ﴿‏إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ‏﴾.فيرد عليه أنّه إنّما يستقيم إذا كانت الإشارة إلى أوّل الكلام فقط- و هو وراثة المال- و بعده ظاهر، و لو كانت الإشارة إلى مجموع الكلام- كما هو الظاهر- أو إلىأقرب الفقرات- أعني قوله: وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ - لم يبق لهذا الكلام مجال، و كيف لا يليق دخول المال في جملة المشار إليه، و قد منّ اللّه تعالى على عباده في غير موضع من كلامه المجيد بما أعطاهم في الدنيا من صنوف الأموال، و أوجب على عباده الشكر عليه، فلا دلالة فيه على عدم إرادة وراثة المال سواء كان من كلام سليمان أو كلام الملك المنّان.و قد ظهر بذلك بطلان قوله أخيرا: إنّ ما ذكره اللّه تعالى من جنود سليمان لا يليق إلّا بما ذكرنا، بل الأظهر أنّ حشر الجنود من الجن و الإنس و الطير قرينة على عدم إرادة الملك من قوله: وَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ، فإنّ تلك الجنود لم تكن لداود حتى يرثها سليمان، بل كانت عطيّة مبتدأة من اللّه تعالى لسليمان (عليه السلام)، و قد أجرى اللّه تعالى على لسانه أخيرا الاعتراف بأنّ ما ذكره لا يبطل قوله من حمل الآية على وراثة الملك و المال معا، فإنّه يكفينا في إثبات المدّعى، و سيأتي الكلام في الحديث الذي تمسّك به.الآية الثالثة:ما يدلّ على وراثة الأولاد و الأقارب، كقوله تعالى: ﴿‏لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ‏﴾ وَ الْأَقْرَبُونَ وَ لِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ ﴿‏مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً‏﴾، و قوله تعالى: ﴿‏يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ‏﴾، و قد أجمعت الأمّة على عمومها إلّا من أخرجه الدليل، فيجب أن يتمسّك بعمومها إلّا إذا قامت دلالة قاطعة، و قد قال سبحانهعقيب آيات الميراث: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ ﴿‏يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها‏﴾ وَ ذلِكَ الْفَوْزُ

[بحار الأنوار (ج17-35)] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.