الأقسامالسيرة والتاريخ والاحتجاجات وجوامعالوقائع والمعارك
بحار الأنوار · رقم ٤٥

و فيها مات من المشركين العاص بن وائل السهمي و الوليد بن المغيرة بمكة و روي عن الشعبي

النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في سرية فلقيه عامر بن الأضبط الأشجعي فحياه بتحية الإسلام و كان بينهما أَخِيَّةٌ فرماه بسهم فقتله فلما جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جلس بين يديه و سأله أن يستغفر له فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لا غفر الله لك فانصرف باكيا فما مضت عليه سبعة أيام حتى هلك و دفن فلفظته الأرض فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لما أخبر به إن الأرض تقبل من هو شر من محلم صاحبكم و لكن الله أراد أن يعظم من حرمتكم ثم طرحوه بين صدفي الجبل و ألقوا عليه الحجارة.و نزلت الآية عن الواقدي و محمد بن إسحاق رواية عن ابن عمر و ابن مسعود و قيل كان صاحب السرية المقداد عن ابن جبير و قيل أبو الدرداء عن ابن زيد ﴿‏إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏﴾ أي سرتم و سافرتم للغزو و الجهاد فتبينوا أي ميزوا بين الكافر و المؤمن و بالثاء و التاء توقفوا و تأنوا حتى تعلموا من يستحق القتل وَ لا ﴿‏تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ‏﴾ أي حياكم بتحية أهل الإسلام أو مناستسلم لكم فلم يقاتلكم مظهرا أنه من أهل ملتكم لَسْتَ مُؤْمِناً أي ليس لإيمانك حقيقة و إنما أسلمت خوفا من القتل أو لست بآمن تَبْتَغُونَ أي تطلبون عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا يعني الغنيمة و المال فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ أي في مقدوره تعالى فواضل و نعم و رزق إن أطعتموه فيما أمركم به و قيل معناه ثواب كثير لمن ترك قتل المؤمن.كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ اختلف في معناه فقيل كما كان هذا الذي قتلتموه مستخفيا في قومه بدينه خوفا على نفسه منهم كنتم أنتم مستخفين بأديانكم من قومكم حذرا على أنفسكم و قيل كما كان هذا المقتول كافرا فهداه الله كذلك كنتم كفارا فهداكم الله. و قال البيضاوي أي أول ما دخلتم في الإسلام تفوهتم بكلمتي الشهادة فحصنتم بها دماءكم و أموالكم من غير أن يعلم مواطاة قلوبكم ألسنتكم فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالاشتهار بالإيمان و الاستقامة في الدين فَتَبَيَّنُوا و افعلوا بالداخلين في الإسلام كما فعل الله بكم. أقول سيأتي تفسير آية الصلاة في غزوة ذات الرقاع.قوله تعالى شَعائِرَ اللَّهِ قيل مناسك الحج و قيل دين الله و قيل فرائضه وَ لَا الشَّهْرَ الْحَرامَ بالقتال فيه أو بالنسيء وَ لَا الْهَدْيَ ما أهدي إلى الكعبة وَ لَا الْقَلائِدَ أي ذوات القلائد من الهدي و عطفها على الهدي للاختصاص فإنه أشرف الهدي أو القلائد أنفسها و النهي عن إحلالها مبالغة في النهي عن التعرض للهدي و القلائد جمع قلادة و هو ما قلد به الهدي من نعل أو لحاء شجر و غيرهما ليعلم به أنه هدي فلا يتعرض له وَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَبالقتال قاصدين لزيارته يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَ رِضْواناً أي أن يثيبهم و يرضى عنهم وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ أي و لا يحملنكم أو لا يكسبنكم شَنَآنُ قَوْمٍ أي شدة بغضهم و عداوتهم ﴿‏أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ‏﴾ لأن صدوكم عام الحديبية أَنْ تَعْتَدُوا بالانتقام و هو ثاني مفعولي يجرمنكم وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى على العفو و الإغضاء و متابعة الأمر و مجانبة الهوى وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ للتشفي و الانتقام.- و قَالَ الطَّبْرِسِيُّ (رحمه الله) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ ع: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي رَجُلٍ مِنْ بَنِي رَبِيعَةَ يُقَالُ لَهُ الْحُطَمُ.و قال السدي أقبل الحطم بن هند البكري حتى أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحده و خلف خيله خارج المدينة فقال إلى ما تدعو و قد كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لأصحابه يدخل عليكم اليوم رجل من بني ربيعة يتكلم بلسان شيطان فلما أجابه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال أنظرني لعلي أسلم و لي من أشاوره فخرج من عنده فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لقد دخل بوجه كافر و خرج بعقب غادر فمر بسرح من سروح المدينة فساقه و انطلق به و هو يرتجز و يقولتدلفها الليل بسواق حطم.* * * ليس براعي إبل و لا غنم.و لا بجزار على ظهر وضم.* * * باتوا نياما و ابن هند لم ينم.بات يقاسيها غلام كالزلم.* * * خدلج الساقين ممسوح القدم.ثم أقبل من عام قابل حاجا قد قلد هديا فأراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبعث إليه فنزلت هذه الآيةوَ لَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ.و هو قول عكرمة و ابن جريح و قال ابن زيد نزلت يوم الفتح في ناس يؤمون البيت من المشركين يهلون بعمرة فقال المسلمون يا رسول الله إن هؤلاء مشركون مثل هؤلاء دعنا نغير عليهم فأنزل الله تعالى هذه الآية بيان يقال دلفت الكتيبة في الحرب تقدمت يقال دلفناهم قوله بسواق أي بحاد يحدو بالإبل يسوقهن بحدائه و الحطم بضم الحاء و فتح الطاء من صيغ المبالغة من الحطم بمعنى الكسر و الوضم الخشبة و البادية التي يوضع عليها اللحم و قال الجوهري الزلم بالتحريك القدح قال الشاعربات يقاسيها غلام كالزلم.* * * ليس براعي إبل و لا غنم.قوله خدلج الساقين بتشديد اللام أي عظيمهما.قوله تعالى إِذْ هَمَّ قَوْمٌ قد مر سبب نزولها في باب معجزاته (صلى الله عليه وآله وسلم) في كفاية شر الأعداء قوله لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارى أَوْلِياءَقال الطبرسي (رحمه الله) اختلف في سبب نزوله و إن كان حكمه عاما لجميع المؤمنين فقال عطية بن سعد العوفي و الزهري لما انهزم أهل بدر قال المسلمون لأوليائهم من اليهود آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر فقال مالك بن ضيف أعزكم إن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال أما لو أردنا أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يدان بقتالنا فجاء عبادة بن الصامت الخزرجي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال يا رسول الله إن لي أولياء من اليهود كثير عددهم قوية أنفسهم شديدة شوكتهم و إني أبرأ إلى الله و رسوله من ولايتهم و لا مولى إلا الله و رسوله فقال عبد الله بن أبي لكني لا أبرأ من ولاية اليهود لأني أخاف الدوائر و لا بد لي منهم فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يا أبا الجناب ما نفست به من ولاية اليهود على عبادة بنالصامت فهو لك دونه فقال إذا أقبل فأنزل الله الآية.و قال السدي لما كانت وقعة أحد اشتدت على طائفة من الناس فقال رجل من المسلمين أنا ألحق بفلان اليهودي و آخذ منه أمانا و قال آخر أنا ألحق بفلان النصراني ببعض أرض الشام و آخذ منه أمانا فنزلت الآية و قال عكرمة نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين قال لبني قريظة إذا رضوا بحكم سعد أنه الذبح و المعنى لا تعتمدوا على الانتصار منهم بهم بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في العون و النصرة وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ أي استنصر بهم فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أي هو كافر مثلهم فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي شك و نفاق يعني ابن أبي يُسارِعُونَ فِيهِمْ أي في موالاة اليهود و قيل موالاة اليهود و نصارى نجران لأنهم كانوا يميرونهم دائِرَةٌ أي دولة تدور لأعداء المسلمين على المسلمين فنحتاج إلى نصرتهم و قيل معناه نخشى أن يدور الدهر علينا بمكروه يعنون الجدب فلا يميروننا ﴿‏فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ‏﴾ يعني فتح مكة و قيل يفتح بلاد المشركين أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فيه إعزاز المسلمين و ظهور الإسلام و قيل إظهار نفاق المنافقين مع الأمر بقتالهم أو موت هذا المنافق أو القتل و السبي لبني قريظة و الإجلاء لبني النضير ﴿‏فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ‏﴾ من نفاقهم و ولايتهم اليهود و دس الأخبار إليهم نادِمِينَ وَ يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أي صدقوا الله و رسوله ظاهرا و باطنا تعجبا من نفاق المنافقين أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ حلفوا به جَهْدَ أَيْمانِهِمْ بأغلظ الأيمان و أوكدها إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ أي أنهم مؤمنون و معكم في معاونتكم حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي شرك. و قال (رحمه الله) في قوله و لا تحسبن الذين كفروا سبقوا أي لا تحسبن يا محمد أعداءك الكافرين قد سبقوا أمر الله و أعجزوه و أنهم قد فاتوك فإن الله سبحانه يظفرك بهم كما وعدك إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ أي لا يعجزون الله و لا يفوتونه حتى لايثقفنهم يوم القيامة أو لا يعجزونك وَ أَعِدُّوا ﴿‏لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ‏﴾ هذا أمر منه سبحانه بأن يعدوا السلاح قبل لقاء العدو روي أن القوة الرمي و قيل إنها اتفاق الكلمة و الثقة بالله تعالى و الرغبة في ثوابه و قيل الحصون وَ مِنْ رِباطِ الْخَيْلِ أي ربطها و اقتنائها للغزو تُرْهِبُونَ بِهِ أي تخيفون بما تعدونه لهم عَدُوَّ اللَّهِ وَ عَدُوَّكُمْ يعني مشركي مكة و كفار العرب وَ آخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ أي و ترهبون كفارا آخرين دون هؤلاء و اختلفوا في الآخرين فقيل إنهم بنو قريظة و قيل هم أهل فارس و قيل هم المنافقون لا يعلم المسلمون أنهم أعداؤهم و هم أعداؤهم لا تَعْلَمُونَهُمُ أي لا تعرفونهم لأنهم يصلون و يصومون و يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله و يختلطون بالمؤمنين اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ أي يعرفهم لأنه المطلع على الأسرار و قيل هم الجن وَ ما ﴿‏تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏﴾ أي في الجهاد و في طاعة الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أي يوفر عليكم ثوابه في الآخرة وَ أَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ أي لا تنقصون شيئا منه وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ أي مالوا إلى الصلح و ترك الحرب فَاجْنَحْ لَها أي مل إليها وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي فوض أمرك إلى ﴿‏الله إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏﴾ لا تخفى عليه خافية و قيل إنها منسوخة بقوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ و قيل إنهم ليست بمنسوخة لأنها في الموادعة لأهل الكتاب و الأخرى لعبَّاد الأوثان وَ إِنْ يُرِيدُوا أي الذين يطلبون منك الصلح أَنْ يَخْدَعُوكَ بأن تكفوا عن القتال حتى يقووا فيبدءوكم بالقتال من غير استعداد منكم فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ أي فإن الذي يتولى كفايتك ﴿‏الله هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ‏﴾ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ أي قواك بالنصر من عنده و بالمؤمنين الذي ينصرونكوَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ و أراد بالمؤمنين الأنصار و هم الأوس و الخزرج- عن أبي جعفر ع.و السدي و أكثر المفسرين و أراد بتأليف القلوب ما كان بين الأوس و الخزرج من المعاداة و القتال فإنه لم يكنحيان من العرب بينهما من العداوة مثل ما كان بين هذين الحيين فألف الله قلوبهم حتى صاروا متوادين متحابين ببركة نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) و قيل أراد كل متحابين في الله ﴿‏لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ‏﴾ أي لم يمكنك جمع قلوبهم على الألفة وَ لكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ بأن لطف لهم بحسن تدبيره و بالإسلام الذي هداهم إليه إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لا يمتنع عليه شيء يريد فعله و لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة قال الزجاج و هذا من الآيات العظام و ذلك أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث إلى قوم أنفتهم شديدة بحيث لو لطم رجل من قبيلة لطمة قاتل عنه قبيلة فألف الإيمان بين قلوبهم حتى قاتل الرجل أباه و أخاه و ابنه فأعلم الله سبحانه أن هذا ما تولاه منهم إلا هو ﴿‏يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ‏﴾ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي كافيك الله و يكفيك متبعوك من المؤمنين و قال الحسن معناه الله حسبك و حسب من اتبعك أي يكفيك و يكفيهم قال الكلبي نزلت هذه الآية بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال ﴿‏يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ‏﴾ أي رغبهم فيه ﴿‏إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ‏﴾ على القتال يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ من العدو وَ إِنْ ﴿‏يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا‏﴾ اللفظ خبر و المراد به الأمر بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ أي ذلك النصر من الله تعالى لكم على الكفار و الخذلان للكفار بأنكم تفقهون أمر الله و تصدقونه فيما وعدكم من الثواب فيدعوكم ذلك إلى الصبر على القتال و الجد فيه و الكفار لا يفقهون أمر الله و لا يصدقونه و لما علم الله تعالى أن ذلك يشق عليهم تغيرت المصلحة في ذلك فقال الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ الحكم في الجهاد وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً أراد به ضعف البصيرة و العزيمة و لم يرد ضعف البدن ﴿‏فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ‏﴾ على القتال يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ من العدو وَ إِنْ ﴿‏يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ‏﴾ أي بعلم الله أو بأمره وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ أي معونة الله معهم. و قال (رحمه الله) في قوله تعالى لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَ إِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ هذا في أمر الدين فأما في أمر الدنيا فلا بأس بمجالستهم و معاشرتهم لقوله سبحانه وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَ رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ حَيْثُ كَتَبَ إِلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ بِخَبَرِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لَمَّا أَرَادَ فَتْحَ مَكَّةَ.و قال ابن عباس لما أمر الله سبحانه المؤمنين بالهجرة و أرادوا الهجرة فمنهم من تعلقت به زوجته و منهم من تعلق به أبواه و أولاده فكانوا يمنعونهم من الهجرة فيتركون الهجرة لأجلهم فبين سبحانه أن أمر الدين مقدم على النسب و إذا وجب قطع قرابة الأبوين فالأجنبي أولى ﴿‏إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ‏﴾ أي اختاروه عليه وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فترك طاعة الله لأجلهم و أطلعهم على أسرار المسلمين فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ لنفوسهم و الباخسون حقها من الثواب قُلْ يا محمد لهؤلاء المتخلفين عن الهجرة إِنْ كانَ آباؤُكُمْ إلى قوله وَ عَشِيرَتُكُمْ أي أقاربكم وَ أَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها أي اكتسبتموها وَ تِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها أي أن تكسد إذا شغلتم بطاعة الله و الجهاد وَ مَساكِنُ تَرْضَوْنَها أي يعجبكم المقام فيها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ أي آثر في نفوسكم مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ أي من طاعتهما وَ جِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا أي انتظروا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ أي بحكمه فيكم و قيل بعقوبتكم إما عاجلا أو آجلا فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ- وَرَدَ عَنِ الصَّادِقِينَ (عليه السلام) أَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّهَا كَانَتْ ثَمَانِينَ مَوْطِناً.وَ قاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً أي قاتلوهم جميعا مؤتلفين غير مختلفين بأن يكون حالا عن المسلمين و يجوز أن يكون حالا عن المشركين. و قال (رحمه الله) في قوله تعالى جاهِدِ الْكُفَّارَ بالسيف و القتال وَ الْمُنافِقِينَ باللسان و الوعظ و التخويف أو بإقامة الحدود- وَ رُوِيَ فِي قِرَاءَةِ أَهْلِ الْبَيْتِ عجَاهِدِ الْكُفَّارَ بِالْمُنَافِقِينَ قَالُوا لِأَنَّ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لَمْ يَكُنْ يُقَاتِلُ الْمُنَافِقِينَ وَ إِنَّمَا كَانَ يَتَأَلَّفُهُمْ وَ لِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يُظْهِرُونَ الْكُفْرَ وَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى بِكُفْرِهِمْ لَا يُبِيحُ قَتْلَهُمْ إِذَا كَانُوا يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ.وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ و أسمعهم الكلام الغليظ الشديد. و في قوله تعالى وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ قيل كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا خرج غازيا لم يتخلف عنه إلا المنافقون و المعذرون فلما أنزل الله عيوب المنافقين و بين نفاقهم في غَزاة تبوك قال المؤمنون و الله لا نتخلف عن غَزاة يغزوها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و لا سرية أبدا فلما أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالسرايا إلى الغزو نفر المسلمون جميعا و تركوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وحده فنزلت الآية عن ابن عباس في رواية الكلبي و قيل إنها نزلت في ناس من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس معروفا و خصبا و دعوا من وجدوا من الناس على الهدى فقال الناس ما نراكم إلا و قد تركتم صاحبكم و جئتمونا فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرجا و أقبلوا كلهم من البادية حتى دخلوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله هذه الآية عن مجاهد لِيَنْفِرُوا كَافَّةً هذا نفي معناه النهي أي ليس للمؤمنين أن ينفروا إلى الجهاد بأجمعهم و يتركوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فريدا و قيل معناه ليس عليهم أن ينفروا كلهم من بلادهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليتعلموا الدين و يضيعوا من وراءهم و يخلوا ديارهم فَلَوْ لا ﴿‏نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ‏﴾ فيه وجوه أحدها فهلا خرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة و يبقى مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جماعة ليتفقهوا في الدين يعني الفرقة القاعدين يتعلمون القرآن و السنن و الفرائض و الأحكام فإذا رجعت السرايا و قد نزل بعدهم القرآن و تعلمه القاعدون قالوا لهم إذا رجعوا إليهم إن الله قد أنزل بعدكم على نبيكم قرآنا و قد تعلمناه فيتعلمه السرايا فذلك قولهوَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ أي و ليعلموهم

[بحار الأنوار (ج17-35)] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.