⟨وَ رَوَى إِبْرَاهِيمُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ الْبَجَلِيِّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ يَزِيدَ الْأَوْدِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ⟩
قَالَ: إِنِّي لَجَالِسٌ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ إِذْ جِيءَ بِعَلِيٍّ (عليه السلام) فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ بَايِعْ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام) فَإِنْ أَنَا لَمْ أُبَايِعْ قَالَ أَضْرِبُ الَّذِي فِيهِ عَيْنَاكَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ فَبَايَعَهُ..و قد روي هذا المعنى من طرق مختلفة و بألفاظ متقاربة المعنى و إن اختلف لفظها و- أنه (عليه السلام) كان يقول في ذلك اليوم لَمَّا أُكْرِهَ على البيعة و حذر من التقاعد عنها يا ﴿ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ وَ كادُوا ﴿يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ﴾ وَ لا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَو يردد ذلك و يكرره.و ذكر أكثر ما روي في هذا المعنى يطول فضلا عن ذكر جميعه و فيما أشرنا إليه كفاية و دلالة على أن البيعة لم تكن عن رضا و اختيار.فإن قيل كل ما رويتموه في هذا المعنى أخبار آحاد لا توجب علما.قلنا كل خبر مما ذكرناه و إن كان واردا من طريق الآحاد فإن معناه الذي تضمنه متواتر و المعول على المعنى دون اللفظ و من استقرى الأخبار وجد معنى إكراهه (عليه السلام) على البيعة و أنه دخل فيها مستدفعا للشر و خوفا من تفرق كلمة المسلمين و قد وردت به أخبار كثيرة من طرق مختلفة تخرج عن حد الآحادإلى التواتر و بعد فأدون منزلة هذه الأخبار إذا كانت آحادا أن تقتضي الظن و تمنع من القطع على أنه لم يكن هناك خوف و لا إكراه و إذا كنا لا نعلم أن البيعة وقعت عن رضا و اختيار مع التجويز لأن يكون هناك أسباب إكراه فأولى أن لا نقطع على الرضا و الاختيار مع الظن لأسباب الإكراه و الخوف فإن قيل التقية لا تكون إلا عن خوف شديد و لا بد له من أسباب و أمارات تظهر فمتى لم تظهر أسبابه لم يسغ تجويزه و إذا كان غير جائز فلا تقية قلنا و أي أسباب و أمارات هي أظهر مما ذكرناه و رويناه هذا إن أردتم بالظهور النقل و الرواية على الجملة و إن أردتم بالظهور أن ينقله جميع الأمة و يعلموه و لا يرتابوا به فذاك اقتراح منكم لا ترجعون فيه إلى حجة و لنا أن نقول لكم من أين أوجبتم ذلك و ما المانع من أن ينقل أسباب التقية قوم و يعرض عن نقلها آخرون لأغراض لهم و صوارف تصرفهم عن النقل و لا خفاء بما في هذه الدعوى و أمثالها.على أن الأمر في ظهور أسباب التقية أوضح من أن يحتاج فيه إلى رواية خبر و نقل لفظ مخصوص لأنكم تعلمون أن أمير المؤمنين (عليه السلام) تأخر عن البيعة تأخرا علم و ارتفع الخلاف فيه ثم بايع بعد زمان متراخ و إن اختلف في مدته و لم تكن بيعته و إمساكه عن النكير الذي كان وقع منه إلا بعد أن استقر الأمر لمن عقد له و بايعه الأنصار و المهاجرون و أجمع عليه في الظاهر المسلمون و شاع بينهم أن بيعته انعقدت بالإجماع و الاتفاق و أن من خالف عليه كان شاقا لعصا المسلمين مبتدعا في الدين رادا على الله و على رسوله و بهذا بعينه احتجوا على من قعد عن البيعة و تأخر عنها فأي سبب للخوف أظهر مما ذكرناه.و كيف يراد سبب له و لا شيء يذكر في هذا الباب إلا و هو أضعف مما أشرنا إليه و كيف يمكن أميرَ المؤمنين (عليه السلام) المقامُ على خلاف من بايعه جميع المسلمين و أظهروا الرضا به و السكون إليه و أن مخالفه مبتدع خارج عن الملة.و إنما يصح أن يقال إن الخوف لا بد له من أمارة و أسباب تظهر و إن نفيه واجب عند ارتفاع أسبابه و لو كان أمير المؤمنين (عليه السلام) بايع في الابتداء من الأمر مبتدئا بالبيعة طالبا لها راغبا فيها من غير تقاعد و من غير أن تأخذه الألسن باللوم و العذل فيقول واحد حسدت الرجل و يقول آخر أردت الفرقة و وقوع الاختلاف بين المسلمين و يقول آخر متى أقمت على هذا لم يقاتل أحد أهل الرِّدَّة و يطمع المرتدون في المسلمين و من غير أن يتلوم أو يتربص حتى يجتمع المتفرقون و يدخل الخارجون و لا يبقى إلا راض أو متظاهر بالرضا فَأَمَّا وَ الْأَمْرُ جَرَى عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ الذي لا إشكال فيه أنه (عليه السلام) بايع مستدفعا للشر و فرارا من الفتنة و بعد أن لم يبق عنده بقية و لا عذر في المحاجزة و المدافعة.هذا إذا عوَّلنا في إمساكه عن النكير على الخوف المقتضي للتقية و قد يجوز أن يكون سبب إمساكه عن النكير غير الخوف إما منفردا أو مضموما إليه و ذلك أنه لا خلاف بيننا و بين من خالفنا في هذه المسألة أن المنكر إنما يجب إنكاره بشرائط منها أن لا يغلب في الظن أنه يؤدي إلى منكر هو أعظم منه و أنه متى غلب في الظن ما ذكرناه لم يجز إنكاره و لعل هذه كانت حال أمير المؤمنين في ترك النكير.و الشيعة لا تقتصر في هذا الباب على التجويز بل تروي روايات كثيرة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عهد إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بذلك و أنذره بأن القوم يدفعونه عن الأمر و يغلبونه عليه و أنه متى نازعهم فيه أدى ذلك إلى الرِّدَّة و رجوع الحرب جذعة و أمره بالإغضاء و الإمساك إلى أن يتمكن من القيام بالأمر و التجويز في هذا الباب لما ذكرنا كاف.فإن قيل هذا يؤدي إلى أن يجوز في كل من ترك إنكار منكر هذا الوجه بعينه فلا نذمه على ترك نكيره و لا نقطع على رضاه به.قلنا لا شك في أن من رأيناه كافّاً عن نكير منكر و نحن نجوِّز أن يكون إنما كفَّ عن نكيره لظنه أنه يعقب ما هو أعظم منه فإنا لا نذمه و لا نرميه أيضا بالرضا به و إنما نفعل ذلك عند علمنا بارتفاع سائر الأعذار و حصول شرائط جميع إنكار المنكر و ما نعلم بيننا و بينكم خلافا في هذا الذي ذكرناه على الجملة و إنما يقع التناسي للأصول إذا بلغ الكلام إلى الإمامة.و ليس لأحد أن يقول إن غلبة الظن بأن إنكار المنكر يؤدي إلى ما هو أعظم منه لا بد فيه من أمارات تظهر و تنقل و في فقد علمنا بذلك دلالة على أنه لم يكن و ذلك أن الأمارات إنما يجب أن تكون ظاهرة لمن شاهد الحال و غلب في ظنه ما ذكرناه دون من لم تكن هذه حاله و نحن خارجون عن ذلك و الأمارات الظاهرة في تلك الحال لمن غلب في ظنه ما يقتضيه ليست مما يُنْقَلُ و يُرْوَى و إنما يُعْرَفُ بشاهد الحال و ربما ظهرت أيضا لبعض الحاضرين دون بعض.على أن كل هذا الكلام إنما نتكلفه متى لم نبن كلامنا على صحة النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) و متى بنينا الكلام في أسباب ترك النكير على ما قدمناه من صحة النص ظهر الأمر ظهورا يرفع الشبهة لأنه إذا كان هو (عليه السلام) المنصوصَ عليه بالإمامة و المشارَ إليه من بينهم بالخلافة ثم رآهم بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) تنازعوا الأمرَ بينهم تَنَازُعَ من لم يسمعوا فيه نصّا و لا أعطوا فيه عهدا و صاروا إلى إحدى الجهتين بطريقة الاختيار و صمموا على أن ذلك هو الواجب الذي لا معدل عنه و لا حق سواه علم صلى الله عليه أن ذلك مويس من نزوعهم و رجوعهم و مخيف من ناحيتهم و أنهم إذا استجازوا إطراح عهد الرسول و اتباع الشبهة فيه فهم بأن يطرحوا إنكار غيره و يعرضوا عن وعظه و تذكيره أولى و أحرى.و لا شبهة على عاقل في أن النص إن كان حقا على ما نقوله و دفع ذلك الدفع فإن النكير هناك لا ينجع و لا ينفع و إنه مؤد إلى غاية مكروه فاعليه.فإن قالوا إنما تأخر (عليه السلام) استيحاشا من استبدادهم بالأمر دون مشاورته و مطالعته أو لاشتغاله بتجهيز الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم بأمر فاطمة (عليها السلام)قيل هذا لا يصح على مذهبكم لأن مشاورته لا تجب عليهم و عقد الإمامة يتم بمن عقدها و لا يفتقر في صحته و تمامه إلى حضوره (عليه السلام) و ما تدَّعونه من خوف الفتنة فهو (عليه السلام) كان أعلم به و أخوف له فكيف يتأخر (عليه السلام) عما يجب عليه من أجل أنهم لم يفعلوا ما لا يجب عليهم و كيف يستوحش ممن عدل عن مشاورته و هي غير واجبة عندهم في حال السلم و الأمن و هل هذا إلا سوء ثناء على أمير المؤمنين (عليه السلام) و نسبة له إلى ما يتنزه قدره و دينه عنه.فإن قيل إن هذا يجري مجرى امرأة لها إخوة كبار و صغار فتولى أمرها الصغار في التزويج فإنه لا بد أن يستوحش الكبار من ذلك.قيل له إن الكبير متى كان دَيِّناً خائفا من الله تعالى فإن استيحاشه و ثقل ما يجري على طبعه لا يجوز أن يبلغ به إلى إظهار الكراهة للعقد و الخلاف فيه و إيهام أنه غير مُمْضًى و لا صوابٍ و كل هذا جرى من أمير المؤمنين (عليه السلام) فيكف يضاف إليه مع المعلوم من خشونة أمير المؤمنين في الدين و غضبه له الاستيحاش من الحق و الغضب مما يورد إليه تحرزا عن الفتنة و تلافيا للفرقة.و أما الاشتغال بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنه كان ساعة من نهار و التأخر كان شهورا و المقلل قال أياما و تلك الساعة أيضا كان يمكن فيها إظهار الرضا و المراسلة به بدلا من إظهار السخط و الخلاف.و أما فاطمة (عليها السلام) فإنها توفيت بعد أشهر فكيف يشتغل بوفاتها عن البيعة المتقدمة مع تراخيها و عندهم أيضا أنه تأخر عن البيعة أياما يسيرة و مكثرهم يقول أربعين يوما فكيف يشتغل ما يكون بعد أشهر عما كان قبلها و من أدل دليل على أن كفه عن النكير و إظهار الرضا لم يكن اختيارا و إيثارا بل كان لبعضما ذكرناه أنه لا وجه لمبايعته بعد الإباء إلا ما ذكرناه بعينه فإن إباءه المتقدم لا يخلو من وجوه إما أن يكون لاشتغاله بالنبي و ابنته صلوات الله و سلامه عليهما أو استيحاشا من ترك مشاورته و قد أبطلنا ذلك بما لا زيادة عليه أو لأنه كان ناظرا في الأمر و مرتئيا في صحة العقد إما بأن يكون ناظرا في صلاح المعقود له الإمامة أو في تكامل شرائط عقد إمامته و وقوعه على وجه المصلحة فكل ذلك لا يجوز أن يخفى على أمير المؤمنين (عليه السلام) و لا ملتبسا بل كان به أعلم و إليه أسبق و لو جاز أن يخفى عليه مثله وقتا و وقتين لما جاز أن يستمر عليه الأوقاتَ و يتراخى المدد في خفائه.و كيف يشكل عليه صلاح أبي بكر للإمامة و عندهم أن ذلك كان معلوما ضرورة لكل أحد و كذلك عندهم صفات العاقدين و عددهم و شروط العقد الصحيح مما نص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه و أعلم الجماعة به على سبيل التفصيل فلم يبق شيء يرتئي فيه مثل أمير المؤمنين (عليه السلام) و ينظر في إصابته النظر الطويل و لم يبق وجه يحمل عليه إباؤه و امتناعه من البيعة في الأول إلا ما نذكره من أنها وقعت في غير حقها و لغير مستحقها و ذلك يقتضي أن رجوعه إليها لم يكن إلا لضرب من التدبير.فإن استدلوا على رضاه بما ادعوه من إظهار المعاونة و المعاضدة و إشارته عليه بقتال أهل الردة فكل ذلك قد مضى الجواب عنه و قد بينا أن ذلك دعوى لا يعلم منه (عليه السلام) معاضدة و لا مشورة و أن الفتيا يجب عليه من حيث لا يجوز للعالم إذا استفتي عن شيء أن لا يجيب عنه و ما يروى من دفاعه عن المدينة فإنما فعل لوجوب ذلك عليه و على كل مسلم لا لمكانهم و أمرهم بل لأنه دفع عن حريمه و حرم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و ليس لهم أن يقولوا إنه لو ادعى الحق لوجد أنصارا كالعباس و الزبير و أبي سفيان و خالد بن سعيد لأنه لا نصرة فيمن ذكر و لا في أضعافهم إذا كان الجمهور على خلافه و هذا أظهر من أن يخفى.و ليس لأحد أن يقول كيف يجوز مع شجاعته و ما خصه الله به من القوة الخارقة للعادة أن يخاف منهم و لا يقدم على قتالهم لو لا أنهم كانوا محقين و ذلك أن شجاعته و إن كانت على ما ذكرت و أفضل فلا تبلغ إلى أن يغلب جميع الخلق و يحارب سائر الناس و هو مع الشجاعة بشر يقوى و يضعف و يخاف و يأمن و التقية جائزة على البشر الذين يضعفون عن دفع المكروه عنهم.فإن قيل أ ليس الحسين (عليه السلام) أظهر النكير على بني أمية من يزيد و غيره و كان يجب أن لا ينقص نكيره عن نكيره و لم يكن فزعه من أبي بكر إلا دون فزعه من يزيد.قيل هذا بعيد من الصواب لأنا قد بينا الأسباب المانعة من النكير و ليس الخوف في تلك الحال كالخوف من يزيد و بني أمية و كيف يكون الخوف من مظهر للفسوق و الخَلَاعَة و المَجَانَة متهتك لا مُسْكَةَ عنده و لا شبهة في أن إمامته ملك و غلبة و أنه لا شرط من شرائط الإمامة فيه كالخوف من مقدم معظم جميل الظاهر يرى أكثر الأمة أن الإمامة له دونه و أنها أدنى منازله و ما الجامع بين الأمرين إلا كالجامع بين الضدين.على أن القوم الذين امتنعوا من بيعة يزيد قد عرف ما جرى عليهم من القتل و المكروه فيه.على أن الحسين (عليه السلام) أظهر الخلاف لما وجد بعض الأعوان عليه و طمع في معاونة من خذله و قعد عنه ثم إن حاله آلت مع اجتهاده (عليه السلام) و اجتهاد من اجتهد معه في نصرته إلى ما آلت إليه.و ليس لأحد أن يقول إنه كان بعيدا من التقية لما انتهت الإمامة إليه و حين ناضل أهل البصرة و صفين كان واجد الأنصار فكان يجب أن يظهر النكير و ذلك أن كثيرا من التقية و إن كان زال في أيامه فقد بقي كثير منها لأن أكثر من كان معه كان يعتقد إمامة المتقدمين عليه و أن إمامته ثبتت كما ثبتت إمامة من تقدم بالاختيار فلأجل ذلك لم يتمكن من إظهار جميع ما في نفسه و لم ينقض أحكام القوم و أمر قضاته على أن يحكموا بما كانوا يحكمون و قد بينا ذلك فيما تقدم على وجه لا يخفى على من أمعن النظر و أنصف من نفسه فإن قيل لو جاز التقية مع فقد أسباب التقية لم نأمن في أكثر ما ظهر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكون على سبيل التقية.قيل هذا باطل لأنا قد بينا أن أسباب التقية كانت ظاهرة لم تكن مفقودة فأما الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنما لم تجز التقية عليه لأن الشريعة لا تعرف إلا من جهته و لا يوصل إليها إلا بقوله فمتى جازت التقية عليه لم يكن لنا إلى العلم بما كُلِّفْنَاهُ طريقٌ و ليس العلم بأن الإمام منصوص عليه موقوفا على قول الإمام و لا يعلم إلا من جهته حتى يكون تقيته دافعة لطريق العلم فَبَانَ الفرقُ بين الأمرين.ثم يقال له و قد كان فيمن أنكر و امتنع من البيعة مثل خالد بن سعيد بن العاص و سلمان و قوله كرديد و نكرديد و مثل أبي ذر و عمار و المقداد«و كان خالد غائبا فأتى عليا فقال: هلم أبايعك، فو اللّه ما في الناس أحد أولى بمقام محمّد منك».و روى الجوهريّ بالاسناد عن مكحول ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) استعمل خالد بن سعيد بن العاص على عمل [يعنى صنعاء] فقدم بعد ما قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قد بايع الناس أبا بكر فدعاه الى البيعة فأبى، فقال عمر: دعنى و اياه. فمنعه أبو بكر حتّى مضت عليه سنة، ثم مر به أبو بكر و هو جالس على بابه، فناداه خالد يا أبا بكر هل لك في البيعة قال: نعم قال: فادن فدنا منه فبايعه خالد و هو قاعد على بابه» أخرجه ابن أبي الحديد في شرح النهج، و روى مثله البلاذري في أنساب الاشراف عن المدائنى و فيه: فقال أبو بكر ما رأيك في البيعة؟قال: أبايع، فأتاه أبو بكر فأدخله الدار و بايعه، قال: و قال غير المدائنى: بايع خالد أبا بكر بعد شهرين. راجع (صلى الله عليه وآله وسلم) 194 و ما بعده. و غيرهم و أقوالهم في ذلك معروفة.فإن قالوا كل هؤلاء بايعوا و تولوا الأمور من قبله و من قبل غيره فلم يبق منهم خلاف.قيل نحن نسلم أنهم بايعوا فمن أين أنهم رضوا به لأنا قد بينا في ذلك ما فيه مقنع و إذا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) مع عظم قدره و علو منزلته قد ألجأته الحال إلى البيعة فأولى أن تلجئ غيره ممن لا يدانيه في أفعاله.فإن قيل المروي عن سلمان أنه قال كرديد و نكرديد و ليس بمقطوع به.قلنا إن كان خبر السقيفة و شرح ما جرى فيها من الأقوال و الأفعال مقطوعا به فقول سلمان مقطوع به لأن كل من روى السقيفة رواه و ليس هذا مما يختص الشيعة بنقله فيتهمونهم فيه و ليس لهم أن يقولوا كيف خاطبهم بالفارسية و هم عرب و إن كان فيهم من فهم الفارسية لا يكون إلا آحادا لا يجب قبول قولهم و ذلك أن سلمان و إن تكلم بالفارسية فقد فسره بقوله أصبتم و أخطأتم أصبتم سنة الأولين و أخطأتم أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و قوله أَمَا و الله لو وضعتموها حيث وضعها الله لأكلتم من فوق رءوسكم و تحت أرجلكم رغدا أما و الله حيث عدلتم بها عن أهل بيت نبيكم ليطمعن فيها الطلقاء و أبناء الطلقاء حتى روي عن ابن عمر أنه قال ما أبغضت أحدا كبغضي سلمان يوم قال هذا القول و إني قلت يريد شق عصا المسلمين و وقوع الخلاف بينهم و لا أحببت أحدا كحبي له يوم رأيت مروان بن الحكم على منبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت رحم الله سلمان لقد طمع فيه الطلقاء و أبناء الطلقاء و غير ذلك من الألفاظ المنقولة عنه.و قد يجوز أن يجمع في إنكاره بين الفارسية و العربية ليفهم إنكاره أهل اللغتين معا فَلَمْ يُخَاطِبْ عَلَى هَذَا الْعَرَبَ بِالْفَارْسِيَّةِ فأما قول السائل إِنَّ راوِيَهُ واحدٌ من حيث لا يجوز أن يرويه إلا من فهم الفارسية فطريف لأن الشيء قد يرويه من لا يعرف معناه فلعل الناقلين لهذا الكلام كانوا جميعا أو كان أكثرهم لا يفهم معناهغير أنهم نقلوا ما سمعوا و فهم معناه من عرف اللغة أو أخبره عنه من يعرفها.فإن قالوا قوله كرديد و نكرديد فيه تثبيت لإمامته قيل هذا باطل لأنه أراد بقوله كرديد فعلتم و بقوله نكرديد لم تفعلوا و المعنى أنكم عقدتم لمن لا يصلح للأمر و لا يستحقه و عدلتم عن المستحق و هذه عادة الناس في إنكار ما يجري على غير وجهه لأنهم يقولون فعل فلان و لم يفعل و المراد ما ذكرناه
[بحار الأنوار (ج17-35)] · موسوعة الغيبة والظهور