الأقسامالحِكَم والوصايا والأخلاق والآدابمساوئ الأخلاق
بحار الأنوار · رقم ٥٩

قَدْ أَكْثَرْنَا فِيكَ الْأَقَاوِيلَ وَ أَوْثَقَهُ عِنْدَنَا مَا قَبِلْنَاهُ عَنْكَ

جُهْدَهُمْ و (جهدهم).قال الفرّاء: الجهد- بالضم-: الطّاقة، و الجهد- بالفتح- من قولك اجهد جهدك في هذا الأمر.. أي ابلغ غايتك، و لا يقال: اجهد جهدك. و الجهد:المشقّة.قوله (عليه السلام): أن تكونوا على فترة... قال في النهاية: في حديث ابن مسعود: أنّه مرض فبكى، فقال: إنّما أبكي لأنّه أصابني على حال فترة و لم يصبني في حال اجتهاد.. أي في حال سكون و تقليل من العبادات و المجاهدات، و الفترة في غير هذا: ما بين الرّسولين من رسل اللَّه تعالى من الزّمان الّذي انقطعت فيه الرّسالة انتهى، فالمعنى أخشى أن تكونوا على فترة و سكون و فتور عن نصرة الحقّ، أو أن تكونوا كأناس كانوا بين النبيّين لا يظهر فيهم الحقّ و يشتبه عليهم الأمور.قوله (عليه السلام): ملتم عنّي ميلة... أي في أوّل الأمر بعد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).قوله (عليه السلام): و لو أشاء لقلت... أي بيّنت بطلان الرجلين اللذين اتّبعتموهما و كفرهما، لكن لا تقتضيه مصلحة الحال.قوله (عليه السلام): عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ.. أي لمن تاب في هذا الزمان.قوله (عليه السلام): كان خيرا له، قصّ الجناحين... كناية عن منعه و رفع استيلائه و قبض يده عن أموال المسلمين و دمائهم و فروجهم، و قطع رأسه كناية عن قطع ما هو بمنزلة رأسه من الخلافة، أو المراد قتله ابتداء قبل ارتكاب هذه الأمور.قوله (عليه السلام): شغل... أي بالدنيا عن تحصيل الجنّة و الحال أنّ الناركانت أمامه، فكان ينبغي أن لا يشتغل مع هذا بشيء آخر سوى تحصيل الجنّة و التخلّص من النار.قوله (عليه السلام): ثلاثة و اثنان... الحاصل أنّ أحوال المخلوقين المكلّفين تدور على خمسة، و إنّما فصل الثلاثة عن الاثنين لأنّهم من المقرّبين المعصومين الناجين من غير شكّ، فلم يخلطهم بمن سواهم.الأوّل: ملك أعطاه اللَّه جناحين يطير بهما في درجات الكمال صورة و معنى.و الثاني: نبيّ أخذ اللَّه بضبعيه..الضّبع- بسكون الباء-: وسط العضد، و قيل: هو ما تحت الإبط..أي رفعه اللَّه بقدرته و عصمته من بين الخلق و اختاره و قرّبه كأنّه أخذ بعضده و قرّبه إليه، و يحتمل أن يكون كناية عن رفع يده و أخذها عن المعاصي بعصمته، و أن يكون كناية عن تقويته، و الأول أظهر.و الثالث: ساع مجتهد في الطاعات غاية جهده.. و المراد إمّا الأوصياء (عليهم السلام) أو أتباعهم الخلّص، فالأوصياء داخلون في الثاني على سبيل التغليب، أو المراد بالثالث أعمّ منهما.و الرابع: عابد طالب للآخرة بشيء من السعي مع صحّة إيمانه، و بذلك يرجو فضل ربّه.و الخامس: مقصّر ضالّ عن الحقّ كافر، فهو في النار.قوله (عليه السلام): اليمين و الشمال مضلّة... أي كلّ ما خرج عن الحقّ فهو ضلال، أو المراد باليمين ما يكون بسبب الطاعات و البدع فيها، و باليسار ما يكون بسبب المعاصي.قوله (عليه السلام): عليها يأتي الكتاب... أي على هذه الجادّة أتى كتاباللَّه و حثّ على سلوكها، و في بعض النسخ: ما في الكتاب، و في نسخ نهج البلاغة: باقي الكتاب، و لعلّ المراد ما بقي من الكتاب في أيدي الناس.قوله (عليه السلام): هلك من ادّعى... أي من ادّعى مرتبة ليس بأهل لها كالإمامة.قوله (عليه السلام): و ليس لأحد عند الإمام فيها هوادة... قال الجزريّ فيه:«لا تأخذه في اللَّه هوادة» أي لا يسكن عند وجوب حدود اللَّه و لا يحابي فيه أحدا، و الهوادة: السّكون و الرّخصة و المحاباة انتهى.قوله (عليه السلام): و التوبة من ورائكم... قال ابن ميثم: تنبيه للعصاة على الرجوع إلى التوبة عن الجري في ميدان المعصية و اقتفاء أثر الشيطان، و كونها وراء، لأنّ الجواذب الإلهيّة إذا أخذت بقلب العبد فجذبته عن المعصية حتى أعرض عنها و التفت بوجه نفسه إلى ما كان معرضا عنه من الندم على المعصية، و التوجّه إلى القبلة الحقيقيّة، فإنّه يصدق عليه إذن أنّ التوبة وراءه، أي وراء عقليّا، و هو أولى من قول من قال من المفسّرين: إنّ وراءكم بمعنى أمامكم.قوله (عليه السلام): من أبدى صفحته للحقّ هلك... قال في النهاية:صفحة كلّ شيء: وجهه و ناصيته.أقول:المراد و مواجهة الحقّ و مقابلته و معارضته، فالمراد بالهلاك الهلاك في الدنيا و الآخرة، أو المراد إبداء الوجه للخصوم و معارضتهم لإظهار الحقّ في كلّمكان و موطن من غير تقيّة و رعاية مصلحة فيكون مذموما، و الهلاك بالمعنى الذي سبق، و يؤيّد هذا قوله (عليه السلام): استتروا في بيوتكم.. أو المراد معارضته أهل الباطل على الوجه المأمور به، و المراد بالهلاك مقاساة المشاق و المفاسد و المضارّ من جهّال الناس، و يؤيّده ما في نسخ نهج البلاغة: هلك عند جهلة الناس.18- نهج: وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام): لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ، وَ لَا يُغَيِّرُهُ زَمَانٌ، وَ لَا يَحْوِيهِ مَكَانٌ، وَ لَا يَصِفُهُ لِسَانٌ، وَ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ، وَ لَا نُجُومِ السَّمَاءِ، وَ لَا سَوَافِي الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ، وَ لَا دَبِيبُ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا، وَ لَا مَقِيلُ الذَّرِّ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الْأَوْرَاقِ، وَ خَفِيَّ طَرْفِ الْأَحْدَاقِ، وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ غَيْرَ مَعْدُولٍ بِهِ وَ لَا مَشْكُوكٍ فِيهِ وَ لَا مَكْفُورٍ دِينُهُ، وَ لَا مَجْحُودٍ تَكْوِينُهُ، شَهَادَةَ مَنْ صَدَقَتْ نِيَّتُهُ، وَ صَفَتْ دُخْلَتُهُ، وَ خَلَصَ يَقِينُهُ، وَ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، الَمْجُتْبَىَ مِنْ خَلَائِقِهِ، وَ الْمُعْتَامُ لِشَرْحِ حَقَائِقِهِ، وَ الْمُخْتَصُّ بِعَقَائِلِ كَرَامَاتِهِ، وَ الْمُصْطَفَى لِكَرَائِمِ السّير اللّين، نصّ عليه في مجمع البحرين 55. الذّرّ: صغار النّمل، صرّح به في القاموس 34. و المقيل: محلّ استراحتها و مبيتها، كما جاء في مجمع البحرين 459. طرف الحدقة: تحرّكها، ذكره في مجمع البحرين 89، و الحدقة: سواد العين الأعظم، كما في مجمع البحرين 144. في حاشية (ك): محجوب، و وضع بعدها: نهج. في (ك) نسخة: مكارم. رِسَالاتِهِ، وَ الْمُوَضَّحَةُ بِهِ أَشْرَاطُ الْهُدَى، وَ الْمَجْلُوُّ بِهِ غِرْبِيبُ الْعَمَى.أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ الدُّنْيَا تَغُرُّ الْمُؤَمِّلَ لَهَا وَ الْمُخْلِدَ إِلَيْهَا، وَ لَا تَنْفَسُ بِمَنْ نَافَسَ فِيهَا، وَ تَغْلِبُ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهَا، وَ ايْمُ اللَّهِ مَا كَانَ قَوْمٌ قَطُّ فِي غَضِّ نِعْمَةٍ مِنْ عَيْشٍ فَزَالَ عَنْهُمْ إِلَّا بِذُنُوبٍ اجْتَرَحُوهَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، وَ لَوْ أَنَّ النَّاسَ حِينَ تَنْزِلُ بِهِمُ النِّقَمُ وَ تَزُولُ عَنْهُمُ النِّعَمُ، فَزِعُوا إِلَى رَبِّهِمْ بِصِدْقٍ مِنْ نِيَّاتِهِمْ، وَ وَلَهٍ مِنْ قُلُوبِهِمْ، لَرَدَّ عَلَيْهِمْ كُلَّ شَارِدٍ، وَ أَصْلَحَ لَهُمْ كُلَّ فَاسِدٍ، وَ إِنِّي لَأَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تَكُونُوا فِي فَتْرَةٍ وَ قَدْ كَانَتْ أُمُورٌ عِنْدِي مَضَتْ، مِلْتُمْ فِيهَا مَيْلَةً كُنْتُمْ فِيهَا عِنْدِي غَيْرَ مَحْمُودِينَ، وَ لَئِنْ رُدَّ عَلَيْكُمْ أَمْرُكُمْ إِنَّكُمْ لَسُعَدَاءُ، وَ مَا عَلَيَّ إِلَّا الْجُهْدُ، وَ لَوْ أَشَاءُ أَنْ أَقُولَ لَقُلْتُ: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ.بيان:قد مرّ شرح صدر الخطبة في كتاب التوحيد.قوله (عليه السلام): غير معدول به.. أي لا يعادل و يساوي به أحد، كما قال تعالى: بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.و الدّخلة- بالكسر و الضّم-: باطن الأمر.و المعتام: أي المختار، و التّاء تاء الافتعال، ذكره في النهاية، و العقائل جمع عقيلة- و هي كريمة كلّ شيء. النهاية 331، و مثله في لسان العرب 433. نصّ عليه في القاموس 19، و الصحاح 1770، و فيهما: اكرم، بدلا من: كريمة. و الأشراط: العلامات جمع شرط- بالتحريك -.و الغربيب- بالكسر-: الأسود الشّديد السّواد.. أي المكشوف به ظلم الظلام.و أخلد إليه: مال.قوله (عليه السلام): و لا تنفس.. أي لا ترغب إلى من يرغب إليها بل ترميه بالنّوائب.قوله (عليه السلام): من غلب عليها... أي من غلب إليها و أخذها قهرا فسوف تغلب الدنيا عليه، أو المراد بمن غلب عليها من أراد الغلبة عليها.قوله (عليه السلام): في غضّ نعمة... أي في نعمة غضّة: طريّة.قوله (عليه السلام): ليس بظلّام... أي لو فعله اللَّه بقوم لفعله بالجميع، لأنّ حكمه في الجميع واحد، فيكون ظلّاما، أو المعنى إنّ ذلك ظلم شديد، و يقال: فزعت إليه فأفزعني.. أي استغثت إليه فأغاثني.و الوله: الحزن و الحيرة و الخوف و ذهاب العقل حزنا.و الشّارد: النّافر. جاء في مجمع البحرين 77، و الصحاح 494. قوله (عليه السلام): في فترة... الفترة: الانكسار و الضّعف و ما بين الرّسولين، و كنّى (عليه السلام) بها هنا عن أمر الجاهليّة.. أي إنّي لأخشى أن يكون أحوالكم في التعصّبات الباطلة و الأهواء المختلفة كأحوال أهل الجاهليّة.قوله (عليه السلام): ملتم فيها ميلة... إشارة إلى ميلهم عنه (عليه السلام) إلى الخلفاء الثلاثة.و قول ابن أبي الحديد - إشارة إلى اختيارهم عثمان يوم الشورى- يبطله قوله (عليه السلام): أمور و غير ذلك.قوله (عليه السلام): و لئن ردّ عليكم... أي أحوالكم التي كانت أيّام رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و آله).قوله (عليه السلام): و لو أشاء... أي لو أشاء أن أقول فيما ملتم عن الحقّ و نبذتم الآخرة وراء ظهوركم بلفظ صريح لقلت، لكنّي طويت عن ذكره و أعرضت عنه لعدم المصلحة فيه، و لم أصرّح بكفركم و ما يكون إليه مصير أمركم و ما أكننتم و أخفيتم في ضمائركم لذلك.و قوله (عليه السلام): عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ... أي عفا عمّن تاب و أناب و رجع، و يحتمل أن يكون من الدعاء الشائع في أواخر الخطب، كقوله (عليه السلام): غفر اللَّه لنا و لكم.. و أمثاله، و هذه الأدعية مشروطة بشرائط، و قيل:يحتمل أن يكون المعنى لو أشاء أن أقول قولا يتضمّن العفو عنكم لقلت، لكنّي لا أقول ذلك، إذ لا مجال للعفو هنا، و لا يخفى بعده..19- نهج: قَالَ (عليه السلام): لَنَا حَقٌّ فَإِنْ أُعْطِينَاهُ وَ إِلَّا رَكِبْنَا أَعْجَازَ الْإِبِلِ وَ إِنْ طَالَ السُّرَى.و هذا القول من لطيف الكلام و فصيحه، و معناه إنّا إن لم نعط حقّنا كنّا أذلّاء، و ذلك أنّ الرّديف يركب عجز البعير، كالعبد و الأسير و من يجري مجراهما.20- نهج: وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام): وَ نَاظِرُ قَلْبِ اللَّبِيبِ بِهِ يُبْصِرُ أَمَدَهُ، وَ يَعْرِفُ غَوْرَهُ وَ نَجْدَهُ. دَاعٍ دَعَا، وَ رَاعٍ رَعَى، فَاسْتَجِيبُوا لِلدَّاعِي، وَ اتَّبِعُوا الرَّاعِيَ، قَدْ خَاضُوا بِحَارَ الْفِتَنِ، وَ أَخَذُوا بِالْبِدَعِ دُونَ السُّنَنِ، وَ أَرَزَ الْمُؤْمِنُونَ، وَ نَطَقَ الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ، نَحْنُ الشِّعَارُ وَ الْأَصْحَابُ، وَ الْخَزَنَةُ وَ الْأَبْوَابُ، وَ لَا تُؤْتَى الْبُيُوتُ إِلَّا مِنْ أَبْوَابِهَا، فَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِهَا سُمِّيَ سَارِقاً.لنا حقّ إن نعطه نأخذه و إن نمنعه نركب أعجاز الإبل و إن طال السرى.. الركوب على أعجاز الإبل شاق.. أي إن منعنا حقّنا ركبنا مركب المشقّة صابرين عليها و إن طال الأمد، و قيل: ضرب أعجاز الإبل مثلا لتأخّره عن حقّه الذي كان يراه له و تقدّم غيره عليه، و إنّه يصبر على ذلك و إن طال أمده. نهج البلاغة- محمّد عبده- 43- 45، صبحي صالح: 216، خطبة 154. في (ك): الدّاعي. الشّعار ما يلي شعر الجسد من اللّباس. قاله في مجمع البحرين 349، و المراد بطانة النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و سلّم. في طبعة صبحي صالح من النّهج: و الأصحاب. مِنْهَا: فِيهِمْ كَرَائِمُ الْقُرْآنِ وَ هُمْ كَنْزُ الرَّحْمَنِ، إِنْ نَطَقُوا صَدَقُوا، وَ إِنْ صَمَتُوا لَمْ يُسْبَقُوا، فَلْيَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ، وَ لْيُحْضِرْ عَقْلَهُ، وَ لْيَكُنْ مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّهُ مِنْهَا قَدِمَ وَ إِلَيْهَا يَنْقَلِبُ، فَالنَّاظِرُ بِالْقَلْبِ الْعَامِلُ بِالْبَصَرِ يَكُونُ مُبْتَدَأُ عَمَلِهِ أَنْ يَعْلَمَ أَ عَمَلُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَهُ؟ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَضَى فِيهِ، وَ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَقَفَ عَنْهُ، فَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ فَلَا يَزِيدُهُ بُعْدُهُ عَنِ الطَّرِيقِ إِلَّا بُعْداً مِنْ حَاجَتِهِ، وَ الْعَامِلُ بِالْعِلْمِ كَالسَّائِرِ عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ، فَلْيَنْظُرْ نَاظِرٌ أَ سَائِرٌ هُوَ أَمْ رَاجِعٌ؟ وَ اعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ ظَاهِرٍ بَاطِناً عَلَى مِثَالِهِ، فَمَا طَابَ ظَاهِرُهُ طَابَ بَاطِنُهُ، وَ مَا خَبُثَ ظَاهِرُهُ خَبُثَ بَاطِنُهُ، وَ قَدْ قَالَ الرَّسُولُ الصَّادِقُ (صلّى اللّه عليه و آله): إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ وَ يُبْغِضُ عَمَلَهُ، وَ يُحِبُّ الْعَمَلَ وَ يُبْغِضُ بَدَنَهُ.وَ اعْلَمْ أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ نَبَاتٌ، وَ كُلَّ نَبَاتٍ لَا غِنَى بِهِ عَنِ الْمَاءِ، وَ الْمِيَاهُ مُخْتَلِفَةٌ، فَمَا طَابَ سَقْيُهُ طَابَ غَرْسُهُ، وَ حَلَتْ ثَمَرَتُهُ، وَ مَا خَبُثَ سَقْيُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ، وَ أَمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ.توضيح:قال الجوهري: النّاظر من المقلة: السّواد الأصغر الّذي فيه إنسان العين.. أي أنّ قلب اللبيب له عين يبصر بها غايته التي تجري إليها و يعرف من أحواله المستقبلة ما كان مرتفعا شريفا أو منخفضا ساقطا. الصحاح 831، و مثله في مجمع البحرين 498. و النّجد: المرتفع من الأرض، و لعلّ المراد بالداعي الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و بالراعي نفسه (عليه السلام).و قوله (عليه السلام): قد خاضوا.. كلام منقطع عمّا قبله و متّصل بكلام أسقطه السيّد تقيّة للتصريح بذمّ الخلفاء الثلاثة فيه.و أرز- بالفتح و الكسر-: انقبض.و المؤمنون: هو (عليه السلام) و شيعته، و الضالون خلفاء الجور و أتباعهم.و قال ابن أبي الحديد في قوله (عليه السلام): و الخزنة و الأبواب.. أي خزنة العلم و أبوابه، أو خزنة الجنّة و أبوابها.- قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و آله):أنا مدينة العلم و عليّ بابها، و من أراد الحكمة فليأت الباب.و قال فيه: خازن علمي.و تارة أخرى: عيبة علمي.- و قال (صلّى اللّه عليه و آله) في الخبر المستفيض إنّه: قسيم الجنّة و النار، يقول للنار هذا لي فدعيه، و هذا لك فخذيه.ثم ذكر أربعة و عشرين حديثا من فضائله (صلوات الله عليه) من طرقالمخالفين.قوله (عليه السلام): فيهم كرائم القرآن... ضمير الجمع راجع إلى آل محمّد (عليهم السلام) الذين عناهم (عليه السلام) بقوله: نحن الشعار، و المراد بكرائم القرآن: مدائحهم التي ذكرها اللَّه فيه، أو علومه المخزونة عندهم، و هم كنوز الرحمن.. أي خزائن علومه و حكمه و قربه.قوله (عليه السلام): لم يسبقوا... أي ليس صمتهم عن عيّ و عجز حتى يسبقهم أحد، بل لمحض الحكمة.قوله (عليه السلام): فليصدق رائد أهله... يحتمل أن يكون المراد بالرائد الإنسان نفسه، فإنّه كالرائد لنفسه في الدنيا يطلب فيه لآخرته ماء و مرعى.. أي لينصح نفسه و لا يغشّها بالتسويف و التعليل، أو المعنى ليصدق كلّ منكم أهله و عشيرته و من يعنيه أمره، و ليبلّغهم ما عرف من فضلنا و علوّ درجتنا.قوله: فإنّه منها قدم... لخلق روحه قبل بدنه من عالم الملكوت، أو لخروج أبيهم من الجنّة.و قيل: الآخرة: الحضرة الإلهيّة التي منها مبدأ الخلق و إليها معادهم.فالناظر بالقلب.. أي من لا يقتصر في نظره على ظواهر الأمور.العامل بالبصر.. أي من يعمل بما يبصر بعين بصيرة.. أي إذا علم الحقّ لا يتعدّاه.و يروى: العالم بالبصر.. أي من كان إبصاره سببا لعلمه.قوله (عليه السلام): و اعلم أنّ لكلّ ظاهر باطنا.أقول: قد يتوهّم التنافي بين هاتين الكلمتين و بين الخبر المرويّ ظاهرا، و يخطر بالبال دفعه بوجوه:الأوّل: أن يكون الخبر في قوّة الاستثناء لبيان أنّ المقدّمتين ليستا كليّتين، بل هما لبيان الغالب، و قد يتخلّف كما ورد في الخبر.الثاني: أن يكون الخبر استشهادا للمقدّمتين، و بيانه إنّ العمل ظاهرا و باطنا، و للشخص ظاهرا و باطنا، و ظاهر الشخص مطابق لباطنه، و لذا يحبّ اللَّه ظاهر الشخص لما يعلم من حسن باطنه و عاقبته، و يبغض ظاهر الشخص إذا علم سوء باطنه و رداءة عاقبته.الثالث: أن يكون المراد أنّه لا يمكن أن لا يظهر سوء الباطن من الأخلاق الرديّة و الاعتقادات الباطلة و الطينات الفاسدة و إن كان في آخر العمر، و لا حسن الباطن من الأخلاق الحسنة و الاعتقادات الحقّة و الطينات الطيّبة، فالذي يحبّه اللَّه و يبغض عمله ينقلب حاله في آخر العمر و يظهر منه حسن العقائد و الأعمال، و كذا العكس، فظهر أنّ حسن الباطن و الظاهر متطابقان و كذا سوؤهما، و لعلّ ما يذكر بعده يؤيّد هذا الوجه في الجملة.الرابع: ما ذكره ابن أبي الحديد، حيث قال: هو مشتقّ من قوله تعالى:وَ الْبَلَدُ ﴿‏الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ‏﴾، و المعنى إنّ لكلتا حالتي الإنسان الظاهرة أمرا باطنا يناسبها من أحواله، و الحالتان الظاهرتان: ميله إلى العقل و ميله إلى الهوى، فالمتّبع لعقله يرزق السعادة و الفوز، فهذا هو الذي طاب ظاهره و طاب باطنه، و المتّبع لمقتضى هواه.. يرزق الشقاوة و العطب، و هذا هو الذي خبث ظاهره و خبث

[بحار الأنوار (ج17-35)] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.