⟨فَمَا مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْ بَعْضِكُمْ فِي تَأْمِيرِ أُسَامَةَ، وَ لَئِنْ طَعَنْتُمْ فِي تَأْمِيرِي أُسَامَةَ فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي تَأْمِيرِي أَبَاهُ مِنْ قَبْلِهِ، وَ ايْمُ اللَّهِ إِنَّهُ كَانَ لِلْإِمَارَةِ لَخَلِيقاً، وَ إِنَّ ابْنَهُ مِنْ بَعْدِهِ لَخَلِيقٌ لِلْإِمَارَةِ، وَ إِنْ⟩
كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ فَاسْتَوْصُوا بِهِ خَيْراً فَإِنَّهُ مِنْ خِيَارِكُمْ.ثُمَّ نَزَلَ فَدَخَلَ بَيْتَهُ، وَ ذَلِكَ يَوْمُ السَّبْتِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَ جَاءَ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مَعَ أُسَامَةَ يُوَدِّعُونَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ يَمْضُونَ إِلَى الْعَسْكَرِ بِالْجُرْفِ، وَ ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَجَعُهُ، فَدَخَلَ أُسَامَةُ مِنْ مُعَسْكَرِهِ وَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) مُغْمًى عَلَيْهِ، وَ فِي رِوَايَةٍ: قَدْ أَصْمَتَ وَ هُوَ لَا يَتَكَلَّمُ فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ فَقَبَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَجَعَلَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ يَضَعُهُمَا عَلَى أُسَامَةَ.قَالَ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَدْعُو لِي، وَ رَجَعَ أُسَامَةُ إِلَى مُعَسْكَرِهِ، فَأَمَرَ النَّاسَ بِالرَّحِيلِ، فَبَيْنَا هُوَ يُرِيدُ الرُّكُوبَ إِذَا رَسُولُ أُمِّهِ- أُمِّ أَيْمَنَ- قَدْ جَاءَهُ يَقُولُ:إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَمُوتُ.. إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.وَ ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْكَامِلِ أَنَّ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بَعْثاً إِلَى الشَّامِ وَ أَمِيرُهُمْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ.. وَ ذَكَرَ بَعْضَ مَا مَرَّ، وَ صَرَّحَ بِأَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ، قَالَ: وَ هُمَا ثَبَّتَا النَّاسَ عَلَى الرِّضَابِإِمَارَةِ أُسَامَةَ.وَ رَوَى ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ النَّهْجِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْجَوْهَرِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَيَّارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي مَرَضِ مَوْتِهِ أَمَرَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ عَلَى جَيْشٍ فِيهِ جُلَّةُ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَ طَلْحَةُ وَ الزُّبَيْرُ، وَ أَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَى مُؤْتَةَ حَيْثُ قُتِلَ أَبُوهُ زَيْدٌ، وَ أَنْ يغزوا [يَغْزُوَ وَادِيَ فِلَسْطِينَ، فَتَثَاقَلَ أُسَامَةُ وَ تَثَاقَلَ الْجَيْشُ بِتَثَاقُلِهِ، وَ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَثْقُلُ وَ يَخِفُّ وَ يُؤَكِّدُ الْقَوْلَ فِي تَنْفِيذِ ذَلِكَ الْبَعْثِ، حَتَّى قَالَ لَهُ أُسَامَةُ: بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي! أَ تَأْذَنُ لِي أَنْ أَمْكُثَ أَيَّاماً حَتَّى يَشْفِيَكَ اللَّهُ تَعَالَى. فَقَالَ: اخْرُجْ وَ سِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)! إِنِّي إِنْ خَرَجْتُ وَ أَنْتَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ خَرَجْتُ وَ فِي قَلْبِي قَرْحَةٌ مِنْكَ. فَقَالَ:سِرْ عَلَى النَّصْرِ وَ الْعَافِيَةِ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)! إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ عَنْكَ الرُّكْبَانَ. فَقَالَ: أَنْفِذْ لِمَا أَمَرْتُكَ بِهِ.. ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ قَامَ أُسَامَةُ فَجَهَّزَ لِلْخُرُوجِ، فَلَمَّا أَفَاقَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) سَأَلَ عَنْ أُسَامَةَ وَ الْبَعْثِ، فَأُخْبِرَ أَنَّهُمْ يَتَجَهَّزُونَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَنْفِذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ،لَعَنَ اللَّهُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ.. وَ يُكَرِّرُ ذَلِكَ، فَخَرَجَ أُسَامَةُ وَ اللِّوَاءُ عَلَى رَأْسِهِ وَ الصَّحَابَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْجُرْفِ نَزَلَ وَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ أَكْثَرُ الْمُهَاجِرِينَ، وَ مِنَ الْأَنْصَارِ: أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَ بِشْرُ بْنُ سَعْدٍ.. وَ غَيْرُهُمْ مِنَ الْوُجُوهِ، فَجَاءَهُ رَسُولُ أُمِّ أَيْمَنَ يَقُولُ لَهُ: ادْخُلْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) يَمُوتُ، فَقَامَ مِنْ فَوْرِهِ فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ وَ اللِّوَاءُ مَعَهُ، فَجَاءَ بِهِ حَتَّى رَكَزَهُ بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) قَدْ مَاتَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، قَالَ: فَمَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ يُخَاطِبَانِ أُسَامَةَ إِلَى أَنْ مَاتَ إِلَّا بِ: الْأَمِيرِ.وَ رَوَى الطَّبَرِيُّ فِي الْمُسْتَرْشِدِ - عَلَى مَا حَكَاهُ فِي الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ - أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ كَرِهُوا إِمَارَةَ أُسَامَةَ فَبَلَغَ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) ذَلِكَ فَخَطَبَ وَ أَوْصَى ثُمَّ دَخَلَ بَيْتَهُ، وَ جَاءَ الْمُسْلِمُونَ يُوَدِّعُونَهُ فَيَلْحَقُونَ بِأُسَامَةَ، وَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ، وَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: أَنْفِذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ، فَلَمَّا بَلَغَ الْجُرْفَ بَعَثَتْ أُمُّ أُسَامَةَ- وَ هِيَ أُمُّ أَيْمَنَ- أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) يَمُوتُ، فَاضْطَرَبَ الْقَوْمُ وَ امْتَنَعُوا عَلَيْهِ وَ لَمْ يُنْفِذُوا لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثُمَّ بَايَعُوا لِأَبِي بَكْرٍ قَبْلَ دَفْنِهِ.وَ قَالَ فِي الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ - أَيْضاً- أَسْنَدَ الْجَوْهَرِيُّ فِي كِتَابِ السَّقِيفَةِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ كَانَا فِيهِ. الصّراط المستقيم 298. و قال: حدّث الواقدي، عن ابن أبي الزياد، عن هشام بن عروة أنّ أباه قال: كان فيهم أبو بكر.- قال: و حدّث- أيضا- مثله، عن محمد بن عبد اللّه بن عمر.- و ذكره البلاذري في تاريخه، و الزهري، و هلال بن عامر، و محمد بن إسحاق، و جابر، عن الباقر (عليه السلام). و- محمد بن أسامة، عن أميّة. و نقلت الرواة أنّهما كانا في حال خلافتهما يسلّمان على أسامة بالإمرة.وَ فِي كِتَابِ الْعِقْدِ: اخْتَصَمَ أُسَامَةُ وَ ابْنُ عُثْمَانَ فِي حَائِطٍ، فَافْتَخَرَ ابْنُ عُثْمَانَ، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَنَا أَمِيرٌ عَلَى أَبِيكَ وَ صَاحِبَيْهِ، أَ فَإِيَّايَ تُفَاخِرُ؟!، وَ لَمَّا بَعَثَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى أُسَامَةَ يُخْبِرُهُ بِخِلَافَتِهِ، قَالَ: أَنَا وَ مَنْ مَعِي مَا وَلَّيْنَاكَ أَمْرَنَا، وَ لَمْ يَعْزِلْنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنْكُمَا، وَ أَنْتَ وَ صَاحِبُكَ بِغَيْرِ إِذْنِي رَجَعْتُمَا، وَ مَا خَفِيَ عَلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) مَوْضِعٌ، وَ قَدْ وَلَّانِي عَلَيْكُمَا وَ لَمْ يُوَلِّكُمَا، فَهَمَّ الْأَوَّلُ أَنْ يَخْلَعَ نَفْسَهُ فَنَهَاهُ الثَّانِي، فَرَجَعَ أُسَامَةُ وَ وَقَفَ بِبَابِ الْمَسْجِدِ وَ صَاحَ: يَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ! عَجَباً لِرَجُلٍ اسْتَعْمَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَعَزَلَنِي وَ تَأَمَّرَ عَلَيَ، انْتَهَى كَلَامُهُ.وَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ الشَّهْرَسْتَانِيُّ فِي كِتَابِ الْمِلَلِ وَ النِّحَلِ - عِنْدَ ذِكْرِ الِاخْتِلَافَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي مَرَضِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) -: الْخِلَافُ الثَّانِي: أَنَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ: جَهِّزُوا جَيْشَ أُسَامَةَ، لَعَنَ اللَّهُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ جَيْشِأُسَامَةَ. فَقَالَ: قَوْمٌ يَجِبُ عَلَيْنَا امْتِثَالُ أَمْرِهِ، وَ أُسَامَةُ قَدْ بَرَزَ مِنَ الْمَدِينَةِ. وَ قَالَ قَوْمٌ: قَدِ اشْتَدَّ مَرَضُ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) فَلَا تَسَعُ قُلُوبُنَا لِمُفَارَقَتِهِ وَ الْحَالُ هَذِهِ، فَنَصْبِرُ حَتَّى نُبْصِرَ أَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ مِنْ أَمْرِهِ؟، انْتَهَى.و صرّح صاحب روضة الأحباب، بأنّ أبا بكر و عمر و عثمان كانوا من جيش أسامة.وَ قَالَ الشَّيْخُ الْمُفِيدُ (قدس الله روحه) فِي كِتَابِ الْإِرْشَادِ: لَمَّا تَحَقَّقَ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِنْ دُنُوِّ أَجَلِهِ مَا كَانَ قَدَّمَ الذِّكْرَ بِهِ لِأُمَّتِهِ، فَجَعَلَ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُومُ مَقَاماً بَعْدَ مَقَامٍ فِي الْمُسْلِمِينَ يُحَذِّرُهُمُ الْفِتْنَةَ بَعْدَهُ وَ الْخِلَافَ عَلَيْهِ، وَ يُؤَكِّدُ وِصَاءَتَهُمْ بِالتَّمَسُّكِ بِسُنَّتِهِ وَ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهَا وَ الْوِفَاقِ، وَ يَحُثُّهُمْ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِعِتْرَتِهِ وَ الطَّاعَةِ لَهُمْ وَ النُّصْرَةِ وَ الْحِرَاسَةِ وَ الِاعْتِصَامِ بِهِمْ فِي الدِّينِ، وَ يَزْجُرُهُمْعَنِ الِاخْتِلَافِ وَ الِارْتِدَادِ.. وَ سَاقَ الْكَلَامَ إِلَى قَوْلِهِ: ثُمَّ إِنَّهُ عَقَدَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ الْإِمْرَةَ، وَ أَمَرَهُ وَ نَدَبَهُ أَنْ يَخْرُجَ بِجُمْهُورِ الْأُمَّةِ إِلَى حَيْثُ أُصِيبَ أَبُوهُ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، وَ اجْتَمَعَ رَأْيُهُ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَى إِخْرَاجِ جَمَاعَةٍ مِنْ مُقَدَّمِي الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ فِي مُعَسْكَرِهِ- حَتَّى لَا يَبْقَى فِي الْمَدِينَةِ عِنْدَ وَفَاتِهِ مَنْ يَخْتَلِفُ فِي الرِّئَاسَةِ، وَ يَطْمَعُ فِي التَّقَدُّمِ عَلَى النَّاسِ بِالْإِمَارَةِ- لِيَسْتَتِبَ الْأَمْرُ بَعْدَهُ لِمَنِ اسْتَخْلَفَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَ لَا يُنَازِعَهُ فِي حَقِّهِ مُنَازِعٌ، فَعَقَدَ لَهُ الْإِمْرَةَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَ جَدَّ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي إِخْرَاجِهِمْ، وَ أَمَرَ أُسَامَةَ بِالْبُرُوزِ عَنِ الْمَدِينَةِ بِعَسْكَرِهِ إِلَى الْجُرْفِ، وَ حَثَّ النَّاسَ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَيْهِ، وَ الْمَسِيرِ مَعَهُ وَ حذوهم [حَذَّرَهُمْ مِنَ التَّلَوُّمِ وَ الْإِبْطَاءِ عَنْهُ، فَبَيْنَا هُوَ فِي ذَلِكَ إِذْ عَرَضَتْ لَهُ الشَّكَاةُ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا.. وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ: وَ اسْتَمَرَّ الْمَرَضُ بِهِ أَيَّاماً وَ ثَقُلَ، فَجَاءَ بِلَالٌ عِنْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ- وَ رَسُولُ اللَّهِ مَغْمُورٌ بِالْمَرَضِ-، فَنَادَى: الصَّلَاةَ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَأُوذِنَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِنِدَائِهِ، فَقَالَ: يُصَلِّي بِالنَّاسِ بَعْضُهُمْ فَإِنِّي مَشْغُولٌ بِنَفْسِي، فَقَالَتْ عَائِشَةُ:مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، وَ قَالَتْ حَفْصَةُ: مُرُوا عُمَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) - حِينَ سَمِعَ كَلَامَهُمَا، وَ رَأَى حِرْصَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى التَّنْوِيهِ بِأَبِيهَا، وَ افْتِتَانِهِمَا بِذَلِكَ، وَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) حَيٌّ-: اكْفُفْنَ فَإِنَّكُنَّ كَصُوَيْحِبَاتِ يُوسُفَ،ثُمَّ قَامَ (صلّى اللّه عليه و آله) مُبَادِراً خَوْفاً مِنْ تَقَدُّمِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ، وَ قَدْ كَانَ أَمَرَهُمَا بِالْخُرُوجِ مَعَ أُسَامَةَ وَ لَمْ يَكُ عِنْدَهُ أَنَّهُمَا قَدْ تَخَلَّفَا، فَلَمَّا سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ وَ حَفْصَةَ مَا سَمِعَ عَلِمَ أَنَّهُمَا مُتَأَخِّرَانِ عَنْ أَمْرِهِ، فَبَدَرَ لِكَفِّ الْفِتْنَةِ وَ إِزَالَةِ الشُّبْهَةِ، فَقَامَ (صلّى اللّه عليه و آله) - وَ إِنَّهُ لَا يَسْتَقِلُّ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الضَّعْفِ- فَأَخَذَ بِيَدِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، فَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا وَ رِجْلَاهُ يَخُطَّانِ الْأَرْضَ مِنَ الضَّعْفِ، فَلَمَّا خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَجَدَ أَبَا بَكْرٍ وَ قَدْ سَبَقَ إِلَى الْمِحْرَابِ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ أَنْ تَأَخَّرْ عَنْهُ، فَتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ وَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مَقَامَهُ، فَقَامَ وَ كَبَّرَ وَ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ الَّتِي كَانَ ابْتَدَأَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَ لَمْ يَبْنِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ فِعَالِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ انْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَ اسْتَدْعَى أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ جَمَاعَةً مِمَّنْ حَضَرَ الْمَسْجِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَالَ: أَ لَمْ آمُرْ أَنْ تُنَفِّذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ؟!. فَقَالُوا:بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)!. قَالَ: فَلِمَ تَأَخَّرْتُمْ عَنْ أَمْرِي؟!. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي خَرَجْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ لِأُجَدِّدَ بِكَ عَهْداً. وَ قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) إِنِّي لَمْ أَخْرُجْ، لِأَنَّنِي لَمْ أُحِبَّ أَنْ أَسْأَلَ عَنْكَ الرَّكْبَ. فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى اللّه عليه و آله):نَفِّذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ.. يُكَرِّرُهَا ثَلَاثاً..إِلَى آخِرِ مَا مَرَّ فِي أَبْوَابِ وَفَاةِ الرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله) مع أخبار أخر أوردناها هناك، و قد تقدّم في هذا المجلد خبر بحار الأنوار 468، و جاء فيه: 410- 411، و تقدّم الإشارة إليها فيه: 390. بحار الأنوار: 465- 470 باب 1. الصحيفة المشتمل على تلك القصّة مفصّلا.هذا ما يتعلّق بكونهم في جيش أسامة و أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخروج و لعنه المتخلّف.و أمّا عدم خروجهم و تخلّفهم فلا ينازع أحد فيه.و أمّا أنّ في ذلك قادح في خلافتهم، فلأنّهم كانوا مأمورين لأسامة ما دام لم يتمّ غرض الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في إنفاذ الجيش، فلم يكن لأبي بكر الحكم على أسامة، و الخلافة رئاسة عامّة تتضمّن الحكم على الأمّة كافة بالاتّفاق، فبطل خلافة أبي بكر، و إذا بطل خلافته ثبت بطلان خلافة عمر لكونها بنصّ أبي بكر، و خلافة عثمان لابتنائها على الشورى بأمر عمر.و أيضا لو لم تبطل خلافة الأخيرين لزم خرق الإجماع المركّب، و لأنّ ردّ كلام الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) في وجهه- كما سبق- من أبي بكر و عمر و عدم الانقياد لأمره بعد تكريره الأمر إيذاء له (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ، و قال: وَ الَّذِينَ ﴿يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾، و ذلك مع قطع النظر عن اللعن الصريح في ذلك الأمر- كما اعترف به الشهرستاني - و المستحقّ للّعن من اللّه و من رسوله لا يصلح للإمامة، و لو جوّزوا لعن خلفائهم صالحناهم على ذلك و اتّسع الأمر علينا.و أجاب قاضي القضاة في المغني: بأنّا لا نسلّم أنّ أبا بكر كان في جيشأسامة، و لم يسند منعه إلى رواية و خبر، و ذكر له بعض المتعصّبين خبرا ضعيفا يدلّ بزعمه على أنّه لم يكن فيه.و قال ابن أبي الحديد: كثير من المحدّثين يقولون كان أبو بكر من الجيش، و الأمر عندي في هذا الموضع مشتبه، و التواريخ مختلفة.و الجواب أنّ وروده في رواياتهم- سيّما إذا كان جلّهم قائلين به مع اتّفاق رواياتنا عليه- يكفينا في الاحتجاج و لا يضرّنا خلاف بعضهم.و أمّا استناد صاحب المغني في عدم كونه من الجيش بما حكاه عن أبي علي من أنّه لو كان أبو بكر من الجيش لما ولّاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أمر الصلاة في مرضه مع تكريره أمر الجيش بالخروج و النفوذ، فقد عرفت ما في حكاية الصلاة من وجوه الفساد، مع أنّه لم يظهر من رواياتهم ترتيب بين الأمر بالتجهيز و الأمر بالصلاة، فلعلّ الأمر بالصلاة كان قبل الأمر بالخروج، أو كان في أثناء تلك الحال، فلم يدلّ على عدم كون أبي بكر من الجيش.و يؤيّده ما رواه ابن أبي الحديد من أنّه لم يجاوز آخر القوم الخندق حتّى قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).و لو بني الكلام على ما رويناه، فبعد تسليم الدلالة على التأخّر ينهدم به بنيان ما أسّسه، إذ يظهر منها أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا سمع صوت أبي بكر، و علم أنّه تأخّر عن أمره و لم يخرج، خرج متحاملا و أخّره عن المحراب و ابتدأ بالصلاة.ثم أجاب صاحب المغني - بعد تسليم أنّه كان من الجيش- بأنّ الأمر لا يقتضي الفور، فلا يلزم من تأخّره أن يكون عاصيا.و ردّ عليه السيّد في الشافي: بأنّ المقصود بهذا الأمر الفور دون التراخي، أمّا من حيث مقتضى الأمر على مذهب من يرى ذلك لغة، و أمّا شرعا، من حيث وجدنا جميع الأمّة من لدن الصحابة إلى هذا الوقت يحملون أوامره (صلّى اللّه عليه و آله) على الفور، و يطلبون في تراخيها الأدلّة.قال: على أنّ في قول أسامة: لم أكن لأسأل عنك الركب.. أوضحغرض السيّد (رحمه الله) أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) لو لم يأمره على الفور و كان أمره فيه سعة و تراخ، و جاز له أن يتأخّر كما تأخّر أبو بكر أمكن أن يستغني عن سؤال الركب إمّا بصحّته (صلّى اللّه عليه و آله) أو برحلته و علم أسامة بذلك، و على التقديرين لا معنى لسؤال الركب و التعلّل به.و تعرّض (رحمه الله) لشقّ (كذا، و الظاهر: للشق) الثاني و أحال الأول على الظهور، فلا يرد عليه ما أورده ابن أبي الحديد بأنّ هذا قول من توهّم على قاضي القضاة أنّه يقول:
[بحار الأنوار (ج17-35)] · موسوعة الغيبة والظهور