⟨أَلَا وَ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلَ الثَّوَابِ وَ أَحْسَنَ الْجَزَاءِ وَ الْمَآبِ، لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الدُّنْيَا لِلْمُتَّقِينَ ثَوَاباً، وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ⟩
مشقّة انتظار الفرج. و قوله (عليه السلام): «ما أطول هذا العناء و أبعد هذا الرجاء» حكاية كلام شيعته (عليه السلام) انتهى. فيكون المراد بالرجاء:رجاء ظهور القائم (عليه السلام).و قال ابن ميثم: و يحتمل أن يكون الكلام متّصلا و يكون قوله (عليه السلام): «ما أطول هذا العناء» كلاما مستأنفا في معنى التوبيخ لهم على إعراضهم عنه و إقبالهم على الدنيا و إتعابهم أنفسهم في طلبها، و تنفير لهم عنها بذكر طول العناء في طلبها و بعد الرجاء لما يرجى منها.قوله (عليه السلام): «ألقوا»: أي ألقوا من أيديكم أزمّة الآراء الفاسدة و الأعمال الكاسدة الّتي هي كالنوق و المراكب في حمل التبعات و الآثام.«و لا تصدّعوا»: أي لا تتفرّقوا. و السلطان: الأمير و الإمام. و غبّ كلّ شيء: عاقبته. و فور نار الفتنة: وهجها و غليانها.«و أميطوا»: أي تنحّوا. و السّنن: الطّريقة.قوله (عليه السلام): «و خلّوا»: أي دعوها تسلك طريقها و لا تتعرّضوا لها تكونوا حبطا لنارها. - نَهْجٌ: [وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام):] الْحَمْدُ لِلَّهِ النَّاشِرِ فِي الْخَلْقِفَضْلَهُ، وَ الْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ، نَحْمَدُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَ نَسْتَعِينُهُ عَلَى رِعَايَةِ حُقُوقِهِ، وَ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صَادِعاً وَ بِذِكْرِهِ نَاطِقاً، فَأَدَّى أَمِيناً وَ مَضَى رَشِيداً وَ خَلَّفَ فِينَا رَايَةَ الْحَقِّ، مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا زَهَقَ، وَ مَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ.دَلِيلُهَا مَكِيثُ الْكَلَامِ بَطِيءُ الْقِيَامِ سَرِيعٌ إِذَا قَامَ، فَإِذَا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقَابَكُمْ وَ أَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِكُمْ جَاءَهُ الْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ، فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ حَتَّى يُطْلِعَ اللَّهُ لَكُمْ مَنْ يَجْمَعُكُمْ وَ يَضُمُّ نَشْرَكُمْ. فَلَا تَطْمَعُوا فِي غَيْرِ مُقْبِلٍ، وَ لَا تَيْأَسُوا مِنْ مُدْبِرٍ، فَإِنَّ الْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلَّ إِحْدَى قَائِمَتَيْهِ وَ تَثْبُتَ الْأُخْرَى فَتَرْجِعَا حَتَّى تَثْبُتَا جَمِيعاً.أَلَا وَ إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ إِذَا خَوَى نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ، فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكَامَلَتْ مِنَ اللَّهِ فِيكُمُ الصَّنَائِعُ، وَ أَرَاكُمْ مَا كُنْتُمْ تَأْمُلُونَ.توضيح:النّشر: التفريق و البسط، و بسط اليد: كناية عن العطاء. و قيل: اليد هنا النعمة في جميع أموره: أي ما صدر منه من النعم و البلايا. و رعاية حقوق اللّه:شكره و طاعته.[قوله (عليه السلام):] «بأمره صادعا»: أي مظهرا مجاهرا. و الرشد: إصابة الصواب. و قيل: الاستقامة على طريق الحقّ مع تصلّب فيه. و راية الحقّ: الثّقلان المخلّفان. و مرق السهم من الرمية: إذا خرج عن المرمي به، و المراد هنا خروج من تقدّمها و لم يعتد بها من الدين. و زهق الشيء- كمنع-: بطل و هلك.و اللّحوق: إصابة الحقّ.و أراد بالدليل: نفسه (عليه السلام). و الضمير راجع إلى الراية. [و] مكيث الكلام: أي بطيئه: أي لا يتكلّم من غير رويّة. و بطيء القيام: كناية عن ترك العجلة و الطّيش. و إلانة الرقاب: كناية عن الإطاعة. و الإشارة بالأصابع [كناية] عن التعظيم و الإجلال.قال ابن أبي الحديد: نقل أنّ أهل العراق لم يكونوا أشدّ اجتماعا عليه من الشهر الذي قتل (عليه السلام) فيه، اجتمع له مائة ألف سيف، و أخرج مقدّمته يريد الشام، فضربه اللعين و انفضّت تلك الجموع كالغنم فقدت رعاتها.و أشار [ (عليه السلام) ] بمن يجمعهم إلى المهدي (عليه السلام). و النشر:المنشور التفرّق.قوله (عليه السلام): «فلا تطمعوا»: أي من لم يقبل على طلب هذا الأمر ممن هو أهله، فلا تطمعوا فيه؛ فإنّ ذلك لاختلال بعض شرائط الطلب، كما كان شأن أكثر أئمّتنا (عليهم السلام).و قيل: أراد بغير المقبل: من انحرف عن الدين بارتكاب منكر، فإنّه لا يجوز الطمع في أن يكون أميرا لكم.و في بعض النسخ: «فلا تطعنوا في عين»: أي من أقبل على هذا الأمر من أهل البيت فلا تدفعوه عما يريد.و قوله [ (عليه السلام):] «و لا تيأسوا»: أي من أدبر عن طلب الخلافة ممن هو أهل لها فلا تيأسوا من عوده و إقباله على الطلب، فإنّ إدباره يكون لفقد بعض الشروط كقلّة الناصر.و زوال إحدى القائمتين كناية عن اختلال بعض الشروط، و ثبات الأخرى [كناية] عن وجود بعضها.و قوله «فيرجعان حتّى يثبتا»: [كناية] عن استكمال الشرائط، و لا ينافي النهي عن الإياس النّهي عن الطّمع؛ لأنّ عدم اليأس هو التجويز، و الطمع فوق التجويز. أو لأنّ النهي عن الطمع في حال عدم الشروط و الإعراض عن الطلب لذلك و النهي عن الإياس لجواز حصول الشرائط.و قيل [في تفسير قوله (عليه السلام):] «و لا تيأسوا من مدبر»: أي إذا ذهب من بينكم إمام و خلّفه إمام آخر فاضطرب أمره، فلا تشكوا فيهم، فإنّ المضطرب الأمر سينتظم أموره. و حينئذ يكون قوله (عليه السلام) «ألا إنّ مثل آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله)» كالبيان لهذا.[قوله (عليه السلام):] «إذا خوى نجم»: أي مال للمغيب. و الصّنائع: جمع صنيعة و هي الإحسان: أي لا تيأسوا عسى أن يأتي اللّه بالفرج عن قريب و المتحقّق الوقوع قريب و إن كان بعيدا.و يمكن أن يكون [أراد] إراءة المخاطبين ما يأملون في الرجعة. - نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام): أَيُّهَا الْغَافِلُونَ غَيْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ، وَ التَّارِكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ! مَا لِي أَرَاكُمْ عَنِ اللَّهِ ذَاهِبِينَ وَ إِلَى غَيْرِهِ رَاغِبِينَ؟! كَأَنَّكُمْ نَعَمٌ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إِلَى مَرْعًى وَبِيءٍ وَ مَشْرَبٍ دَوِيٍّ، [وَ] إِنَّمَا هُوَ كَالْمَعْلُوفَةِ لِلْمُدَى، لَا تَعْرِفُ مَا ذَا يُرَادُ بِهَا، إِذَا أُحْسِنَ إِلَيْهَا تَحْسَبُ يَوْمَهَا دَهْرَهَا وَ شِبَعَهَا أَمْرَهَا.وَ اللَّهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ وَ مَوْلَجِهِ وَ جَمِيعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ! وَ لَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فِيَّ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، أَلَا وَ إِنِّي مُفْضِيهِ إِلَى الْخَاصَّةِ مِمَّنْ يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ.وَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ وَ اصْطَفَاهُ عَلَى الْخَلْقِ، مَا أَنْطِقُ إِلَّا صَادِقاً، وَ لَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَ بِمَهْلِكِ مَنْ يَهْلِكُ وَ مَنْجَى مَنْ يَنْجُو وَ مَآلِ هَذَا الْأَمْرِ، وَ مَا أُبْقِيَ شَيْئاً يَمُرُّ عَلَى رَأْسِي إِلَّا أَفْرَغَهُ فِي أُذُنَيَّ وَ أَفْضَى بِهِ إِلَيَّ.أَيُّهَا النَّاسُ! وَ اللَّهِ لَا أَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ إِلَّا وَ أَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا، وَ لَا أَنْهَاكُمْعَنْ مَعْصِيَةٍ إِلَّا وَ أَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا.بيان: [قوله (عليه السلام):] «أيّها الغافلون»: الظاهر أنّ الخطاب لعامّة المكلّفين أي الذين غفلوا عمّا يراد بهم و منهم، [و هم] غير المغفول عنهم، فإنّ أعمالهم محفوظة مكتوبة.[قوله:] «و التاركون»: أي لما أمروا به المأخوذ منهم بانتقاص أعمارهم و قواهم و استلاب أحبابهم و أموالهم.و الذهاب عن اللّه التوجه إلى غيره و الإعراض عن جنابه. و النّعم- بالتحريك- جمع لا واحد له من لفظه و أكثر ما يقع على الإبل.[قوله (عليه السلام):] «أراح بها سائم»: شبّههم بالنعم التي تتبع نعما أخرى. سائمة: أي راعية. و إنّما قال ذلك؛ لأنّها إذا اتبعت أمثالها كان أبلغ في ضرب المثل بجهلها من الإبل التي يسيمها راعيها.و ما يظهر من كلام ابن ميثم من أنّ السائم بمعنى الراعي، ففيه ما لا يخفى. و المرعى الوبيء: ذو الوباء و المرض، و أصله الهمز. و الدّوي: ذو الدّاء، و الأصل في الدويّ، دوي- بالتخفيف- و لكنّه شدّد للازدواج. قال الجوهري:رجل دو بكسر الواو: أي فاسد الجوف من داء. و المدى بالضمّ جمع مدية و هي السكين.قوله (عليه السلام): «تحسب يومها»: أي تظنّ أن ذلك العلف كما هو حاصل لها في هذا اليوم حاصل لها أبدا، أو نظرها مقصور على يومها تحسب أنّه دهرها. «و شبعها أمرها»: أي تظن انحصار شأنها و أمرها في الشبع.قوله (عليه السلام): «و اللّه لو شئت أن أخبر»: قال ابن أبي الحديد: [و] هذا كقول المسيح (عليه السلام): وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ [49- آل عمران: 3] [و لكن] قال (عليه السلام) -: إلّا أنّي أخاف عليكم الغلوّ في أمري، و أن تفضّلوني على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، بل أخاف عليكم أن تدّعوا فيّ الإلهيّة كما ادّعت النصارى ذلك في المسيح (عليه السلام) لمّا أخبرهم بالأمور الغائبة.[ثم قال ابن أبي الحديد:] و مع كتمانه (عليه السلام) فقد كفر [فيه] كثير منهم، و ادّعوا فيه النبوّة، و أنّه شريك الرسول في الرسالة و إنّه هو الرسول، و لكنّ الملك غلط، و أنّه هو الذي بعث محمدا (صلّى اللّه عليه و آله)، و ادّعوا فيه الحلول و الاتحاد.و يحتمل أن يكون كفرهم فيه بإسناد التقصير إليه (عليه السلام) في إظهار شأنه و جلالته.و المهلك- بفتح اللام و كسرها- يحتمل المصدر و اسم الزمان و المكان.و المراد بالهلاك إمّا الموت و القتل أو الضلال و الشقاء. و كذلك النجاة.و المراد بالأمر: الخلافة أو الدين و ملك الإسلام. و مآله: انتهاؤه بظهور القائم (عليه السلام) و ما يكون في آخر الزمان. و أفرغه كفرّغه-: صبّه. - نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام): أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً وَ لَا يَدَّعِي نُبُوَّةً وَ لَا وَحْياً، فَقَاتَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ، يَسُوقُهُمْ إِلَى مَنْجَاتِهِمْ، وَ يُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ. يَحْسِرُ الْحَسِيرُ وَ يَقِفُ الْكَسِيرُ فَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ غَايَتَهُ، إِلَّا هَالِكاً لَا خَيْرَ فِيهِ، حَتَّى أَرَاهُمْ مَنْجَاتَهُمْ، وَ بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ، فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ، وَ اسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ.وَ ايْمُ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا، وَ اسْتَوْسَقَتْ فِيقِيَادِهَا، مَا ضَعُفْتُ وَ لَا جَبُنْتُ، وَ لَا خُنْتُ وَ لَا وَهَنْتُ.وَ ايْمُ اللَّهِ لَأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ.بيان: المنجاة: مصدر أو اسم مكان. «و يبادر بهم السّاعة»: أي يسارع إلى هدايتهم و إرشادهم حذرا من أن ينزل بهم السّاعة فتدركه على الضّلالة.و الحسير: المعيي. و إقامته [ (صلّى اللّه عليه و آله) ] على الحسير و الكسير و مراقبته من تزلزل عقائده، ليدفع شبهه حتّى يبلغه الغاية الّتي خلق لأجلها، إلّا من لم يكن قابلا للهداية.و منهم من حمله على ظاهره من شفقته (صلّى اللّه عليه و آله) على الضعفاء في الأسفار و الغزوات.[قوله (عليه السلام):] «حتّى أراهم منجاتهم»: أي نجاتهم أو محلّ نجاتهم.و محلّتهم: منزلهم و غاية سفرهم الصوري أو المعنوي.و استدار الرّحى و استقامة القناة، كنايتان عن انتظام الأمر كما مرّ.و السّاقة: جمع سائق، و الضّمير لغير مذكور [لفظا] و المراد الجاهليّة، شبّهها (عليه السلام) بكتيبة مصادفة لكتيبة الإسلام فهزمها.و في القاموس: الحذفور- كعصفور-: الجانب- كالحذفار- و الشريف و الجمع الكثير. و أخذه بحذافيره: بأسره. أو بجوانبه أو بأعاليه. و الحذافير:المتهيّئون للحرب. و اشدد حذافيرك: تهيّأ. و استوسقت: أي اجتمعت و انتظمت يعني الملّة الإسلامية أو الدعوة أو ما يجري هذا المجرى أي لمّا ولّت الجاهلية استوسقت هذه في قيادها كالإبل المقودة إلى أعطانها.و يحتمل عوده إلى الجاهلية أي تولّت بحذافيرها و اجتمعت تحت ظلّ المقادة. و البقر: الشقّ. و الخاصرة ما بين أسفل الأضلاع و عظم الورك، شبّه عليه السّلام الباطل بحيوان ابتلع الحقّ. - نَهْجٌ: [وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ (عليه السلام):] تَاللَّهِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ الرِّسَالاتِ وَ إِتْمَامَ الْعِدَاتِ وَ تَمَامَ الْكَلِمَاتِ، وَ عِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَبْوَابُ الْحُكْمِ وَ ضِيَاءُ الْأَمْرِ.أَلَا وَ إِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ، وَ سُبُلَهُ قَاصِدَةٌ، مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَ غَنِمَ، وَ مَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ وَ نَدِمَ. اعْمَلُوا لِيَوْمٍ تُذْخَرُ لَهُ الذَّخَائِرُ، وَ تُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ، وَ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُبِّهِ فَعَازِبُهُ عَنْهُ أَعْجَزُ وَ غَائِبُهُ أَعْوَزُ. وَ اتَّقُوا نَاراً حَرُّهَا شَدِيدٌ، وَ قَعْرُهَا بَعِيدٌ وَ حِلْيَتُهَا حَدِيدٌ وَ شَرَابُهَا صَدِيدٌ.أَلَا وَ إِنَّ اللِّسَانَ الصَّالِحَ يَجْعَلُهُ اللَّهُ لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُورِثُهُ مَنْ لَا يَحْمَدُهُ.بيان: قال ابن أبي الحديد: [قوله:] «لقد علمت تبليغ الرّسالات»: إشارة إلى قوله تعالى: يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ... وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ و إلى- قول النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في قصّة براءة: «لا يؤدّي عنّي أنا أو رجل منّي».، و أنّه علم مواعيد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الّتي وعد بها و إنجازها، فمنها ما هو وعد لواحد من النّاس نحو أن يقول: سأعطيك كذا.و منها ما هو وعد بأمر سيحدث، كأخبار الملاحم و الأمور المتجدّدة. و فيه إشارة إلى قول تعالى: [﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ] رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ و إلى- قول النّبيّ صلّى اللّه عليه في حقّه (عليه السلام) «قاضي ديني و منجز عداتي».و أنّه علم تمام الكلمات و هو تأويل القرآن و بيانه الذي يتم به.و فيه إشارة إلى قوله تعالى: وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا. و إلى- قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) [له]: «اللّهم اهد قلبه و ثبّت لسانه».. و لعلّ المراد ب «أبواب الحكم» بالضمّ أو «الحكم» بكسر الحاء و فتح الكاف- على اختلاف النسخ-: الأحكام الشرعية. و ب «ضياء الأمر» العقائد العقلية أو بالعكس.و قال ابن ميثم: لعلّ المراد ب «شرائع الدين و سبله» أهل البيت (عليهم السلام) فإنّ أقوالهم في الدين واحدة خالية عن الاختلاف.أقول: و يحتمل أن يكون المراد معناه الظاهر، و يكون الغرض نفي الاختلاف في الأحكام بالآراء و المقاييس، و يظهر منه بطلان إمامة غير أهل البيت كما لا يخفي.قوله (عليه السلام): «و من لا ينفعه» فيه وجوه:الأول أنّ من لم يعتبر في حياته بلبّه فأولى بأن لا ينتفع بعد الموت.الثاني أنّ المراد من لم يعمل بما فهم و حكم به عقله وقت إمكان العمل، فأحرى أن لا ينتفع به بعد انقضاء وقته، بل لا يورثه إلّا ندامة و حسرة.الثالث أنّ المراد من لم يكن له من نفسه واعظ و زاجر و لم يعمل بما فهم و عقل، فأحرى بأن لا يرتدع من القبيح بعقل غيره و موعظته له.و «اللسان الصالح»: الذّكر الجميل. و «من لا يحمده» وارثه الذي لا يعدّ ذلك الإيراث فضلا و نعمة. - نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَتِهِ [ (عليه السلام) ] الْمَعْرُوفَةِ بِالْقَاصِعَةِ:أَلَا وَ إِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ، وَ ثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللَّهِ الْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ بِأَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِيمَا عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هَذِهِ الْأُلْفَةِ الَّتِي يَنْتَقِلُونَ فِي ظِلِّهَا وَ يَأْوُونَ إِلَى كَنَفِهَا، بِنِعْمَةٍ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لَهَا قِيمَةً؛ لِأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ وَ أَجَلُّ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ.وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ قَدْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَعْرَاباً، وَ بَعْدَ الْمُوَالاةِ أَحْزَاباً، مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِاسْمِهِ، وَ لَا تَعْرِفُونَ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا رَسْمَهُ، تَقُولُونَ:«النَّارَ وَ لَا الْعَارَ»، كَأَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُكْفِئُوا الْإِسْلَامَ عَلَى وَجْهِهِ انْتِهَاكاً لِحَرِيمِهِ، وَ نَقْضاً لِمِيثَاقِهِ الَّذِي وَضَعَهُ اللَّهُ لَكُمْ، حَرَماً فِي أَرْضِهِ وَ أَمْناً بَيْنَ خَلْقِهِ.وَ إِنَّكُمْ إِنْ لَجَأْتُمْ إِلَى غَيْرِهِ حَارَبَكُمْ أَهْلُ الْكُفْرِ، ثُمَّ لَا جَبْرَئِيلُ وَ لَا مِيكَائِيلُ وَ لَا مُهَاجِرُونَ وَ لَا أَنْصَارٌ يَنْصُرُونَكُمْ إِلَّا الْمُقَارَعَةَ بِالسُّيُوفِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكُمْ.وَ إِنَّ عِنْدَكُمُ الْأَمْثَالَ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَ قَوَارِعِهِ وَ أَيَّامِهِ وَ وَقَائِعِهِ، فَلَا تَسْتَبْطِئُوا وَعِيدَهُ جَهْلًا بِأَخْذِهِ، وَ تَهَاوُناً بِبَطْشِهِ، وَ يَأْساً مِنْ بَأْسِهِ.فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَلْعَنِ الْقَرْنَ الْمَاضِيَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ إِلَّا لِتَرْكِهِمُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَلَعَنَ السُّفَهَاءَ لِرُكُوبِ الْمَعَاصِي، وَ الْحُلَمَاءَ لِتَرْكِ التَّنَاهِي.أَلَا وَ قَدْ قَطَعْتُمْ
[بحار الأنوار (ج17-35)] · موسوعة الغيبة والظهور