⟨أَلَا وَ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلَ الثَّوَابِ وَ أَحْسَنَ الْجَزَاءِ وَ الْمَآبِ، لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الدُّنْيَا لِلْمُتَّقِينَ ثَوَاباً، وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ⟩
قَيْدَ الْإِسْلَامِ، وَ عَطَّلْتُمْ حُدُودَهُ وَ أَمَتُّمْ أَحْكَامَهُ.أَلَا وَ قَدْ أَمَرَنِيَ اللَّهُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَ النَّكْثِ وَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، فَأَمَّا النَّاكِثُونَ فَقَدْ قَاتَلْتُ، وَ أَمَّا الْقَاسِطُونَ فَقَدْ جَاهَدْتُ، وَ أَمَّا الْمَارِقُونَ فَقَدْ دَوَّخْتُ، وَ أَمَّا شَيْطَانُ الرَّدْهَةِ فَقَدْ كُفِيتُهُ بِصَعْقَةٍ سُمِعَتْ لَهَا وَجْبَةُ قَلْبِهِ وَ رَجَّةُ صَدْرِهِ، وَ بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَ لَئِنْ أَذِنَ اللَّهُ فِي الْكَرَّةِ عَلَيْهِمْ لَأُدِيلَنَّ مِنْهُمْ إِلَّا مَا يَتَشَذَّرُ فِي أَطْرَافِ الْبِلَادِ تَشَذُّراً.أَنَا وَضَعْتُ [فِي الصِّغَرِ] بِكَلَاكِلِ الْعَرَبِ وَ كَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُونِ رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ.وَ قَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ وَ الْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَ أَنَا وَلِيدٌ، يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ وَ يَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ وَ يُمِسُّنِي جَسَدَهُ وَ يُشِمُّنِي عَرْفَهُ، وَ كَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ، وَ مَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ وَ لَا خَطْلَةً [خَطِيئَةً «خ»] فِي فِعْلٍ.أقول:: قد مضى تمامها مع شرحها في آخر المجلد الخامس. - نَهْجٌ: [وَ] مِنْ كَلَامٍ لَهُ (عليه السلام): أَلَا وَ إِنَّ اللِّسَانَ بَضْعَةٌ مِنَ الْإِنْسَانِ، فَلَا يُسْعِدُهُ الْقَوْلُ إِذَا امْتَنَعَ، وَ لَا يُمْهِلُهُ النُّطْقُ إِذَا اتَّسَعَ، وَ إِنَّا لَأُمَرَاءُ الْكَلَامِ، وَ فِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ، وَ عَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونُهُ.وَ اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّكُمْ فِي زَمَانٍ، الْقَائِلُ فِيهِ بِالْحَقِّ قَلِيلٌ، وَ اللِّسَانُ عَنِ الصِّدْقِ كَلِيلٌ، وَ اللَّازِمُ لِلْحَقِّ ذَلِيلٌ، أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَى الْعِصْيَانِ، مُصْطَلِحُونَ عَلَى الْإِدْهَانِ، فَتَاهُمْ عَارِمٌ، وَ شَائِبُهُمْ آثِمٌ، وَ عَالِمُهُمْ مُنَافِقٌ، وَ قَارِئُهُمْ مُمَاذِقٌ، لَا يُعَظِّمُ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ، وَ لَا يَعُولُ غَنِيُّهُمْ فَقِيرَهُمْ.بيان: قال ابن أبي الحديد: [هذا الكلام] قاله (عليه السلام) في واقعة اقتضت ذلك، و هي أنّه أمر ابن أخته جعدة بن هبيرة المخزومي أن يخطب الناس يوما، فصعد المنبر فحصر و لم يستطع الكلام، فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) فتسنّمذروة المنبر، فخطب خطبة طويلة هذه الكلمات منها.و البضعة: القطعة من اللحم. و الضمير في [قوله (عليه السلام):] «يسعده» و «يمهله» للّسان، و في [قوله:] «امتنع» و «اتّسع» للإنسان.و المعنى أنّ اللسان لمّا كان آلة للإنسان يتصرّف بتصريفه إيّاه، فإذا امتنع الإنسان عن الكلام لشاغل أو صارف، لم يسعد اللّسان القول و لم يواته، و إذا دعاه الدّاعي إلى الكلام و حضره و اتسع الإنسان له، لم يمهله النّطق بل يسارع إليه.و يحتمل أن يعود الضّمير في «امتنع» إلى القول، و في «اتّسع» إلى النّطق:أي فلا يسعد القول اللسان إذا امتنع القول من الإنسان و لم يحضره لوهم أو نحوه، أوجب حصره و عيّه و لم يمهله النّطق إذا اتّسع عليه و حضره.و يحتمل أن يكون الضّمير في «يسعده» و «يمهله» راجعا إلى الإنسان، و في [قوله:] «امتنع» و «اتّسع» إلى اللّسان: أي إذا امتنع اللّسان لعدم جرأة فلا يسعد القول الإنسان، و إذا اتّسع لم يمهل النطق الإنسان. و الأوّل أظهر.و نشب الشيء في الشّيء بالكسر: أي علق و أنشبته أنا فيه: أي أعلقته فانتشب. ذكره الجوهري.و المراد بعروقه: أصوله و موادّه، كالعلم بالمعاني و الملكات الفاضلة.و غصونه: فروعه و أغصانه و آثاره.و تهدّلت أغصان الشجرة: أي تدلّت.[قوله (عليه السلام):] «معتكفون على العصيان»: أي ملازمون [لها] من قولهم: عكف على الشيء: أي حبس نفسه عليه، و منه الاعتكاف. و الاصطلاح:افتعال من الصلح. و الادهان: القول باللّسان بمقتضى مصلحة حالهم دون الاتفاق في القلوب، أو بمعنى الغش. و العرامة: شراسة الخلق و البطر و الفساد و قلّة الأدب.[قوله (عليه السلام):] «و شائبهم آثم»: [أي] لجهله و غفلته شاب في الإثم.قوله (عليه السلام): «مماذق»: أي غير مخلص كما ذكره الجوهري.و «عاله»: أي كفله و قام بأمره و أنفق عليه. - نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام): وَ أَسْتَعِينُهُ عَلَى مَدَاحِرِ الشَّيْطَانِ وَ مَزَاجِرِهِ وَ الِاعْتِصَامِ مِنْ حَبَائِلِهِ وَ مَخَاتِلِهِ.وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ نَجِيبُهُ وَ صَفْوَتُهُ، لَا يُوَازَى فَضْلُهُ، وَ لَا يُجْبَرُ فَقْدُهُ، أَضَاءَتْ بِهِ الْبِلَادُ بَعْدَ الضَّلَالَةِ الْمُظْلِمَةِ وَ الْجَهَالَةِ الْغَالِبَةِ وَ الْجَفْوَةِ الْجَافِيَةِ، وَ النَّاسُ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيمَ وَ يَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيمَ، يَحْيَوْنَ عَلَى فَتْرَةٍ وَ يَمُوتُونَ عَلَى كَفْرَةٍ.ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ! أَغْرَاضُ بَلَايَا قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ، وَ احْذَرُوا بَوَائِقَ النِّقْمَةِ، وَ تَثَبَّتُوا فِي قَتَامِ الْعِشْوَةِ، وَ اعْوِجَاجِ الْفِتْنَةِ عِنْدَ طُلُوعِ جَنِينِهَا، وَ ظُهُورِ كَمِينِهَا، وَ انْتِصَابِ قُطْبِهَا، وَ مَدَارِ رَحَاهَا، تَبْدَأُ فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ، وَ تَئُولُ إِلَى فَظَاعَةٍ جَلِيَّةٍ، شِبَابُهَا كَشِبَابِ الْغُلَامِ، وَ آثَارُهَا كَآثَارِ السَّلَامِ، تَتَوَارَثُهَا الظَّلَمَةُ بِالْعُهُودِ، أَوَّلُهُمْ قَائِدٌ لِآخِرِهِمْ، وَ آخِرُهُمْ مُقْتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ، يَتَنَافَسُونَ فِي دُنْيَا دَنِيَّةٍ، وَ يَتَكَالَبُونَ عَلَى جِيفَةٍ مُرِيحَةٍ، وَ عَنْ قَلِيلٍ يَتَبَرَّأُ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوعِ، وَ الْقَائِدُ مِنَ الْمَقُودِ، فَيَتَزَايَلُونَ بِالْبَغْضَاءِ وَ يَتَلَاعَنُونَ عِنْدَ اللِّقَاءِ.ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ طَالِعُ الْفِتْنَةِ الرَّجُوفِ وَ الْقَاصِمَةِ الزَّخُوفِ، فَتَزِيغُ قُلُوبٌ بَعْدَ اسْتِقَامَةٍ، وَ تَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلَامَةٍ، وَ تَخْتَلِفُ الْأَهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا، وَ تَلْتَبِسُالْآرَاءُ عِنْدَ نُجُومِهَا. مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ، وَ مَنْ سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ، يَتَكَادَمُونَ فِيهَا تَكَادُمَ الْحُمُرِ فِي الْعَانَةِ، قَدِ اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الْحَبْلِ، وَ عَمِيَ وَجْهُ الْأَمْرِ، تَغِيضُ فِيهَا الْحِكْمَةُ، وَ تَنْطِقُ فِيهَا الظَّلَمَةُ، وَ تَدُقُّ أَهْلَ الْبَدْوِ بِمِسْحَلِهَا، وَ تَرُضُّهُمْ بِكَلْكَلِهَا. يَضِيعُ فِي غُبَارِهَا الْوُحْدَانُ، وَ يَهْلِكُ فِي طَرِيقِهَا الرُّكْبَانُ، تَرِدُ بِمُرِّ الْقَضَاءِ، وَ تَحْلُبُ عَبِيطَ الدِّمَاءِ، وَ تَثْلِمُ مَنَارَ الدِّينِ، وَ تَنْقُضُ عَقْدَ الْيَقِينِ.تَهْرُبُ مِنْهَا الْأَكْيَاسُ، وَ تَدَبَّرَهَا الْأَرْجَاسُ، مِرْعَادٌ مِبْرَاقٌ، كَاشِفَةٌ عَنْ سَاقٍ، تُقْطَعُ فِيهَا الْأَرْحَامُ، وَ يُفَارَقُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ، بَرِيئُهَا سَقِيمٌ، وَ ظَاعِنُهَا مُقِيمٌ.[وَ] مِنْهَا:بَيْنَ قَتِيلٍ مَطْلُولٍ، وَ خَائِفٍ مُسْتَجِيرٍ، يَخْتِلُونَ بِعَقْدِ الْأَيْمَانِ، وَ بِغُرُورِ الْإِيمَانِ، فَلَا تَكُونُوا أَنْصَابَ الْفِتَنِ وَ أَعْلَامَ الْبِدَعِ، وَ الْزَمُوا مَا عُقِدَ عَلَيْهِ حَبْلُ الْجَمَاعَةِ، وَ بُنِيَتْ عَلَيْهِ أَرْكَانُ الطَّاعَةِ، وَ اقْدَمُوا عَلَى اللَّهِ مَظْلُومِينَ وَ لَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ظَالِمِينَ، وَ اتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّيْطَانِ وَ مَهَابِطَ الْعُدْوَانِ، وَ لَا تُدْخِلُوا بُطُونَكُمْ لُعَقَ الْحَرَامِ، فَإِنَّكُمْ بِعَيْنِ مَنْ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَعْصِيَةَ وَ سَهَّلَ لَكُمْ سَبِيلَ الطَّاعَةِ.توضيح:«مداحر الشيطان»: الأمور التي يدحر و يطرد بها [الشيطان].و «مزاجره»: الأمور التي يزجر بها. و «حبائله»: مكايده التي يضلّ بها البشر.و «مخاتله»: الأمور التي يختل بها- بالكسر- أي: يخدع بها.[قوله (عليه السلام):] «لا يوازى»: أي لا يساوى. و الأصل فيه الهمزة كما قيل. «و الجهالة الغالبة» بالباء الموحّدة و في بعض النّسخ بالمثنّاة: من الغلاء و هو الارتفاع أو من الغلوّ و هو مجاوزة الحدّ. و الجفوة: غلظ الطبع. و الوصف للمبالغة.[و قوله:] «و الناس»: الواو للحال. و الحريم: حرمات اللّه التي يجب احترامها و محرماته. و قال [ابن الأثير] في النهاية: الفترة: ما بين الرسولين. و أصابني على فترة: أي في حال سكون و تقليل من العبادات و المجاهدات.و الكفرة: المرّة من الكفرات. و المعشر: الجماعة. و الغرض: الهدف. و سكرات النعمة: ما تحدثه النعم عند أربابها من الغفلة المشابهة للسكر. و البوائق:الدواهي. و التّثبّت: التوقّف و ترك اقتحام الأمر. و القتام- بالفتح-: الغبار.و العشو: ركوب الأمر على غير بيان و وضوح. و يروى «و تبيّنوا» كما قرئ في الآية.و كنّى (عليه السلام) عن ظهور المستور المخفي منها بقوله: «عند طلوع جنينها و ظهور كمينها». و الجنين: الولد ما دام في البطن. و الكمين: الجماعة المختفية في الحرب. و المدار مصدر و المكان بعيد. و «انتصاب قطبها و مدار رحاها»: كنايتان عن انتظام أمرها. و المدرجة: المذهب و المسلك: أي إنّها تكون ابتداء يسيرة ثم تصير كثيرة. و الشبّاب- بالكسر-: نشاط الفرس و رفع يديه جميعا. و في بعض النسخ [ذكره] بالفتح.و السّلم: الحجارة أي أربابها يمرحون في أوّل الأمر كما يمرح الغلام، ثمّ يؤول إلى أن يعقب فيهم أو في الإسلام آثار كآثار الحجارة في الأبدان، فيحتمل أن يكون [هذا] كالتفسير لسابقه، أو يكون المراد أنّها في الدنيا كنشاط الغلام و ما أعقبها في الآخرة كآثار السلام.[قوله (عليه السلام):] «تتوارثها الظلمة بالعهود»: الظرف متعلّق بالفعل:أي توارثهم بما عهدوا بينهم من ظلم أهل البيت (عليهم السلام) و غصب حقّهم.أو [هو متعلّق] ب [قوله] «الظلمة»: أي الذين ظلموا عهد اللّه و تركوه.«و يتكالبون»: أي يتواثبون. و «المريحة»: المنتنة من [قولهم:] أراحت [الجيفة] إذا ظهر ريحها، أو من أراح البعير إذا مات.قوله (عليه السلام): «و عن قليل»: أي بعد قليل من الزمان يتبرأ التابع [من المتبوع].قال ابن أبي الحديد: ذلك التبرّؤ في القيامة كما ورد في الكتاب العزيز، أمّا تبرّؤ التابع من المتبوع [فقد] قال تعالى: ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ﴾ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً و أمّا تبرّؤ القائد من المقود: أي المتبوع من التابع فقال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ و إمّا الأعمّ كما دلّ عليه قوله (عليه السلام): «فيتزايلون...» فقال تعالى:و يوم القيامة يكفر بعضهم ببعض و يلعن بعضهم بعضا.و قوله (عليه السلام): «يتزايلون»: أي يفترقون. و طالع الفتنة مقدماتها.و سمّاها رجوفا لشدّة الاضطراب فيها.و لمّا ذكر (عليه السلام) رغبتهم في الدنيا و تكالبهم، أراد أن يذكر ما يؤكّد التعجّب من فعلهم، فأتى بجملة معترضة بين الكلامين فقال: «و عن قليل يتبرّأ التّابع... إلخ». ثمّ عاد إلى نظام الكلام فقال: «ثمّ يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف».و قال ابن ميثم: أشار (عليه السلام) إلى منافستهم في الدنيا في إثارة تلك الفتن، ثم أخبر عن انقضائها عن قليل و كنّى عن ذلك بتبرّؤ التابع من المتبوع.قيل: [و كان] ذلك التبرؤ عند ظهور الدولة العباسية، فإنّ العادة جارية بتبرّؤ الناس عن الولاة المعزولين، خصوصا ممن تولّى عزل أولئك أو قتلهم فيتباينون بالبغضاء و يتلاعنون عند اللقاء.[ثم] قال [ابن ميثم:] و قوله (عليه السلام): «ثمّ يأتي [بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف»] إشارة إلى فتنة التّتار، إذ الدائرة فيهم كانت على العرب.[ثم] قال: و قال بعض الشارحين: ذلك إشارة إلى الملحمة الكائنة في آخر الزمان، كفتنة الدجّال، و وصفها بالرجوف كناية عن اضطراب الناس، أو أمر الإسلام فيها. و [كنّى] بقصمها عن هلاك الخلق فيها تشبيها لها بالرجل الشجاع الكثير الزحف إلى أقرانه: أي يمشي إليهم قدما.و نجم الشيء ينجم- بالضمّ- نجوما: ظهر و طلع. قوله [ (عليه السلام):] «من أشرف لها»: أي صادمها و قابلها. «و من سعى فيها»: أي في تسكينها و إطفائها. و الحطم: الكسر. و التكادم: التّعاض بأدنى الفم. و العانة: القطيع من حمر الوحش، و لعلّ المراد مغالبة مثيري تلك الفتنة بعضهم لبعض، أو مغالبتهم لغيرهم. و معقود الحبل: قواعد التي كلّفوا بها.و في إسناد العمى إلى وجه الأمر تجوّز. و الغيض: القلّة و النقص.و المسحل- كمنبر-: السوهان أو المنحت: أي يفعل بهم ما يفعل بالحديد أو الخشب.و الرضّ: الدق. و الكلكل: الصدر. و الوحدان جمع واحد: أي من كان يسير وحده فإنّه يهلك فيها بالكلية، و إذا كانوا جماعة فهم يضلّون في طريقها فيهلكون.و لفظ الغبار مستعار للقليل اليسير من حركة أهلها: أي إذا أراد القليل من الناس دفعها هلكوا في غبارها من دون أن يدخلوا في غمارها، و أمّا الركبان و هم الكثير من الناس فإنّهم يهلكون في طريقها و عند الخوض فيها.و يجوز أن يكون الوحدان جمع أوحد: أي يضلّ في غبار هذه الفتنة و شبهها فضلاء عصرها، لغموض الشبهة و استيلاء الباطل و يكون الركبان كناية عن أهل القوّة، فهلاك أهل العلم بالضلال، و هلاك أهل القوّة بالقتل.و مرّ القضاء: الهلاك و الاستئصال و البلايا الصّعبة. و عبيط الدّماء: الطري الخالص منها. و تثلم: أي تكسر. [و] منار الدين: أي أعلامه.[قوله (عليه السلام):] «مرعاد مبراق»: أي ذات رعد و برق تشبيها بالسحاب. أو ذات وعيد و تهدّد من [قولهم:] رعد الرجل و برق إذا أوعد و تهدّد.و يحتمل أن يكون [أراد من] الرعد صوت السلاح و [من] البرق ضوءه.و قال [ابن الأثير] في النهاية: السّاق في اللغة: الأمر الشّديد و كشف الساق: مثل في شدّة الأمر، و أصله من كشف الإنسان عن ساقه و تشميره إذا وقع في أمر شديد.قوله (عليه السلام): «بريئها»: أي من يعدّ نفسه بريئا سالما من المعاصي أو الآفات، أو من كان سالما بالنسبة إلى سائر الناس فهو أيضا مبتلى بها، أو المعنى أنّ من لم يكن مائلا إلى المعاصي أو أحبّ الخلاص من شرورها لا يمكنه ذلك.قوله (عليه السلام): «و ظاعنها مقيم»: أي لا يمكنه الخروج عنها. أو من اعتقد أنّه متخلّف عنها فهو داخل فيها لكثرة الشبه و عموم الضلالة.قوله (عليه السلام): «مطلول»: أي مهدر لا يطلب به. [و] «يختلون»: أي يخدعون. [و قوله:] «بعقد الأيمان»: [إمّا] بصيغة المصدر أو كصرد بصيغة الجمع.و [قوله (عليه السلام):] «يختلون»: في بعض النسخ على بناء المجهول، فيكون إخبارا عن حال المخدوعين الذي يختلهم غيرهم بالأيمان المعقودة بينهم، أو بالعهود الذي يشدّونها بمسح أيمانهم.و في بعض النسخ على بناء المعلوم فيكون إخبارا من أهل ذلك الزّمان جميعا، أو الخادعين الخائنين منهم. و «بغرور الإيمان»: أي بالإيمان الذي يظهره الخادعون لهؤلاء الموصوفين فيغرونهم بالمواعيد الكاذبة، أو الذي يظهره هؤلاء الموصوفون فيغرّون الناس به على النّسختين.قوله (عليه السلام): «أنصاب الفتن»: [الأنصاب] جمع نصب و هو- بالفتح أو التحريك-: العلم أو بمعنى الغاية و الحدّ و منه أيضا أنصاب الحرم. و في بعض النسخ: [أنصار الفتن] بالراء.قوله (عليه السلام): «[و الزموا] ما عقد عليه حبل الجماعة» أي القوانين الّتي ينتظم بها اجتماع الناس على الحقّ، و هي التي بنيت عليها أركان الطاعة.[قوله (عليه السلام):] «و اقدموا على اللّه مظلومين»: أي كونوا راضين بالمظلومية أو لا تظلموا الناس و إن استلزم ترك الظلم مظلوميتكم.و «مدارج الشيطان»: مذاهبه و مسالكه. «و مهابط العدوان»: المواضع التي يهبط هو و صاحبه فيها.و اللعق: جمع لعقة بالضمّ، و هي اسم لما تأخذه الملعقة. و اللعقة بالفتح:المرّة منه. فنبّه (عليه السلام) باللّعق على قلّتها بالنسبة إلى متاع الآخرة، أو المراد لا تدخلوا بطونكم القليل منه فكيف بالكثير.قوله (عليه السلام): «[فإنّكم] بعين من حرّم»: أي بعلمه كقوله تعالى:تَجْرِي بِأَعْيُنِنا - نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام): فَبَعَثَ مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ، وَ مِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ، بِقُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ وَ أَحْكَمَهُ، لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ، وَ لِيُقِرُّوا بِهِ إِذْ جَحَدُوهُ، وَ لِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ.فَتَجَلَّى سُبْحَانَهُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ، بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ، وَ خَوَّفَهُمْ مِنْ سَطَوَاتِهِ، وَ كَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلَاتِ وَ احْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ [وَ اخْتَضَدَ مَنِ اخْتَضَدَ «خ»] بِالنَّقِمَاتِ.وَ إِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ وَ لَاأَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ وَ لَا أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ
[بحار الأنوار (ج17-35)] · موسوعة الغيبة والظهور