الأقسامالإمام المهدي عليه السلام والرجعةعلامات الظهور والملاحم
بحار الأنوار · رقم ٨٢

مخالفته في شيء من أوامره، و لهذا كانوا يكتفون في إعطاء القيادة للأمراء و التسليم لهم بأنّا سامعون لك مطيعون من غير تعميم لمطلق الطاعة. و قولهم: أطعناه في الأمر الفلاني دون غيره، مجاز خلاف الظاهر.و يؤيّده أنّهم استدلّوا بقوله تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ. و بقوله تعالى: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ على مسألة التأسّي، و لو لا العموم لم يصحّ هذا الاستدلال.العاشر: قوله تعالى: ﴿‏قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ‏﴾ و تقرير الاستدلال به على نمط الاستدلال بقوله تعالى: ﴿‏إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏﴾ كما سبق [في الوجه الأوّل]. الحادي عشر: قوله عزّ و جلّ: ﴿‏قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ‏﴾ وَ ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَ لا ﴿‏بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ‏﴾ و تقريره ما علم سابقا.الثاني عشر: قوله تعالى: وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ ﴿‏فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ‏﴾ وَ الصِّدِّيقِينَ دلّ على أنّ طاعة الرسول في أيّ أمر كان سبب للكون مع النبيّين و الصّدّيقين، و لو كان النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) مخطئا في اجتهاده و علم ذلك، لم يكن طاعته في ذلك الأمر سببا لما ذكر، فدلّ على عدم الخطإ في الاجتهاد.الثالث عشر: قوله تعالى: ﴿‏ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ‏﴾ دلّ على أنّ المأثور عن الأنبياء الأوّلين لا يحتمل الخطأ، و إلّا لم يكن بين إتيانهم بالأثارة و عدمه فرق.و يمكن المناقشة [فيه] بوجهين:الأوّل: أنّا لا نسلم أنّه يدلّ على عدم الخطإ في الأثارة، و إنّما يدلّ على عدم الصدق بدونها: يعني أنّهم لا يقدرون على الإتيان بالأثارة الدالّة على الشرك، و ما لم يأتوا بها لا يكونون صادقين في دعواهم؛ لأنّ ذلك ليس مما يعلم بالعقل المحض، فإن علم، فإنّما يعلم بالنقل، و لا نقل هاهنا، و لا ينافي هذا أن لا يكفي النقل المذكور في الشرك.و الثاني: أنّ ذلك من الأصول، و نحن لا نخالف في عدم جواز مخالفة النّبي (صلّى اللّه عليه و آله) فيما قاله في أصول الدين، و إنّما نجوّز مخالفته في الفروع.و كلتاهما خلاف الظاهر فلا ينافي التمسّك بظاهره.الرابع عشر: الآيات الدّالة على النهي عن اتّباع الظنّ و الاقتصار على العلم، و قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله) معلوم أنّه حكم اللّه و لو ظاهرا، و يجوز اتباعه بل يجب، و اجتهاد الأمّة إذا كان مخالفا له، ليس بمعلوم أنّه يجوز اتّباعه لتحقّق الخلاف في ذلك، فمخالفته ترك للمعلوم الواجب المأمور، باتّباعه بالمظنون المنهي عن اتّباعه.الخامس عشر: قوله تعالى: ﴿‏مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ‏﴾ وَ مَنْ ﴿‏تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً‏﴾ وجه الاستدلال أنّ من عرف اللسان لا يرتاب في أنّ مفاد الآية هو أنّ طاعة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) ليس إلّا طاعة اللّه عزّ و جلّ، فكما أنّ من خالف نصّ اللّه سبحانه بالاجتهاد ضالّ غاو، فكذلك من خالفه (صلّى اللّه عليه و آله) بالاجتهاد، و من جوّز مخالفته؛ لأنّه يقول عن اجتهاد لزمه القول باجتهاده تعالى و جواز مخالفته.و قد فسرّ اللّه تعالى ضدّ الطاعة في الآية التالية لهذه الآية بإضمار غير ما يقول (صلّى اللّه عليه و آله)، قال سبحانه: وَ يَقُولُونَ ﴿‏طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ‏﴾ وَ اللَّهُ ﴿‏يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ‏﴾ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَ كَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا و قد استدلّ الفخر الرازي في التفسير بهذه الآية على عصمته (صلّى اللّه عليه و آله) في جميع أقواله و أفعاله ثم قال:[و] قال الشافعي: في باب فرض طاعة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله):إنّ قوله تعالى: ﴿‏مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ‏﴾ يدلّ على أنّ كلّ تكليف كلّف اللّه عباده في باب الوضوء و الصلاة و الزكاة و الصوم و الحجّ و سائر الأبواب في القرآن، و لم يكن ذلك التكليف مبيّنا في القرآن، فحينئذ لا سبيل إلى القيام بتلك التكاليف إلّا ببيان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و إذا كان الأمر كذلك لزم القول بأنّ طاعة الرسول عين طاعة اللّه، هذا كلام الشافعي. انتهى. و لا يخفى أنّ في هذه الكلمات اعترافا بأنّ الاجتهاد بخلاف أمره (صلّى اللّه عليه و آله) قطعي البطلان، و اجتهاد بخلاف أمر اللّه عزّ و جلّ، فلو فرضنا تعبّده (صلّى اللّه عليه و آله) بالاجتهاد، لم يجز مخالفته على حال من الأحوال.السادس عشر: قوله تعالى: ﴿‏لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏﴾ جعل عامّة المفسّرين الضمير راجعا إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).و قول أبي بكر الرّازي إنّه راجع إلى اللّه سبحانه، لا عبرة به، على أنّه لو صحّ لكان بناء الكلام على ادّعاء أنّ مخالفة أمره مخالفته سبحانه، حتّى تتلاءم أجزاء الآية، و حينئذ يتمّ المقصود بوجه أتمّ.و إذا كان مخالفة أمره (صلّى اللّه عليه و آله) موضعا للحذر عن الفتنة و العذاب الأليم، ظهر فساد الاجتهاد في خلافه. أمّا إذا جعل موافقة الأمر عبارة عن الاعتراف بكون ذلك الأمر حقّا واجب القبول على ما زعمه البعض، فظاهر.و أمّا إذا جعل بمعنى الإتيان بما أمر به على وجهه، فلأنّه إذا كان مخالفة أمره بهذا المعنى مظنّة للعذاب و الفتنة، كان الاجتهاد بخلاف ما أمر به باطلا، و هو المدّعى.[الوجه] السابع عشر: الأوامر المطلقة في إيجاب طاعة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) مفردة و مقرونة بإيجاب طاعة اللّه سبحانه كقوله تعالى: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ و قوله تعالى: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا ﴿‏الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ‏﴾ وَ عَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَ إِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَ ﴿‏ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ‏﴾ الْمُبِينُ و هي في الكتاب الكريم أكثر من عشرين موضعا، و الاجتهاد بخلاف أمره (صلّى اللّه عليه و آله) تصويب لمخالفة أمر اللّه عزّ و جلّ في إيجاب طاعة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)، و بطلانه واضح، و إفادة أمثال تلك الأوامر للعموم قد تبيّن في الأدلّة السابقة.الثامن عشر: مما يدل على بطلان الاجتهاد على الوجه الذي يجوز مخالفته، أنّ أبا بكر و عمر كانا يقولان بأنّ حكمهما ربّما كان خطأ، و ربّما كان صوابا، و يلتمسان من الصحابة و سائر من حضرهما أن ينبّهوهما على الخطإ، و لا يقرّروا و لا يداهنوا، و لقد كانت المداهنة من القوم في شأنهما و الإغضاء على خطئهما أقلّ بالنسبة إليه (صلّى اللّه عليه و آله)، و الاحتشام منهم لهما دون الاحتشام له (صلّى اللّه عليه و آله)، و توهم تحتّم الصواب و وجوب الصحّة في قوله تعالى و فعله (صلّى اللّه عليه و آله) أكثر، لا سيما بعد ما تقرّر و تكرّر أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) لا يفعل عن شهوة، و لا يقول عن هوى، و إنّما كلامه (صلّى اللّه عليه و آله) حكم، و نطقه فصل، و قوله عدل، و شهدت له بذلك الآيات المنزلة و السور المتلوّة، و لم يكن التوهّم في شأنهما بهذه المثابة و لا لهما هذه الأسباب و الدواعي، كيف و في حقّه (صلّى اللّه عليه و آله) نزل وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا و نهى عن معصيته و أوعد على مشاقّته و محاقّته، و لا شيء من ذلك فيهما و لا لهما، فكان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أحقّ و أحرى بأن ينبّه على أنّ قوله ربّما يباين الصواب، و يخطئ من إصابة الحقّ، و كيف أهمل (صلّى اللّه عليه و آله) طول هذه المدّة المديدة و أضاع في تلك الأزمنة المتطاولة أن يجنّب أمّته اتّباع الباطل، و يحذرهم الاقتداء بغير الحقّ، و يصونهم عن الإصرار على ما لا ينبغي و يخالف حكم اللّه، و قد وفّق له أبو بكر و عمر و اهتديا إليه السبيل.و لو قال قائل: إنّ هذا التنبيه و الإيماء كان أولى و لم يكن واجبا، كان الدليل قائما و الحجّة مستقيمة أيضا، لأنّ ترك النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) هذا الأولى و الأليق و الشفقة على الأمّة و النظر لها، و اختصاصهما بهذه المنزلة و انفرادهما بهذه الفضيلة و إصرارهما على هذا القول الذي يرويه الناس في معرض مدحهما و يعدّونه من فضائلهما، مما تأباه القريحة السليمة،- أ فلا قال (صلّى اللّه عليه و آله): إنّما أنا مثلكم أخطئ و أصيب، كما آكل و أشرب و أمشي في الأسواق!؟.و من علم عادته و تتبّع سيرته (صلّى اللّه عليه و آله) لم يثنه ريب و لم يختلجه شكّ في أنّه لو كان ما قالوا مما له مساغ في طريق الصدق، لم يهمل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أمره، و لا أغفل عن أن يهدي الناس إليه، لكنّ الإنصاف ارتحل من البين، و العصبية أرخت سدول الغشاوة على العين.[الوجه] التاسع عشر: مما يدلّ على ذلك احتجاج أبي بكر على الأنصار يوم السقّيفة كما رووهبقوله: «الأئمّة من قريش».و تسليم الأنصار الأمر إليه، و انكسارهم بذلك عن سورتهم، فما بالهم لم يقابلوا حجّته بأن يقولوا: أيّ دليل في هذا لك و قد علمت أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) ربّما يقول القول عن رأي و اجتهاد و طال ما أخطأ و رجع فلا حجّة في ذلك و لا يصلح؟! خصوصا فيما يتعلّق بالولاية و الزعامة، فإنّه قلّما يكون عن وحي سماوي و تنزيل إلهي، مع شدّتهم في أمرهم و وصيّتهم فيما بينهم بأن شدّوا على أيديكم و لا تملّكوا أمركم أحدا.حتّى أنّ حبّابا كان قد قبض على قبيعة سيفه، و كان سعد طول حياته يعترض و يصرّح ببطلان أمرهما و يلمح بالتّغلّب و العدوان إليهما و يتلظّى كبده عليهما، و جميع الأنصار كان شأنهم ذلك و حالهم هذا إلّا قليلا منهم، و ما قالوا في هذا الباب و حفظ عنهم من النظم و النثر مشهور، و في السير و التواريخ مذكور. و كيف غفلوا عن هذا التوهين القويّ لحجّتهم؟ هب أنّهم عن آخرهم أخذتهم الغرّة، و غشيتهم الغفلة في أوّل الوهلة و بادي الأمر، فهلّا استدركوا ثانيا و احتجّوا مرّة أخرى؟العشرون: قول أبي بكر: «أقول في الكلالة برأيي، فإن يكن صوابا فمن اللّه، و إن يكن خطأ فمنّي و من الشيطان، و اللّه و رسوله منه بريئان». فإن كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أسوة أبي بكر في جواز الخطإ عليه، لم يكن لهذه التبرئة و التنزيه وجه.الحادي و العشرون: ما روي عن ابن مسعود أنّه قال: في المفوّضة:«أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن اللّه، و إن كان خطأ فمنّي و من الشيطان».و هذا التفصيل قاطع للشركة، و هاتان الروايتان مشهورتان، أوردهما العلماء في كتب الأصول و استدلوا بهما على مسائل من أحكام الاجتهاد، و من جملتها كتاب الأحكام للآمدي.الثاني و العشرون: قول عمر بن الخطّاب: «أيكم يرضى أن يتقدّم قدمين قدّمهما رسول اللّه» أو ما في معناه كما سبق. و قوله [الآخر]: «رضيك لأمر ديننا أ فلا نرضاك لأمر دنيانا».و لا يخفى أنّ الصلاة إمّا من الأحكام و الأمور التي يجوز فيها الاجتهاد و يحتمل الخطأ، أو ممّا يكون بوحي إلهيّ لا بدّ منه.فعلى الأوّل لا وجه للاستدلال به؛ لأنّ لهم حينئذ أن يقولوا: نحن قد اجتهدنا و رأينا أنّ الصواب في ضدّ ما فعله (صلّى اللّه عليه و آله)، و أنّ الأوفق بالمصلحة خلاف ما رآه، و لا يمتنع ذلك عليه و لا نرضى بذلك، و أيّ استبعاد في هذا الرضا؟ و إنّما يصحّ هذا الاستبعاد فيما لا يجوز فيه الخطأ و لا يتطرّق إليه البطلان.و لئن قيل: إنّ الغالب عليه الصواب و إن جاز الخطأ أحيانا، و ما يغلب عليه الصواب ينبغي أن يحترز و يجتنب تركه، و المركوز في العقول التباعد عن مخالفة مثله؛ لأنّ الخطأ مظنون فيها.قلنا: إمّا أن يكون الأنصار نازعت أبا بكر و ادّعت الإمامة لنفسها بدون متمسّك و اجتهاد، أو رأته كذلك و قالت ما قالت عن شبهة تعتقدها دليلا أو تظنّها حجّة، و الأوّل مما لا يقدم عليه مثل الأنصار الَّذِينَ آوَوْا وَ نَصَرُوا، و هم كبار الصحابة و أعلام المسلمين و خيار الناس و أعيان أهل الدين، [و] كيف يقدم مثلهم على هذا الفسق الواضح!؟ أ فلا كان في الأمّة من يطعن عليهم بالفسق و العصيان؟ و لو كان، لنقل إلينا و هذا النوع من الاستدلال قد شاع بين القوم التمسّك به.و أيضا أجمعت الأمّة إجماعا مركّبا على أنّ كل من قال في الإمامة بالرأي، و دان فيها بالاجتهاد فاسق، أو أنّهم أتوا بأفضل عبادة و أثيبوا و إن لم يصيبوا.و أما أنّ بعضهم أصاب الحقّ و اليقين و آخرون فسقوا عن الدين، فمنفيّ إجماعا، فتعيّن أن يكون الأنصار و من يحذو حذوها قالت ما قالت عن شبهة، فكان الواجب على عمر أن يتمسك برجحان اجتهاده (صلّى اللّه عليه و آله) على اجتهادهم بواحد من الوجوه التي تصلح للترجيح من الأمور المقرّرة في الأصول.و على الثاني، كان عليه أن يثبت بدليل أنّه صادر عن الوحي لا عن الاجتهاد، و يأتي بحجّة تعيّن كونه من أحد القسمين دون الآخر.و أيضا لا معنى لقياس ما يجوز فيه الاجتهاد و يسوغ عليه الخطأ، كأمر الإمامة و الرئاسة على ما يجب استناده إلى الوحي و التوقيف، و كيف شبّه أحدهما بالآخر مع هذا الفارق الجلي الواضح!؟.الثالث و العشرون:- قول عمر حين قال بعض المرتابين في جيش أسامة لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «أ تؤمّر علينا هذا الشابّ الحدث و نحن جلّة مشيخة قريش!؟»: دعني يا رسول اللّه أضرب عنقه فقد نافق.و هذا يدلّ على أنّه يلزم بمجرّد مخالفة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) النفاق و الكفر، و لا يجوز مخالفته (صلّى اللّه عليه و آله)، سواء كان قوله عن اجتهاد أو لا، و سواء كان في الولايات و الحروب أو غيرهما، و إلّا فمن أين يلزم نفاقه و كفره و يحلّ ضرب عنقه!؟و كيف قرّره (صلّى اللّه عليه و آله) على هذا الرأي الفاسد و الزعم الباطل!؟و لم ينكر هو عليه و لا أحد من الصحابة و التابعين؟ و أين كان أعداؤه المتتبّعون لعثراته و زلّاته، الطالبون لخطاياه و أغلاطه عن هذا الخطإ الظاهر!؟و كيف لم يطعن الفقهاء عليه طول هذه المدّة و لم يعترض عليه؟ حتّى إنّ الذين كانوا على رأي الروافض في الصدر الأوّل عطشى الأكباد لأدنى هفوة من هفواته، كهشام بن الحكم، و محمد بن النعمان الأحول، و غيرهم ممن عرفوا بهذه الخصلة و عدّوا من أصحاب المقالات و النحل، لم يطعنوا عليه هذا الطعن مع حرصهم على الإزراء به، و ولوعهم على تشهير مساويه و مثالبه!؟ و لو لا أنّ هذا كان في الزمن السالف إجماعيا غير مختلف فيه ما أغمضوا عليه و [لا] تغافلوا عنه.و إنّ ما ذكرناه أقوى في باب العادات، و المعلوم من أحوال الناس من جميع ما يذكرونه في هذا النمط و يستدلّون عليه بها، و إنّما هذا القول البديع و الإفك المفترى، شهادة زور و أماني غرور اختلقها جماعة من المتأخّرين، ترويجا لبعض ما ينتحلونه، و ترميما لأفعال شيوخهم و أئمّتهم، و هيهات هيهات! و أنّى لهم بذلك و قد حِيلَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ ما يَشْتَهُونَ؟الرابع و العشرون:- قول عمر أيضا يوم بدر- حين قال أبو حذيفة في بعض ما كلّم به النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و قد كان (صلّى اللّه عليه و آله) يوصي أن لا يقتل أحد من بني هاشم؛ لأنّهم استكرهوا و لم يخرجوا طائعين [فقال أبو حذيفة:] «أ نقتل آباءنا و إخواننا و نترك بني هاشم؟ فلو أنّي لقيت عمّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لأضربنّ خياشمه بالسيف- حيث قال [عمر]: «إنّ أبا حذيفة قد نافق». و استئماره النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بقوله: «دعني أضرب عنق هذا المنافق». و لم ينكر النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) على عمر قوله.، و لو كان الأمر على ما زعموه لكان الحري بالهادي المهدي الراشد المرشد المبعوث للدلالة و الهداية أن يقول له: أيّ رابطة زعمت بين إنكار قولي و بين النفاق. بل هو طاعة للّه، فإن كان صوابا فله أجران، و إلّا فأجر واحد، خصوصا في الحروب و تدبير أمر الجيوش و المغازي، سيّما يوم بدر الذي كان المسلمون فيه في غاية القلّة و نهاية الضعف، و لم يشتدّ ساعد الإسلام بعد، و كانت إثارة الإحن مجلبة للمحن، فلو لا أنّ عمر كان مصيبا في ذلك لما تغافل عنه النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و لم يعتذر بأنّه يحبّ اللّه و رسوله، و لم يذهب في إصلاح ما بدا منه في الظاهر إلى أمر الباطن، و من المعلوم أنّ الظاهر إذا لم يفسد، لم يجز العدول في جواب قدح القادح فيه إلى أنّ باطنه على خلاف ما يوهمه ظاهره، فإنّ ذلك كلام من يسلّم من خصمه صحة مقدّماته التي ادّعاها، و لكنّ ذلك القدر لا يكفي في المطلوب، بل العمدة أمر الباطن و هو ملاك الأمر.و لو كان الأمر كما زعمه القوم لكان النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يقول صادعا بالحقّ: أن لا غائلة في قول أبي حذيفة و لا قدح، و إنّما ذلك أسوة سائر الكلمات التي يسوغ لكلّ أحد أن يكلّمني، و لو لم يكن عبادة فلا أقلّ من أن يكون مباحا، و لم يكن يعرض بأمر باطنه و صحة عقيدته، و لا يحيل على أمر غير

[بحار الأنوار (ج17-35)] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.