الأقسامالإمام المهدي عليه السلام والرجعةعلامات الظهور والملاحم
بحار الأنوار · رقم ٨٢

ظاهر للناس خفيّ عن الأبصار.الخامس و العشرون: أنّ الناس اجتمعوا على عثمان زارين عليه طاعنين فيه بمخالفته رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و العدول عن سنّته، و عدّدوا عليه أمورا، فلو جاز لأحد أن يخالفه بالاجتهاد لكان لعثمان أن يجيب خصمه بذلك و يناظرهم عليه، أو يرشدهم إليه، و ما رأيناه فعل ذلك مع كثرة المواقف التي واقفوه فيها كما مرّ بعضها، و لو فعل لنقل إلينا، و لقد كان كثير من الصحابة الذين طعنوا عليه واجهوه بما يسوؤه، و عابوه حين غابوا، و زجروه إذ حضروا عنده، و لم يعتل هو بأنّي اجتهدت و رأيت أنّ الصواب في خلاف ما قاله و فعله، و قد علمتم أنّه كثيرا ما كان يقول شيئا و يخالفه الناس لخطإ في رأيه، و [ما قال] أنا اليوم إمام القوم أولى منهم بذلك، و لو ساغ ما قلتم، استحال أن يتغافل عنه عثمان أو غفل هو و أتباعه و المصحّحون لما فعله في عصره، و لو احتجّ و اعتلّ بذلك، استحال في العادة أن لا ينقل إلينا و لم ينقل.[الوجه] السادس و العشرون: أنّه لما كلّم عثمان أبا بكر و عمر في ردّ الحكم، أغلظا له القول و زبراه و قال له عمر: يخرجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و تأمرني أن أدخله!؟ و اللّه لو أدخلته لم آمن أن يقول قائل: غيّر عهد رسول اللّه صلّى عليه، و اللّه لئن أشقّ باثنتين كما تشقّ الآبلة- و هو خوص المقل أحبّ إليّ من أن أخالف لرسول اللّه صلّى اللّه عليه أمرا، و إيّاك يا ابن عفّان أن تعاودني فيه بعد اليوم.و لو جاز مخالفته (صلّى اللّه عليه و آله) بالاجتهاد، لم يكن لعمر أن يردّ قول عثمان و يدفعه بأنّه مخالفة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و أنّ شقّه باثنتين أحبّ إليه منها، بل كان ينبغي أن يناظره و يحجّه بطريق الاجتهاد و سنّة النظر و مراعاة المصالح و المفاسد، و يرى عثمان وجه خطئه، و أنّه في أيّ موضع من مقدّمات الاجتهاد وقعت له الغفلة و حصل منه الإهمال، و ما نراه فعل هو ذلك و لا أبو بكر.السابع و العشرون: قول عمر بعد ما سمع الخبر في دية الجنين: «لو لم نسمع لقضينا فيه بغير هذا».و روي أنّه قال: «نقضي فيه برأينا». فدلّ على أنّه كان يترك الرأي بخبر الواحد، و لم ينكر على عمر أحد قوله و كان يرى التفاوت في دية الأصابع، فرجع عن رأيه بخبر عمرو بن حزم، أنّ في كلّ إصبع عشرة.الثّامن و العشرون: حديث أبي الدّرداء حيث روى نهي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن بيع أواني الذهب و الفضّة بأكثر من وزنها. فقال معاوية:لا أرى بذلك بأسا. فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية! أخبره عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و يخبرني عن رأيه؟ لا أساكنك بأرض أبدا.دلّ كلام [أبي الدرداء هذا] على أنّ مقابلة النص بالرأي غير مشروع، و لم يخصّص في إنكاره بالأحكام، بل أطلقه بحيث يتناول الحروب و غيرها، و لو كان هناك فرق بين خبر و خبر و رأي و رأي، لما صحّ له الإطلاق.التاسع و العشرون: أنّ عمر كان يرى أنّ الدّية للورثة و لم يملكها الزوج فلا ترث الزوجة منها، فأخبر أنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أمر بتوريثه منها، و هو خبر الضحّاك بن سفيان بأنّه كتب النّبيّ بتوريثها من الدية.قال الآمدي: ترك [عمر] اجتهاده في منع ميراث المرأة من دية زوجها بخبر الواحد و قال: أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلّوا و أضلّوا كثيرا.و هذا، و إن كان مورده الميراث إلّا أنّ فحوى الكلام هجر الرأي بخبر الواحد مطلقا، و هذه الأخبار مما استدلّ به العلماء في كتب الأصول على أحكام خبر الواحد.الثلاثون: ما روي أنّ عمر جاء رسولا إلى أبي بكر من قبل أعيان الجيش، فاستأذنه في رجوع أسامة متعلّلا بأنّ معه من وجوه الناس، و لا نأمن على خليفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و حرمه و حرم المسلمين أن يتخطّفهم المشركون حول المدينة. فقال أبو بكر: لو تخطفني الكلاب و الذئاب لم أردّ قضاء قضى به رسول اللّه صلّى اللّه عليه.و لمّا أدّى إليه [عمر] رسالة الأنصار و سؤالهم أن يولّي عليهم أحدا أقدم سنا من أسامة وثب من مكانه- و كان جالسا- و أخذ بلحية عمر بن الخطاب فجرّها و قال: ثكلتك أمّك يا ابن الخطّاب! استعمله رسول اللّه و تأمرني أن أنزعه!؟ و قد كان وجه المصلحة فيما رأوه باجتهادهم ظاهرا، فلو لا أنّ مخالفة النّبيّ بالاجتهاد غير سائغ لما ساغ لأبي بكر أن يجيبه بالردّ من عرض الخلافة عليه أوّلا، و أفضى بها إليه أخيرا و أن يزري بقدره و يستخفّ به و يستهزئ ذلك الاستهزاء الذي لا يفعله الجلف الجافي بسوقي ساقط المحلّ.و كيف ساغ له أن يأخذ بلحيته الكثيفة و يخاطبه بالثكل و الويل و هو غير مستحقّ لذلك، سوى أنّه تحمّل رسالة كلّها أجر و ثواب، و جلّها صدق و صواب بزعمهم، و قد صدرت عن اجتهاد جماعة من المسلمين هم ذروة الأمر و سنامه و أساس الإسلام و قوامه؟و هل يغضب ذو الدين على الحاكي طاعة جماعة من المسلمين و عبادتهم، و يفعل فعل من لا صبر له، و استشاط غيظا و تلهّب غضبا، فلو لا أنّ الأمر بمخالفة النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) - و لو كان عن اجتهاد- كان فظيعا شنيعا لما ظهر منه ذلك الصنيع مع اتّفاق كان بينهما في النفاز و اتّحادهما في الإلحام و اجتماعهما على ترويح الباطن؟و هذا آخر ما أردنا إيراده من الأدلّة في هذا الباب و فيها كفاية لأولي الألباب.و لنشر إلى بعض شبه المخالفين:الأولى: قوله سبحانه: ﴿‏عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا‏﴾ وَ تَعْلَمَ الْكاذِبِينَ قالوا: عاتبه على الإذن [لمن أراد أن يتخلّف عنه] و العتاب لا يكون إلّا عن خطإ و الخطأ لا يكون في الوحي بل في الاجتهاد؟ و قال: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ و العفو لا يكون إلّا عن ذنب.و الجواب عنه: أمّا أوّلا فبأنّا قد روينا عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام) - كما مرّ مرارا- أنّ القرآن نزل ب [طريقة قولهم:] «إيّاك أعني و اسمعي يا جارة»، و هي مروية في كتبهم أيضا عن ابن عبّاس، [و] في معناه عن طرقنا أخبار كثيرة، فلعلّ ذلك كان بإشارة الأصحاب الذين تقول فيهم ما تقول، و نزلت الآية عتابا لهم و ردّا عليهم لقلّة نصحهم و سوء صنيعهم.و قد مرّ في هذا الكتاب أشباهها من قوله تعالى لنبيّه (صلّى اللّه عليه و آله):لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ و قوله سبحانه مخاطبا لعيسى (عليه السلام): أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ و للتعريض باب عريض، فلا يستبعد كون المراد بالآية المذكورة تعريضا و توبيخا لمن حمله (عليه السلام) على الإذن و ألجأه إليه و صنع ما انقلبت معه المصلحة عن وجهها و انعكس أمرها و انحصرت في الإذن إلى غير ذلك.ثمّ نقول لهؤلاء القوم: لا يخلو النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في إذنه لهم من جهة الخطإ في الاجتهاد من أن يكون آثما أو تاركا للأولى، أو لا هذا و لا هذا، بل إمّا مثابا مأجورا أو فاعلا مباحا و الأوّل خلاف الإجماع، و لم يظهر قائل بالثاني أيضا بل المشهور هو الثالث.فإن كان استعمل لفظ العفو و المعاتبة معه (صلّى اللّه عليه و آله)، من جهة أنّه ترك الأولى، فقد خرجنا و هؤلاء الخصوم رأسا برأس، فإنّ المشهور عند أصحابنا الإمامية حمل هذه الآية و أمثالها على ترك الأولى بدون أن يكون خطأ في الاجتهاد، بل يكون تعمّدا لترك الأولى عندهم، كما يحملون خطيئة آدم (عليه السلام) مع ما وقع عليها من المعاتبات و غيرها على ترك الأولى، فلا ترجيح معهم.و إن كان من جهة الخطإ في الاجتهاد بدون أن يكون هناك ترك للأولى، بل إمّا أن يكون فعل فعلا مباحا أو أتى بنافلة و عمل بمندوب و أطاع اللّه فيما أمره به و أقام وظيفة عبادته، فلينصفوا حينئذ من أنفسهم، و لينظر اللبيب في أنّه هل يكون استعمال لفظ العفو و إيقاع المعاتبة في صورة ترك الأولى عمدا أحسن موقعا أم استعماله في خطإ وقع أثناء الاجتهاد؟ مع أنّه لم يفعل فعلا مرجوحا بل إمّا مباحا، و لعلّ من له أدنى حظّ من الإدراك لا يرتاب في أنّ تأويل الإمامة أقرب بمراتب و أولى بدرجات كثرة.و مما ينبغي أن يعلم أنّ قوله (صلّى اللّه عليه و آله) و إذنه لهم من حيث إنّه قول و حكم لا يوصف بأنّه ترك الأولى؛ لأنّ الحكم من حيث إنّه حكم كان أمرا مطابقا للواقع من جملة أحكامه (عليه السلام)، فكان القعود لهم جائزا بحسب الواقع، و إنّما كان ترك الأولى في إظهاره لهم و عدم منعهم من القعود.و يحتمل أن يقال: لم يكن قعودهم جائزا في الواقع، بل كان الواجب عليهم أن يخرجوا إلى الجهاد، لكن كان الأولى له أن يمنعهم و لا يأذن لهم.و لا استبعاد في أن يكون قعودهم محرّما و إذنه (عليه السلام) بحسب ما يظهرونه من الأعذار و يتعلّلون بالعلل جائزا، فربّ أمر كان في الواقع حراما و الإذن فيه من حيث الظاهر جائزا، كما سيأتي أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، سلّم من شهد عليه شاهدان بالسرقة إليهما ليقطعاه فأرسلاه و فرّا، مع أنّ قطعه كان محرّما عليهما، و أنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أذن لأهل الذمّة أن يقرّوا على مذهبهم و يستمرّوا على دينهم مع أنّه محرّم عليهم.و أذن لعثمان في عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح، مع أنّه كان على عثمان أن لا يستأذنه (صلّى اللّه عليه و آله) و أن لا يؤمّنه.و أذن أمير المؤمنين (عليه السلام) [ل] طلحة و الزبير في الخروج إلى العمرة، مع أنّه كان يعلم أنّه محرّم عليهما و كان يتظاهر بذلك.غاية ما في الباب، أن يكون عدم الإذن فيما نحن فيه أولى، و إذنه تركا للأولى، فإذا جاز أن يكون الإذن في المحرّم جائزا مباحا فأولى أن يكون تركا للأولى.[الشبّهة] الثانية: قوله تعالى: ﴿‏ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا‏﴾ وَ اللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْ لا ﴿‏كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ‏﴾.قالوا: لو لا أنّه أخطأ في أخذ الفدية لما عوتب على ذلك.و قد يقال إنّ مدلول هذه الآية نهي عن الأسر و قد وقع الأسر بلا شبهة.و أيضا قد أمر بالقتل و الأسر ضدّه،- و قد روي أنّ عمر بن الخطّاب دخل على رسول اللّه فإذا هو و أبو بكر يبكيان فقال: يا رسول اللّه أخبرني فإن أجد بكاء بكيت. فقال: أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء، و لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة [و أشار] بشجرة قريبة منه.و البكاء و نزول العذاب قريبا دليلان على الخطإ.و هذا أقصى ما قالوه في تقرير هذه الشبهة فنقول [في جواب هذه الشبهة]:أمّا الأسر فلعلّه كان منهيّا عنه و لم يأسر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أحدا، و إنّما أمر بالقتل فخالفوه على ما ذكره السيّد [المرتضى] في كتاب تنزيه الأنبياء.و يرد على ذلك أنّ أمير المؤمنين أسر عمرو بن أبي سفيان أخا معاوية على ما جاءت به الرواية، و أشار (عليه السلام) إليه في كتابه إلى معاوية، فلو كان الأسر منهيّا عنه لم يفعله علي (عليه السلام).و يمكن أن يكون الأسر [في الواقع كان] منهيّا عنه بالنسبة إلى كلّ أحد مقيّدا بالغاية المذكورة في الآية، و إذا انتهى الرجل إلى الغاية صحّ منه الأسر، و قد كان عليّ (عليه السلام) أثخن في الأرض حتّى أنّه قتل ما يقرب من نصف عدد القتلى، و غيره ما كان بلغ معشار ما بلغ (صلوات اللّه عليه).أو يقال: لعلّ الإثخان كان حاصلا حين أسر علي (عليه السلام) من أسر و لم يكن حاصلا حين أسر غيره. و قد قال السيّد [المرتضى]: (قدّس سرّه): إنّهم لمّا تباعدوا عن العريش و عن مرائه (صلّى اللّه عليه و آله)، أسروا من أسروا من المشركين بغير علمه (صلّى اللّه عليه و آله) و لا يبعد أن يكون هو (عليه السلام) لم يأسر حتّى في الكفّار و انهزموا و تباعدوا و انتهى الأمر إلى آخره و وضعت الحرب أوزارها، فحينئذ أسر من أسر.و يمكن أن يكون هذا الأسر مستثنى من العام لحكمة تعلّقت به، و قد افتكوا به رجلا من الأنصار، و كان حبسه أبو سفيان بابنه و كان الغرض من الأسر هو هذا، و القرينة على أنّ مثله مخصوص من العام أنّ التوبيخ في الآية تعلّق بإرادة الدنيا و حطامها و أعراضها، و لو لم يكن المقصود من الأسر العرض الأدنى و النصيب الأخسّ و المطلب الأركس لم يكن داخلا في النهي.و اعلم أنّ حديث الأسر و كونه منهيّا عنه ساقط فيما نحن فيه من الاجتهاد و كونه واقعا على وجه الخطإ، و إنّما يتّجه التمسّك به في نفي العصمة، فإنّ القائل بأنّ الاجتهاد وقع خطأ، لا يقول بأنّه وقع مخالفة للنصّ و على وجه المعصية حتّى يكون مما يستحق عليه العذاب العظيم و الذي يتمسّك به في معصية النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لا يقول بأنّه وقع على سبيل الخطإ في الاجتهاد.و يمكن أن يتوجّه بأنّ النهي إنّما حصل بهذه الآية و لم يكن نهي صريح سابقا كيف و الاتّفاق حاصل على أنّه لم يكن هناك نهي و نصّ.و أمّا الأمر بالقتل في قوله تعالى: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَ اضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ فالمراد به الكثرة لا محالة، لا عموم [ضرب] أعناق الكفّار بلا خلاف، فالقتل المدلول عليه بالآية لا ينافي الأسر.و مما يدلّ على أنّ المراد به الكثرة، هذه الآية، فإنّها كالمفسّرة لتلك، و كذلك قوله تعالى: ﴿‏فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا‏﴾ أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فلعلّه (عليه السلام) علم المراد قبل نزول هاتين الآيتين أو بواحدة منهما أو بغيرهما، فقد ظهر أنّ القتل المأمور به هو الإثخان فيه و الإكثار منه و هذا غير صريح في النهي عن الأسر.و لمّا دلّ الدليل على عدم صدور المعصية منه (عليه السلام)، تعيّن الحمل على ذلك. و قد حصل التوبيخ له (صلّى اللّه عليه و آله) و العتاب في هذه الآية و لا وجه له حينئذ سوى أنّه اجتهد و أخطأ في الاجتهاد.و هذا تقريره على وجه ينطبق على ما نحن فيه.و أنت خبير بأنّ الخطأ في الاجتهاد إمّا أن يكون ناشئا عن تفريط و تقصير يعدّ ذنبا و معصية، أو لا، بل يقع موجبا للثواب و مقتضيا للأجر الجميل، و على الأوّل فقد بطل استدلاله، إذ لو كان ذنب لا محالة لازما فأيّ دلالة في الآية على الاجتهاد و الخطإ فيه.و على الثاني، لم يصحّ ترتّب العقاب على الفعل المندوب لا محالة، الموجب للأجر و الثواب، و لا قائل بأنّ المخطئ في الاجتهاد تارك للأولى غير مستحقّ للثواب، و لا بأنّه مع عدم تفريطه مستحقّ للعقاب إلّا شرذمة قليلة لا يعبأ بهم، و لم يبق أحد منهم على أنّ الكلام معهم هو الكلام على الاحتمال الأوّل.و قول الفخر الرازي: إنّ الخطأ في الاجتهاد و إن كان حسنة، إلّا أنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين، فلذلك حسن ترتّب العقاب عليه، فيه نظر لأنّه بعد تسليم صحّة ترتّب العقاب على الحسنة بناء على أنّ هاهنا ما هو أحسن منها، فلم لا يجوز أن لا يكون هاهنا خطأ في الاجتهاد؟ بل أصاب في اجتهاد و علم الحسن و الأحسن، و اختار الحسن على علم منه. أ فترى أنّه يمتنع من النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) ترك الأحسن و العمل بالحسن، إذا كان علمهما و ميّز بينهما؟ و إنّما لا يمتنع إذا لم يعلمهما و حسبهما متساويين، فلا توجب الأصلح و الأحسن على اللّه سبحانه و توجبه على النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله).و قد زعمت أنّ ترك الأحسن. و العمل بالحسن مما تكرّر منه (صلّى اللّه عليه و آله)، فقد رويتم أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) عبس في وجه ابن أمّ مكتوم فعاتبه اللّه على ذلك، كما مرّ، و عندكم أنّه محمول على ترك الأفضل أو الصغيرة.و [رويتم أيضا أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) ] حرّم مارية [القبطيّة] على نفسه، و عند أصحاب هذا القائل أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) أذنب و أنّ قوله تعالى: وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ إيماء على العفو عن هذه الزّلّة، و أنّ قوله تعالى: ﴿‏لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِ‏﴾ و أمره بالاستغفار في قوله: وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ و ما روي أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يستغفر في اليوم و الليلة سبعين مرّة، محمول على الذّنب. أو على ترك الأفضل و الأولى.و نظائر ذلك كثيرا، فما الذي كان باعثا على أنّ اللّه تعالى خالف عادته في ترك النكير عليه، و بهذا يعلم أنّ هذا العتاب و الإنكار ليس مبنيّا على ترك الأحسن، سواء أنشئ عن اجتهاد أو غيره.و بما ذكرنا، يعلم جواب عن قولهم إنّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان مأمورا بالقتل و الأسر ضدّه و ليس لأحد أن يقول: إنّ الأمر تناول حال الحرب و ما بعده، و لو كان بغير اختيار النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فلا ريب في أنّ إبقاءهم بعد الحرب كان باختياره، و هو مناف للأمر بالقتل لأنّا نقول: الأمر بالقتل كان مقيّدا بحال المحاربة كما هو المتبادر من قوله [تعالى]: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواو في الآية: من سورة محمّد:: «﴿‏فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ‏﴾ وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ». فَضَرْبَ الرِّقابِ فإنّ الظاهر من الأمر بضرب الرقاب وقت اللقاء و هو حال الحرب، و لا يسمّى ما بعد الحرب و حصول الأسرى مكتوفين بأيدي الخصوم و تبدّد شملهم و زوال فئتهم عن مراكزهم، لقاء.و أيضا المتبادر من مثل هذه العبارة حدثان ذلك الفعل و فواتحه، لا أواخره، و إن دام على أنّ ضرب الأطراف الذي فسّر به ضرب

[بحار الأنوار (ج17-35)] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.