⟨ختص، الإختصاص جعفر بن الحسين المؤمن و جماعة مشايخنا عن محمد بن الحسين بن⟩
ويحك أيها الخارجى! انى رأيت أهل الكوفة قوما لا يوثق بهم، و ما اغتر بهم الا من ذل، ليس [راى] أحد منهم يوافق رأى الآخر، و لقد لقى أبى منهم أمورا صعبة و شدائد مرة، و هي أسرع البلاد خرابا، و أهلها هم الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا.و في رواية: ان الخارجى لما قال له: يا مذل المؤمنين! قال: ما اذللتهم، و لكن كرهت أن أفنيهم و استأصل شافتهم لاجل الدنيا.و الظاهر أن الرجل كان مع محبته لاهل البيت خصوصا الحسن السبط، على رأى الخوارج، و لذلك عنفه و عابه بمصالحته مع معاوية، فتحرر. أي كان محتبيا: جمع بين ظهره و ساقيه بيديه أو بازاره. رحب الصدر: اي واسع الصدر، و انما يريد به معناه اللغوى، لا الكنائى الذي هو مدح، و سيجيء القصة عن ابن أبي الحديد نقلا عن مقاتل أبى الفرج، و فيه بدل «رحب الصدر»: «واسع السرم» و السرم: هو مخرج الثفل و هو طرف المعى المستقيم و هو المناسب المقابل لقوله «واسع البلعوم». أحمد عن الصفار عن ابن عيسى عن علي بن النعمان مثله.8- كشف، كشف الغمة رَوَى الدُّولَابِيُّ مَرْفُوعاً إِلَى جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام) كَانَتْ جَمَاجِمُ الْعَرَبِ بِيَدِي يُسَالِمُونَ مَنْ سَالَمْتُ- وَ يُحَارِبُونَ مَنْ حَارَبْتُ- فَتَرَكْتُهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَ حَقْنَ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ.وَ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص أَبْصَرَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ (عليه السلام) مُقْبِلًا- فَقَالَ اللَّهُمَّ سَلِّمْهُ وَ سَلِّمْ مِنْهُ.9- كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: وَ اللَّهِ الَّذِي صَنَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام) كَانَ خَيْراً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ- وَ وَ اللَّهِ لَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ- أَ لَمْ ﴿تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾- وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ- إِنَّمَا هِيَ طَاعَةُ الْإِمَامِ- وَ لَكِنَّهُمْ طَلَبُوا الْقِتَالَ- فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُمَعَ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) قالُوا ﴿رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ﴾- لَوْ لا أَخَّرْتَنا ﴿إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ-... نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ - أَرَادُوا تَأْخِيرَ ذَلِكَ إِلَى الْقَائِمِ ع.توضيح قوله (عليه السلام) إنما هي طاعة الإمام أي المقصود في الآية طاعة الإمام الذي ينهى عن القتال لعدم كونه مأمورا به و يأمر بالصلاة و الزكاة و سائر أبواب البرفقال: قد كانت جماجم العرب الحديث.و هذا هو الصحيح الظاهر متنا و سندا، و قد مر مع إضافة قوله (عليه السلام) بعد ذلك «ثم أثيرها يا تياس أهل الحجاز؟» راجع من هذا المجلد. ملفق من آيتين: النساء: 77، و إبراهيم: 44. و الحديث في روضة الكافي. و الحاصل أن أصحاب الحسن (عليه السلام) كانوا بهذه الآية مأمورين بطاعة إمامهم في ترك القتال فلم يرضوا به و طلبوا القتال فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ مع الحسين (عليه السلام) قالُوا ﴿رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ﴾ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ أي قيام القائم ع.ثم اعلم أن هذه الآية كما ورد في الخبر ليست في القرآن ففي سورة النساء أَ لَمْ ﴿تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا ﴿الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ وَ قالُوا ﴿رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ﴾ لَوْ لا ﴿أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ و في سورة إبراهيم ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ فلعله (عليه السلام) وصل آخر الآية بالآية السابقة لكونهما لبيان حال هذه الطائفة أو أضاف قوله نُجِبْ دَعْوَتَكَ بتلك الآية على وجه التفسير و البيان أي كان غرضهم أنه إن أخرتنا إلى ذلك نجب دعوتك و نتبع و يحتمل أن يكون في مصحفهم (عليه السلام) هكذا.أقول سيأتي بعض الأخبار المناسبة لهذا الباب في باب شهادته ع.تذييلقال السيد المرتضى في كتاب تنزيه الأنبياء فإن قال قائل ما العذر له (عليه السلام) في خلع نفسه من الإمامة و تسليمها إلى معاوية مع ظهور فجوره و بعده عن أسباب الإمامة و تعريه من صفات مستحقها ثم في بيعته و أخذ عطائه و صلاته و إظهار موالاته و القول بإمامته هذا مع توفر أنصاره و اجتماع أصحابه و مبايعة من كان يبذل عنه دمه و ماله حتى سموه مذل المؤمنين و عابوه في وجهه ع.الجواب قلنا قد ثبت أنه (عليه السلام) الإمام المعصوم المؤيد الموفق بالحجج الظاهرة و الأدلة القاهرة فلا بد من التسليم لجميع أفعاله و حملها على الصحة و إن كان فيها ما لا يعرف وجهه على التفصيل أو كان له ظاهر ربما نفرت النفس عنه و قد مضى تلخيص هذه الجملة و تقريرها في مواضع من كتابنا هذا.و بعد فإن الذي جرى منه (عليه السلام) كان السبب فيه ظاهرا و الحامل عليه بينا جليا لأن المجتمعين له من الأصحاب و إن كانوا كثيري العدد فقد كانت قلوب أكثرهم نغلة غير صافية و قد كانوا صبوا إلى دنيا معاوية من غير مراقبة و لا مساترة فأظهروا له (عليه السلام) النصرة و حملوه على المحاربة و الاستعداد لها طمعا في أن يورطوه و يسلموه فأحس بهذا منهم قبل التولج و التلبس فتخلى من الأمر و تحرز من المكيدة التي كادت تتم عليه في سعة من الوقت.و قد صرح بهذه الجملة و بكثير من تفصيلها في مواقف كثيرة و بألفاظ مختلفة و قال (عليه السلام) إنما هادنت حقنا للدماء و ضنا بها و إشفاقا على نفسي و أهلي و المخلصين من أصحابي فكيف لا يخاف أصحابه و يتهمهم على نفسه و أهله.و هو (عليه السلام) لما كتب إلى معاوية يعلمه أن الناس قد بايعوه بعد أبيه (عليه السلام) و يدعوه إلى طاعته فأجابه معاوية بالجواب المعروف المتضمن للمغالطة منه و الموارية و قال له فيه لو كنت أعلم أنك أقوم بالأمر و أضبط للناس و أكيد للعدو و أقوى على جميع الأمور مني لبايعتك لأنني أراك لكل خير أهلا و قال في كتابه إن أمري و أمرك شبيه بأمر أبي بكر و أمركم بعد وفاة رسول الله ص.فدعاه ذلك إلى أن خطب أصحابه بالكوفة يحضهم على الجهاد و يعرفهم فضله و ما في الصبر عليه من الأجر و أمرهم أن يخرجوا إلى معسكرهم فما أجابه أحد فقال لهم عدي بن حاتم سبحان الله أ لا تجيبون إمامكم أين خطباء المصر فقام قيس بن سعد و فلان و فلان فبذلوا الجهاد و أحسنوا القول و نحن نعلم أن من يضن بكلامه أولى أن يضن بفعاله.أ و ليسأحدهم جلس له في مظلم ساباط و طعنه بمعول كان معه أصاب فخذه و شقه حتى وصل إلى العظم و انتزع من يده و حمل (عليه السلام) إلى المدائن و عليها سعد بن مسعود عم المختار و كان أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ولاه إياها فأدخل منزله فأشار المختار على عمه أن يوثقه و يسير به إلى معاوية على أن يطعمه خراج جوحى سنة فأبى عليه و قال للمختار قبح الله رأيك أنا عامل أبيه و قد ائتمنني و شرفني و هبني بلاء أبيه أ أنسى رسول الله ص و لا أحفظه في ابن ابنته و حبيبته.ثم إن سعد بن مسعود أتاه (عليه السلام) بطبيب و قام عليه حتى برأ و حوله إلى بيض المدائن.فمن الذي يرجو السلامة بالمقام بين أظهر هؤلاء القوم فضلا على النصرة و المعونة وقد أجاب (عليه السلام) حجر بن عدي الكندي لما قال له سودتجزى اللّه بالاحسان ما فعلا بكم* * * و أبلاهما خير البلاء الذي يبلواى خير الصنيع الذي يختبر به عباده.و مراده هبنى أن أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يسد الى نعمة حيث و لانى على المدائن أ أنسى رسول اللّه إلخ.أقول سعد بن مسعود الثقفى: كان عاملا على المدائن من قبل أمير المؤمنين و قد كتب إليه عليّ (عليه السلام) «أما بعد فانّك قد اديت خراجك، و أطعت ربك، و أرضيت امامك:فعل البر التقى النجيب، فغفر اللّه ذنبك، و تقبل سعيك، و حسن مآبك. (راجع تاريخ اليعقوبي). قال ابن الجوزى في التذكرة ص 112: قال الشعبى: فبينا الحسن في سرادقه بالمدائن و قد تقدم قيس بن سعد، اذ نادى مناد في العسكر: الا ان قيس بن سعد قد قتل فانفروا، فنفروا الى سرادق الحسن فنازعوه حتّى أخذوا بساطا كان تحته، و طعنه رجل بمشقص فأدماه، فازدادت رغبته في الدخول في الجماعة، و ذعر منهم فدخل المقصورة التي في المدائن بالبيضاء، و كان الامير على المدائن سعد بن مسعود الثقفى عم المختار ولاه عليها عليّ (عليه السلام).فقال له المختار، و كان شابا: هل لك في الغناء و الشرف؟ قال: و ما ذلك؟ قال:تستوثق من الحسن و تسلمه الى معاوية، فقال له سعد: قاتلك اللّه، أثب على ابن رسول اللّه و أوثقه و اسلمه الى ابن هند؟ بئس الرجل أنا ان فعلته. وجوه المؤمنين فقال (عليه السلام) ما كل أحد يحب ما تحب و لا رأيه كرأيك و إنما فعلت ما فعلت إبقاء عليكم.. وَ رَوَى عَبَّاسُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ عَنْ أَبِي الْكَنُودِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ الْحَسَنُ (عليه السلام) مُعَاوِيَةَ أَقْبَلَتِ الشِّيعَةُ تَتَلَاقَى بِإِظْهَارِ الْأَسَفِ وَ الْحَسْرَةِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ فَخَرَجُوا إِلَيْهِ بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنْ يَوْمَ بَايَعَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدَ الْخُزَاعِيُّ مَا يَنْقَضِي تَعَجُّبُنَا مِنْ بَيْعَتِكَ مُعَاوِيَةَ وَ مَعَكَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ كُلُّهُمْ يَأْخُذُ الْعَطَاءَ وَ هُمْ عَلَى أَبْوَابِ مَنَازِلِهِمْ وَ مَعَهُمْ مِثْلُهُمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَ أَتْبَاعِهِمْ سِوَى شِيعَتِكَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَ الْحِجَازِ ثُمَّ لَمْ تَأْخُذْ لِنَفْسِكَ ثِقَةً فِي الْعَقْدِ وَ لَا حَظّاً مِنَ الْعَطِيَّةِ فَلَوْ كُنْتَ إِذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ أَشْهَدْتَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وُجُوهَ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ كَتَبْتَ عَلَيْهِ كِتَاباً بِأَنَّ الْأَمْرَ لَكَ بَعْدَهُ كَانَ الْأَمْرُ عَلَيْنَا أَيْسَرَ وَ لَكِنَّهُ أَعْطَاكَ شَيْئاً بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ لَمْ يَفِ بِهِ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَالَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ إِنِّي كُنْتُ شَرَطْتُ شُرُوطاً وَ وَعَدْتُ عِدَاةً إِرَادَةً لِإِطْفَاءِ نَارِ الْحَرْبِ وَ مُدَارَاةً لِقَطْعِ الْفِتْنَةِ فَلَمَّا أَنْ جَمَعَ اللَّهُ لَنَا الْكَلِمَ وَ الْأُلْفَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ تَحْتَ قَدَمَيَّ وَ اللَّهِ مَا عَنَى بِذَلِكَ غَيْرَكَ وَ مَا أَرَادَ إِلَّا مَا كَانَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ وَ قَدْ نَقَضَ فَإِذَا شِئْتَ فَأَعِدِ الْحَرْبَ خُدْعَةً وَ ائْذَنْ لِي فِي تَقَدُّمِكَ إِلَى الْكُوفَةِ فَأُخْرِجَ عَنْهَا عَامِلَهُ وَ أُظْهِرَ خَلْعَهُ وَ تَنَبَّذْ إِلَيْهِ ﴿عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾وَ تَكَلَّمَ الْبَاقُونَ بِمِثْلِ كَلَامِ سُلَيْمَانَ.فَقَالَ الْحَسَنُ (عليه السلام) أَنْتُمْ شِيعَتُنَا وَ أَهْلُ مَوَدَّتِنَا فَلَوْ كُنْتُ بِالْحَزْمِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا أَعْمَلَ وَ لِسُلْطَانِهَا أَرْكَضَ وَ أَنْصَبَ، مَا كَانَ مُعَاوِيَةُ بِأَبْأَسَ مِنِّي بَأْساً وَ لَا أَشَدَّ شَكِيمَةًو ذكر ابن سعد في الطبقات: ان المختار قال لعمه سعد: هل لك في أمر تسود به العرب؟ قال: و ما هو؟ قال: دعنى أضرب عنق هذا- يعنى الحسن- و أذهب به الى معاوية.فقال له: قبحك اللّه ما هذا بلاؤهم عندنا أهل البيت. وَ لَا أَمْضَى عَزِيمَةً وَ لَكِنِّي أَرَى غَيْرَ مَا رَأَيْتُمْ وَ مَا أَرَدْتُ بِمَا فَعَلْتُ إِلَّا حَقْنَ الدِّمَاءِ فَارْضُوا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ سَلِّمُوا لِأَمْرِهِ وَ الْزَمُوا بُيُوتَكُمْ وَ أَمْسِكُوا.أَوْ قَالَ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ أَوْ يُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ.وَ هَذَا كَلَامٌ مِنْهُ (عليه السلام) يَشْفِي الصُّدُورَ وَ يَذْهَبُ بِكُلِّ شُبْهَةٍ فِي هَذَا الْبَابِ.وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ (عليه السلام) لَمَّا طَالَبَهُ مُعَاوِيَةُ بِأَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى النَّاسِ وَ يُعَلِّمَهُمْ مَا عِنْدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ أَكْيَسَ الْكَيْسِ التُّقَى وَ أَحْمَقَ الْحُمْقِ الْفُجُورُ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لَوْ طَلَبْتُمْ بَيْنَ جَابَلَقَ وَ جَابَرَسَ رَجُلًا جَدُّهُ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا وَجَدْتُمُوهُ غَيْرِي وَ غَيْرَ أَخِي الْحُسَيْنِ وَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ هَدَاكُمْ بِأَوْلِيَاءِ مُحَمَّدٍ ص وَ إِنَّ مُعَاوِيَةَ نَازَعَنِي حَقّاً هُوَ لِي فَتَرَكْتُهُ لِصَلَاحِ الْأُمَّةِ وَ حَقْنِ دِمَائِهَا وَ قَدْ بَايَعْتُمُونِي عَلَى أَنْ تُسَالِمُوا مَنْ سَالَمْتُ فَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُسَالِمَهُ وَ رَأَيْتُ أَنَّ مَا حَقَنَ الدِّمَاءَ خَيْرٌ مِمَّا سَفَكَهَا وَ أَرَدْتُ صَلَاحَكُمْ وَ أَنْ يَكُونَ مَا صَنَعْتُ حُجَّةً عَلَى مَنْ كَانَ يَتَمَنَّى هَذَا الْأَمْرَ وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ.. و كلامه (عليه السلام) في هذا الباب الذي يصرح في جميعه بأنه مغلوب مقهور ملجأ إلى التسليم و دافع بالمسالمة الضرر العظيم عن الدين و المسلمين أشهر من الشمس و أجلى من الصبح فأما قول السائل إنه خلع نفسه من الإمامة فمعاذ الله لأن الإمامة بعد حصولها للإمام لا يخرج عنه بقوله و عند أكثر مخالفينا أيضا في الإمامة أن خلع الإمام نفسه لا يؤثر في خروجه من الإمامة و إنما ينخلع من الإمامة عندهم بالأحداث و الكبائر و لو كان خلعه في نفسه مؤثرا لكان إنما يؤثر إذا وقع اختيارا فأما مع الإلجاء و الإكراه فلا تأثير له و لو كان مؤثرا في موضعمن المواضع.و لم يسلم أيضا الأمر إلى معاوية بل كف عن المحاربة و المغالبة لفقد الأعوان و عوز الأنصار و تلاقي الفتنة على ما ذكرناه فيغلب عليه معاوية بالقهر و السلطان مع ما أنه كان متغلبا على أكثره و لو أظهر (عليه السلام) له التسليم قولا لما كان فيه شيء إذا كان عن إكراه و اضطهاد.فأما البيعة فإن أريد بها الصفقة و إظهار الرضا و الكف عن المنازعة فقد كان ذلك لكنا قد بينا جهة وقوعه و الأسباب المحوجة إليه و لا حجة في ذلك عليه (صلوات الله عليه) كما لم يكن في مثله حجة على أبيه (صلوات الله عليهما) لما بايع المتقدمين عليه و كف عن نزاعهم و أمسك عن غلابهم.و إن أريد بالبيعة الرضا و طيب النفس فالحال شاهد بخلاف ذلك و كلامه المشهور كله يدل على أنه أحوج و أحرج و أن الأمر له و هو أحق الناس به و إنما كف عن المنازعة فيه للغلبة و القهر و الخوف على الدين و المسلمين.فأما أخذ العطاء فقد بينا في هذا الكتاب عند الكلام فيما فعله أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) من ذلك أن أخذه من يد الجابر الظالم المتغلب جائز و أنه لا لؤم فيه على الأخذ و لا حرج و أما أخذ الصلات فسائغ بل واجب لأن كل مال في يد الغالب الجابر المتغلب على أمر الأمة يجب على الإمام و على جميع المسلمين انتزاعه من يده كيف ما أمكن بالطوع أو الإكراه و وضعه في مواضعه.فإذا لم يتمكن (عليه السلام) من انتزاع جميع ما في يد معاوية من أموال الله تعالى و أخرج هو شيئا منها إليه على سبيل الصلة فواجب عليه أن يتناوله من يده و يأخذ منه حقه و يقسمه على مستحقه لأن التصرف في ذلك المال بحق الولاية عليه لم يكن في تلك الحال إلا له ع.و ليس لأحد أن يقول إن الصلات التي كان يقبلها من معاوية أنه كان ينفقها على نفسه و عياله و لا يخرجها إلى غيره و ذلك أن هذا مما لا يمكن أن يدعي العلم به و القطع عليه و لا شك أنه (عليه السلام) كان ينفق منها لأن فيها حقه و حق عياله و أهله و لا بد من أن يكون قد أخرج منها إلى المستحقين حقوقهم و كيف يظهر ذلك و هو (عليه السلام) كان قاصدا إلى إخفائه و ستره لمكان التقية و المحوج له (عليه السلام) إلى قبول تلك الأموال على سبيل الصلة هو المحوج له إلى ستر إخراجها أو إخراج بعضها إلى مستحقيها من المسلمين و قد كان عليه و آله السلام يتصدق بكثير من أمواله و يواسي الفقراء و يصل المحتاجين و لعل في جملة ذلك هذه الحقوق.فأما إظهار موالاته فما أظهر (عليه السلام) من ذلك شيئا كما لم يبطنه و كلامه (عليه السلام) فيه بمشهد معاوية و مغيبه معروف ظاهر و لو فعل ذلك خوفا و استصلاحا و تلافيا للشر العظيم لكان واجبا فقد فعل أبوه (صلوات الله عليه و آله) مثله مع المتقدمين عليه.و أعجب من هذا كله دعوى القول بإمامته و معلوم ضرورة منه (عليه السلام) خلاف ذلك فإنه كان يعتقد و يصرح بأن معاوية لا يصلح أن يكون بعض ولاة الإمام و أتباعه فضلا عن الإمامة نفسها.و ليس يظن مثل هذه الأمور إلا عامي حشوي قد قعد به التقليد و ما سبق إلى اعتقاده من تصويب القوم كلهم عن التأمل و سماع الأخبار المأثورة في هذا الباب فهو لا يسمع إلا ما يوافقه و إذا سمع لم يصدق إلا بما أعجبه وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ انتهى كلامه رفع الله مقامه.و أقول بعد ما أسسناه في كتاب الإمامة بالدلائل العقلية و النقلية أنهم (عليه السلام) لا يفعلون شيئا إلا بما وصل إليهم من الله تعالى و بعد ما قرع سمعك في تلك الأبواب من الأخبار الدالة على وجه الحكمة في خصوص ما فعله (عليه السلام) لا أظنك تحتاج إلى بسط القول في ذلك وَ اللَّهُ ﴿يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[بحار الأنوار (ج36-54)] · موسوعة الغيبة والظهور