⟨قال جعفر بن نما مصنف هذا الكتاب فقد رويت عن والدي رحمة الله عليه⟩
أنه قال لهم قوموا بنا إلى إمامي و إمامكم علي بن الحسين فلما دخل و دخلوا عليه أخبر خبرهم الذي جاءوا لأجله قال يا عم لو أن عبدا زنجيا تعصب لنا أهل البيت لوجب على الناس موازرته و قد وليتك هذا الأمر فاصنع ما شئت فخرجوا و قد سمعوا كلامه و هم يقولون أذن لنا زين العابدين (عليه السلام) و محمد بن الحنفية.و كان المختار علم بخروجهم إلى محمد بن الحنفية و كان يريد النهوض بجماعة الشيعة قبل قدومهم فلما تهيأ ذلك له و كان يقول إن نفيرا منكم تحيروا و ارتابوا فإن هم أصابوا أقبلوا و أنابوا و إن هم كبوا و هابوا و اعترضوا و انجابوا فقد خسروا و خابوا فدخل القادمون من عند محمد بن الحنفية فقال ما وراءكم فقد فتنتم و ارتبتم فقالوا قد أمرنا بنصرتك فقال أنا أبو إسحاق اجمعوا إلي الشيعة فجمع من كان قريبا فقال يا معشر الشيعة إن نفرا أحبوا أن يعلموا مصداق ما جئت به فخرجوا إلى إمام الهدى و النجيب المرتضى و ابن المصطفى المجتبى يعني زين العابدين (عليه السلام) فعرفهم أني ظهيره و رسوله و أمركم باتباعي و طاعتي و قال كلاما يرغبهم إلى الطاعة و الاستنفار معه و أن يعلم الحاضر الغائب.و عرفه قوم أن جماعة من أشراف الكوفة مجتمعون على قتالك مع ابن مطيع و متى جاء معنا إبراهيم بن الأشتر رجونا بإذن الله تعالى القوة على عدونا فله عشيرة فقال القوه و عرفوا الإذن لنا في الطلب بدم الحسين و أهل بيته فعرفوه فقال قد أجبتكم على أن تولوني الأمر فقالوا له أنت أهل و لكن ليس إليه سبيل هذا المختار قد جاءنا من قبل إمام الهدى و من نائبه محمد بن الحنفية و هو المأذون له في القتال فلم يجب فانصرفوا و عرفوه المختار.فبقي ثلاثا ثم إنه دعا جماعة من وجوه أصحابه قال عامر الشعبي و أنا و أبي فيهم فسار المختار و هو أمامنا يقد بنا بيوت الكوفة لا يدري أين يريد حتى وقف على باب إبراهيم فأذن له و ألقيت الوسائد فجلسنا عليها و جلس المختار معه على فراشه و قال هذا كتاب محمد بن أمير المؤمنين (عليه السلام) يأمرك أن تنصرنا فإن فعلت اغتبطت و إن امتنعت فهذا الكتاب حجة عليك و سيغني الله محمدا و أهل بيته عنك و كان المختار قد سلم الكتاب إلى الشعبي فلما تم كلامه قال ارفع الكتاب إليه ففض ختمه و هو كتاب طويل فيهبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِمن محمد المهدي إلى إبراهيم بن الأشتر سلام عليك قد بعثت إليك المختار و من ارتضيته لنفسي و قد أمرته بقتال عدوي و الطلب بدماء أهل بيتي فامض معه بنفسك و عشيرتك و تمام الكتاب بما يرغب إبراهيم في ذلك.فلما قرأ الكتاب قال ما زال يكتب إلي اسمه و اسم أبيه فما باله و يقول في هذا الكتاب المهدي قال المختار ذاك زمان قال إبراهيم من يعلم أن هذا كتاب ابن الحنفية إلي قال يزيد بن أنس و أحمر بن سقيط و عبد الله بن كامل و غيرهم نحن نعلم و نشهد أنه كتاب محمد إليك قال الشعبي إلا أنا و أبي لا نعلم فعند ذلك تأخر إبراهيم عن صدر الفراش و أجلس المختار عليه و قال ابسط يدك فبسط يده فبايعه و دعا بفاكهة و شراب من عسل فأصبنا منه فأخرجنا معنا إبراهيم إلى أن دخل المختار داره.فلما رجع أخذ بيدي و قال يا شعبي علمت أنك لا تشهد و لا أبوك أ فترى هؤلاء شهدوا على حق قلت شهدوا على ما رأيت و فيهم سادة القراء و مشيخة المصر و فرسان العرب و ما يقول مثل هؤلاء إلا حقا.و كان إبراهيم (رحمه الله) ظاهر الشجاعة واري زناد الشهامة نافذ حد الصرامة مشمرا في محبة أهل البيت عن ساقيه متلقيا راية النصح لهم بكلتا يديه فجمع عشيرته و إخوانه و أهل مودته و أعوانه و كان يتردد بهم إلى المختار عامة الليل و معه حميد بن مسلم الأزدي حتى تصوب النجوم و تنقض الرجوم و أجمع رأيهم أن يخرجوا يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة ست و ستين و كان إياس بن مضارب صاحب شرطة عبد الله بن مطيع أمير الكوفة فقال له إن المختار خارج عليك لا محالة فخذ حذرك ثم خرج إياس مع الحرس و بعث ولده راشدا إلى الكناسة و جاء هو إلى السوق و أنفذ ابن مطيع إلى الجبانات من شحنها بالرجال يحرسها من أهل الريبة و خرج إبراهيم بعد المغرب إلى المختار و معه جماعة عليهم الدروع و فوقها الأقبية و قد أحاط الشرط بالسوق و القصر لقي إياس بن مضارب أصحاب إبراهيم و هم متسلحون فقال ما هذا الجمع إن أمرك لمريب و لا أتركك حتى آتي بك إلى الأمير فامتنع إبراهيم و وقع التشاجر بينهم و مع إياس رجل من همدان اسمه أبا قطن قال له إبراهيم ادن مني لأنه صديقه فظن أنه يريد أن يجعله شفيعه في تخلية القوم و بيد أبي قطن رمح طويل فأخذه إبراهيم منه و طعن إياس بن مضارب في نحره فصرعه و أمرهم فاجتزوا رأسه و انهزم أصحابه و أقبل إبراهيم إلى المختار و عرفه ذلك فاستبشر و تفاءل بالنصر و الظفر ثم أمر بإشعال النار في هرادي القصب و بالنداء يا آل ثأرات الحسين و لبس درعه و سلاحه و هو يقولقد علمت بيضاء حسناء الطلل.* * * واضحة الخدين عجزاء الكفلإني غداة الروع مقدام بطل* * * لا عاجز فيها و لا وغد فشلفأقبل الناس من كل ناحية و جاء عبيد الله بن الحر الجعفي في قومه و تقاتلوا قتالا عظيما و شرد الناس و من كان في الطرق و الجبانات من أصحاب السلاح و استشعروا الحذر و تفرقوا في الأزقة خوفا من إبراهيم و أشار شبث بن ربعي على الأمير ابن مطيع بالقتال فعلم المختار فخرج في أصحابه حتى نزل دير هند مما يلي بستان زائدة في السبخة ثم جاء أبو عثمان النهدي في جماعة أصحابه إلى الكوفة و نادوا يا آل ثأرات الحسين يا منصور أمت و هذه علامة بينهم يا أيها الحي المهتدون ألا إن أمين آل محمد قد خرج فنزل دير هند و بعثني إليكم داعيا و مبشرا فأخرجوا إليه رحمكم الله فخرجوا من الدور يتداعون و في هذا المعنى قلت هذه الأبيات متأسفا على ما فات كيف لم أكن من أصحاب الحسين (عليه السلام) في نصرته و لا من أصحاب المختار و جماعته.و لما دعا المختار للثأر أقبلت* * * كتائب من أشياع آل محمدو قد لبسوا فوق الدروع قلوبهم* * * و خاضوا بحار الموت في كل مشهدهم نصروا سبط النبي و رهطه* * * و دانوا بأخذ الثأر من كل ملحدففازوا بجنات النعيم و طيبها* * * و ذلك خير من لجين و عسجدو لو أنني يوم الهياج لدى الوغى* * * لأعملت حد المشرفي المهندفوا أسفا إذ لم أكن من حماته* * * فأقتل فيهم كل باغ و معتد..المرتبة الثالثة في وصف الوقعة مع ابن مطيع.قال الوالبي و حميد بن مسلم و النعمان بن أبي الجعدخرجنا مع المختار فو الله ما انفجر الفجر حتى فرغ من تعبئة عسكره فلما أصبح تقدم و صلى بنا الغداة فقرأ و النازعات و عبس فو الله ما سمعنا إماما أفصح لهجة منه و نادى ابن مطيع في أصحابه فلما جاءوا بعث شبث بن ربعي في ثلاثة آلاف و راشد بن إياس في أربعة آلاف و حجار بن أبجر العجلي في ثلاثة آلاف و عكرمة بن ربعي و شداد بن أبجر و عبد الرحمن بن سويد في ثلاثة آلاف و تتابعت العساكر نحوا من عشرين ألفا فسمع المختار أصواتا مرتفعة و ضجة ما بين بني سليم و سكة البريد فأمر باستعلام ذلك فإذا هو شبث بن ربعي و معه خيل عظيمة و أتاه في الحال سعر بن أبي سعر الحنفي و ممن بايع المختار يركض من قبل مراد فلقي راشد بن إياس فأخبر المختار فأرسل إبراهيم بن الأشتر في تسعمائة فارس و ستمائة راجل و نعيم بن هبيرة في ثلاثمائة فارس و ستمائة راجل و قدم المختار يزيد بن أنس في موضع مسجد شبث في تسعمائة فقاتلوهم حتى أدخلوهم البيوت و قتل من الفريقين جمع و قتل نعيم بن هبيرة و جاء إبراهيم فلقي راشد بن إياس و معه أربعة آلاف فارس فقال إبراهيم لأصحابه لا يهولنكم كثرتهم فلرب فئة قليلة غلبت فئة كثيرةوَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ*فاشتد قتالهم و بصر خزيمة بن نصر العبسي براشد و حمل عليه فطعنه فقتله ثم نادى خزيمة قتلت راشدا و رب الكعبة فانهزم القوم و انكسروا و أجفلوا إجفال النعام و أطلوا عليهم كقطع الغمام و استبشر أصحاب المختار و حملوا على خيل الكوفة فجعلوا صفو حياتهم كدرا و ساقوهم حتى أوصلوهم إلى الموت زمرا حتى أوصلوهم السكك و أدخلوهم الجامع و حصروا الأمير ابن مطيع ثلاثا في القصر و نزل المختار بعد هذه الوقعة جانب السوق و ولى حصار القصر إبراهيم بن الأشتر.فلما ضاق عليه و على أصحابه الحصار و علموا أنه لا تعويل لهم على مكر و لا سبيل إلى مفر أشاروا عليه أن يخرج ليلا في زي امرأة و يستتر في بعض دور الكوفة ففعل و خرج حتى صار إلى دار أبي موسى الأشعري فآووه و أما هم فإنهم طلبوا الأمان فآمنهم و خرجوا و بايعوه و صار يمنيهم و يستجر مودتهم و يحسن السيرة فيهم.و لما خرج أصحاب ابن مطيع من القصر سكنه المختار ثم خرج إلى الجامع و أمر بالنداء الصلاة جامعة فاجتمع الناس و رقي المنبر ثم قال الحمد لله الذي وعد وليه النصر و عدوه الخسر وعدا مأتيا و أمرا مفعولاوَ قَدْ خابَ مَنِ افْتَرىأيها الناس مدت لنا غاية و رفعت لنا راية فقيل في الراية ارفعوها و لا تضيعوها و في الغاية خذوها و لا تدعوها فسمعنا دعوة الداعي و قبلنا قول الراعي فكم من باغ و باغية و قتلى في الراعية ألا فبعدا لمن طغى و بغى و جحد و لغى و كذب و تولى ألا فهلموا عباد الله إلى بيعة الهدى و مجاهدة الأعداء و الذب عن الضعفاء من آل محمد المصطفى و أنا المسلط على المحلين المطالب بدم ابن نبي رب العالمين أما و منشئ السحاب الشديد العقاب لأنبشن قبر ابن شهاب المفتري الكذاب المجرم المرتاب و لأنفين الأحزاب إلى بلاد الأعراب ثم و رب العالمين لأقتلن أعوان الظالمين و بقايا القاسطين.ثم قعد على المنبر و وثب قائما و قال أما و الذي جعلني بصيرا و نور قلبي تنويرا لأحرقن بالمصر دورا و لأنبشن بها قبورا و لأشفين بها صدورا و لأقتلن بها جبارا كفورا ملعونا غدورا و عن قليل و رب الحرم و البيت المحرم و حق النون و القلم ليرفعن لي علم من الكوفة إلى إضم إلى أكناف ذي سلم من العرب و العجم ثم لأتخذن من بني تميم أكثر الخدم.ثم نزل و دخل قصر الإمارة و انعكف عليه الناس للبيعة فلم يزل باسطا يده حتى بايعه خلق من العرب و السادات و الموالي و وجد في بيت المال بالكوفة تسعة آلاف ألف فأعطى كل واحد من أصحابه الذين قاتل بهم في حصر ابن مطيع و هم ثلاث آلاف و ثمانمائة رجل كل واحد منهم خمسمائة درهم و ستة آلاف رجل من الذين أتوه من بعد حصار القصر مائتين مائتين.و لما علم أن ابن مطيع في دار أبي موسى الأشعري دعا عبد الله بن كامل الشاكري و دفع إليه عشرة آلاف درهم و أمره بحملها إليه و أن يقول له استعن بها على سفرك فإني أعلم أنه ما منعك إلا ضيق يدك.فأخذها و مضى إلى البصرة و لم يمش إلى عبد الله بن الزبير حياء مما جرى عليه من المختار و استعمل على شرطته عبد الله بن كامل وعلى حرسه كيسان أبا عمر مولى عرينة و عقد لعبد الله بن الحارث أخي الأشتر لأمه على إرمينية و لمحمد بن عطارد على آذربيجان و لعبد الرحمن بن سعد بن قيس على الموصل و لسعد بن حذيفة بن اليمان على حلوان و لعمر بن السائب على الري و همدان و فرق العمال بالجبال و البلاد و كان يحكم بين الخصوم حتى إذا شغلته أموره فولى شريحا قاضيا فلما سمع المختار أن عليا (عليه السلام) عزله أراد عزله فتمارض هو فعزله و ولاه عبد الله بن عتبة بن مسعود فمرض فجعل مكانه عبد الله بن مالكالطائي قاضيا.
و كان مروان بن الحكم لما استقامت له الشام بالطاعة بعث جيشين أحدهما إلى الحجاز و الآخر إلى العراق مع عبيد الله بن زياد لينهب الكوفة إذا ظفر بها ثلاثة أيام فاجتاز بالجزيرة عرض له أمر منعه من السير و عاملها من قبل ابن الزبير قيس عيلان فلم يزل عبيد الله مشغولا بذلك عن العراق ثم قدم الموصل و عامل المختار عليها عبد الرحمن بن سعيد بن قيس فوجه عبيد الله إليه خيله و رجله فانحاز عبد الرحمن إلى تكريت و كتب إلى المختار يعرفه ذلك فكتب الجواب يصوب رأيه و يحمد مشورته و أن لا يفارق مكانه حتى يأتيه أمره إن شاء الله.ثم دعا المختار يزيد بن أنس و عرفه جلية الحال و رغبه في النهوض بالخيل و الرجال و حكمه في تخيير من شاء من الأبطال فتخير ثلاثة آلاف فارس ثم خرج من الكوفة و شيعه المختار إلى دير أبي موسى و أوصاه بشيء من أدوات الحرب و إن احتاج إلى مدد عرفه فقال أريد لا تمدني إلا بدعائك كفى به مددا ثم كتب المختار إلى عبد الرحمن بن سعيد بن قيس أما بعد فخل بين يزيد و بين البلاد إن شاء الله و السلام عليك.فسار حتى بلغ أرض الموصل فنزل بموضع يقال له بافكى و بلغ خبره إلى عبيد الله بن زياد و عرف عدتهم فقال أرسل إلى كل ألف ألفين و بعث ستة آلاف فارس فجاءوا و يزيد بن أنس مريض مدنف فأركبوه حمارا مصريا و الرجالة يمسكونه يمينا و شمالا فيقف على الأرباع و يحثهم على القتال و يرغبهم في حميد المال و قال إن هلكت فأميركم ورقاء بن عازب الأسدي فإن هلك فأميركم عبد الله بن ضمرة العذري فإن هلك فأميركم سعر بن أبي سعر الحنفي و وقع القتال بينهم في ذي الحجة يوم عرفة سنة ست و ستين قبل شروق الشمس فلا يرتفعالضحى حتى هزمهم عسكر العراق و أزالهم عن مآزق الحرب زوال السراب و قشعوهم انقشاع الضباب و أتوا يزيد بثلاثمائة أسير و قد أشفى على الموت فأشار بيده أن اضربوا رقابهم فقتلوا جميعا ثم مات يزيد بن أنس فصلى عليه ورقاء بن عازب الأسدي و دفنه و اغتم عسكر العراق لموته فعزاهم ورقاء فيه و عرفهم أن عبيد الله بن زياد في جمع كثير و لا طاقة لكم به فقالوا الرأي أن ننصرف في جوف الليل.قال محمد بن جرير الطبري في تاريخه كان مع عبيد الله ثمانون ألفا من أهل الشام ثم اتصل بالمختار و أهل الكوفة إرجاف الناس بيزيد بن أنس فظنوا أنه قتل و لم يعلموا كيف هلك و استطلع المختار ذلك من عامله على المدائن فأخبره بموته و أن العسكر انصرف من غير هزيمة و لا كسرة فطاب قلب المختار ثم ندب الناس.قال المرزباني و أمر إبراهيم بن الأشتر بالمسير إلى عبيد الله فخرج في ألفين من مذحج و أسد و ألفين من تميم و همدان و ألف و خمسمائة من قبائل المدينة و ألف و أربعمائة من الكندة و ربيعة و ألفين من الحمراء و قيل خرج في اثني عشر ألفا أربعة آلاف من القبائل و ثمانية آلاف من الحمراء و شيع إبراهيم ماشيا فقال اركب رحمك الله فقال المختار إني لأحتسب الأجر في خطاي معك و أحب أن تتغبر قدماي في نصر آل محمد و الطلب بدم الحسين (عليه السلام) ثم ودعه و انصرف و بات إبراهيم بموضع يقال له حمام أعين ثم رحل حتى وافى ساباط المدائن فحينئذ توسم أهل الكوفة في المختار القلة و الضعف فخرج أهل الكوفة عليه و جاهروه بالعداوة و لم يبق أحد ممن شرك في قتل الحسين و كان مختفيا إلا و ظهر و نقضوا بيعته و سلوا عليه سيفا واحدا و اجتمعت القبائل عليه من بجيلة و الأزد و كندة و شمر بن ذي الجوشن فبعث المختار من ساعته رسولا إلى إبراهيم و هو بساباط لا تضع كتابي حتى تعود بجميع من معك إلي فلما جاءهم كتابه نادى بالرجوع فوصلوا السير بالسرى و أرخوا الأعنة و جذبوا البريء و المختار يشغل أهل الكوفة بالتسويف و الملاطفة حتى يرجع إبراهيم بعسكره فيكف عاديتهم و يقمع شرتهم و يحصد شوكتهم و كان مع المختار أربعة آلاف فبغى عليه أهل الكوفة و بدءوه بالحرب فحاربه يومهم أجمع و باتوا على ذلك فوافاهم إبراهيم في اليوم الثاني بخيله و رجله و معه أهل النجدة و القوة فلما علموا قدومه افترقوا فرقتين ربيعة و مضر علا حدة و اليمن علا حدة فخير المختار إبراهيم إلى أي الفرقتين تسير فقال إلى أيهما أحببت و كان المختار ذا عقل وافر و رأي حاضر فأمره بالسير إلى مضر بالكناسة و سار هو إلى اليمن إلى الجبانة السبيع فبدأ بالقتال رفاعة بن شداد فقاتل قتال الشديد البأس القوي المراس حتى قتل.و قاتل حميد بن مسلم و هو يقوللأضربن عن أبي حكيم* * * مفارق الأعبد و الحميم.ثم انكسروا كسرة هائلة و جاء البشير إلى المختار أنهم ولوا مدبرين فمنهم من اختفى في بيته و منهم من لحق بمصعب بن الزبير و منهم من خرج إلى البادية ثم وضعت الحرب أوزارها و حلت أزرارها و محص القتل شرارها فأحصوا القتلى منهم فكانوا ستمائة و أربعين رجلا ثم استخرج من دور الوادعيين خمسمائة أسير كما ذكر الطبري و غيره فجاءوا بهم إلى المختار فعرضوهم عليه فقال كل من حضر منهم قتل الحسين فأعلموني به فلا يؤتى بمن حضر قتله إلا قيل هذا فيضرب عنقه حتى قتل منهم مائتين و ثمانية و أربعين رجلا و قتل أصحاب المختار جمعا كثيرا بغير علمه و أطلق الباقين ثم علم المختار أن شمر بن ذي الجوشن خرج هاربا و معه نفر ممن شرك في قتل الحسين (عليه السلام) فأمر عبدا له أسود يقال له رزين و قيل زربي و معه عشرة و كان شجاعا يتبعه فيأتيه برأسه قال مسلم بن عبد الله الضبابي كنت مع شمر حين هزمنا المختار فدنا منا العبد قال شمر اركضوا و تباعدوا لعل العبد يطمع في فأمعنا في التباعد عنه حتى لحقه العبد فحمل عليه فقتله و مشى فنزل في جانب قرية اسمها الكلتانية على شاطئ نهر إلى جانب تل ثم أخذ من القرية علجا فضربه و دفع إليه كتابا و قال عجل به إلى مصعب بن الزبير و كان عنوانه للأمير المصعب بن الزبير من شمر بن ذي الجوشن فمشى العلج حتى دخل قرية فيها أبو عمرة بعثه المختار إليها في أمر و معه خمسمائة فارس قرأ الكتاب رجل من أصحابه و قرأ عنوانه فسأل عن شمر و أين هو فأخبره أن بينهم و بينه ثلاثة فراسخ.قال مسلم بن عبد الله قلت لشمر لو ارتحلت من هذا المكان فإنا نتخوف عليك فقال ويلكم أ كل هذا الجزع من الكذاب و الله لا برحت فيه ثلاثة أيام فبينما نحن في أول النوم أشرفت علينا الخيل من التل و أحاطوا بنا و هو عريان مؤتزرا بمنديل فانهزمنا و تركناه فأخذ سيفه و دنا منهم و هو يقولنبهتموا ليثا هزبرا باسلا* * * جهما محياه يدق الكاهلالم يك يوما من عدو ناكلا* * * إلا كذا مقاتلا أو قاتلافلم يك بأسرع أن سمعنا قتل الخبيث قتله أبو عمرة و قتل أصحابه ثم جيء بالرءوس إلى المختار خر ساجدا و نصبت الرءوس في رحبة الحذاءين حذاء الجامع.و أنا الآن أذكر من قتله المختار من قتلة الحسين ع.ذكر الطبري في تاريخه أن المختار تجرد لقتلة الحسين و أهل بيته و قال اطلبوهم فإنه لا يسوغ لي الطعام و الشراب حتى أطهر الأرض منهم قال موسى بن عامر فأول من بدأ به الذين وطئوا الحسين بخيلهم و أنامهم على ظهورهم و ضرب سكك الحديد في أيديهم و أرجلهم و أجرى الخيل عليهم حتى قطعتهم و حرقهم بالنار ثم أخذ رجلين اشتركا في دم عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب و في سلبه كانا في الجبانة فضرب أعناقهما ثم أحرقهما بالنار ثم أحضر مالك بن بشير فقتله في السوق و بعث أبا عمرة فأحاط بدار خولي بن يزيد الأصبحي و هو حامل رأس الحسين (عليه السلام) إلى عبيد الله فخرجت امرأته إليهم و هي النوار ابنة مالك كما ذكر الطبري في تاريخه و قيل اسمها العيوف و كانت محبة لأهل البيت قالت لا أدري أين هو و أشارت بيدها إلى بيت الخلاء فوجدوه و على رأسه قوصرة فأخذوه و قتلوه ثم أمر بحرقه.و بعث عبد الله بن كامل إلى حكيم بن الطفيل السنبسي و كان قد أخذ سلب العباس و رماه بسهم فأخذوه قبل وصوله إلى المختار و نصبوه هدفا و رموه بالسهام و بعث إلى قاتل علي بن الحسين و هو مرة بن منقذ العبدي و كان شيخا فأحاطوا بداره فخرج و بيده الرمح و هو على فرس جواد فطعن عبيد الله بن ناجية الشبامي فصرعه و لم تضره الطعنة و ضربه ابن كامل بالسيف فاتقاها بيده اليسرى فأشرع فيها السيف و تمطرت به الفرس فأفلت و لحق بمصعب و شلت يده بعد ذلك و أحضر زيد بن رقاد فرماه بالنبل و الحجارة و أحرقه و هرب سنان بن أنس إلى البصرة فهدم داره ثم خرج من البصرة نحو القادسية و كان عليه عيون فأخبروا المختار فأخذه بين العذيب و القادسية فقطع أنامله ثم يديه و رجليه و أغلى زيتا في قدر و رماه فيها.و هرب عبد الله بن عقبة الغنوي إلى الجزيرة فهدم داره و فيه و في حرملة بن الكاهل قتل واحدا من أصحاب الحسين (عليه السلام) قال الشاعرو عند غني قطرة من دمائنا* * * و في أسد أخرى تعد و تذكرحدث المنهال بن عمر و قال دخلت على زين العابدين (عليه السلام) أودعه و أنا أريد الانصراف من مكة فقال يا منهال ما فعل حرملة بن كاهل و كان معي بشر بن غالب الأسدي فقال ذلك من بني الحريش أحد بني موقد النار و هو حي بالكوفة فرفع يديه و قال اللهم أذقه حر النار اللهم أذقه حر الحديد قال المنهال و قدمت الكوفة و المختار بها فركبت إليه فلقيته خارجا من داره فقال يا منهال لم تشركنا في ولايتنا هذه فعرفته أني كنت بمكة فمشى حتى أتى الكناس و وقف كأنه ينتظر شيئا فلم يلبث أن جاء قوم قالوا أبشر أيها الأميرفقد أخذ حرملة فجيء به فقال لعنك الله الحمد لله الذي أمكنني منك الجزار الجزار فأتي بجزار فأمره بقطع يديه و رجليه ثم قال النار النار فأتي بنار و قصب فأحرق.فقلت سبحان الله سبحان الله فقال إن التسبيح لحسن لم سبحت فأخبرته دعاء زين العابدين (عليه السلام) فنزل عن دابته و صلى ركعتين و أطال السجود و ركب و سار فحاذى داري فعزمت عليه بالنزول و التحرم بطعامي فقال إن علي بن الحسين دعا بدعوات فأجابها الله على يدي ثم تدعوني إلى الطعام هذا يوم صوم شكرا لله تعالى فقلت أحسن الله توفيقك.و انهزم عبد الله بن عروة الخثعمي إلى مصعب فهدم داره و طلب عمرو بن صبيح الصيداوي فأتوه و هو على سطحه بعد ما هدأت العيون و سيفه تحت رأسه فأخذوه و سيفه فقال قبحك الله من سيف ما أبعدك على قربك فجيء به إلى المختار فلما كان من الغداة طعنوه بالرماح حتى مات و أنفذ إلى محمد بن الأشعث بن قيس و قد انهزم إلى قصر له في قرية إلى جنب القادسية فقال انطلق فإنك تجده لاهيا متصديا أو قائما متبلدا أو خائفا متلددا أو كامنا متعمدا فأتني برأسه فأحاطوا بالقصر و له بابان فخرج و مشى إلى مصعب فهدم القصر و داره و أخذ ما كان فيها قال المرزباني و أتوه بعبد الله بن أسيد الجهني و مالك بن الهشيم البدائي و حمل بن مالك المحاربي من القادسية فقال يا أعداء الله أين الحسين بن علي قالوا أكرهنا على الخروج قال فألا مننتم عليه و سقيتموه من الماء و قال للبدائي أنت آخذ برنسه قال لا قال بلى و أمر بقطع يديه و رجليه و الآخران ضرب أعناقهما.و أتوه ببجدل بن سليم الكلبي و عرفوا أنه أخذ خاتمه و قطع إصبعه فأمر بقطع يديه و رجليه فلم يزل ينزف حتى مات و أتوه برقاد بن مالك و عمر بن خالد و عبد الرحمن البجلي و عبد الله بن قيس الخولاني فقال يا قتلة الحسين لقد أخذتم الورس في يوم نحس و كان في رحل الحسين ورس فاقتسموه وقت نهب رحله فأخرجهم إلى السوق.و كان أسماء بن خارجة الفزاري ممن سعى في قتل مسلم بن عقيل (رحمه الله) فقال المختار أما و رب السماء و رب الضياء و الظلماء لتنزلن نار من السماء دهماء حمراء سحماء تحرق دار أسماء فبلغ كلامه إليه فقال سجع أبو إسحاق و ليس هاهنا مقام بعد هذا و خرج من داره هاربا إلى البادية فهدم داره و دور بني عمه.و كان الشمر بن ذي الجوشن قد أخذ من الإبل التي كانت تحت رحل الحسين (عليه السلام) فنحرها و قسم لحمها على قوم من أهل الكوفة فأمر المختار فأحصوا كل دار دخلها ذلك اللحم فقتل أهلها و هدمها و لم يزل المختار يتبع قتلة الحسين (عليه السلام) حتى قتل خلقا كثيرا و هزم الباقين فهدم دورهم و أنزلهم من المعاقل و الحصون إلى المفاوز و الصحون قال و قتلت العبيد مواليها و جاءوا إلى المختار فعتقهم و كان العبد يسعى بمولاه فيقتله المختار حتى أن العبد يقول لسيده احملني على عنقك فيحمله و يدلي رجليه على صدره إهانة له و لخوفه من سعايته به إلى المختار.فيا لها منقبة حازها و مثوبة أحرزها فقد سر النبي بفعله و إدخاله الفرح على عترته و أهله و قد قلت هذه الأبيات مع كلال الخاطر و قذى الناظرسر النبي بأخذ الثأر من عصب* * * باءوا بقتل الحسين الطاهر الشيمقوم غذوا بلبان البغض ويحهم* * * للمرتضى و بنيه سادة الأممحاز الفخار الفتى المختار إذ قعدت* * * عن نصره سائر الأعراب و العجمجادته من رحمة الجبار سارية* * * تهمي على قبره منهلة الديم.المرتبة الرابعة في ذكر مقتل عمر بن سعد و عبيد الله بن زياد و من تابعه و كيفية قتالهم و النصر عليهم.
[بحار الأنوار (ج36-54)] · موسوعة الغيبة والظهور