⟨وَ رَوَى الْعَبَّاسُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ⟩
رءومبكل فتى لا يملأ الدرع نحره* * * محش لنار الحرب غير سؤمأخي ثقة يبغي الإله بسعيه* * * ضروب بنصل السيف غير أثيم.و ذكر محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن أول ما ابتدأ به الشيعة من أمرهم سنة إحدى و ستين و هي السنة التي قتل فيها الحسين فما زالوا في جمع آلة الحرب و الاستعداد للقتال و دعاء الشيعة بعضهم لبعض في السر للطلب بدم الحسين (عليه السلام) حتى مات يزيد بن معاوية و كان بين مقتل الحسين (عليه السلام) و هلاك يزيد ثلاث سنين و شهران و أربعة أيام و كان أمير العراق عبيد الله و خليفته بالكوفة عمرو بن حريث المخزومي و كان عبد الله بن الزبير قبل موت يزيد يدعو الناس إلى طلب ثأر الحسين و أصحابه و يغريهم بيزيد و يوثبهم عليه فلما مات يزيد أعرض عن ذلك القول و بان أنه يطلب الملك لنفسه لا للثأر.و ذكر المدائني عن رجاله أن المختار لما قدم على عبد الله بن الزبير لم ير عنده ما يريد فقال.ذو مخاريق و ذو مندوحة* * * و ركابي حيث وجهت ذلللا تبيتن منزلا تكرهه* * * و إذا زلت بك النعل فزلفخرج المختار من مكة متوجها إلى الكوفة فلقيه هانئ بن أبي حية الوداعي فسأله عن أهلها فقال لو كان لهم رجل يجمعهم على شيء واحد لأكل الأرض بهم فقال المختار أنا و الله أجمعهم على الحق و ألقي بهم ركبان الباطل و أقتل بهم كل جبار عنيد إن شاء الله ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِثم سأله المختار عن سليمان بن صرد هل توجه لقتال المحلين قال لا و لكنهم عازمون على ذلك ثم سار المختار حتى انتهى إلى نهر الحيرة و هو يوم الجمعة فنزل و اغتسل و لبس ثيابه و تقلد سيفه و ركب فرسه و دخل الكوفة نهارا لا يمر على مسجد القبائل و مجالس القوم و مجتمع المحال إلا وقف و سلم و قال أبشروا بالفرج فقد جئتكم بما تحبون و أنا المسلط على الفاسقين و الطالب بدم أهل بيت نبي رب العالمين.ثم دخل الجامع و صلى فيه فرأى الناس ينظرون إليه و يقول بعضهم لبعض هذا المختار ما قدم إلا لأمر و نرجو به الفرج و خرج من الجامع و نزل داره و يعرف قديما بسالم بن المسيب ثم بعث إلى وجوه الشيعة و عرفهم أنه جاء من محمد بن الحنفية للطلب بدماء أهل البيت و هذا أمر لكم فيه الشفاء و قتل الأعداء فقالوا أنت موضع ذلك و أهله غير أن الناس قد بايعوا سليمان بن صرد الخزاعي فهو شيخ الشيعة اليوم فلا تعجل في أمرك فسكت المختار و أقام ينتظر ما يكون من أمر سليمان و الشيعة حينئذ يريدون أمرهم سرا خوفا من عبد الملك بن مروان و من عبد الله بن الزبير و كان خوف الشيعة من أهل الكوفة أكثر لأن أكثرهم قتلة الحسين (عليه السلام) و صار المختار يفخذ الناس عن سليمان بن صرد و يدعوهم إلى نفسه فأول من بايعه و ضرب على يده عبيد بن عمر و إسماعيل بن كثير فقال عمر بن سعد و شبث بن ربعي لأهل الكوفة إن المختار أشد عليكم لأن سليمان إنما خرج يقاتل عدوكم و المختار إنما يريد أن يثب عليكم فسيروا إليه و أوثقوه بالحديد و خلدوه السجن فما شعر حتى أحاطوا بداره و استخرجوه فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة لعبد الله بن يزيد أوثقه كتافا و مشه حافيا فقال له لم أفعل هذا برجل لم يظهر لنا عداوة و لا حربا إنما أخذناه على الظن فأتي ببغلة له دهماء فركبها و أدخلوه السجن قال يحيى بن أبي عيسى دخلت مع حميد بن مسلم الأزدي إلى المختار فسمعته يقول أما و رب البحار و النخل و الأشجار و المهامة القفار و الملائكة الأبرار و المصطفين الأخيار لأقتلن كل جبار بكل لدن خطار و مهند بتار في جموع من الأنصار ليسوا بميل و لا أغمار و لا بعزل أشرار حتى إذا أقمت عمود الدين و رأيت صدع المسلمين و أدركت ثأر النبيين لم يكبر على زوال الدنيا و لم أحفل بالموت إذ أتى.. المرتبة الثانية في ذكر رجال سليمان بن صرد و خروجه و مقتله.لما أراد النهوض بعسكره من النخيلة و هي العباسية مستهل شهر ربيع الآخر سنة خمس و ستين و هي السنة التي أمر مروان بن الحكم أهل الشام بالبيعة من بعده لابنيه عبد الملك و عبد العزيز و جعلهما وليي عهده و فيها مات مروان بدمشق مستهل شهر رمضان و كان عمره إحدى و ثمانين سنة و كانت خلافته تسعة أشهر و كان عبيد الله بالعراق فسار حتى نزل الجزيرة فأتاه الخبر بموت مروان و خرج سليمان بن صرد ليرحل فرأى عسكره فاستقله فبعث حكيم بن منقذ الكندي و الوليد بن حصين الكناني في جماعة و أمرهما بالنداء في الكوفة يا آل ثأرات الحسين ع.فسمع النداء رجل من كثير من الأزد و هو عبد الله بن حازم و عنده ابنته و امرأته سهلة بن سبرة و كانت من أجمل النساء و أحبهم إليه و لم يكن دخل في القوم فوثب إلى ثيابه فلبسها و إلى سلاحه و فرسه قالت له زوجته ويحك أ جننت قال لا و لكني سمعت داعي الله عز و جل فأنا مجيبة و طالب بدم هذا الرجل حتى أموت فقالت إلى من تودع بيتك هذا قال إلى الله اللهم إني أستودعك ولدي و أهلي اللهم احفظني فيهم و تب علي مما فرطت في نصرة ابن بنت نبيك.ثم نادوا يا آل ثأرات الحسين في الجامع و الناس يصلون العشاء الآخرة فخرج جمع كثير إلى سليمان و كان معه ستة عشر ألفا مثبتة في ديوانه فلم يصف منهم سوى أربعة آلاف و عزم على المسير إلى الشام لمحاربة عبيد الله بن زياد فقال له عبد الله بن سعد إن قتلة الحسين كلهم بالكوفة منهم عمر بن سعد و رءوس الأرباع و أشراف القبائل و ليس بالشام سوى عبيد الله بن زياد فلم يوافق إلا على المسير.فخرج عشية الجمعة لخمس مضين من شهر ربيع الآخر كما ذكرنا فباتوا بدير الأعور ثم سار فنزل على أقساس بني مالك على شاطئ الفرات ثم أصبحوا عند قبر الحسين (عليه السلام) فأقاموا يوما و ليلة يصلون و يستغفرون ثم ضجوا ضجة واحدة بالبكاء و العويل فلم ير يوم أكثر بكاء فيه و ازدحموا عند الوداع على قبره كالزحام على الحجر الأسود و قام في تلك الحال وهب بن زمعة الجعفي باكيا على القبر و أنشد أبيات عبيد الله بن الحر الجعفي.تبيت النشاوى من أمية نوما* * * و بالطف قتلى ما ينام حميمهاو ما ضيع الإسلام إلا قبيلة* * * تأمر نوكاها و دام نعيمهاو أضحت قناة الدين في كف ظالم* * * إذا اعوج منها جانب لا يقيمهافأقسمت لا تنفك نفسي حزينة* * * و عيني تبكي لا يجف سجومهاحياتي أو تلقى أمية خزيه* * * يذل لها حتى الممات قرومها.و كان مع الناس عبد الله بن عوف الأحمر على فرس كميت يتأكل تأكلا و هو يقولخرجن يلمعن بنا أرسالا* * * عوابسا قد تحمل الأبطالانريد أن نلقى بها الأقيالا* * * الفاسقين الغدر الضلالاو قد رفضنا الأهل و الأموالا* * * و الخفرات البيض و الحجالا نرجو به التحفة و النوالا* * * لنرضي المهيمن المفضالافساروا حتى أتوا هيت ثم خرجوا حتى انتهوا إلى قرقيسا و بلغهم أنأبلغ يزيد بنى شيبان مألكة* * * أبا ثبيت أ ما تنفك تأتكل جمع حجلة بيت العروس يزين بالثياب و الاسرة و الستور. أهل الشام في عدد كثير فساروا سيرا مغذا حتى وردوا عين الوردة عن يوم و ليلة ثم قام سليمان بن صرد فوعظهم و ذكرهم الدار الآخرة و قال إن قتلت فأميركم المسيب بن نجبة فإن أصيب المسيب فالأمير عبد الله بن سعيد بن نفيل فإن أصيب فأخوه خالد بن سعد فإن قتل خالد فالأمير عبد الله بن وأل فإن قتل ابن وأل فأميركم رفاعة بن شداد.ثم بعث سليمان المسيب بن نجبة في أربعة آلاف فارس رائدا و أن يشن عليهم الغارة قال حميد بن مسلم كنت معهم فسرنا يومنا كله و ليلتنا حتى إذا كان السحر نزلنا و هومنا ثم ركبنا و قد صلينا الصبح ففرق العسكر و بقي معه مائة فارس فلقي أعرابيا فقال كم بيننا و بين أدنى القوم فقال ميل أقول و الميل أربعة آلاف ذراع و كل ثلاثة أميال فرسخ و هذا عسكر شراحيل بن ذي الكلاع من قبل عبيد الله معه أربعة آلاف و من ورائهم الحصين بن نمير السكوني في أربعة آلاف و من ورائهم الصلت بن ناجية الغلابي في أربعة آلاف و جمهور العسكر مع عبيد الله بن زياد بالرقة.فساروا حتى أشرفوا على عسكر الشام فقال المسيب لأصحابه كروا عليهم فحمل عسكر العراق فانهزموا فقتل منهم خلق كثير و غنموا منهم غنيمة عظيمة و أمرهم المسيب بالعود فرجعوا إلى سليمان بن صرد و وصل الخبر إلى عبيد الله فسرح إليهم الحصين بن نمير و أتبعه بالعساكر حتى نزل في عشرين ألفا و عسكر العراق يومئذ ثلاثة آلاف و مائة لا غير.ثم تهيأ العساكر للحرب فكان على ميمنة أهل الشام عبد الله بن الضحاك بن قيس الفهري و على ميسرتهم مخارق بن ربيعة الغنوي و على الجناح شراحيل بن ذي الكلاع الحميري و في القلب الحصين بن نمير السكوني ثم جعل أهل العراق على ميمنتهم المسيب بن نجبة الفزاري و على ميسرتهم عبد الله بن سعد بننفيل الأزدي و على الجناح رفاعة بن شداد البجلي و على القلب الأمير سليمان بن صرد الخزاعي و وقف العسكر فنادى أهل الشام ادخلوا في طاعة عبد الملك بن مروان و نادى أهل العراق سلموا إلينا عبيد الله بن زياد و أن يخرج الناس من طاعة عبد الملك و آل الزبير و يسلم الأمر إلى أهل بيت نبينا فأبى الفريقان و حمل بعضهم على بعض و جعل سليمان بن صرد يحرضهم على القتال و يبشرهم بكرامة الله ثم كسر جفن سيفه و تقدم نحو أهل الشام و هو يقولإليك ربي تبت من ذنوبي* * * و قد علاني في الورى مشيبيفارحم عبيدا عرما تكذيب* * * و اغفر ذنوبي سيدي و حوبيقال حميد بن مسلم حملت ميمنتنا على ميسرتهم و حملت ميسرتنا على ميمنتهم و حمل سليمان في القلب فهزمناهم و ظفرنا بهم و حجز الليل بيننا و بينهم ثم قاتلناهم في الغد و بعده حتى مضت ثلاثة أيام ثم أمرهم الحصين بن نمير لأهل الشام برمي النبل فأتت السهام كالشرار المتطائر فقتل سليمان بن صرد ره فلقد بذل في أهل الثأر مهجته و أخلص لله توبته و قد قلت هذين البيتين حيث مات مبرأ من العتب و الشين.قضى سليمان نحبه فغدا* * * إلى جنان و رحمة البارئمضى حميدا في بذل مهجته* * * و أخذه للحسين بالثأرثم أخذ الراية المسيب بن نجبة فقاتل قتالا خرت له الأذقان و أثر في ذلك الجيش الجم الطعان ثلاث مرات و كان من أعظم الشجعان قتالا و أكرهم على الأعداء نكالا و هو يقولقد علمت ميالة الذوائب* * * واضحة الخدين و الترائبإني غداة الروع و التغالب* * * أشجع من ذي لبدة مواثبقصاع أقران مخوف الجانبفلم يزل يكر عليهم فيفرون بين يديه حتى تكاثروا فقتلوه.ثم أخذ الراية عبد الله بن سعد بن نفيل ثم حمل على القوم و طعن و هو يقول ارحم إلهي عبدك التوابا* * * و لا تؤاخذه فقد أناباو فارق الأهلين و الأحبابا* * * يرجو بذاك الفوز و الثوابافلم يزل يقاتل حتى قتل.ثم تقدم أخوه خالد بن سعد بالراية و حرضهم على القتال و رغبهم في حميد المآل فقاتل أشد قتال و نكل بهم أي نكال حتى قتل.و تقدم عبد الله بن وأل فأخذ الراية و قاتل حتى قطعت يده اليسرى ثم استند إلى أصحابه و يده تشخب دما ثم كر عليهم و هو يقولنفسي فداكم اذكروا الميثاقا* * * و صابروهم و احذروا النفاقالا كوفة نبغي و لا عراقا* * * لا بل نريد الموت و العتاقاو قاتل حتى قتل فبينما هم كذلك إذ جاءتهم النجدة مع المثنى بن مخرمة العبدي من البصرة و من المدائن مع كثير بن عمرو الحنفي فاشتدت قلوب أهل العراق بهم و اجتمعوا و كبروا و اشتد القتال فتقدم رفاعة بن شداد نحو صفوف الشام و هو يرتجز و يقوليا رب إني تائب إليكا* * * قد اتكلت سيدي عليكاقدما أرجي الخير من يديكا* * * فاجعل ثوابي أملي إليكا.قال عبد الله بن عوف الأزدي و اشتد القتال حتى بان في أهل العراق الضعف و القلة و تحدثوا في ترك القتال فبعضهم يوافق و بعضهم يقول إن ولينا ركبنا السيف فلا نمشي فرسخا حتى لا يبقى منا واحد و إنما نقاتل حتى يأتي الليل و نمضي ثم تقدم عبد الله بن عوف إلى الراية فرفعها و اقتتلوا أشد قتال فقتل جماعة من أهل العراق و انفلت الجموع و افترق الناس و عاد العسكر حتى وصلوا قرقيسا من جانب البر و جاء سعد بن حذيفة إلى هيت فلقيه الأعراب فأخبروه بما لقي الناس ثم عاد أهل المدائن و أهل البصرة و أهل الكوفة إلى بلادهم و المختار محبوس و كان يقول لأصحابه عدوا لغارتكم هذا أكثر من عشر و دون الشهر ثم يجيئكم نبأ هتر من طعن بتر و ضرب هبر و قتل جم و أمر هم فمن لها أنا لها لا تكذبن أنا لها و كان المختار يأخذ أفعاله بالرجز و الفراسة و الخدع و حسن السياسة.قال المرزباني في كتاب الشعراء كان له غلام اسمه جبرئيل و كان يقول قال لي جبرئيل و قلت لجبرئيل فيتوهم الأعراب و أهل البوادي أنه جبرئيل (عليه السلام) فاستحوذ عليهم بذلك حتى انتظمت له الأمور و قام بإعزاز الدين و نصره و كسر الباطل و قصره.و لما قدم أصحاب سليمان بن صرد من الشام كتب إليهم المختار من الحبس أما بعد فإن الله أعظم لكم الأجر و حط عنكم الوزر بمفارقة القاسطين و جهاد المحلين إنكم لن تنفقوا نفقة و لم تقطعوا عقبة و لم تخطوا خطوة إلا رفع الله لكم بها درجة و كتب لكم حسنة فأبشروا فإني لو خرجت إليكم جردت فيما بين المشرق و المغرب من عدوكم بالسيف بإذن الله فجعلتهم ركاما و قتلتهم فذا و توأما فرحب الله لمن قارب و اهتدى و لا يبعد الله إلا من عصى و أبى و السلام يا أهل الهدى.فلما جاء كتابه وقف عليه جماعة من رؤساء القبائل و أعادوا الجواب قرأنا كتابك و نحن حيث يسرك فإن شئت أن نأتيك حتى نخرجك من الحبس فعلنا فأخبره الرسول فسر باجتماع الشيعة له و قال لا تفعلوا هذا فإني أخرج في أيامي هذه و كان المختار قد بعث إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب أما بعد فإني حبست مظلوما و ظن بي الولاة ظنونا كاذبة فاكتب في رحمك الله إلى هذين الظالمين و هما عبد الله بن يزيد و إبراهيم بن محمد كتابا عسى الله أن يخلصني من أيديهما بلطفك و منك و السلام عليك.فكتب إليهما ابن عمر أما بعد فقد علمتما الذي بيني و بين المختار من الصهر و الذي بيني و بينكما من الود فأقسمت عليكما لما خليتما سبيله حين تنظران في كتابي هذا و السلام عليكما و رحمة الله و بركاته فلما قرأ الكتاب طلبا من المختار كفلاء فأتاه جماعة من أشراف الكوفة فاختارا منهم عشرة ضمنوه و حلفاه أن لا يخرج عليهما فإن هو خرج فعليه ألف بدنة ينحرها لدى رتاج الكعبة و مماليكه كلهم أحرار فخرج و جاء داره.قال حميد بن مسلم سمعت المختار يقول قاتلهم الله ما أجهلهم و أحمقهم حيث يرون أني أفي لهم بأيمانهم هذه أما حلفي بالله فإنه ينبغي إذا حلفت يمينا و رأيت ما هو أولى منها أن أتركها و أعمل الأولى و أكفر عن يميني و خروجي خير من كفي عنهم و أما هدي ألف بدنة فهو أهون علي من بصقة و ما يهولني ثمن ألف بدنة و أما عتق مماليكي فو الله لوددت أنه استتب لي أمري من أخذ الثأر ثم لم أملك مملوكا أبدا.و لما استقر في داره اختلفت الشيعة إليه و اجتمعت عليه و اتفقوا على الرضا به و كان قد بويع له و هو في السجن و لم يزل يكثرون و أمرهم يقوى و يشتد حتى عزل عبد الله بن الزبير الواليين من قبله و هما عبد الله بن زيد و إبراهيم بن محمد بن طلحة المذكورين و بعث عبد الله بن مطيع واليا على الكوفة و الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على البصرة فدخل ابن مطيع إليها و بعث المختار إلى أصحابه فجمعهم في الدور حوله و أراد أن يثب على أهل الكوفة.فجاء رجل من أصحابه من شبام عظيم الشرف و هو عبد الرحمن بن شريح فلقي جماعة منهم سعد بن منقذ و سعر بن أبي سعر الحنفي و الأسود الكندي و قدامة بن مالك الجشمي و قد اجتمعوا فقالوا له إن المختار يريد الخروج بنا للأخذ بالثأر و قد بايعناه و لا نعلم أرسله إلينا محمد بن الحنفية أم لا فانهضوا بنا إليه نخبره بما قدم به علينا فإن رخص لنا ابتعناه و إن نهانا تركناه فخرجوا و جاءوا إلى ابن الحنفية فسألهم عن الناس فخبروه و قالوا لنا إليك حاجة قال سر أم علانية قلنا بل سر قال رويدا إذن ثم مكث قليلا و تنحى و دعانا فبدأ عبد الرحمن بن شريح بحمد الله و الثناء و قال أما بعد فإنكم أهل بيت خصكم الله بالفضيلة و شرفكم بالنبوة و عظم حقكم على هذه الأمة و قد أصبتم بحسين مصيبة عمت المسلمين و قد قدم المختار يزعم أنه جاء من قبلكم و قد دعانا إلى كتاب الله و سنة نبيه و الطلب بدماء أهل البيت فبايعناه على ذلك فإن أمرتنا باتباعه اتبعناه و إن نهيتنا اجتنبناه.فلما سمع كلامه و كلام غيره حمد الله و أثنى عليه و صلى على النبي و قال أما ما ذكرتم مما خصنا الله فإن الفضل للهيُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِو أما مصيبتنا بالحسين فذلك في الذكر الحكيم و أما الطلب بدمائنا.
[بحار الأنوار (ج36-54)] · موسوعة الغيبة والظهور