⟨كائن لا عن حدوث موجود لا عن عدم ظاهره الاختصاص به سبحانه و حدوث ما سواه و كذا قوله (عليه السلام) متوحد إذ لا سكن يستأنس به يدل على حدوث العالم و الإنشاء الخلق و الفرق بينه و بين الابتداء بأن الإنشاء كالخلق أعم⟩
من الابتداء قال تعالى خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ و الابتداء الخلق من غير سبق مادة و مثال و إن لم يفهم هذا الفرق من اللغة لحسن التقابل حينئذ و إن أمكن التأكيد و همامة النفس اهتمامها بالأمور و قصدها إليها و الاضطراب الحركة و الحركة في الهمامة الانتقال من رأي إلى رأي أو من قصد أمر إلى قصد أمر آخر بحصول صورة و في بعض النسخ و لا همة نفس بالكسر.أحال الأشياء لأوقاتها في أكثر النسخ بالحاء المهملة إما من الإحالة بمعنى التحويل أي نقل كلا منها إلى وقتها فاللام بمعنى إلى و التعليل كما قيل بعيد و إما من قولهم حال في متن فرسه أي وثب فعدي بالهمزة أي أقر الأشياء في أوقاتها كمن أحال غيره على فرسه كما قيل و لا يخفى بعده و لعله بمعنى الحوالة المعروفة أظهر و في بعض النسخ الصحيحة بالجيم كأنه سبحانه حرك الأشياء و رددها في العدم حتى حضر وقتها و في الإحتجاج أجل بالجيم المشددة أي أخر و لاءم بين مختلفاتها أي جعلها ملتئمة مؤتلفة كما ألف بين العناصر المتخالفة في الطباع و بين النفوس و الأبدان و غرز غرائزها و ألزمها أسناخها الغريزة الخلق و الطبيعة و السنخ بكسر السين و سكون النون الأصل و في بعض النسخ أشباحها جمع الشبح محركة أي أشخاصها و تغريز الغرائز إيجادها أو تخصيص كل بغريزة خاصة لها أو من تغريز العود في الأرض ليثمر على ما قيل و الضمير المنصوب في ألزمها راجع إلى الأشياء كالسوابق و المعنى جعلها بحيث لا يفارقها أصولها أو جعل الأشخاص لازمة للكليات على النسخة الأخيرة أو راجع إلى الغرائز أي جعل كل ذي غريزة أو كل شخص بحيث لا تفارقه غريزته غالبا أو مطلقا عالما بها قبل ابتدائها العامل في عالما و ما بعدها إما ألزم أو الأفعالالثلاثة الأخيرة على الترتيب أو الأربعة أو العامل في الجميع قوله أنشأ و ابتدأ بقرينة قوله قبل ابتدائها.محيطا بحدودها و انتهائها لعل المراد بالحدود الأطراف و التشخصات أو الحدود الذهنية و بالانتهاء الانتهاء اللازم للمحدود أو انقطاع الوجود عارفا بقرائنها أي ما يقترن بها على وجه التركيب أو المجاورة أو العروض و أحنائها هي جمع حنو أي الجانب و أحناء الوادي معاطفه و يدل على جواز إطلاق العارف عليه سبحانه و منعه بعضهم ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء و شق الأرجاء و سكائك الهواء الفتق بالفتح الشق و الجو ما بين السماء و الأرض و قيل الفضاء الواسع و الأرجاء جمع الرجا مقصورا و هي الناحية و السكاك و السكاكة بضمهما الهواء الملاقي عنان السماء و قال في النهاية السكاك و السكاكة الجو و هو ما بين السماء و الأرض- وَ مِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ (عليه السلام) شَقَّ الْأَرْجَاءِ وَ سَكَائِكَ الْهَوَاءِ.و سكائك جمع سكاكة كذؤابة و ذوائب و الهواء بالمد ما بين السماء و الأرض و يقال كل خال هواء و منه قوله تعالى وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ و كلمة ثم هنا إما للترتيب الذكري و التدرج في الكلام يكون لوجوه منها الانتقال من الإجمال إلى التفصيل و منها الاهتمام بتقديم المؤخر أو المقارن لوجه آخر و يستعمل الفاء أيضا كذلك كما مر مرارا و إما بمعنى الواو المفيدة لمطلق الجمع كما قيل في قوله تعالى ثُمَّ اهْتَدى و على التقديرين لا ينافي كون الماء أول المخلوقات كما سيأتي و المراد بفتق الأجواء إيجاد الأجسام في الأمكنة الخالية بناء على وجود المكان بمعنى البعد و جواز الخلاء أو المرادبالجو البعد الموهوم أو أحد العناصر بناء على تقدم خلق الهواء كما هو الظاهر مما سنورده من تفسير علي بن إبراهيم و هذا الكلام لا تصريح فيه بالصادر الأول و سيأتي الكلام فيه إن شاء الله و قوله و شق الأرجاء كالتفسير لفتق الأجواء أو المراد بالأرجاء الأمكنة و الأفضية و بالأجواء عنصر الهواء و قوله و سكائك الهواء بالنصب كما في كثير من النسخ معطوف على فتق الأجواء أي أنشأ سبحانه سكائك الهواء و الجر كما في بعض النسخ أظهر عطفا على الأجواء أي أنشأ فتق سكائك الهواء قال ابن ميثم فإن قلت إن الأجواء و الأرجاء و سكائك الهواء أمور عدمية فكيف تصح نسبتها إلى الإنشاء عن القدرة قلت إن هذه الأشياء عبارة عن الخلاء و الأحياز و الخلاف في أن الخلاء و الحيز و المكان هل هي أمور وجودية أو عدمية مشهور فإن كانت وجودية كانت نسبتها إلى القدرة ظاهرة و يكون معنى فتقها و شقها شق العدم عنها و إن كانت عدمية كان معنى فتقها و شقها و نسبتها إلى القدرة تقديرها و جعلها أحيازا للماء و مقرا لها لأنه لما كان تميزها عن مطلق الهواء و الخلاء بإيجاد الله فيها الماء صار تعينها بسبب قدرته تعالى فتصح نسبتها إلى إنشائه فكان سبحانه شقها و فتقها بحصول الجسم فيها.وَ رُوِيَ أَنَّ زُرَارَةَ وَ هِشَاماً اخْتَلَفَا فِي الْهَوَاءِ أَ هُوَ مَخْلُوقٌ أَمْ لَا فَرَفَعَ بَعْضُ مَوَالِي جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) إِلَيْهِ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ إِنِّي مُتَحَيِّرٌ وَ أَرَى أَصْحَابَنَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَقَالَ (عليه السلام) لَيْسَ هَذَا بِخِلَافٍ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ وَ الضَّلَالِ.. و اعلم أنه (عليه السلام) إنما أعرض عن بيان ذلك لأن أولياء الله الموكلين بإيضاح سبله و تثبيت خلقه على صراطه المستقيم لا يلتفتون بالذات إلا إلى أحد أمرين أحدهما ما يؤدي إلى الهدى أداء ظاهرا واضحا و الثاني ما يصرف عن الضلال و يرد إلى سواء السبيل.و بيان أن الهواء مخلوق أو غير مخلوق لا يفيد كثير فائدة في أمر المعاد فلا يكون الجهل به مما يضر في ذلك فكان تركه و الاشتغال بما هو أهم منه أولى. فأجرى فيها ماء متلاطما تياره متراكما زخاره اللطم في الأصل الضرب على الوجه بباطن الراحة و تلاطمت الأمواج ضرب بعضها بعضا كأنه يلطمه و التيار موج البحر و لجته و تراكم الشيء اجتمع و زخر البحر مد و كثر ماؤه و ارتفعت أمواجه أي أنه سبحانه خلق الماء المتلاطم الزخار في الأمواج و خلاه و طبعه أولا فجرى في الهواء ثم أمر الريح برده و شده كما يدل عليه قوله (عليه السلام) بعد ذلك حتى تظهر قدرته.حمله على متن الريح العاصفة و الزعزع القاصفة المتن من كل شيء ما ظهر منه و المتن من الأرض ما ارتفع منه و صلب و عصفت الريح اشتد هبوبها و الزعزعة تحريك الشيء ليقلعه و يزيله و ريح زعزع و زعازع أي يزعزع الأشياء و قصفه كضربه قصفا كسره و قصف الرعد و غيره اشتد صوته أي جعل الريح حال قصفها حاملة له فكان متحركا بحركتها أو جعل الريح التي من شأنها العصف و القصف و هذه الريح غير الهواء المذكور أولا كما سيأتي- فِي قَوْلِ الصَّادِقِ (عليه السلام) فِي جَوَابِ الزِّنْدِيقِ الرِّيحُ عَلَى الْهَوَاءِ وَ الْهَوَاءُ تُمْسِكُهُ الْقُدْرَةُ.فيمكن أن تكون مقدمة في الخلق عليه أو متأخرة عنه أو مقارنة له و يمكن أن يكون المراد بها ما تحرك منه كما هو المشهور.فأمرها برده و سلطها على شده و قرنها إلى حده أي أمر الريح أن تحفظ الماء و ترده بالمنع عن الجري الذي سبقت الإشارة إليه بقوله فأجرى فيها ماء فكان قبل الرد قد خلي و طبعه أي عن الجري الذي يقتضيه طبعه و قواها على ضبطه كالشيء المشدود و جعلها مقرونة إلى انتهائه محيطة به و لعل المراد بالأمر هنا الأمر التكويني كما في قوله كُنْ فَيَكُونُ و قوله كُونُوا قِرَدَةً قال الكيدري قوله فأمرها مجاز لأن الحكيم لا يأمر الجماد به الهواء من تحتها فتيق و الماء من فوقها دفيق أي الهواء الذي هو محل الريح مفتوق أي مفتوح منبسط من تحت الريح الحاملة للماء و الماء دفيق من فوقها أي مصبوب مندفق و الغرض أنه سبحانه بقدرته ضبط الماء المصبوب بالريح الحاملة له كما ضبط الريح بالهواء المنبسط و هو موضع العجب.ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها و أدام مربها الظاهر أن هذه الريح غير ما جعلها الله محلا للماء بل هي مخلوقة من الماء كما سيأتي في الرواية و الاعتقام أن تحفر البئر فإذا قربت من الماء احتفرت بئرا صغيرا بقدر ما تجد طعم الماء فإن كان عذبا حفرت بقيتها و يكون اعتقم بمعنى صار عقيما و منه الرِّيحَ الْعَقِيمَ و في العين الاعتقام الدخول في الأمر و قال ابن ميثم تبعا للكيدري الاعتقام الشد و العقد و لم نجده في كتب اللغة و المهب مصدر بمعنى الهبوب أو اسم مكان و على الأول في الإسناد توسع و رب يأتي بمعنى جمع و زاد و لزم و أقام قيل المعنى أن الله تعالى أرسلها بمقدار مخصوص تقتضيه الحكمة و لم يرسلها مطلقا بل جعل مهبها ضيقا كما يحتفر البئر الصغير في الكبير و قيل المعنى جعلها عقيمة لا تلقح و هذا إنما يصح لو كان الاعتقام بهذا المعنى متعديا أو كان مهبها مرفوعا و في النسخ منصوب و قيل و روي أعقم فيصح و يحتمل أن يكون بمعنى شد مهبها و عقده على ما تقتضيه الحكمة و المصلحة و قيل على تقدير كون اعتقم بالتاء المراد أنه أخلى مهبها من العوائق و أنه أرسلها بحيث لا يعرف مهبها من مربها و هو كما ترى و معنى إدامة مربها جعلها ملازمة لتحريك الماء و إدامة هبوبها و في بعض النسخ مدبها بالدال أي جريها.و أعصف مجراها أي جريانها أو أسند إلى المحل مجازا و أبعد منشأها أي أنشأها من مبدإ بعيد و لعله أدخل في شدتها و المنشأ في بعض النسخ بالهمزة على الأصل و في بعضها بالألف للازدواج فأمرها بتصفيق الماء الزخار الصفق الضرب الذي يسمع له صوت و التصفيق أيضا كذلك لكن مع شدة و إثارة موج البحار أي تهييجه فمخضته مخض السقاء المخض تحريك السقاء الذي فيه اللبن ليخرج زبده عصفها بالفضاء أي عصفا شديدا لأن العصف بالفضاء يكون أشد لعدم المانع و الساجي الساكن و المائر المتحرك يقال مار الشيء مورا أي تحرك و جاء و ذهب و به فسر قوله تعالى يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً و قال الضحاك أي تموج موجا و العباب بالضم معظم الماء و كثرته و ارتفاعه و عب عبابه أي ارتفع و عب النبت إذا طال و ركام الماء بالضم ما تراكم منه و اجتمع بعضه فوق بعض.فرفعه في هواء منفتق أي رفع الله ذلك الزبد بأن جعل بعضه دخانا في هواء مفتوق مفتوح بخلق ما خلق سابقا أو برفع ذلك الدخان و في جو منفهق و الانفهاق الاتساع و الانفتاح قال ابن ميثم إن القرآن الكريم نطق بأن السماء تكونت من الدخان و كلامه (عليه السلام) ناطق بأنها تكونت من الزبد و ما ورد في الخبر أن ذلك الزبد هو الذي تكونت منه الأرض فلا بد من بيان وجه الجمع بين هذه الإشارات فنقول وجه الجمع بين كلامه (عليه السلام) و بين لفظ القرآن الكريم ما ذكره- الباقر (عليه السلام) و هو قوله فخرج من ذلك الموج و الزبد دخان ساطع من وسطه من غير نار فخلق منه السماء.و لا شك أن القرآن الكريم لا يريد بلفظ الدخان حقيقته لأن ذلك إنما يكون عن النار و اتفق المفسرون على أن هذا الدخان لم يكن عن نار بل عن تنفس الماء و تبخيره بسبب تموجه فهو إذا استعارة للبخار الصاعد من الماء و إذا كان كذلك فنقول إن كلامه (عليه السلام) مطابق للفظ القرآن الكريم و ذلك أن الزبد بخار يتصاعد على وجه الماء عن حرارة حركته إلا أنه ما دامت الكثافة غالبة عليه و هو باق على وجه الماء لم ينفصل فإنه يخص باسم الزبد و ما لطف و غلب عليه الأجزاء الهوائية فانفصل خص باسم البخار و إذا كان الزبد بخارا و البخار هو المراد بالدخان في القرآن الكريم كان مقصدهو مقصد القرآن واحدا فكان البخار المنفصل هو الذي تكونت عنه الأرض و هو الزبد و أما وجه المشابهة بين الدخان و البخار الذي صحت لأجله استعارة لفظه له فهو أمران أحدهما حسي و هو الصورة المشاهدة من الدخان و البخار حتى لا يكاد يفرق بينهما في الحس البصري و الثاني معنوي و هو كون البخار أجزاء مائية خالطت الهواء بسبب لطافتها عن حرارة الحركة كما أن الدخان كذلك و لكن عن حرارة النار فإن الدخان أيضا أجزاء مائية انفصلت عن جرم المحترق بسبب لطافتها عن حر النار فكان الاختلاف بينهما ليس إلا بالسبب فلذلك صح استعارة اسم أحدهما للآخر و بالله التوفيق.جعل سفلاهن موجا مكفوفا و علياهن سقفا محفوظا و سمكا مرفوعا الكف المنع و السقف معروف و قال الجوهري و غيره السقف اسم للسماء و المعروف هاهنا أنسب و سمك البيت سقفه و سمك الله السماء سمكا رفعها و المسموكات السماوات أي جعل السماء السفلى موجا ممنوعا من السيلان إما بإمساكه بقدرته أو بأن خلق تحته و حوله جسما جامدا يمنعه عن الانتشار و السيلان أو بأن أجمدها بعد ما كانت سيالة و ظاهر هذا الكلام و غيره من الأخبار اختصاص الحكم بالسماء الدنيا قال الكيدري رحمه الله شبه السماء الدنيا بالموج لصفائها و ارتفاعها أو أراد أنها كانت في الأول موجا ثم عقدها و المكفوف الممنوع من السقوط و قال ابن ميثم شبهها بالموج في الارتفاع و اللون الموهوم و قيل شبهت به لارتعاد الكواكب حسا و لعل المراد بحفظ العليا إمساكها عن النقص و الهدم و السقوط و الخرق إلا بأمره سبحانه و قال أكثر الشارحين أي عن الشياطين و هو لا يناسب العليا بل السفلى و يناسب أن يكون المراد بقوله تعالى وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً السماء العليا و يخطر بالبال وجه آخر و هو أن يكون المراد أنه تعالى جعل الجهة السفلى من كل من السماوات مواجة متحركة واقعاأو في النظر و الجهة العليا منها سقفا محفوظا تستقر عليه الملائكة و لا يمكن للشياطين خرقها فيكون ضمير زينها و سائر الضمائر راجعة إلى المجموع فيناسب الآية المتقدمة و هو قوله سبحانه وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ و قد يمر بالخاطر وجه آخر يناسب قواعد الهيئة و هو أنه (عليه السلام) شبه السماء الدنيا بالموج المكفوف لكون الحركة الخاصة للقمر أسرع من جميع الكواكب فكأنه دائما في الموج و مع ذلك لا تسقط و وصف العليا بالمحفوظية لأنه أبطأها بالحركة الخاصة فكأنها محفوظة ثابتة و على الطريقة السابقة يمكن أن يكون المراد بالسفلى من كل منها خوارج مراكزها و تداويرها و بالعليا منها ممثلاتها فالأول مواجة لسرعة حركتها و البواقي محفوظة لبطئها لكن هذان الوجهان بعيدان عن لسان الشرع و مقاصد أهله و الوجه الأول مما أبدعنا لا يخلو من قوة و لطافة.بغير عمد يدعمها و لا دسار ينظمها العمد بالتحريك جمع كثرة لعمود البيت و كذا العمد بضمتين و جمع القلة أعمدة و قال الخليل في العين العمد بضمتين جمع عماد و الأعمدة جمع عمود من حديد أو خشب و يظهر من تذكير الفعل أنه من أسماء الجمع و الدعم بالفتح أن يميل الشيء فتدعمه بدعام كما تدعم عروش الكرم و نحوه ليصير له مساكا و الدعامة الخشبة التي يدعم بها و في أكثر النسخ على بناء المجرد مفتوحة العين و هو أظهر و في بعضها يدعمها بتشديد الدال على بناء الافتعال من الادعام بمعنى الاتكاء و الدسار بالكسر المسمار و جمعه دسر و نظم اللؤلؤ جمعه في السلك و في بعض النسخ ينتظمها و هو أيضا جاء متعديا و الضميران المنصوبان راجعان إلى السماوات أو إلى العليا أو إلى السفلى بقرينة قوله ثم زينها بزينة الكواكب حيث إن الظاهر إرجاع الضمير فيه إلى السفلى ليكون أوفق بقوله تعالى ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ لكنه بعيد لفظا و إرجاع الضمير إلىالجميع أظهر و تزيين البعض تزيين للجميع و هذا مما يقرب الوجه الذي ذكرنا أولا و الزينة إما مصدر أو اسم ما يزان به كالليقة لما يلاق به أي يصلح به المداد قال في الكشاف قوله تعالى بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ يحتملهما فعلى الأول إما من إضافة المصدر إلى الفاعل بأن تكون الكواكب مزينة للأفلاك أو إلى المفعول بأن زين الله الكواكب و حسنها لأنها إنما زينت السماء لحسنها في أنفسها و على الثاني فأضافتها إلى الكواكب بيانية و تنوين الزينة كما قرئت الآية به ليس موجودا في النسخ و زينة الكواكب للسماء إما لضوئها أو للأشكال الحاصلة منها كالثريا و الجوزاء و نحوهما أو باختلاف أوضاعها بحركتها أو لرؤية الناس إياها مضيئة في الليلة الظلماء أو للجميع و قوله تعالى بِمَصابِيحَ في موضع آخر مما يؤيد بعض الوجوه و سيأتي القول في محال الكواكب في محله.و ضياء الثواقب المراد بها إما الكواكب فيكون كالتفسير لزينة الكواكب و الكواكب ثواقب أي مضيئة كأنها تثقب الظلمة بضوئها أو الشهب التي ترمى بها الشياطين فتثقب الهواء بحركتها و الظلمة بنورها فأجرى فيها سراجا مستطيرا و قمرا منيرا و في بعض النسخ و أجرى بالواو و المراد بالسراج الشمس كما قال تعالى سِراجاً وَ قَمَراً مُنِيراً قيل لما كان الليل عبارة عن ظل الأرض و كانت الشمس سببا لزواله كان شبيها بالسراج في ارتفاع الظلمة به و المستطير المنتشر الضوء و استطار تفرق و سطح و أنار الشيء و استنار أي أضاء و قيل ما بالذات من النور ضوء و ما بالعرض نور كما قال سبحانه ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً﴾ وَ الْقَمَرَ نُوراً و قيل لأن النور أضعف من الضوء و الاحتمالاتفي الضمائر السابقة جارية هنا و إن كان الأظهر عند الأكثر رجوعه إلى السفلى.في فلك دائر الظرف إما بدل عن فيها فيفيد حركة السفلى أو العليا أو الجميع على تقادير إرجاع الضمير بالحركة اليومية أو الخاصة أو الأعم و إما في موضع حال عن المنصوبين فيمكن أن يكون المراد بالفلك الدائر الأفلاك الجزئية و الفلك بالتحريك كل شيء دائر و منه فلكة المغزل بالتسكين و يقال فلك ثدي المرأة تفليكا إذا استدار. و سقف سائر و رقيم مائر الرقيم في الأصل الكتاب فعيل بمعنى مفعول قال ابن الأثير منه- حديث علي في صفة السماء سقف سائر و رقيم مائر.يريد به وشي السماء بالنجوم و المائر المتحرك و ليس هذا بالمور الذي قال الله تعالى يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً و هاتان الفقرتان أيضا تدلان على حركة السماء لكن لا تنافي حركة الكواكب بنفسها أيضا كما هو ظاهر الآية.ثم فتق ما بين السماوات العلى فملأهن أطوارا من ملائكته الظاهر أن كلمة ثم للترتيب المعنوي فيكون فتق السماوات بعد خلق الشمس و القمر بل بعد جعلها سبعا و خلق الكواكب فيه و يحتمل أن يكون للترتيب الذكري و الظاهر أن المراد بفتقها فصل بعضها عن بعض فيؤيد بعض محتملات الآية كما أشرنا إليه سابقا و يدل على بطلان ما ذهبت الفلاسفة إليه من تماس الأفلاك و عدم الفصل بينها بهواء و نحوه و الأطوار جمع طور بالفتح و هو في الأصل التارة قال الله تعالى وَ قَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً قيل أي طورا نطفة و طورا علقة و طورا مضغة و قيل أي حالا بعد حال و قيل أي خلقكم مختلفين في الصفات أغنياء و فقراء و زمنى و أصحاء و لعل الأخير هنا أنسب و لو كانتالملائكة مخلوقة قبل السماوات كما هو ظاهر بعض الأخبار الآتية فقبل فتقها كانوا في مكان آخر يعلمه الله.منهم سجود لا يركعون و ركوع لا ينتصبون و صافون لا يتزايلون و مسبحون لا يسأمون السجود و الركوع هنا جمع ساجد و راكع و فاعل الصفة يجمع على فعول إذا جاء مصدره عليه أيضا و الانتصاب القيام و الصف ترتيب الجمع على خط كالصف في الصلاة و الحرب و قال أبو عبيدة كل شيء بين السماء و الأرض لم يضم قطريه فهو صاف و منه قوله تعالى وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ أي نشرت أجنحتها و بالوجهين فسر قوله تعالى وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا و التزايل التباين و التفارق و السأمة الملالة و الضجر.لا يغشاهم نوم العيون و لا سهو العقول و لا فترة الأبدان و لا غفلة النسيان غشيه كعلمه إذا جاءه أي لا يعرضهم و الفترة الانكسار و الضعف و ظاهر الكلام اختصاص الأوصاف بهذا الصنف و يمكن أن يكون التخصيص بها جميعا أو ببعضها لأمر آخر غير الاختصاص و منهم أمناء على وحيه الوحي في الأصل أن يلقي الإنسان إلى صاحبه شيئا بالاستتار و الإخفاء و يكون بمعنى الكتابة و الإشارة و الرسالة و ألسنة إلى رسله أي رسلا إليهم كما قال تعالى ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ و مختلفون بقضائه أي مقتضياته كما يأتون به في ليلة القدر و غيرها و أمره أي أحكامه أو الأمور المقدرة كما قال تعالى ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ فالأحكام داخلة في السابقتين و يمكن تخصيص الأخير بغير الوحيأي يختلفون لتمشية قضائه و أمره و تسبيب أسبابهما.و منهم الحفظة لعباده لعل المراد غير الحافظين عليهم الذين ذكرهم الله في قوله وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ بل من ذكرهم بقوله سبحانه ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ وَ مِنْ ﴿خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ و يمكن أن يكون المراد في كلامه الكاتبين للأعمال بتقدير مضاف و ربما يفهم من بعض الأخبار اتحاد الصنفين و السدنة لأبواب الجنان هم المتولون لأمور الجنان و فتح أبوابها و أغلاقها و أصل السدانة في الكعبة و بيت الأصنام.و منهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم و في بعض النسخ في الأرض أقدامهم و هو أظهر و الجمع على الأول إما باعتبار القطعات و البقاع أو لأن كلا من الأرضين السبع موضع قدم بعضهم و الوصف على الأول بالقياس على سائر الطبقات و على الثاني بالقياس إلى السماء و المارقة أي الخارجة يقال مرق السهم من الرمية إذا خرج من الجانب الآخر من السماء العليا أي السابعة أعناقهم و الخارجة من الأقطار أي من جوانب الأرض أو جوانب السماء أركانهم أي جوارحهم فهذا بيان لضخامتهم و عرضهم و المناسبة لقوائم العرش أكتافهم لعل المراد بالمناسبة القرب و الشباهة في العظم و يمكن أن يراد بها التماس فالمراد بهم حملة العرش ناكسة دونه أي دون العرش أبصارهم و الناكس المطأطئ رأسه و في إسناده إلى الأبصار دلالة على عدم التفاتهم في النكس يمينا و شمالا متلفعون تحته بأجنحتهم اللفاع ثوب يجلل به الجسد كله كساء كان أو غيره و تلفع بالثوب إذا اشتمل به و بين من دونهم أي سائر الملائكة أو البشر أو الجن أو الأعم و في بعض النسخ ناكسة و مضروبة و متلفعين بنصب الجميع.لا يتوهمون ربهم بالتصوير أي بأن يثبتوا لله صورة و الغرض تقديس الملائكة عن إثباتهم لوازم الجسمية و الإمكان له سبحانه و التعريض و التوبيخ للمشبهين من البشر و النظائر جمع نظيرة و هي المثل و الشبه في الأشكال و الأخلاق و الأفعال و النظير المثل في كل شيء و في بعض النسخ بالنواظر أي بالأبصار أي لا يجوزون عليه الرؤية و في بعضها بالمواطن أي الأمكنة.137 النهج، نهج البلاغة فِي وَصِيَّةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لِلْحَسَنِ (عليه السلام) قَالَ وَ لَكِنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ وَ لَا يُضَادُّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ وَ لَا يَزُولُ أَبَداً وَ لَمْ يَزَلْ أَوَّلًا قَبْلَ الْأَشْيَاءِ بِلَا أَوَّلِيَّةٍ وَ آخِراً بَعْدَ الْأَشْيَاءِ بِلَا نِهَايَةٍ. تَأْوِيلُ الْآيَاتِ الظَّاهِرَةِ، نَقْلًا مِنْ كِتَابِ الْوَاحِدَةِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَجَلِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَحَدٌ وَاحِدٌ تَفَرَّدَ فِي وَحْدَانِيَّتِهِ ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ فَصَارَتْ نُوراً ثُمَّ خَلَقَ بِذَلِكَ النُّورِ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ خَلَقَنِي وَ ذُرِّيَّتِي ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ فَصَارَتْ رُوحاً فَأَسْكَنَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ النُّورِ وَ أَسْكَنَهُ فِي أَبْدَانِنَا فَنَحْنُ رُوحُ اللَّهِ وَ كَلِمَاتُهُ وَ بِنَا احْتَجَبَ عَنْ خَلْقِهِ فَمَا زِلْنَا فِي ظُلَّةٍ خَضْرَاءَ حَيْثُ لَا شَمْسٌ وَ لَا قَمَرٌ وَ لَا لَيْلٌ وَ لَا نَهَارٌ وَ لَا عَيْنٌ تَطْرِفُ نَعْبُدُهُ وَ نُقَدِّسُهُ وَ نُمَجِّدُهُ وَ نُسَبِّحُهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ الْخَبَرَ.
[بحار الأنوار (ج36-54)] · موسوعة الغيبة والظهور