⟨فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) قَالَ فَلَمْ أَلْبَثْ إِذْ نَادَى الْمُنَادِي بِالصَّلَاةِ فَخَرَجَ وَ تَبِعْتُهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَعَمَّهُ ابْنُ مُلْجَمٍ لَعَنَهُ اللَّهُ بِالسَّيْفِ⟩
نبه، تنبيه الخاطر لَمَّا احْتُضِرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) جَمَعَ بَنِيهِ حَسَناً وَ حُسَيْناً وَ مُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَ الْأَصَاغِرَ مِنْ وُلْدِهِ فَوَصَّاهُمْ وَ كَانَ فِي آخِرِ وَصِيَّتِهِ يَا بَنِيَّ عَاشِرُوا النَّاسَ عِشْرَةً إِنْ غِبْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ وَ إِنْ فُقِدْتُمْ بَكَوْا عَلَيْكُمْ يَا بَنِيَّ إِنَّ الْقُلُوبَ جُنْدٌ مُجَنَّدَةٌ تَتَلَاحَظُ بِالْمَوَدَّةِ وَ تَتَنَاجَى بِهَا وَ كَذَلِكَ هِيَ فِي الْبُغْضِ فَإِذَا أَحْسَسْتُمْ مِنْأَحَدٍ فِي قَلْبِكُمْ شَيْئاً فَاحْذَرُوهُ.56- د، العدد القوية قَالَ الْوَاقِدِيُ آخِرُ كَلِمَةٍ قَالَهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَا بُنَيَّ إِذَا مِتُّ فَأَلْحِقُوا بِي ابْنَ مُلْجَمٍ لَعَنَهُ اللَّهُ أُخَاصِمْهُ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ وَ مَنْ ﴿يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ وَ لَمَّا تُوُفِّيَ (عليه السلام) غَسَّلَهُ ابْنَاهُ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وَ قِيلَ مُحَمَّدُ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يُغَسَّلْ لِأَنَّهُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ قِيلَ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَ لَا عِمَامَةٌ وَ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ بَقَايَا حَنُوطِ رَسُولِ اللَّهِ ص فَحَنَّطُوهُ بِهَا وَ صَلَّى عَلَيْهِ وَلَدُهُ الْحَسَنُ (عليه السلام) وَ كَبَّرَ عَلَيْهِ خَمْساً وَ قِيلَ سِتّاً وَ قِيلَ سَبْعاً.57- نهج، نهج البلاغة مِنْ كَلَامٍ لَهُ (عليه السلام) قُبَيْلَ مَوْتِهِ عَلَى سَبِيلِ الْوَصِيَّةِ وَصِيَّتِي لَكُمْ أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً وَ مُحَمَّدٌ ص فَلَا تُضَيِّعُوا سُنَّتَهُ أَقِيمُوا هَذَيْنِ الْعَمُودَيْنِ وَ خَلَاكُمْ ذَمٌّ أَنَا بِالْأَمْسِ صَاحِبُكُمْ وَ الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ وَ غَداً مُفَارِقُكُمْ إِنْ أَبْقَ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي وَ إِنْ أَفْنَ فَالْفَنَاءُ مِيعَادِي وَ إِنْ أَعْفُ فَالْعَفْوُ لِي قُرْبَةٌ وَ هُوَ لَكُمْ حَسَنَةٌ فَاعْفُوا أَ لا ﴿تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾وَ اللَّهِ مَا فَجَأَنِي مِنَ الْمَوْتِ وَارِدٌ كَرِهْتُهُ وَ لَا طَالِعٌ أَنْكَرْتُهُ وَ مَا كُنْتُ إِلَّا كَقَارِبٍ وَرَدَ وَ طَالِبٍ وَجَدَ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ.و قد مضى بعض هذا الكلام فيما تقدم من الخطب إلا أن فيه هاهنا زيادة أوجبت تكراره.وَ مِنْ وَصِيَّةٍ لَهُ (عليه السلام) بِمَا يُعْمَلُ فِي أَمْوَالِهِ كَتَبَهَا بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ صِفِّينَ هَذَا مَا أَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ- فِي مَالِهِ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ لِيُولِجَنِي بِهِ الْجَنَّةَ وَ يُعْطِيَنِي الْأَمَنَةَ مِنْهَا وَ إِنَّهُ يَقُومُ بِذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَأْكُلُ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ وَ يُنْفِقُ مِنْهُ فِي الْمَعْرُوفِ فَإِنْ حَدَثَ بِحَسَنٍ حَدَثٌ وَ حُسَيْنٌ حَيٌقَامَ بِالْأَمْرِ بَعْدَهُ وَ أَصَدَرَ مَصْدَرَهُ وَ إِنَّ لِابْنَيْ فَاطِمَةَ مِنْ صَدَقَةِ عَلِيٍّ مِثْلَ الَّذِي لِبَنِي عَلِيٍّ وَ إِنِّي إِنَّمَا جَعَلْتُ الْقِيَامَ بِذَلِكَ إِلَى ابْنَيْ فَاطِمَةَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَ قُرْبَةً إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص وَ تَكْرِيماً لِحُرْمَتِهِ وَ تَشْرِيفاً لِوُصْلَتِهِ وَ يَشْتَرِطُ عَلَى الَّذِي يَجْعَلُهُ إِلَيْهِ أَنْ يَتْرُكَ الْمَالَ عَلَى أُصُولِهِ وَ يُنْفِقَ مِنْ ثَمَرِهِ حَيْثُ أُمِرَ بِهِ وَ هُدِيَ لَهُ وَ أَنْ لَا يَبِيعَ مِنْ أَوْلَادِ نَخِيلِ هَذِهِ الْقُرَى وَدِيَّةً حَتَّى تُشْكِلَ أَرْضُهَا غِرَاساً وَ مَنْ كَانَ مِنْ إِمَائِيَ اللَّاتِي أَطُوفُ عَلَيْهِنَّ لَهَا وَلَدٌ أَوْ هِيَ حَامِلٌ فَتُمْسِكُ عَلَى وَلَدِهَا وَ هِيَ حَظُّهُ فَإِنْ مَاتَ وَلَدُهَا وَ هِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ عَتِيقَةٌ قَدْ أَفْرَجَ عَنْهَا الرِّقُّ وَ حَرَّرَهَا الْعِتْقُ.قوله (عليه السلام) في هذه الوصية و أن لا يبيع من نخلها ودية الودية الفسيلة و جمعها ودي.و قوله (عليه السلام) حتى تشكل أرضها غراسا هو من أفصح الكلام و المراد به أن الأرض يكثر فيها غرائس النخل حتى يراها الناظر على غير تلك الصفة التي عرفها بها فيشكل عليه أمرها و يحسبها غيرها.بيان قال الجزري في حديث علي (عليه السلام) خلاكم ذم ما لم تشردوا يقال افعل ذلك و خلاك ذم أي أعذرت و سقط عنك الذم.قال ابن أبي الحديد لقائل أن يقول إذا أوصاهم بالتوحيد و اتباع سنة النبي ص فقد دخل فيهما جميع ما يجب أن يفعل ففي أي شيء يقول و خلاكم ذم و الجواب أن كثيرا من الصحابة و التابعين كانوا قد كلفوا أنفسهم أمورا شاقة جدا فمنهم من كان يقوم الليل كله و منهم من كان يصوم الدهر كله و منهم تارك النكاح و منهم تارك المطاعم و الملابس و كانوا يتفاخرون بذلك و يتنافسون فأراد (عليه السلام) أن المهم الأعظم القيام بالتوحيد و السنن المؤكدة المعلومة من دين محمد ص و لا عليكم بالإخلال بما عدا ذلك.و قال الخليل القارب طالب الماء ليلا قوله (عليه السلام) بالمعروف أي من غير إسراف و تقتير قوله في المعروف أي في وجوه البر و الضمير في قوله مصدره إما راجع إلى الأمر أو إلى الحسن (عليه السلام) قوله (عليه السلام) أن يترك المال على أصوله كناية عن عدم إخراجه ببيع أو هبة أو غيرهما من وجوه الإملاك و الودية النخلة الصغيرة.58- نهج، نهج البلاغة مِنْ وَصِيَّتِهِ لِلْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) لَمَّا ضَرَبَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ أَخْزَاهُ أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللَّهِ وَ أَنْ لَا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَ إِنْ بَغَتْكُمَا وَ لَا تَأْسَفَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا وَ قُولَا بِالْحَقِّ وَ اعْمَلَا لِلْآخِرَةِ وَ كُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً وَ لِلْمَظْلُومِ عَوْناً أُوصِيكُمَا وَ جَمِيعَ وُلْدِي وَ أَهْلِي وَ مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اللَّهِ وَ نَظْمِ أَمْرِكُمْ وَ صَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا ص يَقُولُ صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلَاةِ وَ الصِّيَامِ اللَّهَ اللَّهَ فِي الْأَيْتَامِ فَلَا تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ وَ لَا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ وَ اللَّهَ اللَّهَ فِي جِيرَانِكُمْ فَإِنَّهُ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ وَ اللَّهَ اللَّهَ فِي الْقُرْآنِ لَا يَسْبِقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ وَ اللَّهَ اللَّهَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ وَ اللَّهَ اللَّهَ فِي بَيْتِ رَبِّكُمْ لَا تُخْلُوهُ مَا بَقِيتُمْ فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا وَ اللَّهَ اللَّهَ فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ أَلْسِنَتِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ عَلَيْكُمْ بِالتَّوَاصُلِ وَ التَّبَاذُلِ وَ إِيَّاكُمْ وَ التَّدَابُرَ وَ التَّقَاطُعَ لَا تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَيُوَلَّى عَلَيْكُمْ أَشْرَارُكُمْ ثُمَّ تَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ ثُمَّ قَالَ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ خَوْضاً تَقُولُونَ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا لَا يُقْتَلَنَ بِي إِلَّا قَاتِلِي انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هَذِهِفَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ وَ لَا يُمَثَّلْ بِالرَّجُلِ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ إِيَّاكُمْ وَ الْمُثْلَةَ وَ لَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ.بيان بغاه طلبه و زواه عنه قبضه و صرفه قوله (عليه السلام) الله الله أي اتقوا الله و اذكروا الله قوله (عليه السلام) فلا تغبوا أفواههم أي لا تجيعوهم بأن تطعموهم يوما و تتركوهم يوما و روي فلا تغيروا أفواههم و المعنى واحد فإن الجائع يتغير فمه قوله (عليه السلام) فإنه وصية نبيكم الحمل للمبالغة أي أوصاكم فيهم و ألفاه وجده.و قال الجزري يقال مثلت بالحيوان إذا قطعت أطرافه و شوهت به و مثلت بالقتيل إذا جدعت أنفه و أذنه و مذاكيره أو شيئا من أطرافه فأما مثل بالتشديد للمبالغة.تذنيب سئل الشيخ المفيد (قدس الله روحه) في المسائل العكبرية الإمام عندنا مجمع على أنه يعلم ما يكون فما بال أمير المؤمنين (عليه السلام) خرج إلى المسجد و هو يعلم أنه مقتول و قد عرف قاتله و الوقت و الزمان و ما بال الحسين بن علي (عليه السلام) سار إلى الكوفة و قد علم أنهم يخذلونه و لا ينصرونه و أنه مقتول في سفرته تيك و لم لما حصروا و عرف أن الماء قد منع منه و أنه إن حفر أذرعا قريبة نبع الماء و لم يحفر و أعان على نفسه حتى تلف عطشا و الحسن (عليه السلام) وادع معاوية و هادنه و هو يعلم أنه ينكث و لا يفي شيعة أبيه (عليه السلام) فأجاب الشيخ (رحمه الله) عنها بقوله.و أما الجواب عن قوله إن الإمام يعلم ما يكون فإجماعنا أن الأمر على خلاف ما قال و ما أجمعت الشيعة على هذا القول و إنما إجماعهم ثابت على أن الإمام يعلم الحكم في كل ما يكون دون أن يكون عالما بأعيان ما يحدث و يكون على التفصيل و التمييز و هذا يسقط الأصل الذي بني عليه الأسولة بأجمعها و لسنا نمنعأن يعلم الإمام أعيان ما يحدث و يكون بإعلام الله تعالى له ذلك فأما القول بأنه يعلم كل ما يكون فلسنا نطلقه و لا نصوب قائله لدعواه فيه من غير حجة و لا بيان و القول بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يعلم قاتله و الوقت الذي كان يقتل فيه فقد جاء الخبر متظاهرا أنه كان يعلم في الجملة أنه مقتول و جاء أيضا بأنه يعلم قاتله على التفصيل فأما علمه بوقت قتله فلم يأت عليه أثر على التحصيل و لو جاء به أثر لم يلزم فيه ما يظنه المعترضون إذ كان لا يمتنع أن يتعبده الله تعالى بالصبر على الشهادة و الاستسلام للقتل ليبلغه بذلك علو الدرجات ما لا يبلغه إلا به و لعلمه بأنه يطيعه في ذلك طاعة لو كلفها سواه لم يردها و لا يكون بذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) ملقيا بيده إلى التهلكة و لا معينا على نفسه معونة تستقبح في العقول.و أما علم الحسين (عليه السلام) بأن أهل الكوفة خاذلوه فلسنا نقطع على ذلك إذ لا حجة عليه من عقل و لا سمع و لو كان عالما بذلك لكان الجواب عنه ما قدمناه في الجواب عن علم أمير المؤمنين (عليه السلام) بوقت قتله و معرفة قاتله كما ذكرناه و أما دعواه علينا أنا نقول إن الحسين (عليه السلام) كان عالما بموضع الماء قادرا عليه فلسنا نقول ذلك و لا جاء به خبر على أن طلب الماء و الاجتهاد فيه يقضي بخلاف ذلك و لو ثبت أنه كان عالما بموضع الماء لم يمتنع في العقول أن يكون متعبدا بترك السعي في طلب الماء من حيث كان ممنوعا منه حسب ما ذكرناه في أمير المؤمنين (عليه السلام) غير أن ظاهر الحال بخلاف ذلك على ما قدمناه.و الكلام في علم الحسن (عليه السلام) بعاقبة موادعته معاوية بخلاف ما تقدم و قد جاء الخبر بعلمه بذلك و كان شاهد الحال له يقضي به غير أنه دفع به عن تعجيل قتله و تسليم أصحابه له إلى معاوية و كان في ذلك لطف في بقائه إلى حال مضيه و لطف لبقاء كثير من شيعته و أهله و ولده و دفع فساد في الدين هو أعظم من الفساد الذي حصل عند هدنته و كان (عليه السلام) أعلم بما صنع لما ذكرناه و بينا الوجوه فيه انتهى كلامه رفع الله مقامه.أقول و سأل السيد مهنا بن سنان العلامة الحلي نور الله ضريحه عن مثل ذلك في أمير المؤمنين (عليه السلام) فأجاب بأنه يحتمل أن يكون (عليه السلام) أخبر بوقوع القتل في تلك الليلة و لم يعلم في أي وقت من تلك الليلة أو أي مكان يقتل و إن تكليفه (عليه السلام) مغاير لتكليفنا فجاز أن يكون بذل مهجته الشريفة في ذات الله تعالى كما يجب على المجاهد الثبات و إن كان ثباته يفضي إلى القتل.تذييلرَأَيْنَا فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ رِوَايَةً فِي كَيْفِيَّةِ شَهَادَتِهِ (عليه السلام) أَوْرَدْنَا مِنْهُ شَيْئاً مِمَّا يُنَاسِبُ كِتَابَنَا هَذَا عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَارِ قَالَ رَوَى أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَكْرِيُّ عَنْ لُوطِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَشْيَاخِهِ وَ أَسْلَافِهِ قَالُوا لَمَّا تُوُفِّيَ عُثْمَانُ وَ بَايَعَ النَّاسُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) كَانَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ حَبِيبُ بْنُ الْمُنْتَجَبِ وَالِياً عَلَى بَعْضِ أَطْرَافِ الْيَمَنِ مِنْ قِبَلِ عُثْمَانَ فَأَقَرَّهُ عَلِيٌّ (عليه السلام) عَلَى عَمَلِهِ وَ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَاباً يَقُولُ فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِمِنْ عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى حَبِيبِ بْنِ الْمُنْتَجَبِ سَلَامٌ عَلَيْكَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَحْمَدُ ﴿اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وَ أُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَ رَسُولِهِ وَ بَعْدُ فَإِنِّي وَلَّيْتُكَ مَا كُنْتَ عَلَيْهِ لِمَنْ كَانَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْسِكْ عَلَى عَمَلِكَ وَ إِنِّي أُوصِيكَ بِالْعَدْلِ فِي رَعِيَّتِكَ وَ الْإِحْسَانِ إِلَى أَهْلِ مَمْلَكَتِكَ وَ اعْلَمْ أَنَّ مَنْ وُلِّيَ عَلَى رِقَابِ عَشَرَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَ لَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمْ حَشَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ يَدَاهُ مَغْلُولَتَانِ إِلَى عُنُقِهِ لَا يَفُكُّهَا إِلَّا عَدْلُهُ فِي دَارِ الدُّنْيَا فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْكَ كِتَابِي هَذَا فَاقْرَأْهُ عَلَى مَنْ قِبَلَكَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ وَ خُذْ لِيَ الْبَيْعَةَ عَلَى مَنْ حَضَرَكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِذَا بَايَعَ الْقَوْمُ مِثْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَامْكُثْ فِي عَمَلِكَ وَ أَنْفِذْ إِلَيَّ مِنْهُمْ عَشَرَةً يَكُونُونَ مِنْ عُقَلَائِهِمْ وَ فُصَحَائِهِمْ وَ ثِقَاتِهِمْ مِمَّنْ يَكُونُ أَشَدَّهُمْ عَوْناً مِنْ أَهْلِ الْفَهْمِ وَ الشَّجَاعَةِعَارِفِينَ بِاللَّهِ عَالِمِينَ بِأَدْيَانِهِمْ وَ مَا لَهُمْ وَ مَا عَلَيْهِمْ وَ أَجْوَدَهُمْ رَأْياً وَ عَلَيْكَ وَ (عليهم السلام) وَ طَوَى الْكِتَابَ وَ خَتَمَهُ وَ أَرْسَلَهُ مَعَ أَعْرَابِيٍّ فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ قَبَّلَهُ وَ وَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَ رَأْسِهِ فَلَمَّا قَرَأَهُ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ اعْلَمُوا أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قَضَى نَحْبَهُ وَ قَدْ بَايَعَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِهِ الْعَبْدَ الصَّالِحَ وَ الْإِمَامَ النَّاصِحَ أَخَا رَسُولِ اللَّهِ ص وَ خَلِيفَتَهُ وَ هُوَ أَحَقُّ بِالْخِلَافَةِ وَ هُوَ أَخُو رَسُولِ اللَّهِ ص وَ ابْنُ عَمِّهِ وَ كَاشِفُ الْكَرْبِ عَنْ وَجْهِهِ وَ زَوْجُ ابْنَتِهِ وَ وَصِيُّهُ وَ أَبُو سِبْطَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فَمَا تَقُولُونَ فِي بَيْعَتِهِ وَ الدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ قَالَ فَضَجَّ النَّاسُ بِالْبُكَاءِ وَ النَّحِيبِ وَ قَالُوا سَمْعاً وَ طَاعَةً وَ حُبّاً وَ كَرَامَةً لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِأَخِي رَسُولِهِ فَأَخَذَ لَهُ الْبَيْعَةَ عَلَيْهِمْ عَامَّةً فَلَمَّا بَايَعُوا قَالَ لَهُمْ أُرِيدُ مِنْكُمْ عَشَرَةً مِنْ رُؤَسَائِكُمْ وَ شُجْعَانِكُمْ أُنْفِذُهُمْ إِلَيْهِ كَمَا أَمَرَنِي بِهِ فَقَالُوا سَمْعاً وَ طَاعَةً فَاخْتَارَ مِنْهُمْ مِائَةً ثُمَّ مِنَ الْمِائَةِ سَبْعِينَ ثُمَّ مِنَ السَّبْعِينَ ثَلَاثِينَ ثُمَّ مِنَ الثَّلَاثِينَ عَشَرَةً فِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ الْمُرَادِيُّ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ خَرَجُوا مِنْ سَاعَتِهِمْ فَلَمَّا أَتَوْهُ (عليه السلام) سَلَّمُوا عَلَيْهِ وَ هَنَّئُوهُ بِالْخِلَافَةِ فَرَدَّ (عليهم السلام) وَ رَحَّبَ بِهِمْ فَتَقَدَّمَ ابْنُ مُلْجَمٍ وَ قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَ الْبَدْرُ التَّمَامُ وَ اللَّيْثُ الْهُمَامُ وَ الْبَطَلُ الضِّرْغَامُ وَ الْفَارِسُ الْقَمْقَامُ وَ مَنْ فَضَّلَهُ اللَّهُ عَلَى سَائِرِ الْأَنَامِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ وَ عَلَى آلِكَ الْكِرَامِ أَشْهَدُ أَنَّكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صِدْقاً وَ حَقّاً وَ أَنَّكَ وَصِيُّ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ الْخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِهِ وَ وَارِثُ عِلْمِهِ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ جَحَدَ حَقَّكَ وَ مَقَامَكَ أَصْبَحْتَ أَمِيرَهَا وَ عَمِيدَهَا لَقَدِ اشْتَهَرَ بَيْنَ الْبَرِيَّةِ عَدْلُكَ وَ هَطَلَتْ شَآبِيبُ فَضْلِكَ وَ سَحَائِبُ رَحْمَتِكَ وَ رَأْفَتِكَ عَلَيْهِمْ وَ لَقَدْ أَنْهَضَنَا الْأَمِيرُ إِلَيْكَ فَسُرِرْنَا بِالْقُدُومِ عَلَيْكَ فَبُورِكْتَ بِهَذِهِ الطَّلْعَةِ الْمَرْضِيَّةِ وَ هُنِّئْتَ بِالْخِلَافَةِ فِي الرَّعِيَّةِ.فَفَتَحَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ
[بحار الأنوار (ج36-54)] · موسوعة الغيبة والظهور