⟨فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) قَالَ فَلَمْ أَلْبَثْ إِذْ نَادَى الْمُنَادِي بِالصَّلَاةِ فَخَرَجَ وَ تَبِعْتُهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَعَمَّهُ ابْنُ مُلْجَمٍ لَعَنَهُ اللَّهُ بِالسَّيْفِ⟩
(عليه السلام) عَيْنَيْهِ فِي وَجْهِهِ وَ نَظَرَ إِلَى الْوَفْدِ فَقَرَّبَهُمْ وَ أَدْنَاهُمْفَلَمَّا جَلَسُوا دَفَعُوا إِلَيْهِ الْكِتَابَ فَفَضَّهُ وَ قَرَأَهُ وَ سُرَّ بِمَا فِيهِ فَأَمَرَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحُلَّةٍ يَمَانِيَّةٍ وَ رِدَاءٍ عَدَنَيَّةٍ وَ فَرَسٍ عَرَبِيَّةٍ وَ أَمَرَ أَنْ يُفْتَقَدُوا وَ يُكْرِمُوا فَلَمَّا نَهَضُوا قَامَ ابْنُ مُلْجَمٍ وَ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ أَنْشَدَأَنْتَ الْمُهَيْمِنُ وَ الْمُهَذَّبُ ذُو النَّدَى* * * وَ ابْنُ الضَّرَاغِمِ فِي الطِّرَازِ الْأَوَّلِاللَّهُ خَصَّكَ يَا وَصِيَّ مُحَمَّدٍ* * * وَ حَبَاكَ فَضْلًا فِي الْكِتَابِ الْمُنْزَلِوَ حَبَاكَ بِالزَّهْرَاءِ بِنْتِ مُحَمَّدٍ* * * حُورِيَّةٍ بِنْتِ النَّبِيِّ الْمُرْسَلِ.ثُمَّ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ارْمِ بِنَا حَيْثُ شِئْتَ لِتَرَى مِنَّا مَا يَسُرُّكَ فَوَ اللَّهِ مَا فِينَا إِلَّا كُلُّ بَطَلٍ أَهْيَسَ وَ حَازِمٍ أَكْيَسَ وَ شُجَاعٍ أَشْوَسَ وَرِثْنَا ذَلِكَ عَنِ الْآبَاءِ وَ الْأَجْدَادِ وَ كَذَلِكَ نُورِثُهُ صَالِحَ الْأَوْلَادِ قَالَ فَاسْتَحْسَنَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) كَلَامَهُ مِنْ بَيْنِ الْوَفْدِ فَقَالَ لَهُ مَا اسْمُكَ يَا غُلَامُ قَالَ اسْمِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ ابْنُ مَنْ قَالَ ابْنُ مُلْجَمٍ الْمُرَادِيِّ قَالَ لَهُ أَ مُرَادِيٌّ أَنْتَ قَالَ نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ (عليه السلام) إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ قَالَ وَ جَعَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يُكَرِّرُ النَّظَرَ إِلَيْهِ وَ يَضْرِبُ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى وَ يَسْتَرْجِعُ ثُمَّ قَالَ وَيْحَكَ أَ مُرَادِيٌّ أَنْتَ قَالَ نَعَمْ فَعِنْدَهَا تَمَثَّلَ (عليه السلام) يَقُولُأَنَا أَنْصَحُكَ مِنِّي بِالْوَدَادِ* * * مُكَاشَفَةً وَ أَنْتَ مِنَ الْأَعَادِيأُرِيدُ حَيَاتَهُ وَ يُرِيدُ قَتْلِي* * * عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادٍ.قَالَ الْأَصْبَغُ بْنُ نُبَاتَةَ لَمَّا دَخَلَ الْوَفْدُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بَايَعُوهُ وَ بَايَعَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ فَلَمَّا أَدْبَرَ عَنْهُ دَعَاهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) ثَانِياً فَتَوَثَّقَ مِنْهُ بِالْعُهُودِ وَ الْمَوَاثِيقِ أَنْ لَا يَغْدِرَ وَ لَا يَنْكُثَ فَفَعَلَ ثُمَّ سَارَ عَنْهُ ثُمَّ اسْتَدْعَاهُ ثَالِثاً ثُمَّ تَوَثَّقَ مِنْهُ فَقَالَ ابْنُ مُلْجَمٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا رَأَيْتُكَ فَعَلْتَ هَذَا بِأَحَدٍ غَيْرِي فَقَالَ امْضِ لِشَأْنِكَ فَمَا أَرَاكَ تَفِي بِمَا بَايَعْتَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ كَأَنَّكَ تَكْرَهُ وُفُودِي عَلَيْكَ لَمَّا سَمِعْتَهُ مِنِ اسْمِي وَ إِنِّي وَ اللَّهِ لَأُحِبُّ الْإِقَامَةَ مَعَكَ وَ الْجِهَادَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَإِنَّ قَلْبِي مُحِبٌّ لَكَ وَ إِنِّي وَ اللَّهِ أُوَالِي وَلِيَّكَ وَ أُعَادِي عَدُوَّكَ قَالَ فَتَبَسَّمَ (عليه السلام) وَ قَالَ لَهُ بِاللَّهِ يَا أَخَا مُرَادٍ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ تَصْدُقُنِي فِيهِ قَالَ إِي وَ عَيْشِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَهُ هَلْ كَانَ لَكَ دَايَةٌ يَهُودِيَّةٌ فَكَانَتْ إِذَا بَكَيْتَ تَضْرِبُكَ وَ تَلْطِمُ جَبِينَكَ وَ تَقُولُ لَكَ اسْكُتْ فَإِنَّكَ أَشْقَى مِنْ عَاقِرِ نَاقَةِ صَالِحٍ وَ إِنَّكَ سَتَجْنِي فِي كِبَرِكَ جِنَايَةً عَظِيمَةً يَغْضَبُ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكَ وَ يَكُونُ مَصِيرُكَ إِلَى النَّارِ فَقَالَ قَدْ كَانَ ذَلِكَ وَ لَكِنَّكَ وَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ اللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَ لَا كُذِبْتُ وَ لَقَدْ نَطَقْتُ حَقّاً وَ قُلْتُ صِدْقاً وَ أَنْتَ وَ اللَّهِ قَاتِلِي لَا مَحَالَةَ وَ سَتَخْضِبُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ وَ أَشَارَ إِلَى لِحْيَتِهِ وَ رَأْسِهِ وَ لَقَدْ قَرُبَ وَقْتُكَ وَ حَانَ زَمَانُكَ فَقَالَ ابْنُ مُلْجَمٍ وَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَ لَكِنْ إِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ مِنِّي فَسَيِّرْنِي إِلَى مَكَانٍ تَكُونُ دِيَارُكَ مِنْ دِيَارِي بَعِيدَةً فَقَالَ (عليه السلام) كُنْ مَعَ أَصْحَابِكَ حَتَّى آذَنَ لَكُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى بِلَادِكُمْ ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالنُّزُولِ فِي بَنِي تَمِيمٍ فَأَقَامُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْيَمَنِ فَلَمَّا عَزَمُوا عَلَى الْخُرُوجِ مَرِضَ ابْنُ مُلْجَمٍ مَرَضاً شَدِيداً فَذَهَبُوا وَ تَرَكُوهُ فَلَمَّا بَرَأَ أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ كَانَ لَا يُفَارِقُهُ لَيْلًا وَ لَا نَهَاراً وَ يُسَارِعُ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ وَ كَانَ (عليه السلام) يُكْرِمُهُ وَ يَدْعُوهُ إِلَى مَنْزِلِهِ وَ يُقَرِّبُهُ وَ كَانَ مَعَ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ أَنْتَ قَاتِلِي وَ يُكَرِّرُ عَلَيْهِ الشِّعْرَ.أُرِيدُ حَيَاتَهُ وَ يُرِيدُ قَتْلِي* * * عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادٍ.فَيَقُولُ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ مِنِّي فَاقْتُلْنِي فَيَقُولُ إِنَّهُ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ أَنْ أَقْتُلَ رَجُلًا قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ بِي شَيْئاً وَ فِي خَبَرٍ آخَرَ قَالَ إِذَا قَتَلْتُكَ فَمَنْ يَقْتُلُنِي قَالَ فَسَمِعَتِ الشِّيعَةُ ذَلِكَ فَوَثَبَ مَالِكٌ الْأَشْتَرُ وَ الْحَارِثُ بْنُ الْأَعْوَرِ وَ غَيْرُهُمَا مِنَ الشِّيعَةِ فَجَرَّدُوا سُيُوفَهُمْ وَ قَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ هَذَا الْكَلْبُ الَّذِي تُخَاطِبُهُ بِمِثْلِ هَذَا الْخِطَابِ مِرَاراً وَ أَنْتَ إِمَامُنَا وَ وَلِيُّنَا وَ ابْنُ عَمِّ نَبِيِّنَا فَمُرْنَا بِقَتْلِهِ فَقَالَ لَهُمُ اغْمِدُوا سُيُوفَكُمْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ وَ لَا تَشُقُّوا عَصَا هَذِهِ الْأُمَّةِ أَ تَرَوْنَ أَنِّي أَقْتُلُ رَجُلًا لَمْ يَصْنَعْ بِي شَيْئاً. فَلَمَّا انْصَرَفَ (عليه السلام) إِلَى مَنْزِلِهِ اجْتَمَعَتِ الشِّيعَةُ وَ أَخْبَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بِمَا سَمِعُوا وَ قَالُوا إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يُغَلِّسُ إِلَى الْجَامِعِ وَ قَدْ سَمِعْتُمْ خِطَابَهُ لِهَذَا الْمُرَادِيِّ وَ هُوَ مَا يَقُولُ إِلَّا حَقّاً وَ قَدْ عَلِمْتُمْ عَدْلَهُ وَ إِشْفَاقَهُ عَلَيْنَا وَ نَخَافُ أَنْ يَغْتَالَهُ هَذَا الْمُرَادِيُّ فَتَعَالَوْا نَفْتَرِعْ عَلَى أَنْ تَحُوطَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنَّا قَبِيلَةٌ فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى وَ الثَّانِيَةِ وَ الثَّالِثَةِ عَلَى أَهْلِ الْكِنَاسِ فَتَقَلَّدُوا سُيُوفَهُمْ وَ أَقْبَلُوا فِي لَيْلَتِهِمْ إِلَى الْجَامِعِ فَلَمَّا خَرَجَ (عليه السلام) رَآهُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ فَقَالَ مَا شَأْنُكُمْ فَأَخْبَرُوهُ فَدَعَا لَهُمْ وَ تَبَسَّمَ ضَاحِكاً وَ قَالَ جِئْتُمْ تَحْفَظُونِي مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ أَمْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ قَالُوا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ قَالَ مَا يَكُونُ شَيْءٌ فِي السَّمَاءِ إِلَّا هُوَ فِي الْأَرْضِ وَ مَا يَكُونُ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ إِلَّا هُوَ فِي السَّمَاءِ ثُمَّ تَلَا ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا مَنَازِلَهُمْ وَ لَا يَعُودُوا لِمِثْلِهَا ثُمَّ إِنَّهُ صَعِدَ الْمِأْذَنَةَ وَ كَانَ إِذَا تَنَحْنَحَ يَقُولُ السَّامِعُ مَا أَشْبَهَهُ بِصَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ص فَتَأَهَّبَ النَّاسُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ وَ كَانَ إِذَا أَذَّنَ يَصِلُ صَوْتُهُ إِلَى نَوَاحِي الْكُوفَةِ كُلِّهَا ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى وَ كَانَتْ هَذِهِ عَادَتَهُ.قَالَ وَ أَقَامَ ابْنُ مُلْجَمٍ بِالْكُوفَةِ إِلَى أَنْ خَرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِلَى غَزَاةِ النَّهْرَوَانِ فَخَرَجَ ابْنُ مُلْجَمٍ مَعَهُ وَ قَاتَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ قِتَالًا شَدِيداً فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْكُوفَةِ وَ قَدْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ قَالَ ابْنُ مُلْجَمٍ لَعَنَهُ اللَّهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَ تَأْذَنُ لِي أَنْ أَتَقَدَّمَكَ إِلَى الْمِصْرِ لِأُبَشِّرَ أَهْلَهُ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنَ النَّصْرِ فَقَالَ لَهُ مَا تَرْجُو بِذَلِكَ قَالَ الثَّوَابَ مِنَ اللَّهِ وَ الشُّكْرَ مِنَ النَّاسِ وَ أَفْرَحُ الْأَوْلِيَاءَ وَ أُكْمِدُ الْأَعْدَاءَ فَقَالَ لَهُ شَأْنَكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِخَلْعَةٍ سَنِيَّةٍ وَ عِمَامَتَيْنِ وَ فَرَسَيْنِ وَ سَيْفَيْنِ وَ رُمْحَيْنِ فَسَارَ ابْنُ مُلْجَمٍ وَ دَخَلَ الْكُوفَةَ وَ جَعَلَ يَخْتَرِقُ أَزِقَّتَهَا وَ شَوَارِعَهَا وَ هُوَ يُبَشِّرُ النَّاسَ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَ قَدْ دَخَلَهُ الْعُجْبُ فِي نَفْسِهِ فَانْتَهَى بِهِ الطَّرِيقُ إِلَى مَحَلَّةِ بَنِي تَمِيمٍفَمَرَّ عَلَى دَارٍ تُعْرَفُ بِالْقَبِيلَةِ وَ هِيَ أَعْلَى دَارٍ بِهَا وَ كَانَتْ لِقَطَامِ بِنْتِ سُخَيْنَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ تَيْمٍ اللَّاتِ وَ كَانَتْ مَوْصُوفَةً بِالْحُسْنِ وَ الْجَمَالِ وَ الْبَهَاءِ وَ الْكَمَالِ فَلَمَّا سَمِعَتْ كَلَامَهُ بَعَثَتْ إِلَيْهِ وَ سَأَلَتْهُ النُّزُولَ عِنْدَهَا سَاعَةً لِتَسْأَلَهُ عَنْ أَهْلِهَا فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ مَنْزِلِهَا وَ أَرَادَ النُّزُولَ عَنْ فَرَسِهِ خَرَجَتْ إِلَيْهِ ثُمَّ كَشَفَتْ لَهُ عَنْ وَجْهِهَا وَ أَظْهَرَتْ لَهُ مَحَاسِنَهَا فَلَمَّا رَآهَا أَعْجَبَتْهُ وَ هَوَاهَا مِنْ وَقْتِهِ فَنَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ وَ دَخَلَ إِلَيْهَا وَ جَلَسَ فِي دِهْلِيزِ الدَّارِ وَ قَدْ أَخَذَتْ بِمَجَامِعِ قَلْبِهِ فَبَسَطَتْ لَهُ بِسَاطاً وَ وَضَعَتْ لَهُ مُتَّكَأً وَ أَمَرَتْ خَادِمَهَا أَنْ تَنْزِعَ أَخْفَافَهُ وَ أَمَرَتْ لَهُ بِمَاءٍ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَ يَدَيْهِ وَ قَدَّمَتْ إِلَيْهِ طَعَاماً فَأَكَلَ وَ شَرِبَ وَ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ تُرَوِّحُهُ مِنَ الْحَرِّ فَجَعَلَ لَا يَمَلُّ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهَا وَ هِيَ مَعَ ذَلِكَ مُتَبَسِّمَةٌ فِي وَجْهِهِ سَافِرَةٌ لَهُ عَنْ نِقَابِهَا بَارِزَةٌ لَهُ عَنْ جَمِيعِ مَحَاسِنِهَا مَا ظَهَرَ مِنْهُ وَ مَا بَطَنَ فَقَالَ لَهَا أَيَّتُهَا الْكَرِيمَةُ لَقَدْ فَعَلْتِ الْيَوْمَ بِي مَا وَجَبَ بِهِ بَلْ بِبَعْضِهِ عَلَى مَدْحِكِ وَ شُكْرِكِ دَهْرِي كُلَّهُ فَهَلْ مِنْ حَاجَةٍ أَتَشَرَّفُ بِهَا وَ أَسْعَى فِي قَضَائِهَا قَالَ فَسَأَلَتْهُ عَنِ الْحَرْبِ وَ مَنْ قُتِلَ فِيهِ فَجَعَلَ يُخْبِرُهَا وَ يَقُولُ فُلَانٌ قَتَلَهُ الْحَسَنُ وَ فُلَانٌ قَتَلَهُ الْحُسَيْنُ إِلَى أَنْ بَلَغَ قَوْمَهَا وَ عَشِيرَتَهَا وَ كَانَتْ قَطَامِ لَعَنَهَا اللَّهُ عَلَى رَأْيِ الْخَوَارِجِ وَ قَدْ قَتَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فِي هَذَا الْحَرْبِ مِنْ قَوْمِهَا جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنْهُمْ أَبُوهَا وَ أَخُوهَا وَ عَمُّهَا فَلَمَّا سَمِعَتْ مِنْهُ ذَلِكَ صَرَخَتْ بَاكِيَةً ثُمَّ لَطَمَتْ خَدَّهَا وَ قَامَتْ مِنْ عِنْدِهِ وَ دَخَلَتِ الْبَيْتَ وَ هِيَ تَنْدُبُهُمْ طَوِيلًا قَالَ فَنَدِمَ ابْنُ مُلْجَمٍ فَلَمَّا خَرَجَتْ إِلَيْهِ قَالَتْ يَعِزُّ عَلَيَّ فِرَاقُهُمْ مَنْ لِي بَعْدَهُمْ أَ فَلَا نَاصِرٌ يَنْصُرُنِي وَ يَأْخُذُ لِي بِثَأْرِي وَ يَكْشِفُ عَنْ عَارِي فَكُنْتُ أَهَبُ لَهُ نَفْسِي وَ أُمَكِّنُهُ مِنْهَا وَ مِنْ مَالِي وَ جَمَالِي فَرَقَّ لَهَا ابْنُ مُلْجَمٍ وَ قَالَ لَهَا غَضِّي صَوْتَكِ وَ ارْفُقِي بِنَفْسِكِ فَإِنَّكِ تُعْطَيْنَ مُرَادَكِ قَالَ فَسَكَتَتْ مِنْ بُكَائِهَا وَ طَمِعَتْ فِي قَوْلِهِ ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ بِكَلَامِهَا وَ هِيَ كَاشِفَةٌ عَنْ صَدْرِهَا وَ مُسْبِلَةٌ شَعْرَهَا فَلَمَّا تَمَكَّنَ هَوَاهَا مِنْ قَلْبِهِ مَالَ إِلَيْهَا بِكُلِّيَّتِهِ ثُمَّ جَذَبَهَا إِلَيْهِ وَ قَالَ لَهَا كَانَ أَبُوكِ صَدِيقاً لِي وَ قَدْ خَطَبْتُكِ مِنْهُ فَأَنْعَمَ لِي بِذَلِكِ فَسَبَقَ إِلَيْهِ الْمَوْتُ فَزَوِّجِينِي نَفْسَكِ لآِخُذَ لَكِ بِثَأْرِكِ قَالَ فَفَرِحَتْ بِكَلَامِهِ وَ قَالَتْ قَدْ خَطَبَنِي الْأَشْرَافُ مِنْ قَوْمِي وَ سَادَاتُ عَشِيرَتِي فَمَا أَنْعَمْتُ إِلَّا لِمَنْ يَأْخُذُ لِي بِثَأْرِي وَ لَمَّا سَمِعْتُ عَنْكَ أَنَّكَ تُقَاوِمُ الْأَقْرَانَ وَ تَقْتُلُ الشُّجْعَانَ فَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ لِي بَعْلًا وَ أَكُونَ لَكَ أَهْلًا فَقَالَ لَهَا فَأَنَا وَ اللَّهِ كُفْوٌ كَرِيمٌ فَاقْتَرِحِي عَلَيَّ مَا شِئْتِ مِنْ مَالٍ وَ فِعَالٍ فَقَالَتْ لَهُ إِنْ قَدَّمْتَ عَلَيَّ الْعَطِيَّةَ وَ الشَّرْطَ فَهَا أَنَا بَيْنَ يَدَيْكَ فَتَحْكُمُ كَيْفَ شِئْتَ فَقَالَ لَهَا وَ مَا الْعَطِيَّةُ وَ الشَّرْطُ فَقَالَتْ لَهُ أَمَّا الْعَطِيَّةُ فَثَلَاثَةُ آلَافِ دِينَارٍ وَ عَبْدٌ وَ قَيْنَةٌ فَقَالَ هَذَا أَنَا مَلِيٌّ بِهِ فَمَا الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ قَالَتْ نَمْ عَلَى فِرَاشَكَ حَتَّى أَعُودَ إِلَيْكَ.ثُمَّ إِنَّهَا دَخَلَتْ خِدْرَهَا فَلَبِسَتْ أَفْخَرَ ثِيَابِهَا وَ لَبِسَتْ قَمِيصاً رَقِيقاً يُرِي صَدْرَهَا وَ حُلِيَّهَا وَ زَادَتْ فِي الْحُلِيِّ وَ الطِّيبِ وَ خَرَجَتْ فِي مُعَصْفَرِهَا فَجَعَلَتْ تُبَاشِرُهُ بِمَحَاسِنِهَا لِيَرَى حُسْنَهَا وَ جَمَالَهَا وَ أَرْخَتْ عَشَرَةَ ذَوَائِبَ مِنْ شَعْرِهَا مَنْظُومَةٍ بِالدُّرِّ وَ الْجَوْهَرِ فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَيْهِ أَرْخَتْ لِثَامَهَا عَنْ وَجْهِهَا وَ رَفَعَتْ مُعَصْفَرَهَا وَ كَشَفَتْ عَنْ صَدْرِهَا وَ أَعْكَانِهَا وَ قَالَتْ إِنْ قَدَّمْتَ عَلَيَّ الشَّرْطَ الْمَشْرُوطَ ظَفِرْتَ بِهَا جَمِيعِهَا وَ أَنْتَ مَسْرُورٌ مَغْبُوطٌ قَالَ فَمَدَّ ابْنُ مُلْجَمٍ عَيْنَيْهِ إِلَيْهَا فَحَارَ عَقْلُهُ وَ هَوَى لِحِينِهِ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ سَاعَةً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ يَا مُنْيَةَ النَّفْسِ مَا شَرْطُكِ فَاذْكُرِيهِ لِي فَإِنِّي سَأَفْعَلُهُ وَ لَوْ كَانَ دُونَهُ قَطْعُ الْقِفَارِ وَ خَوْضُ الْبِحَارِ وَ قَطْعُ الرُّءُوسِ وَ اخْتِلَاسُ النُّفُوسِ قَالَتْ لَهُ الْمَلْعُونَةُ شَرْطِي عَلَيْكَ أَنْ تَقْتُلَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ بِهَذَا السَّيْفِ فِي مَفْرَقِ رَأْسِهِ يَأْخُذُ مِنْهُ مَا يَأْخُذُ وَ يَبْقَى مَا يَبْقَى فَلَمَّا سَمِعَ ابْنُ مُلْجَمٍ كَلَامَهَا اسْتَرْجَعَ وَ رَجَعَ إِلَى عَقْلِهِ وَ أَغَاظَهُ وَ أَقْلَقَهُ ثُمَّ صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ وَيْحَكِ مَا هَذَا الَّذِي وَاجَهْتِنِي بِهِ بِئْسَ مَا حَدَّثَتْكِ بِهِ نَفْسُكِ مِنَ الْمُحَالِ ثُمَّ طَأْطَأَ رَأْسَهُ يَسِيلُ عَرَقاً وَ هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي أَمْرِهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهَا وَ قَالَ لَهَا وَيْلَكِ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى قَتْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْمُجَابِ الدُّعَاءِ الْمَنْصُورِ مِنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضُتَرْجُفُ مِنْ هَيْبَتِهِ وَ الْمَلَائِكَةُ تُسْرِعُ إِلَى خِدْمَتِهِ يَا وَيْلَكِ وَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى قَتْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ هُوَ مُؤَيَّدٌ مِنَ السَّمَاءِ وَ الْمَلَائِكَةُ تَحُوطُهُ بُكْرَةً وَ عَشِيَّةً وَ لَقَدْ كَانَ فِي أَيَّامِ رَسُولِ اللَّهِ ص إِذَا قَاتَلَ يَكُونُ جَبْرَئِيلُ عَنْ يَمِينِهِ وَ مِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِهِ وَ مَلَكُ الْمَوْتِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَنْ هُوَ هَكَذَا لَا طَاقَةَ لِأَحَدٍ بِقَتْلِهِ وَ لَا سَبِيلَ لِمَخْلُوقٍ عَلَى اغْتِيَالِهِ وَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ أَعَزَّنِي وَ أَكْرَمَنِي وَ أَحَبَّنِي وَ رَفَعَنِي وَ آثَرَنِي عَلَى غَيْرِي فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ جَزَاؤُهُ مِنِّي أَبَداً فَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ قَتَلْتُهُ لَكِ شَرَّ قِتْلَةٍ وَ لَوْ كَانَ أَفْرَسَ أَهْلِ زَمَانِهِ وَ أَمَّا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا سَبِيلَ لِي عَلَيْهِ.قَالَ فَصَبَرَتْ عَنْهُ حَتَّى سَكَنَ غَيْظُهُ وَ دَخَلَتْ مَعَهُ فِي الْمُلَاعَبَةِ وَ الْمُلَاطَفَةِ وَ عَلِمَتْ أَنَّهُ قَدْ نَسِيَ ذَلِكَ الْقَوْلَ ثُمَّ قَالَتْ يَا هَذَا مَا يَمْنَعُكَ مِنْ قَتْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ تَرْغَبُ فِي هَذَا الْمَالِ وَ تَتَنَعَّمُ بِهَذَا الْجَمَالِ وَ مَا أَنْتَ بِأَعَفَّ وَ أَزْهَدَ مِنَ الَّذِينَ قَاتَلُوهُ وَ قَتَلَهُمْ وَ كَانُوا مِنَ الصَّوَّامِينَ وَ الْقَوَّامِينَ فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ وَ قَدْ قَتَلَ الْمُسْلِمِينَ ظُلْماً وَ عُدْوَاناً اعْتَزَلُوهُ وَ حَارَبُوهُ وَ مَعَ
[بحار الأنوار (ج36-54)] · موسوعة الغيبة والظهور