⟨قَالَ وَ دَعَا يَزِيدُ يَوْماً بِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) وَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ (عليه السلام) وَ كَانَ عَمْرٌو صَغِيراً- يُقَالُ إِنَّ عُمُرَهُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً- فَقَالَ لَهُ أَ تُصَارِعُ هَذَا يَعْنِي ابْنَهُ خَالِداً- فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو لَا وَ لَكِنْ أَعْطِنِي سِكِّيناً وَ أَعْطِهِ سِكِّيناً- ثُمَّ أُقَاتِلُهُ⟩
قَالَ يَزِيدُشِنْشِنَةٌ أَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمٍ -هَلْ تَلِدُ الْحَيَّةُ إِلَّا الْحَيَّةَ-ان بنى رملونى بالدم* * * من يلق آساد الرجال يكلمو من يكن درء به يقوم* * * شنشنة أعرفها من أخزميعنى أن هؤلاء أشبهوا أباهم في العقوق، و الشنشنة: الطبيعة. وَ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ اذْكُرْ حَاجَاتِكَ الثَّلَاثَ اللَّاتِي- وَعَدْتُكَ بِقَضَائِهِنَّ فَقَالَ الْأُولَى أَنْ تُرِيَنِي- وَجْهَ سَيِّدِي وَ أَبِي وَ مَوْلَايَ الْحُسَيْنِ فَأَتَزَوَّدَ مِنْهُ- وَ أَنْظُرَ إِلَيْهِ وَ أُوَدِّعَهُ- وَ الثَّانِيَةُ أَنْ تَرُدَّ عَلَيْنَا مَا أُخِذَ مِنَّا- وَ الثَّالِثَةُ إِنْ كُنْتَ عَزَمْتَ عَلَى قَتْلِي- أَنْ تُوَجِّهَ مَعَ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةِ- مَنْ يَرُدُّهُنَّ إِلَى حَرَمِ جَدِّهِنَّ ص فَقَالَ أَمَّا وَجْهُ أَبِيكَ فَلَنْ تَرَاهُ أَبَداً- وَ أَمَّا قَتْلُكَ فَقَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ- وَ أَمَّا النِّسَاءُ فَمَا يُؤَدِّيهِنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ غَيْرُكَ- وَ أَمَّا مَا أُخِذَ مِنْكُمْ فَأَنَا أُعَوِّضُكُمْ عَنْهُ أَضْعَافَ قِيمَتِهِ- فَقَالَ (عليه السلام) أَمَّا مَالُكَ فَمَا نُرِيدُهُ وَ هُوَ مُوَفَّرٌ عَلَيْكَ- وَ إِنَّمَا طَلَبْتُ مَا أُخِذَ مِنَّا- لِأَنَّ فِيهِ مِغْزَلَ فَاطِمَةَ بِنْتِ مُحَمَّدٍ ص وَ مِقْنَعَتَهَا وَ قِلَادَتَهَا وَ قَمِيصَهَا- فَأَمَرَ بِرَدِّ ذَلِكَ وَ زَادَ عَلَيْهِ مِائَتَيْ دِينَارٍ- فَأَخَذَهَا زَيْنُ الْعَابِدِينَ (عليه السلام) وَ فَرَّقَهَا فِي الْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ- ثُمَّ أَمَرَ بِرَدِّ الْأُسَارَى وَ سَبَايَا الْبَتُولِ- إِلَى أَوْطَانِهِمْ بِمَدِينَةِ الرَّسُولِ- قَالَ ابْنُ نَمَا وَ أَمَّا الرَّأْسُ الشَّرِيفُ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ- فَقَالَ قَوْمٌ إِنَّ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ دَفَنَهُ بِالْمَدِينَةِ وَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ جُمْهُورٍ أَنَّهُ دَخَلَ خِزَانَةَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ- لَمَّا فُتِحَتْ وَجَدَ بِهِ جُؤْنَةً حَمْرَاءَ- فَقَالَ لِغُلَامِهِ سُلَيْمٍ احْتَفِظْ بِهَذِهِ الْجُؤْنَةِ- فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ بَنِي أُمَيَّةَ- فَلَمَّا فَتَحَهَا إِذَا فِيهَا رَأْسُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) وَ هُوَ مَخْضُوبٌ بِالسَّوَادِ- فَقَالَ لِغُلَامِهِ ائْتِنِي بِثَوْبٍ فَأَتَاهُ بِهِ فَلَفَّهُ- ثُمَّ دَفَنَهُ بِدِمَشْقَ عِنْدَ بَابِ الْفَرَادِيسِ- عِنْدَ الْبُرْجِ الثَّالِثِ مِمَّا يَلِي الْمَشْرِقَ وَ حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ أَنَّ مَشْهَدَ الرَّأْسِ عِنْدَهُمْ يُسَمُّونَهُ مَشْهَدَ الْكَرِيمِ- عَلَيْهِ مِنَ الذَّهَبِ شَيْءٌ كَثِيرٌ- يَقْصِدُونَهُ فِي الْمَوَاسِمِ وَ يَزُورُونَهُ- وَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ مَدْفُونٌ هُنَاكَ- وَ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ مِنَ الْأَقْوَالِ- أَنَّهُ أُعِيدَ إِلَى الْجَسَدِ بَعْدَ أَنْ طِيفَ بِهِ فِي الْبِلَادِ وَ دُفِنَ مَعَهُ وَ قَالَ السَّيِّدُ فَأَمَّا رَأْسُ الْحُسَيْنِ فَرُوِيَ أَنَّهُ أُعِيدَ- فَدُفِنَ بِكَرْبَلَاءَ مَعَ جَسَدِهِ الشَّرِيفِ (صلوات الله عليه) - وَ كَانَ عَمَلُ الطَّائِفَةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الْمُشَارِ إِلَيْهِ و رويت آثار مختلفة كثيرة غير ما ذكرناه تركنا وضعها لئلا ينفسخ ما شرطناه من اختصار الكتاب - وَ قَالَ صَاحِبُ الْمَنَاقِبِ وَ ذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو العَلَاءِ الْحَافِظُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَشَايِخِهِ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَأْسُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) بَعَثَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَقْدَمَ عَلَيْهِ عِدَّةً مِنْ مَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ- وَ ضَمَّ إِلَيْهِمْ عِدَّةً مِنْ مَوَالِي أَبِي سُفْيَانَ- ثُمَّ بَعَثَ بِثَقَلِ الْحُسَيْنِ وَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِهِ مَعَهُمْ وَ جَهَّزَهُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ- وَ لَمْ يَدَعْ لَهُمْ حَاجَةً بِالْمَدِينَةِ إِلَّا أَمَرَ لَهُمْ بِهَا- وَ بَعَثَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) إِلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ- وَ هُوَ إِذْ ذَاكَ عَامِلُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ- فَقَالَ عَمْرٌو وَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ بِهِ إِلَيَّ- ثُمَّ أَمَرَ عَمْرٌو بِهِ فَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ عِنْدَ قَبْرِ أُمِّهِ فَاطِمَةَ (عليها السلام) وَ ذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ- رَأَى النَّبِيَّ ص فِي الْمَنَامِ كَأَنَّهُ يَبَرُّهُ وَ يُلْطِفُهُ- فَدَعَا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ- فَقَالَ لَعَلَّكَ اصْطَنَعْتَ إِلَى أَهْلِهِ مَعْرُوفاً- فَقَالَ سُلَيْمَانُ إِنِّي وَجَدْتُ رَأْسَ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) فِي خِزَانَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ- فَكَسَوْتُهُ خَمْسَةً مِنَ الدِّيبَاجِ- وَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِي وَ قَبَرْتُهُ- فَقَالَ الْحَسَنُ إِنَّ النَّبِيَّ ص رَضِيَ مِنْكَ بِسَبَبِ ذَلِكَ- وَ أَحْسَنَ إِلَى الْحَسَنِ وَ أَمْرَهُ بِالْجَوَائِزِ وَ ذِكْرَ غَيْرُهُمَا أَنَّ رَأْسَهُ (عليه السلام) صُلِبَ بِدِمَشْقَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ- وَ مَكَثَ فِي خَزَائِنِ بَنِي أُمَيَّةَ حَتَّى وَلِيَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ- فَطَلَبَ فَجِيءَ بِهِ وَ هُوَ عَظِيمٌ أَبْيَضُ- فَجَعَلَهُ فِي سَفَطٍ وَ طَيَّبَهُ وَ جَعَلَ عَلَيْهِ ثَوْباً وَ دَفَنَهُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ- بَعْدَ مَا صَلَّى عَلَيْهِ فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ- بَعَثَ إِلَى الْمَكَانِ يَطْلُبُ مِنْهُ الرَّأْسَ فَأُخْبِرَ بِخَبَرِهِ- فَسَأَلَ عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي دُفِنَ فِيهِ فَنَبَشَهُ- وَ أَخَذَهُ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ مَا صَنَعَ بِهِ- فَالظَّاهِرُ مِنْ دِينِهِ أَنَّهُ بُعِثَ إِلَى كَرْبَلَاءَ- فَدُفِنَ مَعَ جَسَدِهِ (عليه السلام) أقول هذه أقوال المخالفين في ذلك و المشهور بين علمائنا الإمامية أنه دفن رأسه مع جسده رده علي بن الحسين (عليه السلام) و قد وردت أخبار كثيرة في أنه مدفون عند قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) و سيأتي بعضها و الله يعلم ثُمَّ قَالَ الْمُفِيدُ وَ صَاحِبُ الْمَنَاقِبِ وَ اللَّفْظُ لِصَاحِبِ الْمَنَاقِبِ وَ رُوِيَ أَنَّ يَزِيدَ عَرَضَ عَلَيْهِمُ الْمُقَامَ بِدِمَشْقَ فَأَبَوْا ذَلِكَ- وَ قَالُوا بَلْ رُدَّنَا إِلَى الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُ مُهَاجَرُ جَدِّنَا ص فَقَالَ لِلنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ص جَهِّزْ هَؤُلَاءِ بِمَا يُصْلِحُهُمْ- وَ ابْعَثْ مَعَهُمْ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَمِيناً صَالِحاً- وَ ابْعَثْ مَعَهُمْ خَيْلًا وَ أَعْوَاناً- ثُمَّ كَسَاهُمْ وَ حَبَاهُمْ وَ فَرَضَ لَهُمُ الْأَرْزَاقَ وَ الْأَنْزَالَ - ثُمَّ دَعَا بِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) فَقَالَ لَهُ لَعَنَ اللَّهُ ابْنَ مَرْجَانَةَ- أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ كُنْتُ صَاحِبَهُ- مَا سَأَلَنِي خَلَّةً إِلَّا أَعْطَيْتُهَا إِيَّاهُ- وَ لَدَفَعْتُ عَنْهُ الْحَتْفَ بِكُلِّ مَا قَدَرْتُ عَلَيْهِ وَ لَوْ بِهَلَاكِ بَعْضِ وُلْدِي- وَ لَكِنْ قَضَى اللَّهُ مَا رَأَيْتَ- فَكَاتِبْنِي وَ أَنْهِ إِلَيَّ كُلَّ حَاجَةٍ تَكُونُ لَكَ- ثُمَّ أَوْصَى بِهِمُ الرَّسُولَ- فَخَرَجَ بِهِمُ الرَّسُولُ يُسَايِرُهُمْ فَيَكُونُ أَمَامَهُمْ- فَإِذَا نَزَلُوا تَنَحَّى عَنْهُمْ وَ تَفَرَّقَ هُوَ وَ أَصْحَابُهُ كَهَيْئَةِ الْحَرَسِ- ثُمَّ يَنْزِلُ بِهِمْ حَيْثُ أَرَادَ أَحَدُهُمُ الْوَضُوءَ- وَ يَعْرِضُ عَلَيْهِمْ حَوَائِجَهُمْ وَ يُلْطِفُهُمْ حَتَّى دَخَلُوا الْمَدِينَةَ قَالَ الْحَارِثُ بْنُ كَعْبٍ قَالَتْ لِي فَاطِمَةُ بِنْتُ عَلِيٍّ (عليه السلام) قُلْتُ لِأُخْتِي زَيْنَبَ قَدْ وَجَبَ عَلَيْنَا حَقُّ هَذَا لِحُسْنِ صُحْبَتِهِ لَنَا فَهَلْ لَكَ أَنْ تَصِلَهُ قَالَتْ فَقَالَتْ وَ اللَّهِ- مَا لَنَا مَا نَصِلُهُ بِهِ إِلَّا أَنْ نُعْطِيَهُ حُلِيَّنَا- فَأَخَذْتُ سِوَارِي وَ دُمْلُجِي أَوْ سِوَارَ أُخْتِي وَ دُمْلُجَهَا- فَبَعَثْنَا بِهَا إِلَيْهِ وَ اعْتَذَرْنَا مِنْ قِلَّتِهَا- وَ قُلْنَا هَذَا بَعْضُ جَزَائِكَ لِحُسْنِ صُحْبَتِكَ إِيَّانَا- فَقَالَ لَوْ كَانَ الَّذِي صَنَعْتُهُ لِلدُّنْيَا كَانَ فِي دُونِ هَذَا رِضَايَ- وَ لَكِنْ وَ اللَّهِ مَا فَعَلْتُهُ إِلَّا لِلَّهِ وَ قَرَابَتِكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص ثُمَّ قَالَ السَّيِّدُ وَ لَمَّا رَجَعَتْ نِسَاءُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) وَ عِيَالُهُ مِنَ الشَّامِ- وَ بَلَغُوا إِلَى الْعِرَاقِ قَالُوا لِلدَّلِيلِ مُرَّ بِنَا عَلَى طَرِيقِ كَرْبَلَاءَ- فَوَصَلُوا إِلَى مَوْضِعِ الْمَصْرَعِ- فَوَجَدُوا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ وَ جَمَاعَةً مِنْ بَنِي هَاشِمٍ- وَ رَجُلًا مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ وَرَدُوا لِزِيَارَةِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ- فَوَافَوْا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَ تَلَاقَوْا بِالْبُكَاءِ وَ الْحُزْنِ وَ اللَّطْمِ- وَ أَقَامُوا الْمَآتِمَ الْمُقْرِحَةَ لِلْأَكْبَادِ وَ اجْتَمَعَ إِلَيْهِمْ نِسَاءُ ذَلِكَ السَّوَادِ- وَ أَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ أَيَّاماً- فَرُوِيَ عَنْ أَبِي حُبَابٍ الْكَلْبِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا الْجَصَّاصُونَ قَالُوا كُنَّا نَخْرُجُإِلَى الْجَبَّانَةِ فِي اللَّيْلِ- عِنْدَ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) فَنَسْمَعُ الْجِنَّ يَنُوحُونَ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ-مَسَحَ الرَّسُولُ جَبِينَهُ فَلَهُ بَرِيقٌ فِي الْخُدُودِ* * * -أَبَوَاهُ مِنْ عَلْيَا قُرَيْشٍ وَ جَدُّهُ خَيْرُ الْجُدُودِ-قَالَ ثُمَّ انْفَصَلُوا مِنْ كَرْبَلَاءَ طَالِبِينَ الْمَدِينَةَ- قَالَ بَشِيرُ بْنُ حَذْلَمٍ فَلَمَّا قَرُبْنَا مِنْهَا- نَزَلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) فَحَطَّ رَحْلَهُ- وَ ضَرَبَ فُسْطَاطَهُ وَ أَنْزَلَ نِسَاءَهُ- وَ قَالَ يَا بَشِيرُ رَحِمَ اللَّهُ أَبَاكَ لَقَدْ كَانَ شَاعِراً- فَهَلْ تَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ قُلْتُ بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ- إِنِّي لَشَاعِرٌ قَالَ فَادْخُلِ الْمَدِينَةَ وَ انْعَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ- قَالَ بَشِيرٌ فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَ رَكَضْتُ حَتَّى دَخَلْتُ الْمَدِينَةَ- فَلَمَّا بَلَغْتُ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ص رَفَعْتُ صَوْتِي بِالْبُكَاءِ وَ أَنْشَأْتُ أَقُولُ-﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ بِهَا* * * -قُتِلَ الْحُسَيْنُ فَأَدْمُعِي مِدْرَارُ-الْجِسْمُ مِنْهُ بِكَرْبَلَاءَ مُضَرَّجٌ* * * -وَ الرَّأْسُ مِنْهُ عَلَى الْقَنَاةِ يُدَارُ-قَالَ ثُمَّ قُلْتُ هَذَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ مَعَ عَمَّاتِهِ وَ أَخَوَاتِهِ- قَدْ حَلُّوا بِسَاحَتِكُمْ وَ نَزَلُوا بِفِنَائِكُمْ- وَ أَنَا رَسُولُهُ إِلَيْكُمْ أُعَرِّفُكُمْ مَكَانَهُ- فَمَا بَقِيَتْ فِي الْمَدِينَةِ مُخَدَّرَةٌ وَ لَا مُحَجَّبَةٌ- إِلَّا بَرَزْنَ مِنْ خُدُورِهِنَّ مَكْشُوفَةً شُعُورُهُنَّ مُخَمَّشَةً وُجُوهُهُنَّ- ضَارِبَاتٍ خُدُودَهُنَّ يَدْعُونَ بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ- فَلَمْ أَرَ بَاكِياً أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَ لَا يَوْماً أَمَرَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ- وَ سَمِعْتُ جَارِيَةً تَنُوحُ عَلَى الْحُسَيْنِ فَتَقُولُ-نَعَى سَيِّدِي نَاعٍ نَعَاهُ فَأَوْجَعَا* * * -وَ أَمْرَضَنِي نَاعٍ نَعَاهُ فَأَفْجَعَا-فَعَيْنَيَّ جُودَا بِالدُّمُوعِ وَ أَسْكِبَا* * * -وَ جُودَا بِدَمْعٍ بَعْدَ دَمْعِكُمَا مَعاً-عَلَى مَنْ دَهَى عَرْشَ الْجَلِيلِ فَزَعْزَعَا* * * -فَأَصْبَحَ هَذَا الْمَجْدُ وَ الدِّينُ أَجْدَعَا-عَلَى ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ وَ ابْنِ وَصِيِّهِ* * * -وَ إِنْ كَانَ عَنَّا شَاحِطَ الدَّارِ أَشْسَعَاثُمَّ قَالَتْ أَيُّهَا النَّاعِي جَدَّدْتَ حُزْنَنَا بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ- وَ خَدَشْتَ مِنَّا قُرُوحاً لَمَّا تَنْدَمِلْ- فَمَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ فَقُلْتُ أَنَا بَشِيرُ بْنُ حَذْلَمٍ- وَجَّهَنِي مَوْلَايَ عَلِيُّ بْنُالْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ- وَ هُوَ نَازِلٌ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا- مَعَ عِيَالِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَ نِسَائِهِ- قَالَ فَتَرَكُونِي مَكَانِي وَ بَادَرُوا- فَضَرَبْتُ فَرَسِي حَتَّى رَجَعْتُ إِلَيْهِمْ- فَوَجَدْتُ النَّاسَ قَدْ أَخَذُوا الطُّرُقَ وَ الْمَوَاضِعَ- فَنَزَلْتُ عَنْ فَرَسِي وَ تَخَطَّيْتُ رِقَابَ النَّاسِ- حَتَّى قَرُبْتُ مِنْ بَابِ الْفُسْطَاطِ- وَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) دَاخِلًا وَ مَعَهُ خِرْقَةٌ يَمْسَحُ بِهَا دُمُوعَهُ- وَ خَلْفَهُ خَادِمٌ مَعَهُ كُرْسِيٌّ فَوَضَعَهُ لَهُ وَ جَلَسَ عَلَيْهِ وَ هُوَ لَا يَتَمَالَكُ مِنَ الْعَبْرَةِ- وَ ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُ النَّاسِ بِالْبُكَاءِ وَ حَنِينِ الْجَوَارِي وَ النِّسَاءِ- وَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ يُعَزُّونَهُ- فَضَجَّتْ تِلْكَ الْبُقْعَةُ ضَجَّةً شَدِيدَةً- فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ أَنِ اسْكُتُوا فَسَكَنَتْ فَوْرَتُهُمْ فَقَالَ (عليه السلام) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾بَارِئِ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ- الَّذِي بَعُدَ فَارْتَفَعَ فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى- وَ قَرُبَ فَشَهِدَ النَّجْوَى نَحْمَدُهُ عَلَى عَظَائِمِ الْأُمُورِ- وَ فَجَائِعِ الدُّهُورِ وَ أَلَمِ الْفَجَائِعِ- وَ مَضَاضَةِ اللَّوَاذِعِ وَ جَلِيلِ الرُّزْءِ- وَ عَظِيمِ الْمَصَائِبِ الْفَاضِعَةِ الْكَاظَّةِ الْفَادِحَةِ الْجَائِحَةِ- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ وَ لَهُ الْحَمْدُ- ابْتَلَانَا بِمَصَائِبَ جَلِيلَةٍ وَ ثُلْمَةٍ فِي الْإِسْلَامِ عَظِيمَةٍ- قُتِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَ عِتْرَتُهُ وَ سُبِيَ نِسَاؤُهُ وَ صِبْيَتُهُ- وَ دَارُوا بِرَأْسِهِ فِي الْبُلْدَانِ مِنْ فَوْقِ عَامِلِ السِّنَانِ- وَ هَذِهِ الرَّزِيَّةُ الَّتِي لَا مِثْلَهَا رَزِيَّةٌ- أَيُّهَا النَّاسُ فَأَيُّ رِجَالاتٍ مِنْكُمْ يُسَرُّونَ بَعْدَ قَتْلِهِ- أَمْ أَيَّةُ عَيْنٍ مِنْكُمْ تَحْبِسُ دَمْعَهَا وَ تَضَنُّ عَنِ انْهِمَالِهَا- فَلَقَدْ بَكَتِ السَّبْعُ الشِّدَادُ لِقَتْلِهِ- وَ بَكَتِ الْبِحَارُ بِأَمْوَاجِهَا وَ السَّمَاوَاتُ بِأَرْكَانِهَا- وَ الْأَرْضُ بِأَرْجَائِهَا وَ الْأَشْجَارُ بِأَغْصَانِهَا- وَ الْحِيتَانُ وَ لُجَجُ الْبِحَارِ وَ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ- وَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ أَجْمَعُونَ- أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ قَلْبٍ لَا يَنْصَدِعُ لِقَتْلِهِ- أَمْ أَيُّ فُؤَادٍ لَا يَحِنُّ إِلَيْهِ- أَمْ أَيُّ سَمْعٍ يَسْمَعُ هَذِهِ الثُّلْمَةَ الَّتِي ثُلِمَتْ فِي الْإِسْلَامِ- أَيُّهَا النَّاسُ أَصْبَحْنَا مَطْرُودِينَ مُشَرَّدِينَ- مَذُودِينَ شَاسِعِينَ عَنِ الْأَمْصَارِ كَأَنَّا أَوْلَادُ تُرْكٍ وَ كَابُلَ- مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ اجْتَرَمْنَاهُ وَ لَا مَكْرُوهٍ ارْتَكَبْنَاهُ- وَ لَا ثُلْمَةٍ فِي الْإِسْلَامِ ثَلَمْنَاهَا- ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ- إِنْ﴾ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ- وَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ النَّبِيَّ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ فِي قِتَالِنَا- كَمَا تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ فِي الْوَصَاءَةِ بِنَا لَمَا ازْدَادُوا عَلَى مَا فَعَلُوا بِنَا- فَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ- مِنْ مُصِيبَةٍ مَا أَعْظَمَهَا وَ أَوْجَعَهَا وَ أَفْجَعَهَا- وَ أَكَظَّهَا وَ أَفَظَّهَا وَ أَمَرَّهَا وَ أَفْدَحَهَا- فَعِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُ فِيمَا أَصَابَنَا- وَ مَا بَلَغَ بِنَا إِنَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ- قَالَ فَقَامَ صُوحَانُ بْنُ صَعْصَعَةَ بْنِ صُوحَانَ- وَ كَانَ زَمِناً فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ (صلوات الله عليه) - بِمَا عِنْدَهُ مِنْ زَمَانَةِ رِجْلَيْهِ فَأَجَابَهُ بِقَبُولِ مَعْذِرَتِهِ- وَ حُسْنِ الظَّنِّ فِيهِ وَ شَكَرَ لَهُ وَ تَرَحَّمَ عَلَى أَبِيهِ ثُمَّ قَالَ السَّيِّدُ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ إِنَّ زَيْنَ الْعَابِدِينَ (عليه السلام) بَكَى عَلَى أَبِيهِ- أَرْبَعِينَ سَنَةً صَائِماً نَهَارَهُ قَائِماً لَيْلَهُ- فَإِذَا حَضَرَ الْإِفْطَارُ جَاءَهُ غُلَامُهُ بِطَعَامِهِ وَ شَرَابِهِ- فَيَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَقُولُ كُلْ يَا مَوْلَايَ- فَيَقُولُ قُتِلَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ جَائِعاً- قُتِلَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ عَطْشَاناً- فَلَا يَزَالُ يُكَرِّرُ ذَلِكَ وَ يَبْكِي- حَتَّى يُبَلَّ طَعَامُهُ مِنْ دُمُوعِهِ- ثُمَّ يُمْزَجُ شَرَابُهُ بِدُمُوعِهِ- فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ حَدَّثَ مَوْلًى لَهُ (عليه السلام) أَنَّهُ بَرَزَ يَوْماً إِلَى الصَّحْرَاءِ- قَالَ فَتَبِعْتُهُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَجَدَ عَلَى حِجَارَةٍ خَشِنَةٍ- فَوَقَفْتُ وَ أَنَا أَسْمَعُ شَهِيقَهُ وَ بُكَاءَهُ- وَ أَحْصَيْتُ عَلَيْهِ أَلْفَ مَرَّةٍ لَا إِلَهَ إِلَّا
[بحار الأنوار (ج36-54)] · موسوعة الغيبة والظهور