⟨و روي عن وهب⟩
أنه قال وجهها وجه رجل و سائر خلقها خلق الطير و مثل ذلك لا يعرف إلا من النبوات الإلهية.و قوله تُكَلِّمُهُمْ أي تكلمهم بما يسوؤهم و هو أنهم يصيرون إلى النار بلسان يفهمونه و قيل تحدثهم بأن هذا مؤمن و هذا كافر و قيل بأن تقول لهم
﴿أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾
و هو الظاهر.وَ يَوْمَ
﴿نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾
أي يدفعون و قيل يحبس أولهم على آخرهم.و استدل بهذه الآية على صحة الرجعة من ذهب إلى ذلك من الإمامية بأن قال دخول من في الكلام يوجب التبعيض فدل ذلك على أن اليوم المشار إليه يحشر فيه قوم دون قوم و ليس ذلك صفة يوم القيامة الذي يقول فيه سبحانه وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً و قد تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد عليه و (عليه السلام) بأن الله سيعيد عند قيام القائم قوما ممن تقدم موتهم من أوليائه و شيعته ليفوزوا بثواب نصرته و معونته و يبتهجوا بظهور دولته و يعيد أيضا قوما من أعدائه لينتقم منهمو ينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب في القتل على أيدي شيعته و ليبتلوا بالذل و الخزي بما يشاهدون من علو كلمته.و لا يمتري عاقل أن هذا مقدور لله تعالى غير مستحيل في نفسه و قد فعل الله ذلك في الأمم الخالية و نطق القرآن بذلك في عدة مواضع مثل قصة عزير و غيره على ما فسرناه في موضعه- وَ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قَوْلُهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كُلُّ مَا كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ.عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ تَأَوَّلُوا مَا وَرَدَ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي الرَّجْعَةِ عَلَى رُجُوعِ الدَّوْلَةِ وَ الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ دُونَ رُجُوعِ الْأَشْخَاصِ لِمَا ظَنُّوا أَنَّ الرَّجْعَةَ تُنَافِي التَّكْلِيفَ وَ لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مَا يُلْجِئُ إِلَى فِعْلِ الْوَاجِبِ وَ الِامْتِنَاعِ مِنَ الْقَبِيحِ وَ التَّكْلِيفُ يَصِحُّ مَعَهَا كَمَا يَصِحُّ مَعَ ظُهُورِ الْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ وَ الْآيَاتِ الْقَاهِرَةِ كَفَلْقِ الْبَحْرِ وَ قَلْبِ الْعَصَا ثُعْبَاناً وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَ لِأَنَّ الرَّجْعَةَ لَمْ يَثْبُتْ بِظَوَاهِرِ الْأَخْبَارِ الْمَنْقُولَةِ فَيَتَطَرَّقَ التَّأْوِيلُ عَلَيْهَا وَ إِنَّمَا الْمُعَوَّلُ فِي ذَلِكَ عَلَى إِجْمَاعِ الشِّيعَةِ الْإِمَامِيَّةِ وَ إِنْ كَانَتِ الْأَخْبَارُ تَعْضُدُهُ وَ تُؤَيِّدُهُ انْتَهَى أقول استدل الشيخ في تفسيره التبيان أيضا على مذهب القائلين بالرجعة و إنما ذكرنا هذا الكلام بطوله لكثرة فوائده و ليعلم أقوال المخالفين في الدابة و أنه يظهر من أخبارهم أيضا أن الدابة تكون صاحب العصا و الميسم و قد رووا ذلك في جميع كتبهم و ليعلم المراد مما استفيض عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه ذكر في المواطن الكثيرة أنا صاحب العصا و الميسم.و روى الزمخشري في الكشاف أنها تخرج من الصفا و معها عصا موسى و خاتم سليمان فتضرب المؤمن في مسجده أو فيما بين عينيه بعصا موسى فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يضيء لها وجهه كأنه كوكب دري و تكتب بين عينيه مؤمن و تنكت الكافر بالخاتم في أنفه فتفشو النكتة حتى يسود لها وجهه و تكتب بين عينيه كافر.ثم قال و قرئ تكلمهم من الكلم و هو الجرح و المراد به الوسم بالعصا و الخاتم و يجوز أن يستدل بالتخفيف على أن المراد بالتكليم التجريح انتهى.و قال الصدوق رحمه الله في رسالة العقائد اعتقادنا في الرجعة أنها حق و قد قال الله عز و جل أَ لَمْ
﴿تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾
وَ هُمْ
﴿أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾
كان هؤلاء سبعين ألف بيت و كان يقع فيهم الطاعون كل سنة فيخرج الأغنياء لقوتهم و يبقى الفقراء لضعفهم فيقل الطاعون في الذين يخرجون و يكثر في الذين يقيمون فيقول الذين يقيمون لو خرجنا لما أصابنا الطاعون و يقول الذين خرجوا لو أقمنا لأصابنا كما أصابهم.فأجمعوا على أن يخرجوا جميعا من ديارهم إذا كان وقت الطاعون فخرجوا بأجمعهم فنزلوا على شط بحر فلما وضعوا رحالهم ناداهم الله موتوا فماتوا جميعا فكنستهم المارة عن الطريق فبقوا بذلك ما شاء الله تعالى.ثم مر بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له أرميا فقال لو شئت يا رب لأحييتهم فيعمروا بلادك و يلدوا عبادك و عبدوك مع من يعبدك فأوحى الله تعالى إليه أ فتحب أن أحييهم لك قال نعم فأحياهم الله له و بعثهم معه فهؤلاء ماتوا و رجعوا إلى الدنيا ثم ماتوا بآجالهم.و قال الله عز و جل
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ﴾
وَ هِيَ
﴿خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ﴾
وَ شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَ انْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَ انْظُرْ
﴿إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
فهذا مات مائة سنة و رجع إلى الدنيا و بقي فيها ثم مات بأجله و هو عزيرو قال الله تعالى في قصة المختارين من قوم موسى لميقات ربه
﴿ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
ذلك لما سمعوا كلام الله قالوا لا نصدق حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بظلمهم فماتوا فقال موسى (عليه السلام) يا رب ما أقول ببني إسرائيل إذا رجعت إليهم فأحياهم الله له فرجعوا إلى الدنيا فأكلوا و شربوا و نكحوا النساء و ولد لهم الأولاد ثم ماتوا بآجالهم.و قال الله عز و جل لعيسى (عليه السلام) و إذ تحيي الموتى بإذني و جميع الموتى الذين أحياهم عيسى (عليه السلام) بإذن الله رجعوا إلى الدنيا و بقوا فيها ثم ماتوا بآجالهم.و أصحاب الكهف لَبِثُوا
﴿فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾
وَ ازْدَادُوا تِسْعاً ثم بعثهم الله فرجعوا إلى الدنيا ليسألوا بينهم و قصتهم معروفة فإن قال قائل إن الله عز و جل قال وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَ هُمْ رُقُودٌ قيل له فإنهم كانوا موتى و قد قال الله عز و جل
﴿قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ﴾
وَ صَدَقَ الْمُرْسَلُونَ و إن قالوا كذلك فإنهم كانوا موتى و مثل هذا كثير.إن الرجعة كانت في الأمم السالفة- وَ قَالَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مِثْلُ مَا يَكُونُ فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ.فَيَجِبُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ رَجْعَةٌو- قد نقل مخالفونا أنه إذا خرج المهدي نزل عيسى ابن مريم فصلى خلفه.و نزوله إلى الأرض رجوعه إلى الدنيا بعد موته لأن الله تعالى قال إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَ رافِعُكَ إِلَيَ و قال عز و جل وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً و قال عز و جل وَ يَوْمَ
﴿نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾
فاليوم الذي يحشر فيه الجميع غير اليوم الذي يحشر فيه فوج.و قال الله عز و جل وَ أَقْسَمُوا
﴿بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا﴾
وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يعني في الرجعة و ذلك أنه يقول
﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾
و التبيين يكون في الدنيا لا في الآخرة و سأجرد في الرجعة كتابا أبين فيها كيفيتها و الدلالة على صحة كونها إن شاء الله.و القول بالتناسخ باطل و من دان بالتناسخ فهو كافر لأن في التناسخ إبطال الجنة و النار.و قال الشيخ المفيد في أجوبة المسائل العكبرية حين سئل عن قوله تعالى إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا و أجاب بوجوه فقال و قد قالت الإمامية إن الله تعالى ينجز الوعد بالنصر للأولياء قبل الآخرة عند قيام القائم و الكرة التي وعد بها المؤمنين في العاقبة.
[بحار الأنوار (ج36-54)] · موسوعة الغيبة والظهور