⟨وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)⟩
وَجَدَ وَ كَانَ أَكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتاً فَإِنْ قَالَ بَذَّ الْقَائِلِينَ وَ نَقَعَ غَلِيلَ السَّائِلِينَ وَ كَانَ ضَعِيفاً مُسْتَضْعَفاً فَإِذَا جَاءَ الْجِدُّ فَهُوَ لَيْثُ غَادٍ وَ صِلُّ وَادٍ لَا يُدْلِي بِحُجَّةٍ حَتَّى يَأْتِيَ قَاضِياً وَ كَانَ لَا يَلُومُ أَحَداً عَلَى مَا لَا يَجِدُ الْعُذْرَ فِي مِثْلِهِ حَتَّى يَسْمَعَ اعْتِذَارَهُ وَ كَانَ لَا يَشْكُو وَجَعاً إِلَّا عِنْدَ بُرْئِهِ وَ كَانَ يَقُولُ مَا يَفْعَلُ وَ لَا يَقُولُ مَا لَا يَفْعَلُ وَ كَانَ إِنْ غُلِبَ عَلَى الْكَلَامِ لَمْ يُغْلَبْ عَلَى السُّكُوتِ وَ كَانَ عَلَى مَا يَسْمَعُ أَحْرَصَ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَتَكَلَّمَ وَ كَانَ إِذَا بَدَهَهُ أَمْرَانِ نَظَرَ أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى الْهَوَى فَخَالَفَهُ فَعَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْخَلَائِقِ فَالْزَمُوهَا وَ تَنَافَسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوهَا فَاعْلَمُوا أَنَّ أَخْذَ الْقَلِيلِ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِ الْكَثِيرِ.وَ قَالَ (عليه السلام) لَا يُصَدَّقُ 9 إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَكُونَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ.وَ قَالَ (عليه السلام) عَلَامَةُ الْإِيمَانِ أَنْ تُؤْثِرَ الصِّدْقَ حَيْثُ يَضُرُّكَ عَلَى الْكَذِبِ حَيْثُ يَنْفَعُكَ وَ أَنْ لَا يَكُونَ فِي حَدِيثِكَ فَضْلٌ عَنْ عِلْمِكَ وَ أَنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ فِي حَدِيثِ غَيْرِكَ.50- نهج، نهج البلاغة رُوِيَ أَنَّ صَاحِباً لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يُقَالُ لَهُ هَمَّامٌ كَانَ رَجُلًا عَابِداً فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صِفْ لِيَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فَتَثَاقَلَ عَنْ جَوَابِهِ ثُمَّ قَالَ (عليه السلام) يَا هَمَّامُ اتَّقِ اللَّهَ وَ أَحْسِنْ فَ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَفَلَمْ يَقْنَعْ هَمَّامٌ بِذَلِكَ الْقَوْلِ حَتَّى عَزَمَ عَلَيْهِ قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ص ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ لِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ وَ لَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ وَ وَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ وَ مَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ وَ مَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ وَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ كَالَّذِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ لَوْ لَا الْأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ فَهُمْ وَ الْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ وَ هُمْ وَ النَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ أَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ وَ حَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ وَ أَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا وَ أَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهُ تَرْتِيلًا يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ يَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وَ تَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ وَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَ ظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَ شَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْفَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وَ أَكُفِّهِمْ وَ رُكَبِهِمْ وَ أَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ يَطْلُبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَكَاكَ رِقَابِهِمْ وَ أَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ وَ يَقُولُ قَدْ خُولِطُوا وَ لَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ وَ لَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ وَ إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي وَ رَبِّي أَعْلَمُ مِنِّي بِنَفْسِي اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ وَ اجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ وَ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ فَمِنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينٍ وَ حَزْماً فِي لِينٍ وَ إِيمَاناً فِي يَقِينٍ وَ حِرْصاً فِي عِلْمٍ وَ عِلْماً فِي حِلْمٍ وَ قَصْداً فِي غِنًى وَ خُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ وَ تَجَمُّلًا فِي فَاقَةٍ وَ صَبْراً فِي شِدَّةٍ وَ طَلَباً فِي حَلَالٍ وَ نَشَاطاً فِي هُدًى وَ تَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ يَعْمَلُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَ هُوَ عَلَى وَجَلٍ يُمْسِي وَ هَمُّهُ الشُّكْرُ وَ يُصْبِحُ وَ هَمُّهُ الذِّكْرُ يَبِيتُ حَذِراً وَ يُصْبِحُ فَرِحاً حَذِراً لِمَا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ وَ فَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَ الرَّحْمَةِ إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا تُحِبُّ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لَا يَزُولُ وَ زَهَادَتُهُ فِيمَا لَا يَبْقَى يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَ الْقَوْلَ بِالْعَمَلِ تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلًا زَلَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ مَنْزُوراً أَكْلُهُ سَهْلًا أَمْرُهُ حَرِيزاً دِينُهُ مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ مَكْظُوماً غَيْظُهُ الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ إِنْ كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ وَ إِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَ يُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ وَ يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ بَعِيداً فُحْشُهُ لَيِّناً قَوْلُهُ غَائِباً مُنْكَرُهُ حَاضِراً مَعْرُوفُهُ مُقْبِلًا خَيْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ فِي الزَّلَازِلِ وَقُورٌ وَ فِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ وَ فِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ وَ لَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ لَا يُضِيعُ مَا اسْتُحْفِظَ وَ لَا يَنْسَى مَا ذُكِّرَ وَ لَا يُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ وَ لَا يُضَارُّ بِالْجَارِ وَ لَا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ وَ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ وَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ وَ إِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ وَ إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِآخِرَتِهِ وَ أَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَ نَزَاهَةٌ وَ دُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَ رَحْمَةٌ لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَ عَظَمَةٍ وَ لَا دُنُوُّهُ بِمَكْرٍ وَ خَدِيعَةٍ قَالَ فَصَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً كَانَتْ نَفْسُهُ فِيهَا فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ فَمَا بَالُكَ أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ (عليه السلام) وَيْحَكَ إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ وَقْتاً لَا يَعْدُوهُ وَ سَبَباً لَا يَتَجَاوَزُهُ فَمَهْلًا لَا تَعُدْ لِمِثْلِهَا فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ.تبيين قال الكيدري الهمام البعيد الهمة و كان السائل كاسمه و قال ابن أبي الحديد همام هو همام بن شريح بن يزيد بن مرة و كان من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) و أوليائه و كان ناسكا عابدا و تثاقله عن جوابه لأنه علم أن المصلحة في تأخير الجواب و كأنه حضر المجلس من لا يحب (عليه السلام) أن يجيب و هو حاضر و لعله بتثاقله (عليه السلام) يشتد شوق همام إلى سماع الموعظة و لعله من باب تأخير البيان إلى وقت الحاجة لا عن وقت الحاجة.و قال ابن ميثم تثاقله (عليه السلام) لخوفه على همام كما يدل عليه قوله (عليه السلام) أما و الله لقد كنت أخافها عليه و أقول هذا أظهر.اتق الله و أحسن أي ليس عليك أن تعرف صفات المتقين على التفصيل و لعل الأصلح لك القناعة بما تعرفه مجملا من صفاتهم و مراعاة التقوى و الإحسان و كأن المراد بالتقوى الاجتناب عما نهى الله عنه و بالإحسان فعل ما أمر الله بهفالكلمة جامعة لصفات المتقين و فضائلهم.حتى عزم عليه عزمت على فلان أقسمت عليه و عزمت على الأمر أي قطعت عليه و أردت فعله حتما فالضمير في عليه يحتمل عوده إليه (عليه السلام) و إلى ما سأله من الوصف على التفصيل و الأول أظهر و رواية الصدوق تعينه.و التعرض للغناء و الأمن لدفع توهم أن مدح المتقين و الترغيب في الطاعة و التخويف من المعصية لانتفاعه سبحانه و دفع المضرة عنه و ليس المعنى أن أفعال الله سبحانه ليست معللة بالأغراض كما زعمه الحكماء بل إشارة إلى ما ذكره المتكلمون من أن الغرض لا يعود إليه سبحانه بل إلى العباد لأنه أراد أن يثيبهم في الآخرة و الثواب هو النفع المقارن للتعظيم و الإجلال و فعله لمن لا يستحق أصلا قبيح عقلا فلذا كلفهم و بعث إليهم الرسل و وعدهم و أوعدهم و عرضهم للمثوبات الدائمة الجليلة و تفصيل ذلك في كتب الكلام.و المعايش بالياء جمع معيشة و هي ما يعاش به أو فيه و ما يكون به الحياة قال الله تعالى ﴿نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ و مواضع الخلق مراتبهم قال الله تعالى وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ و هي إشارة إلى الدرجات الدنيوية كالغناء و الفقر و الصحة و المرض أو الدينية لاختلاف استعداداتهم و قابلياتهم في العلم و العمل أو الأعم منهما و هو أظهر و التفريع يؤيد الأخيرين.منطقهم الصواب المنطق النطق أي لا يقولون إلا حقا و يحترزون عن الكذب و الفحش و الغيبة و سائر الأقاويل الباطلة و قيل أي لا يتكلمون إلا في مقام التكلم كذكر الله تعالى و إظهار حق و إبطال باطل و كأن الابتداءبالمنطق لكون النفع و الضرر في القول أكثر في الأغلب من أعمال سائر الجوارح.و الملبس بفتح الباء ما يلبس و الاقتصاد التوسط بين طرفي الإفراط و التفريط و المعنى أنهم لا يلبسون ما يلحقهم بدرجة المترفين و لا ما يلحقهم بأهل الخسة و الدناءة أو يصير سببا لشهرتهم بالزهد كما هو دأب المتصوفين أو المعنى أن الاقتصاد في الأقوال و الأفعال صار شعارا لهم محيطا بهم كاللباس للإنسان كما مر.و مشيهم التواضع أي لا يمشون مشي المختالين و المتكبرين كما قال عز و جل وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً الآية أو المراد أن سيرتهم و سلوكهم بين الخلق أو في سبيل الله بالتواضع و التذلل غضوا أبصارهم غض فلان طرفه كمد أي خفضه و كذلك غض من صوته و كل شيء كففته فقد غضضته.و وقفت كضربت أي دمت قائما و وقفته أنا وقفا أي فعلت به ما وقف و وقفت الرجل عن الشيء وقفا أي منعته عنه و وقفت الدار وقفا أي حبستها في سبيل الله و المراد الاقتصار على استماع العلم النافع و فيه إيماء إلى ذم الإصغاء إلى القصص الكاذبة بل و كثير من الصادقة كما سيأتي إن شاء الله.و الرخاء بالفتح سعة العيش قال القطب الراوندي (رحمه الله) يعني أن المتقين يتعبون أبدانهم في الطاعات فيطيبون نفسا بتلك المشقة التي يحتملونها مثل طيب قلب الذي نزلت نفسه في الرخاء و لا بد من تقدير مضاف لأن تشبيه الجمع بالواحد لا يصح أي كل واحد منهم إذا نزل في البلاء يكون كالرجل الذي نزلت نفسه في الرخاء و نحوه قوله تعالى مَثَلُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ قال و يجوز أن يكون الذي بمعنى ما المصدرية كقوله تعالى وَ خُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أي نزوله في البلاء كنزوله في الرخاءو قال ابن ميثم يحتمل أن يكون المراد بالذي الذين فحذف النون كما في قوله تعالى و خُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا و قال ابن أبي الحديد موضع كالذي نصب لأنه صفة مصدر محذوف و المراد كالنزول الذي و قد حذف العائد إليه و هو الهاء في نزلته كقولك ضربت الذي ضربت أي ضربت الذي ضربته و تقدير الكلام نزلت أنفسهم منهم في حال البلاء نزولا كالنزول الذي نزلته منهم في حال الرخاء.و قال الكيدري (قدس سره) نزلت أنفسهم إلخ لأنهم كسروا سورة الشهوة البهيمية و طيبوا عن أنفسهم نفسا و وقفوا أشباحهم و أرواحهم على مرضاة الله و حبسوها في سبيله فلا مطمح لهم إلى ما فيه نصيب أنفسهم بل جل عنايتهم مصروفة إلى تحصيل ما خلقوا لأجله من إعداد زاد المعاد و الإقبال بكل الوجوه على عبادة رب العباد و التفاتهم إلى الأبدان يكون على طريق الطبع كالتفات سالك البادية للحج الحقيقي إلى رعي الجمل و علموا يقينا أن ما أصابهم من الكد في الطريق و إن كان عظيما فإنه كلا شيء في جنب ما يصلون به إليه من لقاء المحبوب و نيل المطلوب فالمحن عندهم كالملح و البلية كالنعم.و قوله كالذي نظير قوله تعالى وَ خُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا و بيت الحماسة عسى الأيام أن يرجعن يوما كالذي كانوا أي نزلت في البلاء كالنزول الذي نزلت في الرخاء انتهى.و المراد بالبلاء المرض و الضيق و نحوهما أو الأعم من احتمال المشقة أيضا و ليس مخصوصا به و طيب قلوبهم للرضا بقضاء الله كما في المجالس فصغر ما دونه في أعينهم في اختلاف التعبير دلالة على أن الخالق تمكن في قلوبهم بخلاف ما دونه فلم يتجاوز أعينهم.فهم و الجنة قال الراوندي (رحمه الله) الواو بمعنى مع و قال ابن أبي الحديد بنصب الجنة و قد روي بالرفع على أنه معطوف على هم و الأول أحسن و قوله كمن قد رآها و قوله فهم فيها منعمون إما كلاهما لقوة الإيمان و اليقين أو لشدة الخوف و الرجاء أو الرؤية إشارة إلى قوة اليقين و التنعم و العذاب أي شدة الرجاء و الخوف و هما أيضا من فروع اليقين و اختار الوالد (قدس سره) الأخير و قال الكيدري أي حصل لهم من العلوم اليقينية ما يجري مجرى الضرورية كما قال (عليه السلام) لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِيناً و روي و الجنة بالنصب فيكون الواو بمعنى مع و يكون خبر المبتدإ الكاف في كمن رآها.قلوبهم محزونة حزن قلوبهم للخوف من العقاب لاحتمال التقصير و عدم شرائط القبول كما قال عز و جل وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ ﴿وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ و الأمن من شرورهم لأنهم لا يهمون بظلم أحد كما ورد في الخبر الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَ يَدِهِ و قيل لأن أفعالهم حسنة في الواقع و إن كانت سيئة في الظاهر و هو بعيد.نحيفة أي مهزولة لكثرة الصيام و السهر و الرياضات أو للخوف أو لهما و خفة حاجاتهم لقلة الرغبة في الدنيا و ترك اتباع الهوى و قصر الأمل و قناعتهم بما رزقهم الله.و العفة كف النفس عن المحرمات بل عن الشبهات و المكروهات أيضا و جملة أعقبتهم صفة للأيام و تجارة عطف بيان للراحة أو بدل منه أو منصوب على المدح أو على الحال أو على تقدير فعل أي اتجروا تجارة.قال الراوندي (رحمه الله) نصب المصدر مع حذف فعله كثير في الكلام و ربح الرجل في تجارته كعلم و يسند إلى التجارة مجازا قال تعالى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ و قال الأزهري ربح الرجل في تجارته أي صادف سوقا ذات ربح و أربحتالرجل أرباحا أعطيته ربحا فالتجارة المربحة كأنها تعطي ربحا أو هي الرابحة من أفعل بمعنى فعل.و قال الكيدري تجارة انتصابه على المصدر من معنى الكلام السابق لأن مضمون قوله صبروا أياما إلخ يدل على أنهم اتجروا بذلك أو يكون منصوبا بفعل مضمر يفسره ما بعده أي يسر لهم ربهم تجارة أو على المدح أو التخصيص أي أعني تجارة أو أخص تجارة و جعلها بدلا من راحة على ما زعم صاحب المنهاج ليس بالقوي لأن التجارة المربحة ليست بنفس الراحة و إنما صبرهم المستعقب لتلك الراحة هي التجارة انتهى.أرادتهم الدنيا أي أقبلت إليهم من الوجوه المذمومة أو مطلقا و تمكنوا من تحصيلها بكسب المال و الجاه فلم يقبلوها و لم يسعوا في تحصيلها و قيل و يحتمل أن يراد
[بحار الأنوار (ج55-73)] · موسوعة الغيبة والظهور