⟨وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)⟩
أهل الدنيا و أسره كضربه أي شده و حبسه و الفدية زخارف الدنيا و ملاذها التي سلموها إلى الدنيا بالترك و الإعراض عنها.أقول و نقل الكيدري (قدس سره) رواية تمثل الدنيا لأمير المؤمنين (عليه السلام) و إعراضه عنها كما سننقلها عنه في باب ذم الدنيا ثم قال فهذا معنى قوله (عليه السلام) أرادتهم الدنيا و لم يريدوها و إذا تدبرت الخلال المذكورة في هذه الخطبة وجدت أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الموصوف بها كلها و قد أوردت هذه الأبيات و أمثالها في أنوار العقول من أشعار وصي الرسول.فأما أسرها إياهم فلأن أرواح الأولياء قدسية و مقامها في العالم الجسد أي على خلاف مقتضى طبيعتها فهي غريبة في هذا العالم و صغوها بالكلية إلى عالمها فهي أسيرة هنا من حيث الغربة و عدم الملاءمة فدائما يستعد و يتهيأ للسفر الحقيقي و يزيل المثبطات و يرفعها من البين و ذلك فداؤها.أما الليل في بعض النسخ بالنصب على حذف حرف الجر أي أما حالهم في الليل فالمقصود تفصيل حالهم في الليل و النهار و في بعض النسخ بالرفع فالغرض تفصيل حال ليلهم و نهارهم و الصف ترتيب الجمع على صف و صف القدمين وضعهما في الصلاة بحيث يتحاذى الإبهامان و يتساوى البعد بين الصدر و العقب.و في بعض النسخ تالون مكان تالين يرتلونه أي القرآن و روي يرتلونها فالضمير لأجزاء القرآن وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا أي أحسن تأليفهوَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَنَّهُ حِفْظُ الْوُقُوفِ وَ أَدَاءُ الْحُرُوفِ.و هو جامع لما يعتبره القراء.و الحزن الهم و حزنه الأمر كنصر أي جعله حزينا و حزن كعلم أي صار حزينا و حزنه تحزينا جعل فيه حزنا و في أكثر النسخ على التفعيل و في بعضها كينصرون و تحزين النفوس بآيات الوعيد ظاهر و أما آيات الوعد فللخوف من الحرمان و عدم الاستعداد.و ثار الغبار إذا سطع و هاج و ثار القطا إذا نهضت من موضعها و أثار الغبار و استثاره هيجه و لعل المراد بالدواء العلم و بالداء الجهل و استثارة العلم بالتدبر و التذكر قال في النهاية في الحديث أثيروا القرآن فإن فيه علم الأولين و الآخرين و يحتمل أن يراد استثارة العلم الكامنة في النفس على حسب الاستعداد و الكمال بالتدبر و التفكر و التذكر.و قال الوالد (قدس سره) المراد أنهم يداوون بآيات الخوف داء الرجاء الغالب الذي كاد أن يبلغ حد الاغترار و الأمن لمكر الله و بآيات الرجاء داء الخوف إذا قرب من القنوط و بما يستكمل اليقين داء الشبهة و بالعبر داء القسوة و بما ينفر عن الدنيا و الميل إليها داء الرغبة فيها و نحو ذلك.و ركن إلى الشيء كنصر كما في النسخ و كعلم أيضا أي مال و سكن و التطلع إلى الشيء الاستشراف له و الانتظار لوروده و نصب الشيء رفعه و أن يستقبل به شيء و الكلمة منصوبة على الظرفية أي ظنوا أنها فيما نصب بين أيديهم و في بعض النسخ مرفوعة على أنها خبر أن.و قال الكيدري و تطلعت نفوسهم إليها أي كادت تطلع شموس نفوسهم من أفق عوالم أبدانهم فتصعد إلى العالم العلوي شوقا إلى ما وعدوا به في تلك الآيات من أخائر الذخائر و عظائم الكرائم و انتصاب نصب أعينهم على الظرف أي في موضع يقابل أعينهم و يجوز فيه الرفع.و قال الراوندي (رحمه الله) الظن هنا بمعنى اليقين قال تعالى أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ أي أيقنوا أن الجنة معدة لهم بين أيديهم و قال ابن أبي الحديد و يمكن أن يكون على حقيقته.و صغي إليه كرضي أي مال و أصغى سمعه إليه أي أماله و زفير النار صوت توقدها و الزفير أيضا إخراج النفس بعد مدة فالمراد زفير أهل جهنم و الشهيق تردد البكاء في الصدر مع سماع الصوت من الحلق و شهيق الحمار صوته و كونهما في أصول الآذان كناية عن تمكنها في الآذان.حانون أوساطهم حنى ظهره يحنيه و يحنوه أي عطفه فانحنى و حنوهم على أوساطهم وصف لحال ركوعهم و الافتراش البسط على الأرض و هو وصف لحال سجودهم.قال الكيدري فهم حانون أي منعطفون للركوع و حنى قد جاء متعديا و لازما و تعديته أكثر فيكون تقديره حانون ظهورهم على أوساطهم.يطلبون إلى الله أي يسألونه راغبين و متوجهين إليه و فك الرقبة كمد أي أعتقها و الأسير خلصه و أما النهار بالنصب و الرفع كما تقدم قال الكيدري أما النهار انتصابه على الظرفية و تعلقه بما بعده من الصفات كحلماء و غيره و حلماء خبر مبتدإ محذوف أي فهم حلماء في النهار و يجوز فيه الرفع على تقدير أما النهار فهم حلماء فيه فيكون مبتدأ و الجملة بعده خبره و فيها ضمير مقدر يعود إليه و الحلماء ذوو الأناة أو العقلاء و بري السهم يبريه أي نحته و القداح جمع قدح بالكسر فيهما و هو السهم قبل أن يراش و ينصل و هو كناية عن نحافة البدن و ضعف الجسد أو زوال الآمال و المطالب الدنيوية.و خولط فلان في عقله إذا اختل عقله و صار مجنونا و خالطه أي مازجهو قال الراوندي و غيره المعنى يظن الناظر بهم الجنون و ما بهم من جنة بل مازج قلوبهم أمر عظيم و هو الخوف فتولهوا لأجله و قيل و لقد خالطهم أي صار سببا لجنونهم الذي يظنه الناظر أمر عظيم هو الخوف.و قال الكيدري قد براهم الخوف أي أنضاهم و أنحفهم خولطوا أي خالط عقولهم جنون.و الاستكثار عد الشيء كثيرا و اتهمت فلانا أي ظننت فيه ما نسب إليه و اتهمته في قوله أي شككت في صدقه و الاسم التهمة كرطبة و السكون لغة و أصل التاء واو و المراد أنهم يظنون بأنفسهم التقصير أو الميل إلى الدنيا أو عدم الإخلاص في النية أو الأعم أو يشكون في شأنها و نياتها و يخافون أن يكون مقصودها في العبادات الرئاء و السمعة و أن تجرها العبادة إلى العجب فلا يعتمدون عليها.و الإشفاق الخوف و إشفاقهم من السيئات و إن تابوا منها لاحتمال عدم قبول توبتهم و من الحسنات لاحتمال عدم القبول لاختلال بعض الشرائط و شوب النية أو للأعمال السيئة و قد قال الله عز و جل ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ إذا زكي أحدهم التزكية المدح و خوفهم من الوقوع في العجب و الاتكال على العمل و سؤال عدم المؤاخذة لذلك و يحتمل أن يكون كناية عن عدم الرضا بما يقولون و التبري من التزكية و ظن البراءة بالنفس فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله.و اجعلني أفضل مما يظنون أي وفقني لدرجة فوق ما يظنون بي من حسن العمل و القبول.و قال ابن أبي الحديد قد قاله لقوم مر عليهم و هم مختلفون في أمره فمنهم الحامد له و منهم الذام فقال (عليه السلام) اللهم إن كان ما يقوله الذامونحقا فلا تؤاخذني به و إن كان ما يقوله الحامدون حقا فاجعلني أفضل مما يظنون فمن علامة أحدهم أنك ترى له في بعض النسخ لهم فالضمير راجع إلى معنى أحدهم و القوة في الدين أن لا يتطرق إلى الإيمان الشك و الشبهات و إلى الأعمال الوساوس و الخطرات أو أن لا يدرك العزم في الأمور الدينية ونى و لا فتور للوم و غيره قال تعالى يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ و الحزم بالفتح ضبط الأمر و الأخذ فيه بالثقة و الحذر من فواته و كأن المعنى أنه لا يصير حزمه سببا لخشونته بل مع الحزم يداري الخلق و يلاينهم.و القصد التوسط بين طرفي الإفراط و التفريط و ترك الإسراف و التقتير أي يقتصد في حال الغنى أو في تحصيل الغنى أو في الإنفاق مع غنى النفس و التجمل التزين و تكلف الجميل و إظهاره و التجمل في الفاقة سلوك مسلك الأغنياء و المتجملين في حال الفقر و ذلك بترك الشكوى إلى الخلق و الابتهاج بما أعطى الله و إظهار الغنى عن الخلق أو التجمل و التزين في الفاقة بما أمكن و عدم إظهار الفاقة للناس إلا ما لا يمكن ستره أو زائدا على ما هو الواقع كالفقراء الطامعين فيما في أيدي الناس.و الصبر في الشدة الصبر على شدة الفقر أو العبادة أو المصائب أو الأعم و الطلب في الحلال الكسب من غير الطرق التي نهي عنها و النشاط بالفتح طيب النفس للعمل و غيره و الهدى الرشاد و الدلالة أي ينشط لهداية الناس أو لاهتدائه في نفسه و التحرج التأثم و المعنى جعل الطمع حرجا و عده إثما و عيبا.و قال ابن أبي الحديد حرف الجر في بعض هذه المواضع يتعلق بالظاهرفيكون موضعه نصبا بالمفعولية و في بعضها يتعلق بمحذوف فيكون موضعه أيضا نصبا على الصفة ففي قوله في دين يتعلق بالظاهر أي قوة يقال فلان قوي في كذا و على كذا و في لين يتعلق بمحذوف أي حزما كائنا في لين و في يقين و في علم يتعلق بالظاهر و في بمعنى على كقوله تعالى وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ و في غنى يتعلق بمحذوف و في عبادة يحتمل الأمرين و في فاقة بمحذوف و في شدة يحتمل الأمرين و في حلال يتعلق بالظاهر و في بمعنى اللام و في هدى يحتملهما و عن طمع بالظاهر.و الوجل الخوف و خوفهم من التقصير في العمل كما أو كيفا أو من عذاب الله إشارة إلى قوله سبحانه يُؤْتُونَ ما آتَوْا الآية و الهم أول العزم و ما قصده الإنسان و أضمره في نفسه و كأن تخصيص الشكر بالمساء لأن الرزق و إفاضة النعم و الفوز بالمكاسب يكون في اليوم غالبا و تخصيص الذكر بالصباح لأن الشواغل عن الذكر في اليوم أكثر و كل يوم كأنه وقت استئناف العمل.و الحذر و الفرح ككتف صفتان من الحذر و الفرح بالتحريك و المراد بالفضل و الرحمة التوفيق و الهداية أو ما يشمل النعم الدنيوية و هذا الفرح يعود إلى الشكر و قال بعض الشارحين ليس المقصود تخصيص البيات بالحذر و الصباح بالفرح بل كما يقول أحدنا يمسي و يصبح حذرا فرحا و كذلك تخصيص الشكر بالمساء و الذكر بالصباح و يحتمل أن لا يكون مقصودا.و الصعب نقيض الذلول و استصعبت على فلان دابته أي صعبت و استصعبت عليه نفسه أي لم تطعه في العبادات المكروهة للنفس و ترك المعاصي لأن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله.و لم يعطها سؤلها فيما تحب أي لم يطاوع النفس فيما تريده من هذا الأمر الذي استصعبت عليه أو في غيره من اللذات لتنقاد و تترك الاستصعاب إذ إطاعة النفس في لذاتها توجب طغيانها و قوتها في الباطل و بعدها عن الله و لذا ترى القوة على العبادة في المرتاضين و من أنحلتهم العبادة أكثر منها في الأقوياء و المترفين بالنعم.و قرت عين فلان و أقر الله عينه كفر و عض أي سر و فرح و معناه أبرد الله دمعة عينه لأن دمعة الفرح و السرور باردة و دمعة الحزن حارة و قيل معنى أقر الله عينك بلغك أمنيتك حتى ترضى نفسك و تسكن عينك فلا تستشرف إلى غيره و قيل معناه أبرد الله عينك بأن ينقطع بكاؤها و قرة عين كل أحد مأموله و منتهى رضاه.و ما لا يزول ما عند الله و الدار الآخرة و ما لا يبقى الدنيا و زخارفها يمزج الحلم بالعلم أي يحلم للعلم بفضله لا لضعف النفس و عدم المبالاة بما قيل له أو فعل به أو لا يطيش في المحاورات و المباحثات مع أنه يقول عن علم و قيل المراد بالحلم العقل أي يتعلم عن تفكر و تدبر و لا يعتمد على الظنون و الآراء الواهية أو يتفكر فيما علم و يحفظه حتى يتمكن في قلبه و القول بالعمل أي إذا أمر الناس بمعروف أو نهاهم عن منكر عمل به أو يفي بالوعد أو يقرن الإيمان بالأعمال الصالحة أو يجمع بين القول الجميل و الفعل الحسن.و النزر و المنزور القليل و الأكل كعنق الحظ من الدنيا و في بعض النسخ أكله بالفتح أي لا يمتلئ من الطعام لأنه من أسباب الكسل عن العبادة و كثرة النوم و الحرز الموضع الحصين و حرز حريز كحصن حصين و حرزه كنصره حفظه و المراد عدم إهماله في أمر دينه و عدم تطرق الخلل إليه و المأمول المرجو.إن كان في الغافلين لعل الغرض من القرينتين أنه لا يزال ذاكرا لله سواء كان مع الغافلين أو مع الذاكرين أما إذا كان في الغافلين فيذكر الله بقلبه أو بلسانه أيضا فيصير سببا لذكرهم أيضا فيكتب أنه في الذاكرين.و قوله (عليه السلام) لم يكتب من الغافلين كأنه تفنن في العبارة أو المعنى أنه ليس ذكره بمحض اللسان ليكتب من الغافلين بل قلبه أيضا مشغول بذكره تعالى.و الغالب في الصلة و القطع الاستعمال في الرحم و قد يستعملان في الأعم أيضا.و بعيدا عود إلى السياق السابق و الجمل معترضة أو حال عن فاعل يصل و قد يعبر بالبعد عن العدم و كذلك الغيبة و الحضور و الإقبال و الإدبار و يحتمل القلة فإن التقوى غير العصمة و يمكن أن يراد بالإقبال الازدياد و بالإدبار الانتقاص أي لا يزال يسعى فيزداد خيره و ينتقص شره.و قال الوالد (رحمه الله) يمكن أن يراد بالمعروف و المنكر الإحسان و الإساءة إلى الخلق.و الزلازل الشدائد و الوقور فعول من الوقار بالفتح و هو الحلم و الرزانة و الرخاء سعة العيش و الحيف الجور و الظلم و المراد بالإثم الميل عن الحق و الغرض أنه لا يترك الحق للعداوة و المحبة إذا كان حاكما أو لا يجور على العدو و لا يساعد المحب بما يخرج عن الحق.لا يضيع ما استحفظ أي ما أودع عنده من الأموال و الأسرار و التضييع في الأول بالخيانة و التفريط و في الثانية بالإذاعة و الإفشاء و يحتمل شموله لما استحفظه الله من دينه و كتابه و لا ينسى ما ذكر أي ما أمر بتذكره من آيات الله و عبره و أمثاله أو الأعم منها و من أحكام الله و الموت و المصير إلى الله و أهوال الآخرة.و النبز بالتحريك اللقب قيل و كثر فيما كان ذما و المنابزة و التنابز التعاير و التداعي بالألقاب و المضارة الإضرار و الجار المجاور في السكنى و من آجرته من أن يظلم و شمت كفرح شماتة بالفتح أي فرح ببلية العدو لا يدخل في الباطل أي في مجالس الفسق و اللهو و الفساد أو المراد عدم ارتكاب الباطل و كذا الخروج من الحق أي من مجالسه أو عدم ترك الحق.لم يغمه صمته لعلمه بمفاسد الكلام و عدم التذاذه بالباطل من القول أو لاشتغال قلبه حين الصمت بذكر الله لم يعل صوته أي لا يشتد صوته أو يكتفي بالتبسم إذ الخروج عنه يكون غالبا بالضحك بالصوت العالي و الواسطة نادرة و أراح الناس لاشتغاله بنفسه و الزهد خلاف الرغبة و كثيرا ما يستعمل في عدم الرغبة في الدنيا و النزاهة بالفتح التباعد عن كل قدر و مكروه و إنما كان تباعده زهدا و نزاهة لأنه إنما يرغب عن أهل الدنيا و أهل الباطل و قيل نزاهة عن تدنس العرض.و الخديعة ككريهة الاسم من خدعه أي ختله و أراد به المكروه من حيث لا يعلم و صعق كسمع أي غشي عليه من صوت شديد سمعه أو من غيره و ربما مات منه كانت نفسه فيها أي مات بها و يحتمل أن يراد بالصعقة الصيحة كما هو الغالب في هذا المقام و يراد بكون نفسه فيها خروج روحه بخروجها و ويح كلمة رحمة و يستعمل في التعجب كما مر مرارا و التلطف في مثل هذا المقام من قبيل الإحسان إلى من أساء و قد مر الكلام في هذا المقام و في بعض ما تقدم في شرح رواية الكافي فلا نعيده.و أقول روي في تحف العقول أيضا مثله.و أقول لما سلك قدوة المحققين ابن ميثم البحراني في شرح هذا الحديث مسلكا آخر أردت إيراده ليطلع الناظر في كتابنا على أكثر ما قيل في ذلك فأوردته.قال (قدس سره) وصف (عليه السلام) المتقين بالوصف المجمل فقال فالمتقون فيها هم أهل الفضائل أي الذين استجمعوا الفضائل المتعلقة بإصلاح قوتي العلم و العمل ثم شرع في تفصيل تلك الفضائل و نسقها.فالأولى الصواب في القول و هو فضيلة العدل المتعلقة باللسان و حاصلهأن لا يسكت عما ينبغي أن يقال فيكون مفرطا و لا يقول ما ينبغي أن يسكت عنه فيكون مفرطا بل يضع كلا من الكلام في موضعه اللائق به و هو أخص من الصدق لجواز أن يصدق الإنسان فيما لا ينبغي من القول.الثانية و ملبسهم الاقتصاد و هو فضيلة العدل في الملبوس فلا يلبس ما يلحقه بدرجة المترفين و لا يلحقه بأهل الخسة و الدناءة مما يخرج به عن عرف الزاهدين في الدنيا.الثالثة مشي التواضع و التواضع ملكة تحت العفة يعود إلى العدل بين رذيلتي المهانة و الكبر و مشي التواضع مستلزم للسكون و الوقار.الرابعة غض الأبصار عما حرم الله و هو ثمرة العفة.الخامسة وقوفهم أسماعهم على سماع العلم النافع و هو فضيلة العدل في قوة السمع و العلوم النافعة ما هو كمال القوة النظرية من العلم الإلهي و ما يناسبه و ما هو كمال للقوة العملية و هي الحكمة العملية.السادسة نزول أنفسهم منهم في البلاء كنزولها في الرخاء أي لا تقنط من بلاء ينزل بها و لا تبطر برخاء يصيبها بل مقامها في الحالين مقام الشكر و الذي صفة مصدر محذوف و الضمير العائد إليه محذوف أيضا و التقدير نزلت كالنزول الذي نزلته في الرخاء و يحتمل أن يكون المراد بالذي الذين فحذف النون كما في قوله تعالى كَالَّذِي خاضُوا و يكون المقصود تشبيههم حال نزول أنفسهم منهم في البلاء بالذي نزلت أنفسهم منهم في الرخاء و المعنى واحد.السابعة غلبة الشوق إلى ثواب الله و الخوف من عقابه على نفوسهم إلى غاية أن أرواحهم لا تستقر في أجسادهم من ذلك لو لا الآجال التي كتبت لهم و هذا الشوق و الخوف إذا بلغ إلى حد الملكة فإنه يستلزم دوام الجد في العمل و الإعراض عن الدنيا و مبدؤهما تصور عظمة الخالق و بقدر ذلك يكون تصور عظمة وعده و وعيده و بحسب قوة ذلك التصور يكون قوة الخوف و الرجاءو هما بابان عظيمان للجنة.الثامنة عظم الخالق في أنفسهم و ذلك بحسب الجواذب الإلهية إلى الاستغراق في محبته و معرفته و بحسب تفاوت تصور عظمته تعالى يكون تصورهم لأصغرية ما دونه و نسبته إليه في أعين بصائرهم.و قوله فهم و الجنة كمن قد رآها إلى قوله معذبون إشارة إلى أن العارف و إن كان في الدنيا بجسده فهو في مشاهدته بعين بصيرته لأحوال الجنة و سعادتها و أحوال النار و شقاوتها كالذين شاهدوا الجنة بعين
[بحار الأنوار (ج55-73)] · موسوعة الغيبة والظهور