⟨وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)⟩
حسهم و تنعموا فيها و كالذين شاهدوا النار و عذبوا فيها و هي مرتبة عين اليقين فبحسب هذه المرتبة كانت شدة شوقهم إلى الجنة و شدة خوفهم من النار التاسعة حزن قلوبهم و ذلك ثمرة الخوف الغالب.العاشرة كونهم مأموني الشرور و ذلك أن مبدأ الشرور محبة الدنيا و أباطيلها و العارفون بمعزل عن ذلك.الحادية عشر نحافة أجسادهم و مبدأ ذلك كثرة الصيام و السهر و جشوبة المطعم و خشونة الملبس و هجر الملاذ الدنيوية.الثانية عشر خفة حاجاتهم و ذلك لاقتصارهم من حوائج الدنيا على القدر الضروري من ملبس و مأكل و لا أخف من هذه الحاجة.الثالثة عشر عفة أنفسهم و ملكة العفة فضيلة القوة الشهوية و هي الوسط بين رذيلتي خمود الشهوة و الفجور.الرابعة عشر الصبر على المكاره أيام حياتهم من ترك الملاذ الدنيوية و احتمال أذى الخلق و قد عرفت أن الصبر مقاومة النفس الأمارة بالسوء لئلا ينقاد إلى قبائح اللذات و إنما ذكر قصر مدة الصبر و استعقابه للراحة الطويلة ترغيبا فيه و تلك الراحة بالسعادة في الجنة كما قال تعالى وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً الآية و قوله تجارة مربحة استعار لفظ التجارة لأعمالهم الصالحةو امتثال أوامر الله و وجه المشابهة كونهم متعوضين بمتاع الدنيا و بحركاتهم في العبادة متاع الآخرة و رشح بلفظ الربح لأفضلية متاع الآخرة و زيادته في النفاسة على ما تركوه و ظاهر أن ذلك بتيسير الله لأسبابه و إعدادهم له بالجواذب الإلهية.الخامسة عشر عدم إرادتهم للدنيا مع إرادتها لهم و هو إشارة إلى الزهد الحقيقي و هو ملكة تحت العفة و كنى بإرادتها لهم عن كونهم أهلا لأن يكونوا فيها رءوسا و أشرافا كقضاة و وزراء و نحو ذلك و كونها بمعرض أن تصل إليهم لو أرادوها و يحتمل أن يريد أرادهم أهل الدنيا فحذف المضاف.السادسة عشر افتداء من أسرته لنفسه منها و هو إشارة إلى من تركها و زهد فيها بعد الانهماك فيها و الاستمتاع بها ففك بذلك الترك و الإعراض و التمرن على طاعة الله أغلال الهيئات الردية المتلبسة منها عن عنقه و لفظ الأسر استعارة في تمكن تلك الهيئات من نفوسهم و لفظ الفدية استعارة لتبديل ذلك الاستمتاع بها بالإعراض عنها و المواظبة على طاعة الله و إنما عطف بالواو في قوله و لم يريدوها و بالفاء في قوله ففدوا لأن زهد الإنسان في الدنيا كما يكون متأخرا عن إقبالها عليه كذلك قد يكون متقدما عليه لقوله ص وَ مَنْ جَعَلَ الْآخِرَةَ أَكْبَرَ هَمِّهِ جَمَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَمَّهُ وَ أَتَتْهُ الدُّنْيَا وَ هِيَ رَاغِمَةٌ فلم يحسن العطف هنا بالفاء و أما الفدية فلما لم يكن إلا بعد الأسر لا جرم عطفها بالفاء.السابعة عشر كونهم صافين أقدامهم بالليل يتلون القرآن و يرتلونه إلى قوله آذانهم و ذلك إشارة إلى تطويع نفوسهم الأمارة بالسوء بالعبادات و شرح لكيفية استيثارهم للقرآن العزيز في تلاوته و غاية ترتيلهم له بفهم مقاصده و تحزينهم لأنفسهم به عند ذكر الوعيدات من جملة استيثارهم لدواء دائهم و لما كان داؤهم هو الجهل و سائر الرذائل العملية كان دواء الجهل بالعلم و دواء كل رذيلة الحصول على الفضيلة المضادة لها فهم بتلاوة القرآن يستثيرون بالتحزين الخوف عن وعيد الله المضاد للانهماك في الدنيا و داؤه العلم الذي هو دواء الجهل و كذلك كل فضيلة حث القرآن عليها فهي دواء لما يضادها من الرذائل و باقي الكلام شرح لكيفية التحزين و التشويق.و قوله فهم حانون على أوساطهم ذكر لكيفية ركوعهم و قوله مفترشون لجباههم إلى قوله أقدامهم إشارة إلى كيفية سجودهم و ذكر الأعظم السبعة و قوله يطلبون إلى قوله رقابهم إشارة إلى غايتهم من عبادتهم تلك.الثامنة عشر من صفاتهم بالنهار كونهم حكماء و أراد الحكمة الشرعية و ما فيها من كمال القوة العلمية و العملية لكونها المتعارفة بين الصحابة و التابعين و روي حلماء و الحلم فضيلة تحت ملكة الشجاعة هي الوسط بين رذيلتي المهانة و الإفراط في الغضب و إنما خص الليل بالصلاة لكونها أولى بها من النهار.التاسعة عشر كونهم علماء و أراد كمال القوة النظرية بالعلم النظري و هو معرفة الصانع و صفاته.العشرون كونهم أبرارا و البر يعود إلى العفيف لمقابلته الفاجر.الحادية و العشرون كونهم أتقياء و المراد بالتقوى هاهنا الخوف من الله و قد مر ذكر العفة و الخوف و إنما كررهما هنا في عداد صفاتهم بالنهار و ذكرها هناك في صفاتهم المطلقة و قوله و قد براهم الخوف إلى قوله عظيم شرح لفعل الخوف الغالب بهم و إنما يفعل الخوف ذلك لاشتغال النفس المدبرة للبدن به عن النظر في صلاح البدن و وقوف القوة الشهوية و الغاذية عن أداء بدل ما يتحلل و شبه بري الخوف لهم ببري القداح و وجه التشبيه شدة النحافة و يتبع ذلك تغير السحنات و الضعف عن الانفعالات النفسانية من الخوف و الحزن حتى يحسبهم الناظر مرضى و إن لم يكن بهم مرض.و يقول قد خولطوا و ذلك إشارة إلى ما يعرض لبعض العارفين عند اتصال نفسه بالملإ الأعلى و اشتغالها عن تدبير البدن و ضبط حركاته أن يتكلم بكلام خارج عن المتعارف يستبشع بين أهل الشريعة الظاهرة فينسب ذلك منه إلى الاختلاطو الجنون و تارة إلى الكفر و الخروج عن الدين و قوله و لقد خالطهم أمر عظيم هو اشتغال أسرارهم بملاحظة جلال الله و مطالعة أنوار الملإ الأعلى.الثانية و العشرون كونهم لا يرضون من أعمالهم القليل إلى قوله الكبير و ذلك لتصورهم شرف غايتهم المقصودة بأعمالهم و قوله فهم لأنفسهم متهمون إلى قوله ما لا يعلمون فتهمتهم لأنفسهم و خوفهم من أعمالهم يعود إلى شكهم فيما يحكم به أوهامهم من حسن عبادتهم و كونها مقبولة أو واقعة على الوجه المطلوب الموصل إلى الله تعالى فإن هذا الوهم يكون مبدأ للعجب بالعبادة و التقاصر عن الازدياد عن العمل و التشكك في ذلك و تهمة النفس بانقيادها في ذلك الحكم للنفس الأمارة يستلزم خوفها أن يكون تلك الأعمال قاصرة عن الوجه المطلوب و غير واقعة عليه و ذلك باعث على العمل و كاسر للعجب به و قد عرفت أن العجب من المهلكاتكَمَا قَالَ (عليه السلام) ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ شُحٌّ مُطَاعٌ وَ هَوًى مُتَّبَعٌ وَ إِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ.. و كذلك خوفهم من تزكية الناس لهم هو الدواء لما ينشأ من تلك التزكية من الكبر و العجب بما يزكون به فيكون جواب أحدهم عند تزكيته أني أعلم بنفسي من غيري إلى آخره.ثم شرع (عليه السلام) بعد ذلك في علاماتهم التي بجملتها يعرف أحدهم و الصفات السابقة و إن كان كثير منها مما يخص أحدهم و يعرف به إلا أن بعضها قد يدخله الرياء فلا يدل على التقوى الحقة فجمعها هاهنا و نسقها.فالأولى القوة في الدين و ذلك أن يقاوم في دينه الوسواس الخناس و لا يدخل فيه خداع الناس و هذا إنما يكون في الدين العالم.الثانية الحزم في الأمور الدنيوية و الدينية و التثبت فيها ممزوجا باللين للخلق و عدم الفضاضة عليهم كما في المثل لا تكن حلوا فتسترط و لا مرا فتلفظ و هكذا ذكره الميداني في مجمع الامثال تحت الرقم 3604 ج 2 ص 232: و قال:الاستراط: الابتلاع، و الاعقاء: أن تشتد مرارة الشيء حتّى يلفظ لمرارته و بعضهم يروى «فتعقى» بوزن فتسترط و الصواب كسر القاف: يقال: أعقى الشيء، و المعنى لا تتجاوز الحد في المرارة فترمى، و لا في الحلاء فتبلع، أي كن متوسطا. و هي فضيلة العدل في المعاملة مع الخلق و قد علمت أن اللين قد يكون للتواضع المطلوب بقوله وَ اخْفِضْ ﴿جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ و قد يكون من مهانة و ضعف يقين و الأول هو المطلوب و هو المقارن للحزم في الدين و مصالح النفس و الثاني رذيلة و لا يمكن معه الحزم لانفعال المهين عن كل جاذب.الثالثة الإيمان في اليقين و لما كان الإيمان عبارة عن التصديق بالصانع و بما وردت به الشريعة و كان ذلك التصديق قابلا للشدة و الضعف فتارة يكون عن التقليد و هو الاعتقاد المطابق لا لموجب و تارة يكون عن العلم و هو الاعتقاد المطابق لموجب هو الدليل و تارة عن العلم به مع العلم بأنه لا يكون إلا كذلك و هو علم اليقين و محققو السالكين لا يقفون عند هذه المرتبة بل يطلبون بعين اليقين بالمشاهدة بعد طرح حجب الدنيا و الإعراض عنها أراد أن علمهم علم اليقين لا يتطرق إليه احتمال.الرابعة الحرص في العلم و الازدياد منه.الخامسة مزج العلم و هو فضيلة القوة الملكية بالحلم و هو من فضائل القوة السبعية.السادسة القصد في الغنى و هو فضيلة العدل في استعمال متاع الدنيا و حذف الفضول عن قدر الضرورة.السابعة الخشوع في العبادة و هو من ثمرة الفكر في جلال المعبود و ملاحظة عظمته الذي هو روح العبادة.الثامنة التجمل في الفاقة و ذلك بترك الشكوى إلى الخلق و الطلب منهم و إظهار الغنى عنهم و ينشأ عن القناعة و الرضا و علو الهمة و يعين على ذلك ملاحظة الوعد العاجل و ما أعد للمتقين.التاسعة و كذلك الصبر في الشدة.العاشرة الطلب في الحلال و ينشأ عن العفة.الحادية عشر النشاط في الهدى و سلوك سبيل الله و ينشأ عن قوة الاعتقاد فيما وعد المتقون و تصور شرف الغاية.الثانية عشر عمل الصالحات على وجل أي من أن يكون على غير الوجه اللائق فلا يقبل كما روي عن زين العابدين (عليه السلام) أنه كان في التلبية و هو على راحلته و خر مغشيا عليه فلما أفاق قيل له في ذلك فقال خَشْيَةَ أَنْ يَقُولَ لِي لَا لَبَّيْكَ وَ لَا سَعْدَيْكَ.الثالثة عشر أن يكون همهم عند المساء الشكر على ما رزقوا بالنهار و ما لم يرزقوا و يصبحوا و همهم الذكر لله ليذكرهم الله فيرزقهم من الكمالات النفسانية و البدنية كما قال تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ الرابعة عشر أن يبيت حذرا و يصبح فرحا و قوله حذرا إلى قوله الرحمة تفسير للمحذور و ما به الفرح و ليس مقصوده تخصيص البيات بالحذر و الصباح بالفرح بل كما يقول أحدنا يمسي فلان و يصبح حذرا فرحا و كذلك تخصيصه الشكر بالمساء و الذكر بالصباح يحتمل أن لا يكون مقصودا.الخامسة عشر إن استصعبت إلى قوله تحب إشارة إلى مقاومته لنفسه الأمارة بالسوء عند استصعابها عليه و قهره لها على ما تكره و عدم متابعته لها في ميولها الطبيعية و محابها.السادسة عشر أن يرى قرة عينه فيما لا يزول أي من الكمالات النفسانية الباقية كالعلم و الحكمة و مكارم الأخلاق المستلزمة للذات الباقية و السعادة
[بحار الأنوار (ج55-73)] · موسوعة الغيبة والظهور