الأقسامالحِكَم والوصايا والأخلاق والآدابمساوئ الأخلاق
بحار الأنوار · رقم ١٦٥

ثُمَّ قَالَ وَ بَعْدَ هَذَا كَلَامٌ تَرَكْنَا ذِكْرَهُ خَوْفَ الْإِطَالَةِ وَ الْخُرُوجِ عَنِ الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَ

الْأَنْصارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ بأن يكون المعنى اتبعوهم في الإحسان و خيرا لمن سارع على الوجوه المتقدمة إشارة إلى قوله سبحانه في مواضع يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ و جنة لمن صبر الجنة بالضم الترس و كل ما وقى من سلاح و غيره فالإسلام يحث على الصبر و هو جنة لمخاوف الدنيا و الآخرة و قيل استعار لفظ الجنة للإسلام لأنه يحفظ من صبر على العمل بقواعده و أركانه من العقوبة الدنيوية و الأخروية و قيل جنة لمن صبر في المناظرة مع أعادي الدين و لباسا لمن اتقى كأنه إشارة إلى قوله تعالى وَ لِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ بناء على أن المراد بلباس التقوى خشية الله أو الإيمان أو العمل الصالح أو الحياء الذي يكسب التقوى أو السمت الحسن و قد قيل كل ذلك أو اللباس الذي هو التقوى فإنه يستر الفضائح و القبائح و يذهبها لا لباس الحرب كالدرع و المغفر و الآلات التي تتقي بها عن العدو كما قيل فالإسلام سبب للبس لباس الإيمان و التقوى و الأعمال الصالحة و الحياء و هيئة أهل الخير لمن اتقى و عمل بشرائعه.و ظهيرا لمن رشد أي معينا لمن اختار الرشد و الصلاح في القاموس رشد كنصر و فرح رشدا و رشدا و رشادا اهتدى و الرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه و كهفا لمن آمن الكهف كالغار في الجبل و الملجأ أي محل أمن من مخاوف الدنيا و العقبى لمن آمن بقلبه لا لمن أظهر بلسانه و نافق بقلبه و أمنة لمن أسلم الأمنة بالتحريك الأمن و قيل في الآية جمع كالكتبة و الظاهر أن المراد بالإسلام هنا الانقياد التام لله و لرسوله و لأئمة المؤمنين فإن من كان كذلك فهو آمن في الدنيا و الآخرة من مضارهما و رجاء لمن صدق أي الإسلام باعتبار اشتماله على الوعد بالمثوبات الأخروية و الدرجات العالية سبب لرجاء من صدق به و يمكن أن يقرأ بالتخفيف و يؤيده أن في التحف و روحا للصادقين و في بعض نسخ الكتاب أيضا روحا و منهم من فسر الفقرتين بأن الإسلام أمنة في الدنيا لمن أسلم ظاهرا و روح في الآخرة لمن صدق باطنا أقول و كأنه يؤيده قوله تعالى ﴿‏فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ‏﴾ وَ رَيْحانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ و غنى لمن قنع أي الإسلام لاشتماله على مدح القناعة و فوائدها فهو يصير سببا لرضا من قنع بالقليل و غناه عن الناس و قيل لأن التمسك بقواعده يوجب وصول ذلك القدر إليه كما قال عز شأنه وَ مَنْ ﴿‏يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً‏﴾ وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ و يحتمل أن يراد به أن الإسلام باعتبار اشتماله على ما لا بد للإنسان منه من العلوم الحقة و المعارف الإلهية و الأحكام الدينية يغني من قنع به عن الرجوع إلى العلوم الحكمية و القوانين الكلامية و الاستحسانات العقلية و القياسات الفقهية و إن كان بعيدا.فذلك الحق أي ما وصفت لك من صفة الإسلام حق أو ذلك إشارة إلى الإسلام أي فلما كان الإسلام متصفا بتلك الصفات فهو الحق الثابت الذي لا يتغيرأو لا يشوبه باطل أو ذلك هو الحق الذي قال الله تعالى أَ فَمَنْ ﴿‏يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ‏﴾ أُولُوا الْأَلْبابِ و قوله سبيله الهدى استئناف بياني أو الحق صفة لاسم الإشارة و سبيله الهدى خبره أي هذا الدين الحق الذي عرفت فوائده و صفاته سبيله الهدى كما قيل في قوله سبحانه ﴿‏أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ‏﴾ و كأنه إشارة إليه أيضا و المراد بالهدى الهداية الربانية الموصلة إلى المطلوب.و مأثرته المجد المأثرة بفتح الميم و سكون الهمزة و ضم الثاء و فتحها و فتح الراء واحدة المآثر و هي المكارم من الأثر و هو النقل و الرواية لأنها تؤثر و تروى و في القاموس المكرمة المتوارثة و المجد نيل الكرم و الشرف و رجل ماجد أي كريم شريف و يطلق غالبا على ما يكون بالآباء فكان المعنى أنه يصير سببا لمجد صاحبه حتى يسري في أعقابه أيضا و صفته الحسنى أي موصوف بأنه أحسن الأخلاق و الأحوال و الأعمال و في المجالس بعد قوله و جنة لمن صبر الحق سبيله و الهدى صفته و الحسنى مأثرته.فهو أبلج المنهاج في القاموس بلج الصبح أضاء و أشرق كابتلج و تبلج و أبلج و كل متضح أبلج و النهج و المنهج و المنهاج الطريق الواضح و أنهج وضح و أوضح و في النهج بعده أوضح الولائج أي المداخل مشرق المنار المنار جمع منارة و هي العلامة توضع في الطريق و كأنها سميت بذلك لأنهم كانوا يضعون عليها النار لاهتداء الضال في الليل و في القاموس المنارة و الأصل منورة موضع النور كالمنار و المسرجة و المأذنة و الجمع مناور و منائر و المنار العلم انتهى و في النهج مشرف بالفاء أي العالي و بعده مشرق الجواد جمع الجادة و ذاكي المصباح و في النهج و الكتابين مضيء المصابيح و في القاموس ذكت النار و استذكت اشتد لهبها و هي ذكية و أذكاها و ذكاها أوقدها رفيع الغاية الغاية منتهى السباق أو الراية المنصوبة في آخر المسافة و هي خرقة تجعل على قصبة و تنصب في آخرالمدى يأخذها السابق من الفرسان و كأن الرفعة كناية عن الظهور كما ستعرف و قيل هو من قولهم رفع البعير في مسيره بالغ أي يرفع إليها.يسير المضمار في النهاية تضمير الخيل هو أن تضامر عليها بالعلف حتى يسمن ثم لا تعلف إلا قوتا لتخف و قيل تشد عليها سروجها و تجلل بالآجلة حتى تعرق فيذهب رهلها و يشتد لحمها و في حديث حذيفة اليوم مضمار و غدا السباق أي اليوم العمل في الدنيا للاستباق في الجنة و المضمار الموضع الذي تضمر فيه الخيل و يكون وقتا للأيام التي تضمر فيها و في القاموس المضمار الموضع الذي يضمر فيه الخيل و غاية الفرس في السباق انتهى و الحاصل أن المضمار يطلق على موضع تضمير الفرس للسباق و زمانه و على الميدان الذي يسابق فيه شبه (عليه السلام) أهل الإسلام بالخيل التي تجمر للسباق و مدة عمر الدنيا بالميدان الذي يسابق فيه و الموت بالعلم المنصوب في نهاية الميدان فإن ما يتسابق فيه من الأعمال الصالحة إنما هو قبل الموت و القيامة موضع تجمع فيه الخيل بعد السباق ليأخذ السبقة من سبق بقدر سبقه و يظهر خسران من تأخر و الجنة بالسبقة و النار بما يلحق المتأخر من الحرمان و الخسران أو شبه (عليه السلام) الدنيا بزمان تضمير الخيل أو مكانه و القيامة بميدان المسابقة فمن كان تضميره في الدنيا أحسن كانت سبقته في الآخرة أكثر كما ورد التشبيه كذلك في قوله (عليه السلام) في خطبة أخرى ألا و إن اليوم المضمار و غدا السباق و السبقة الجنة و الغاية النار و لكن ينافيه ظاهرا قوله و الموت غايته إلا أن يقال المراد بالموت ما يلزمه من دخول الجنة أو النار إشارة إلى أن آثار السعادة و الشقاوة الأخروية تظهر عند الموت كما ورد ليس بين أحدكم و بين الجنة و النار إلا الموت و على التقديرين المراد بقوله يسير المضمار قلة مدته و سرعة ظهور السبق و عدمه أو سهولة قطعه و عدم وعورته أو سهولة التضمير فيه و عدم صعوبته لقصر المدة و تهيئي الأسباب منالله تعالى.و في النهج كريم المضمار فكان كرمه لكونه جامعا لجهات المصلحة التي خلق لأجله و هي اختبار العباد بالطاعات و فوز الفائزين بأرفع الدرجات و لا ينافي ذلك ما ورد في ذم الدنيا لأنه يرجع إلى ذم من ركن إليها و قصر النظر عليها كما بين (عليه السلام) ذلك في خطبة نوردها في باب ذم الدنيا إن شاء الله.جامع الحلبة الحلبة بالفتح خيل تجمع للسباق من كل أوب أي ناحية لا تخرج من إصطبل واحد و يقال للقوم إذا جاءوا من كل أوب للنصرة قد أحلبوا و كون الحلبة جامعة عدم خروج أحد منها أو المراد بالحلبة محلها و هو القيامة كما سيأتي فالمراد أنه يجمع الجميع للحساب كما قال تعالى ﴿‏ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ‏﴾ سريع السبقة السبقة بالفتح كما في النهج أي يحصل السبق سريعا في الدنيا للعاملين أو في القيامة إلى الجنة أو بالضم أي يصل إلى السابقين عوض السباق و هو الجنة سريعا لأن مدة الدنيا قليلة و هو أظهر و في النهج و المجالس و التحف متنافس السبقة فالضم أصوب و إن كان المضبوط في نسخ النهج بالفتح و التنافس الرغبة في الشيء النفيس الجيد في نوعه أليم النقمة أي مولم انتقام من تأخر في المضمار لأنه النار.كامل العدة العدة بالضم و الشد ما أعددته و هيأته من مال أو سلاح أو غير ذلك مما ينفعك يوما ما و المراد هنا التقوى و كماله ظاهر كريم الفرسان و في النهج و شريف الفرسان و الفرسان جمع فارس كالفوارس.ثم فسر (صلوات الله عليه) ما أبهم من الأمور المذكورة فقال فالإيمان منهاجه هذا ناظر إلى قوله أبلج المنهاج أي المنهاج الواضح للإسلام هو التصديق القلبي بالله و برسوله و بما جاء به و البراهين القاطعة الدالة عليه و في النهج و غيره فالتصديق منهاجه و هو أظهر و الصالحات مناره ناظر إلى قوله مشرقالمنار شبه الأعمال الصالحة و العبادات الموظفة بالأعلام و المنائر التي تنصب على طريق السالكين لئلا يضلوا فمن اتبع الشريعة النبوية و أتى بالفرائض و النوافل يهديه الله للسلوك إليه و بالعمل يقوى إيمانه و بقوة الإيمان يزداد عمله و كلما وصل إلى علم يظهر له علم آخر و يزداد يقينه بحقية الطريق إلى أن يقطع عمره و يصل إلى أعلى درجات كماله بحسب قابليته التي جعلها الله له أو شبه الإيمان بالطريق و الأعمال بالأعلام فكما أن بسلوك الطريق تظهر الأعلام فكذلك بالتصديق بالله و رسله و حججه (عليه السلام) تعرف الأعمال الصالحة و قيل الأعمال الصالحة علامات لإسلام المسلم و بها يستدل على إيمانه و لا يتم حينئذ التشبيه.و الفقه مصابيحه الفقه العلم بالمسائل الشرعية أو الأعم و به يرى طريق السلوك إلى الله و أعلامه و هو ناظر إلى قوله ذاكي المصباح إذ علوم الدين و شرائعه ظاهرة واضحة للناس بالأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام) و بما أفاضوا عليهم من العلوم الربانية.و الدنيا مضماره قال ابن أبي الحديد كان الإنسان يجري في الدنيا إلى غاية الموت و إنما جعلها مضمار الإسلام لأن المسلم يقطع دنياه لا لدنياه بل لآخرته فالدنيا كالمضمار للفرس إلى الغاية المعينة و الموت غايته قد عرفت وجه تشبيه الموت بالغاية و قال ابن أبي الحديد أي إن الدنيا سجن المؤمن و بالموت يخلص من ذلك السجن. و قال ابن ميثم إنما جعل الموت غاية أي الغاية القريبة التي هي باب الوصول إلى الله تعالى و يحتمل أن يريد بالموت موت الشهوات فإنها غاية قريبة للإسلام أيضا و هذا ناظر إلى قوله رفيع الغاية و في سائر الكتب هذه الفقرة مقدمة على السابقة فالنشر على ترتيب اللف و على ما في الكتاب يمكن أن يقال لعل التأخير هنا لأجل أن ذكر الغاية بعد ذكر المضمار أنسب بحسب الواقع و التقديم سابقا باعتبار الرفعة و الشرف و أنها الفائدة المقصودة فأشيرإلى الجهتين الواقعيتين بتغيير الترتيب.و القيامة حلبته أي محل اجتماع الحلبة إما للسباق أو لحيازة السبقة كما مر و إطلاق الحلبة عليها من قبيل تسمية المحل باسم الحال و قال ابن أبي الحديد حلبته أي ذات حلبته فحذف المضاف كقوله تعالى هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ أي ذوو درجات و الجنة سبقته في أكثر نسخ النهج سبقته بالفتح فلذا قال الشراح أي جزاء سبقته فحذف المضاف و الظاهر سبقته بالضم فلا حاجة إلى تقدير كما عرفت و النار نقمته أي نصيب من تأخر و لم يحصل له استحقاق للسبقة أصلا النار زائدا عن الحسرة و الحرمان و التقوى عدته ناظر إلى قوله كامل العدة لأن التقوى تنفع في أشد الأهوال و أعظمها و هو القيامة كما أن العدة من المال و غيره تنفع صاحبها عند الحاجة إليها و المحسنون فرسانه لأنهم بالإحسان و الطاعات يتسابقون في هذا المضمار.فبالإيمان يستدل على الصالحات إذ تصديق الله و رسوله و حججه يوجب العلم بحسن الأعمال الصالحة و كيفيتها من واجبها و ندبها و قيل لأن الإيمان منهج الإسلام و طريقه و لا بد للطريق من زاد يناسبه و زاد طريق الإسلام هو الأخلاق و الأعمال الصالحة فيدل الإيمان عليها كدلالة السبب على المسبب و قيل أي يستدل بوجوده في قلب العبد على ملازمته لها انتهى و كأنه حمل الكلام على القلب و إلا فلا معنى للاستدلال بالأمر المخفي في القلب على الأمر الظاهر نعم يمكن أن يكون المعنى أن بالإيمان يستدل على صحة الأعمال و قبولها فإنه لا تقبل أعمال غير المؤمن و هذا معنى حسن لكن الأول أحسن.و بالصالحات تعمر الفقه لأن العمل يصير سببا لزيادة العلم كما أن من بيده سراجا إذا وقف لا يرى إلا ما حوله و كلما مشى ينتفع بالضوء و يرى ما لم يره كما ورد من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم و قد مر أن العلم يهتف بالعمل فإن أجاب و إلا ارتحل عنه و قيل الفقرتان مبنيتان على أن المرادبالعمل الصالح ولاية أهل البيت (عليهم السلام) كما ورد في تأويل كثير من الآيات و ظاهر أن بالإيمان يستدل على الولاية و بها يعمر الفقه لأخذه عنهم.و بالفقه يرهب الموت أي كثرة العلم و اليقين سبب لزيادة الخشية كما قال تعالى ﴿‏إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ‏﴾ فالمراد بخشية الموت خشية ما بعد الموت أو يخشى نزول الموت قبل الاستعداد له و لما بعده فقوله و بالموت تختم الدنيا كالتعليل لذلك لأن الدنيا التي هي مضمار العمل تختم بالموت فلذا يرهبه لحيلولته بينه و بين العمل و الاستعداد للقاء الله لا لحب الحياة و اللذات الدنيوية و المألوفات الفانية و بالدنيا تجوز القيامة هذه الفقرة أيضا كالتعليل لما سبق أي إنما ترهب الموت لأن بالدنيا و الأعمال الصالحة المكتسبة فيها تجوز من أهوال القيامة و تخرج عنها إلى نعيم الأبد بأن يكون على صيغة الخطاب من الجواز و في بعض النسخ بصيغة الغيبة أي يجوز المؤمن أو الإنسان و في بعضها يجاز على بناء المجهول و هو أظهر و في بعضها يحاز بالحاء المهملة من الحيازة أي تحاز مثوبات القيامة و على التقادير فالوجه فيه أن كل ما يلقاه العبد في القيامة فإنها هو نتائج عقائده و أعماله و أخلاقه المكتسبة في الدنيا فبالدنيا تجاز القيامة أو تحاز و منهم من قرأ تحوز بالحاء المهملة أي سبب الدنيا و أعمالها تجمع القيامة الناس للحساب و الجزاء فإن القيامة جامع الحلبة كما مر و في التحف تحذر القيامة و كأنه أظهر.و بالقيامة تزلف الجنة أي تقرب للمتقين كما قال تعالى وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ و في المجالس و تزلف الجنة للمتقين و تبرز الجحيم للغاوين و قال البيضاوي وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ بحيث يرونها من الموقف فيتبجحون بأنهم المحشورون إليها بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ فيرونها مكشوفة و يتحسرون على أنهم المسوقون إليها و في اختلاف الفعلين ترجيح لجانب الوعد انتهى.و الجنة حسرة أهل النار في القيامة حيث لا تنفع الحسرة و الندامة و تلك علاوة لعذابهم العظيم و النار موعظة للمتقين في الدنيا حيث ينفعهم فيتركون ما يوجبها و يأتون بما يوجب البعد عنها و التقوى سنخ الإيمان أي أصله و أساسه في القاموس السنخ بالكسر الأصل على أربع دعائم الدعامة بالكسر عماد البيت و دعائم الإيمان ما يستقر عليه و يوجب ثباته و استمراره و قوته على الصبر و اليقين و العدل و الجهاد قال ابن ميثم فاعلم أنه (عليه السلام) أراد الإيمان الكامل و ذلك له أصل و له كمالات بها يتم أصله فأصله هو التصديق بوجود الصانع و ما له من صفات الكمال و نعوت الجلال و بما تنزلت به كتبه و بلغته رسله و كمالاته المتممة هي الأقوال المطابقة و مكارم الأخلاق و العبادات ثم إن هذا الأصل و متمماته هو كمال النفس الإنسانية لأنها ذات قوتين علمية و عملية و كمالها بكمال هاتين القوتين فأصل الإيمان هو كمال القوة العلمية منها و متمماته و هي مكارم الأخلاق و العبادات هي كمال القوة العملية.إذا عرفت هذا فنقول لما كانت أصول الفضائل الخلقية التي هي كمال الإيمان أربعا هي الحكمة و العفة و الشجاعة و العدل أشار إليها و استعار لها لفظ الدعائم باعتبار أن الإيمان الكامل لا يقوم في الوجود إلا بها كدعائم البيت فعبر عن الحكمة باليقين و الحكمة منها علمية و هي استكمال القوة النظرية بتصور الأمور و التصديق بالحقائق النظرية و العلمية بقدر الطاقة و لا تسمى حكمة حتى يصير هذا الكمال حاصلا لها باليقين و البرهان و منها عملية و هي استكمال النفس بملكة العلم بوجوه الفضائل النفسانية الخلقية و كيفية اكتسابها و وجوه الرذائل النفسانية و كيفية الاحتراز عنها و اجتنابها و ظاهر أن العلم الذي صار ملكة هو اليقين و عبر عن العفة بالصبر و العفة هي الإمساك عن الشره في فنون الشهوات المحسوسة و عدم الانقياد للشهوة و قهرها و تصريفها بحسب الرأيالصحيح و مقتضى الحكمة المذكورة.و إنما عبر عنها بالصبر لأنها لازم من لوازمه إذ رسمه أنه ضبط النفس و قهرها عن الانقياد لقبائح اللذات و قيل هو ضبط النفس عن أن يقهرها ألم مكروه ينزل بها و يلزم في العقل احتماله أو يلزمها حب مشتهى يتوق الإنسان إليه و يلزمه في حكم العقل اجتنابه حتى لا يتناوله على غير وجهه و ظاهر أن ذلك يلازم العفة و كذلك عبر عن الشجاعة بالجهاد لاستلزامه إياها إطلاقا لاسم الملزوم على لازمه و الشجاعة هي ملكة الإقدام الواجب على الأمور التي يحتاج الإنسان أن يعرض نفسه لاحتمال المكروه و الآلام الواصلة إليه منها و أما العدل فهو ملكة فاضلة ينشأ عن الفضائل الثلاث المذكورة و تلزمها إذ كل

[بحار الأنوار (ج55-73)] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.