الأقسامالنبوّة والإمامة والولاية وعلوم الأئمة ومعاجزهمالأنبياء السابقون
بحار الأنوار · رقم ٤٥٦

و الجواب عن الأول بأنا نقول إن الشبهة التي ذكرتم تدل على أنه يمتنع كون الجن جسما فلم لا يجوز أن يقال إنه جوهر مجرد عن الجسمية و اعلم أن القائلين بهذا القول فرق الأولى الذين

لا يجوز مثله هاهنا.و عن الرابع أن الشياطين مختارون و لعلهم يفعلون بعض القبائح دون بعض.المسألة التاسعة في تحقيق الكلام في الوسوسة على الوجه الذي قرره الشيخ الغزالي في كتاب الإحياء قال القلب مثل قبة لها أبواب تنصب إليها الأحوال من كل باب أو مثل هدف ترمى إليه السهام من كل جانب أو مثل مرآة منصوبة يجتاز عليها الأشخاص فيتراءى فيها صورة بعد صورة أو مثل حوض ينصب إليه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة و اعلم أن مداخل هذه الآثار المجددة في القلب ساعة فساعة إما من الظاهر كالحواس الخمس و إما من الباطن كالخيال و الشهوة و الغضب و الأخلاق المركبة في مزاج الإنسان فإنه إذا أدرك بالحواس شيئا حصل منه أثر في القلب و كذا إذا هاجت الشهوة أو الغضب حصل من تلك الأحوال آثار في القلب و أما إذا منع الإنسان عن الإدراكات الظاهرة فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى و ينتقل الخيال من الشيء إلى الشيء و بحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال فالقلب دائما في التغير و التأثر من هذه الأسباب و أخص الآثار الحاصلة في القلب هي الخواطر و أعني بالخواطر ما يعرض فيه من الأفكار و الأذكار و أعني بهذا إدراكات و علوما إما على سبيل التجدد و إما على سبيل التذكر فإنما تسمى خواطر من حيث إنها تخطر بالخيال بعد أنكان القلب غافلا عنها فالخواطر هي المحركات للإرادات و الإرادات محركة للأعضاء ثم إن هذه الخواطر المحركة لهذه الإرادات تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر أعني إلى ما يضر في العاقبة و إلى الخير أعني ما ينفع في العاقبة فهما خاطران مختلفان فافتقرا إلى اسمين مختلفين فالخاطر المحمود يسمى إلهاما و المذموم يسمى وسواسا ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر أحوال حادثة فلا بد لها من سبب و التسلسل محال فلا بد من انتهاء الكل إلى واجب الوجود هذا مخلص كلام الغزالي و قد حذفنا التطويل منه.المسألة العاشرة في تحقيق الكلام فيما ذكره الغزالي و اعلم أن هذا الرجل دار حول المقصود إلا أنه لا يحصل الغرض إلا من بعد مزيد التنقيح فنقول لا بد قبل الخوض في المقصود من تقديم مقدمات فالمقدمة الأولى لا شك أن هاهنا مطلوبا و مهروبا و كل مطلوب فإما أن يكون مطلوبا لذاته أو لغيره و لا يجوز أن يكون كل مطلوب مطلوبا لغيره و أن يكون كل مهروب مهروبا عنه لغيره و إلا لزم إما الدور و إما التسلسل و هما محالان فثبت أنه لا بد من الاعتراف بوجود شيء يكون مطلوبا لذاته و وجود شيء يكون مهروبا عنه لذاته.و المقدمة الثانية أن الاستقراء يدل على أن المطلوب بالذات هو اللذة و السرور و المطلوب بالتبع ما يكون وسيلة إليهما و المهروب عنه بالذات هو الألم و الحزن و المهروب عنه بالتبع ما يكون وسيلة إليهما.و المقدمة الثالثة أن اللذيذ عند كل قوة من القوى النفسانية شيء آخر فاللذيذ عند القوة الباصرة شيء و اللذيذ عند القوة السامعة شيء آخر و اللذيذ عند القوة الشهوانية شيء ثالث و اللذيذ عند القوة الغضبية شيء رابع و اللذيذ عند القوة العاقلة شيء خامس.و المقدمة الرابعة أن القوة الباصرة إذا أدركت موجودا في الخارج لزم من حصول ذلك الإدراك البصري وقوف الذهن على ماهية ذلك المرئي و عند الوقوف عليه يحصل العلم بكونه لذيذا أو مؤلما أو خاليا عنهما فإن حصل العلم بكونه لذيذا ترتب على حصول هذا العلم أو الاعتقاد حصول الميل إلى تحصيله و إن حصل العلم بكونه مؤلما ترتب على هذا العلم أو الاعتقاد حصول الميل إلى البعد عنه و الفرار منه و إن لم يحصل العلم بكونه مؤلما و لا بكونه لذيذا لم يحصل في القلب لا رغبة إلى الفرار عنه و لا رغبة إلى تحصيله.المقدمة الخامسة أن العلم بكونه لذيذا إنما يوجب حصول الميل و الرغبة في تحصيله إذا حصل ذلك العلم خاليا عن المعارض و المعاوق فأما إذا حصل هذا المعارض لم يحصل ذلك الاقتضاء مثاله إذا رأينا طعاما لذيذا فعلمنا بكونه لذيذا إنما يؤثر في الإقدام على تناوله إذا لم نعتقد أنه حصل فيه ضرر زائد أما إذا اعتقدنا أنه حصل فيه ضرر زائد فعندئذ يعتبر العقل كيفية المعارضة و الترجيح فأيهما غلب على ظنه أنه راجح عمل بمقتضى ذلك الرجحان و مثال آخر لهذا المعنى أن الإنسان قد يقتل نفسه و قد يلقي نفسه من السطح العالي إلا أنه إنما يقدم على هذا العمل إذا اعتقد أنه بسبب تحمل ذلك العمل المؤلم يتخلص عن مؤلم آخر أعظم منه أو يتوصل به إلى تحصيل منفعة أعلى حالا منها فثبت بما ذكرنا أن اعتقاد كونه لذيذا أو مؤلما إنما يوجب الرغبة و النفرة إذا خلا ذلك الاعتقاد عن المعارض المقدمة السادسة في بيان أن التقرير الذي بيناه يدل على أن الأفعال الحيوانية لها مراتب مترتبة ترتيبا ذاتيا لزوميا عقليا و ذلك لأن هذه الأفعال مصدرها القريب هو القوى الموجودة في العضلات إلا أن هذه القوى صالحة للفعل و الترك فامتنع صيرورتها مصدرا للفعل بدلا عن الترك و للترك بدلا عن الفعل إلا بضميمة تنضم إليها و هي الإرادات ثم إن تلك الإرادات إنما توجد و تحدث لأجل العلم بكونها لذيذة أو مؤلمة ثم إن تلك العلوم إن حصلت بفعل إنسان عاد البحث الأول فيه و لزم إما الدور و إما التسلسل و هما محالان و إما الانتهاء إلى علوم و إدراكات و تصورات تحصل في جوهر النفس من الأسباب الخارجة و هي إما الاتصالات الفلكية على مذهب قوم أو السبب الحقيقي فهو أن الله تعالى يخلق تلك الاعتقادات و العلوم في القلب فهذا تلخيص الكلام في أن الفعل كيف يصدر عن الحيوان إذا عرفت هذا فاعلم أن نفاة الشياطين و نفاة الوسوسة قالوا ثبت أن المصدر القريب للأفعال الحيوانية هو هذه القوى المركوزة في العضلات و الأوتاد و ثبت أن تلك القوى لا تصير مصادر للفعل و الترك إلا عند انضمام الميل و الإرادة إليها و ثبت أن تلك الإرادة من لوازم حصول الشعور بكون ذلك الشيء لذيذا أو مؤلما و ثبت أن حصول ذلك الشعور لا بد و أن يكون بخلق الله تعالى ابتداء أو بواسطة مراتب شأن كل واحد منها في استلزام ما بعده على الوجه الذي قررناه و ثبت أن ترتب كل واحد من هذه المراتب على ما قبله أمر لازم لزوما ذاتيا واجبا فإنه إذا أحس بالشيء و عرف كونه ملائما مال طبعه إليه و إذا مال طبعه إليه تحركت القوة إلى الطلب و إذا حصلت هذه المراتب حصل الفعل لا محالة فلو قدرنا شيطانا من الخارج و فرضنا أنه حصلت له وسوسة كانت تلك الوسوسة عديمة الأثر لأنه إذا حصلت تلك المراتب المذكورة حصل الفعل سواء حصل هذا الشيطان أو لم يحصل و إن لم يحصل مجموع تلك المراتب امتنع حصول الفعل سواء حصل هذا الشيطان أو لم يحصل فعلمنا أن القول بوجود الشيطان و بوجود الوسوسة قول باطل بل الحق أن نقول إن اتفق حصول هذه المراتب في الطرف النافع سميناها بالإلهام و إن اتفق حصولها في الطرف الضار سميناها بالوسوسة هذا تمام الكلام في تقرير هذا الإشكال.و الجواب أن كل ما ذكرتموه حق و صدق إلا أنه لا يبعد أن يكون الإنسان غافلا عن الشيء فإذا ذكره الشيطان ذلك الشيء تذكره ثم عند التذكر ترتب عليه الميل إليه و ترتب الفعل على حصول ذلك الميل فالذي أتى به الشيطان الخارجي ليس إلا ذلك التذكر و إليه الإشارة بقوله تعالى حكاية عن إبليس أنه قال وَ ما ﴿‏كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ‏﴾﴿‏إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي‏﴾ إلا أنه بقي لقائل أن يقول فالإنسان إنما أقدم على المعصية بتذكير الشيطان فالشيطان إن كان إقدامه على المعصية بتذكير شيطان آخر لزم التسلسل و إن كان عمل ذلك الشيطان ليس لأجل شيطان آخر ثبت أن ذلك الشيطان الأول إنما أقدم على ما أقدم عليه لحصول ذلك الاعتقاد في قلبه و لا بد لذلك الاعتقاد الحادث من محدث و ما ذاك إلا الله تعالى و عند هذا يظهر أن الكل من عند الله تعالى فهذا غاية الكلام في هذا البحث الدقيق العميق و صار حاصل الكلام- مَا قَالَهُ سَيِّدُ الرُّسُلِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ هُوَ قَوْلُهُ وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ.و الله أعلم.المسألة الحادية عشر اعلم أن الإنسان إذا جلس في الخلوة و تواترت الخواطر في قلبه فربما صار بحيث كأنه يسمع في داخل قلبه و دماغه أصواتا خفية و حروفا خفية و كأن متكلما يتكلم معه و مخاطبا يخاطبه و هذا أمر وجداني يجده كل أحد من نفسه ثم اختلف الناس في تلك الخواطر فقالت الفلاسفة إن هذه الأشياء ليست حروفا و لا أصواتا و إنما هي تخيلات الأصوات و الحروف و تخيل الشيء عبارة عن حضور رسمه و مثاله في الخيال و هذا كما أنا إذا تخيلنا صورة البحار و الأشخاص فأعيان تلك الأشياء غير موجودة في العقل و القلب بل الموجود في العقل و القلب صورها و أمثلتها و رسومها و هي على سبيل التمثيل جارية مجرى الصورة المرتسمة في المرآة فإذا أحسسنا صورة الفلك و الشمس و القمر في المرآة فإن ذلك ليس بأنه حضرت ذوات هذه الأشياء في المرآة فإن ذلك محال و إنما الحاصل في المرآة رسوم هذه الأشياء و صورها و أمثلتها فإذا عرفت هذا في تخيل المبصرات فاعلم أن الحال في تخيل الحروف و الكلمات المسموعة كذلك فهذا قول جمهور الفلاسفة و لقائل أن يقول هذا الذي سميته بتخيل الحروف و الكلمات هل هو مساو للحروف و الكلمة في الماهية أو لا فإن حصلت المساواة فقد عادالكلام إلى أن الحاصل في الخيال حقائق الحروف و الأصوات و إلى أن الحاصل في الخيال عند تخيل البحر و السماء حقيقة البحر و السماء و إن كان الحق هو الثاني و هو أن الحاصل في الخيال شيء آخر مخالف للمبصرات و المسموعات فحينئذ يعود السؤال و هو أنا كيف نجد من أنفسنا صور هذه المرئيات و كيف نجد من أنفسنا هذه الكلمات و العبارات وجدانا لا نشك أنها حروف متوالية على العقل متعاقبة على الذهن فهذا منتهى الكلام في كلام الفلاسفة و أما الجمهور الأعظم من أهل العلم فإنهم سلموا أن هذه الخواطر المتوالية المتعاقبة حروف و أصوات خفية.و اعلم أن القائلين بهذا القول قالوا فاعل هذه الحروف و الأصوات إما ذلك الإنسان أو إنسان آخر و إما شيء روحاني مباين يمكنه إلقاء هذه الحروف و الأصوات إلى هذا الإنسان سواء قيل إن ذلك المتكلم هو الجن و الشياطين أو الملك و إما أن يقال خالق تلك الحروف و الأصوات هو الله تعالى أما القسم الأول و هو أن فاعل هذه الحروف و الأصوات هو ذلك الإنسان فهذا قول باطل لأن الذي يحصل باختيار الإنسان يكون قادرا على تركه فلو كان حصول هذه الخواطر بفعل الإنسان لكان الإنسان إذا أراد دفعها أو تركها لقدر عليه و معلوم أنه لا يقدر على دفعها فإنه سواء حاول فعلها أو حاول تركها فتلك الخواطر تتوارد على طبعه و تتعاقب على ذهنه بغير اختياره.و أما القسم الثاني و هو أنها حصلت بفعل إنسان آخر فهو ظاهر الفساد و لما بطل هذان القسمان بقي الثالث و هي أنها من فعل الجن أو الملك أو من فعل الله تعالى و أما الذين قالوا إن الله لا يجوز أن يفعل القبائح فاللائق بمذهبهم أن يقولوا إن هذه الخواطر الخبيثة ليست من فعل الله تعالى فبقي أنها من أحاديث الجن و الشياطين و أما الذين قالوا إنه لا يقبح من الله شيء فليس في مذهبهم مانع يمنعهم من نسبةإسناد هذه الخواطر إلى الله تعالى.و اعلم أن الثنوية يقولون للعالم إلهان أحدهما خير و عسكره الملائكة و الثاني شر و عسكره الشياطين و هما يتنازعان أبدا و كل شيء في هذا العالم فلكل واحد منهما تعلق به فالخواطر الداعية إلى أعمال الخير إنما حصلت من عساكر الله و الخواطر الداعية إلى أعمال الشر إنما حصلت من عساكر الشيطان و اعلم أن القول بإثبات إلهين قول باطل على ما ثبت فساده بالدلائل فهذا منتهى القول في هذا الباب.المسألة الثانية عشر من الناس من أثبت لهذه الشياطين قدرة على الإحياء و على الإماتة و على خلق الأجسام و على تغيير الأشخاص عن صورتها الأصلية و خلقتها الأولوية و منهم من أنكر هذه الأحوال و قال إنه لا قدرة لها على شيء من هذه الأحوال و أما أصحابنا فقد أقاموا الدلالة على أن القدرة على الإيجاد و التكوين و الإحداث ليست إلا لله فبطلت هذه المذاهب كلها بالكلية و أما المعتزلة فقد سلموا أن الإنسان قادر على إيجاد بعض الحوادث فلا جرم صاروا محتاجين إلى بيان أن هذه الشياطين لا قدرة لها على خلق الأجسام و الحياة و دليلهم هو أن قالوا الشيطان جسم و كل جسم فإنه قادر بالقدرة و القدرة التي لنا لا تحصل لإيجاد الأجسام فهذه مقدمات ثلاث فالمقدمة الأولى أن الشيطان جسم فقد بنوا هذه المقدمة على أن ما سوى الله إما متحيز و إما حال في المتحيز و ليس لهم في إثبات هذه المقدمة شبهة فضلا عن حجة.و أما المقدمة الثانية و هي قولهم الجسم إنما يكون قادرا بالقدرة فقد بنواهذا على أن الأجسام متماثلة فلو كان شيء منها قادرا لذاته لكان الكل قادرا لذاته و بناء هذه المقدمة على تماثل الأجسام.و أما المقدمة الثالثة و هي قولهم هذه القدرة التي لنا لا تصلح لخلق الأجسام فوجب أن لا تصلح القدرة الحادثة لخلق الأجسام و هذا أيضا ضعيف لأنه يقال لهم لم لا يجوز حصول قدرة مخالفة لهذه القدرة الحاصلة لنا و تكون تلك القدرة صالحة لخلق الأجسام فإنه لا يلزم من عدم وجود الشيء في الحال امتناع وجوده فهذا تمام الكلام في هذه المسألة.المسألة الثالثة عشر اختلفوا في أن الجن هل يعلمون الغيب و قد بين الله تعالى في كتابه أنهم بقوا في قيد سليمان (عليه السلام) و في حبسه بعد موته مدة و هم ما كانوا يعلمون موته و ذلك يدل على أنهم لا يعلمون الغيب و من الناس من يقول إنهم يعلمون الغيب ثم اختلفوا فقال بعضهم إن فيهم من يصعد إلى السماوات أو يقرب منها و يتلقى بعض تلك الغيوب على ألسنة الملائكة و منهم من قال إن لهم طرقا أخرى في معرفة الغيوب عن الله تعالى.و اعلم أن فتح الباب في مثل هذه المباحث لا يفيد إلا الظنون و الحسبانات و العالم بحقائقها هو الله سبحانه و تعالى.و قال أيضا في تفسير سورة الجن اختلف الناس قديما و حديثا في ثبوت الجن و نفيه فالنقل الظاهر عن أكثر الفلاسفة إنكاره و ذلك لأن أبا علي بن سينا قال في رسالته في حدود الأشياء الجن حيوان هوائي متشكل بأشكال مختلفة ثم قال و هذا شرح للاسم.فقوله فهذا شرح للاسم يدل على أن هذا الحد شرح المراد من هذا اللفظو ليس لهذه الحقيقة وجود في الخارج.و أما جمهور أرباب الملل و المصدقين للأنبياء (عليه السلام) فقد اعترفوا بوجود الجن و اعترف به جمع عظيم من قدماء الفلاسفة و أصحاب الروحانيات و يسمونها بالأرواح السفلية و زعموا أن الأرواح السفلية أسرع إجابة إلا أنها أضعف و أما الأرواح الفلكية فهي أبطأ إجابة إلا أنها أقوى.و اختلف المثبتون على قولين فمنهم من زعم أنها ليست أجساما و لا حاله في الأجسام بل هي جواهر قائمة بأنفسها قالوا و لا يلزم من هذا أن يقال إنها تكون مساوية لذات الله لأن كونها ليست أجساما و لا جسمانية سلوب و المشاركة في السلوب لا تقتضي المساواة في الماهية قالوا ثم إن هذه الذوات بعد اشتراكها في هذه السلوب أنواع مختلفة بالماهية كاختلاف ماهيات الأعراض بعد استوائها في الحاجة إلى المحل فبعضها خيرة و بعضها شريرة و بعضها كريمة حرة محبة للخيرات و بعضها دنيئة خسيسة محبة للشرور و الآفات و لا يعرف عدد أنواعهم و أصنافهم إلا الله تعالى قالوا و كونها موجودات مجردة لا يمنع من كونها عالمة بالخيرات قادرة على الأفعال فهذه الأرواح يمكنها أن تسمع و تبصر و تعلم الأفعال الخيرة فيفعل الأفعال المخصوصة و لما ذكرنا أن ماهياتها مختلفة لا جرم لا يبعد أن يكون في أنواعها ما يقدر على أفعال شاقة عظيمة يعجز عنها قدرة البشر و لا يبعد أيضا أن يكون لكل نوع منها تعلق بنوع مخصوص من أجسام هذا العالم و كما أنه دلت الدلائل الطبيعية على أن التعلق الأول للنفس الناطقة التي ليس للإنسان إلا هي هي الأرواح و هي أجسام بخارية لطيفة تتولد من ألطف أجزاء الدم و تتكون في الجانب الأيسر من القلب ثم بواسطة تعلق النفس بهذه الأرواح تصير متعلقة بالأعضاء التي تسري فيها هذه الأرواح لم يبعد أيضا أنه يكون لكل واحد من هؤلاء الجن تعلق بجزء من أجزاء الهواء فيكون ذلك الجزء من الهواء هو المتعلق الأول لذلك الروح ثم بواسطة سريان ذلك الهواء في جسم آخر كثيف يحصل لتلك الأرواح تعلق و تصرف في تلك الأجسام الكثيفة.و من الناس من ذكر في الجن طريقة أخرى فقال هذه الأرواح البشرية و النفوس الناطقة إذا فارقت أبدانها ازدادت قوة و كمالا بسبب ما في ذلك العالم الروحاني من انكشاف الأسرار الروحانية فإذا اتفق أن حدث بدن آخر مشابه لما كان لتلك النفس المفارقة من البدن فبسبب تلك المشاكلة يحصل لتلك النفس المفارقة تعلق ما بهذا البدن و تصير تلك النفس المفارقة كالمعاونة لنفس ذلك البدن في أفعالها و تدبيرها لذلك البدن فإن الجنسية علة الضم فإن اتفقت هذه الحالة في النفوس الخيرة سمي ذلك المعين ملكا و تلك الإعانة إلهاما و إن اتفقت في النفوس الشريرة سمي ذلك المعين شيطانا و تلك الإعانة وسوسة و القول الثاني في الجن أنهم أجسام ثم القائلون بهذا المذهب اختلفوا على قولين منهم من زعم أن الأجسام مختلفة في ماهياتها إنما المشترك بينها صفة واحدة و هي كونها بأسرها حاصلة في الحيز و المكان و الجهة و كونها موصوفة بالطول و العرض و العمق و هذه كلها إشارة إلى الصفات و الاشتراك في الصفات لا يقتضي الاشتراك في تمام الماهية لما ثبت أن الأشياء المختلفة في تمام الماهية لا يمتنع اشتراكها في

[بحار الأنوار (ج55-73)] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.