الأقسامالنبوّة والإمامة والولاية وعلوم الأئمة ومعاجزهمالأنبياء السابقون
بحار الأنوار · رقم ٤٥٦

و الجواب عن الأول بأنا نقول إن الشبهة التي ذكرتم تدل على أنه يمتنع كون الجن جسما فلم لا يجوز أن يقال إنه جوهر مجرد عن الجسمية و اعلم أن القائلين بهذا القول فرق الأولى الذين

لازم واحد قالوا و ليس لأحد أن يحتج على تماثل الأجسام بأن يقال الجسم من حيث إنه جسم له حد واحد و حقيقة واحدة فيلزم أن لا يصل التفاوت في ماهية الجسم من حيثهو جسم بل إن حصل التفاوت حصل في مفهوم زائد على ذلك و أيضا فلأنه يمكننا تقسيم الجسم إلى اللطيف و الكثيف و العلوي و السفلي و مورد التقسيم مشترك بين الأقسام فالأقسام كلها مشتركة في الجسمية و التفاوت إنما يحصل بهذه الصفات و هي اللطافة و الكثافة و كونها علوية و سفلية قالوا و هاتان الحجتان ضعيفتان.أما الحجة الأولى فلأنا نقول كما أن الجسم من حيث إنه جسم له حد واحد و حقيقة واحدة فكذا العرض من حيث إنه عرض له حد واحد و حقيقة واحدة فيلزم منه أن تكون الأعراض كلها متساوية في تمام الماهية و هذا مما لا يقوله عاقل بل الحق عند الفلاسفة أنه ليس للأعراض البتة قدر مشترك بينها من الذاتيات إذ لو حصل بينها قدر مشترك لكان ذلك المشترك جنسا لها و لو كان كذلك لما كانت التسعة أجناسا عالية بل كانت أنواع جنس واحد.إذا ثبت هذا فنقول الأعراض من حيث إنها أعراض لها حقيقة واحدة و لم يلزم من ذلك أن يكون بينها ذاتي مشترك أصلا فضلا عن أن تكون متساوية في تمام الماهية فلم لا يجوز أن يكون الحال في الجسم كذلك فإنه كما أن الأعراض مختلفة في تمام الماهية ثم إن تلك المختلفات متساوية في وصف عارض و هو كونه عارضا لموضوعاتها فكذا من الجائز أن يكون ماهيات الأجسام مختلفة في تمام ماهياتها ثم إنها تكون متساوية في وصف عارض و هو كونها مشارا إليها بالحس و حاصلة في الحيز و المكان و موصوفة بالأبعاد الثلاثة فهذا الاحتمال لا دافع له أصلا.و أما الحجة الثانية و هي قولهم إنه يمكن تقسيم الجسم إلى اللطيف و الكثيف فهي أيضا منقوضة بالعرض فإنه يمكن تقسيم العرض إلى الكيف و الكم و لم يلزم أن يكون هناك قدر مشترك من الذاتي فضلا عن التساوي في كل الذاتيات فلم لا يجوز أن يكون الأمر هنا أيضا كذلك و إذا ثبت أنه لا امتناع في كون الأجسام مختلفة و لم يدل دليل على بطلان هذا الاحتمال و حينئذ قالوا لا يمتنع في بعض الأجسام اللطيفة الهوائية أن تكون مخالفة لسائر أنواع الهواء في الماهية ثم يكون تلك الماهية تقتضي لذاتها علما مخصوصا و قدرة مخصوصة على أفعال عجيبة و على هذا التقدير يكون القول بالجن ظاهر الاحتمال و تكون قدرتها على التشكل بالأشكال المختلفة ظاهرة الاحتمال.القول الثاني قول من قال الأجسام متساوية في تمام الماهية و القائلون بهذا المذهب أيضا فرقتان الفرقة الأولى الذين زعموا أن البنية ليست شرطا في الحياة و هذا قول الأشعري و جمهور أتباعه و أدلتهم في هذا الباب ظاهرة قوية قالوا لو كانت البنية شرطا في الحياة لكان إما أن يقال إن الحياة الواحدة قامت بمجموع الأجزاء أو يقال قام بكل واحدة من الأجزاء حياة واحدة على حدة و الأول محال لأن حلول العرض الواحد في المحال الكثيرة دفعة واحدة غير معقول.و الثاني أيضا باطل لأن الأجزاء التي منها تألف الجسم متساوية و الحياة القائمة بكل واحد منها متساوية للحياة القائمة بالجزء الآخر و حكم الشيء حكم مثله فلو افتقر قيام الحياة بهذا الجزء إلى قيام تلك الحياة بذلك الجزء يحصل هذا الافتقار من الجانب الآخر فيلزم وقوع الدور و هو محال و إن لم يحصل هذا الافتقار فحينئذ ثبت أن قيام الحياة بهذا الجزء لا يتوقف على قيام الحياة الثانية بذلك الجزء الثاني و إذا بطل هذا التوقيف ثبت أنه يصح كون الجزء الواحد موصوفا بالحياة و العلم و في القدرة و الإرادة و بطل القول بأن البنية شرط قالوا و أما دليل المعتزلة و هو أنه لا بد من البنية فليس إلا الاستقراء و هو أنا رأينا أنه متى فسدت البنية بطلت الحياة و متى لم تفسد بقيت الحياة فوجب توقف الحياة على حصول البنية إلا أن هذا ركيك فإن الاستقراء لا يفيد القطع بالوجوب فما الدليل على أن حال ما لم يشاهد كحال ما شوهد و أيضا فلأن هذا الكلام إنما يستقيم على قول من ينكر خرق العادات أما من يجوزها فهذا لا يتمشى على مذهبه و الفرق بينهما في جعل بعضها على سبيل العادة و جعل بعضها على سبيل الوجوب تحكم محض لا سبيل إليه فثبت أن البنية ليست شرطا في الحياةو إذا ثبت هذا لم يبعد أن يخلق الله تعالى في الجوهر الفرد علما بأمور كثيرة و قدرة على أشياء شاقة شديدة و عند هذا ظهر القول بإمكان وجود الجن سواء كانت أجسامهم لطيفة أو كثيفة و سواء كانت أجرامهم كبيرة أو صغيرة.القول الثاني أن البنية شرط الحياة و أنه لا بد من صلابة من البنية حتى يكون قادرا على الأفعال الشاقة.فهاهنا مسألة أخرى و هي أنه هل يمكن أن يكون المرئي حاضرا و الموانع مرتفعة و الشرائط من القرب و البعد حاصلة و تكون الحاسة سليمة ثم مع هذا لا يحصل الإدراك أو يكون هذا ممتنعا عقلا أما الأشعري و أتباعه فقد جوزوه و أما المعتزلة فقد حكموا بامتناعه عقلا و استدل الأشعري على قوله بوجوه عقلية و نقلية أما العقلية فأمران.الأول أنا نرى الكبير من البعيد صغير و ما ذاك إلا أنا نرى بعض أجزاء ذلك البعيد دون البعض مع أن نسبة الحاسة و جميع الشرائط إلى تلك الأجزاء المرئية كهي بالنسبة إلى الأجزاء التي هي غير مرئية فعلمنا أن مع حصول سلامة الحاسة و حضور المرئي و حصول الشرائط و انتفاء الموانع لا يكون الإدراك واجبا.الثاني أن الجسم الكبير لا معنى له إلا مجموع تلك الأجزاء المتألفة فإذا رأينا ذلك الجسم الكبير على مقدار من البعد فقد رأينا تلك الأجزاء فإما أن تكون رؤية هذا الجزء مشروطة برؤية ذلك الجزء الآخر أو لا يكون فإن كان الأول لزم الدور لأن الأجزاء متساوية فلو افتقرت رؤية هذا الجزء إلى رؤية ذلك الجزء لافتقرت أيضا رؤية ذلك الجزء إلى رؤية هذا الجزء فيقع الدور و إن لم يحصل هذا الافتقار فحينئذ رؤية الجوهر الفرد على القدر من المسافة تكون ممكنة.ثم من المعلوم أن ذلك الجوهر الفرد لو حصل وحده من غير أن ينضم إليه سائر الجواهر فإنه لا يرى فعلمنا أن حصول الرؤية عند اجتماع جملة الشرائط لا يكون واجبا بل جائزا.و أما المعتزلة فقد عولوا على أنا إن جوزنا ذلك لجوزنا أن يكون بحضرتنا طبلات و بوقات و لا نراها و لا نسمعها و إذا عارضناهم بسائر الأمور العادية و قلنا لهم فجوزوا أن يقال انقلبت مياه البحار ذهبا و فضة و الجبال ياقوتا و زبرجدا و حصل في السماء حال ما غمضت العين ألف شمس و قمر ثم كما فتحت العين أعدمها الله تعالى عجزوا عن الفرق و السبب في هذا التشويش أن هؤلاء المعتزلة نظروا إلى هذه الأمور المطردة في مناهج العادات فزعموا أن بعضها واجبة و بعضها غير واجبة فلما لم يجدوا قانونا مستقيما و مأخذا سليما بين البابين تشوش الأمر عليهم بل الواجب أن يسوى بين الكل فيحكم على الكل بالوجوب كما هو قول الفلاسفة أو على الكل بعدم الوجوب كما هو قول الأشعري فأما التحكم في الفرق فهو بعيد.إذا ثبت هذا ظهر جواز القول بالجن و أن أجسامهم و إن كانت كثيفة قوية إلا أنه لا يمتنع أن لا نراها و إن كانوا حاضرين هذا على قول الأشعري فهذا هو تفصيل هذه الوجوه.و أنا متعجب من هؤلاء المعتزلة أنهم كيف يصدقون ما جاء في القرآن من إثبات الملك و الجن مع استمرارهم على مذاهبهم و ذلك لأن القرآن دل على أن للملائكة قوة عظيمة على الأفعال الشاقة و الجن أيضا كذلك و هذه القدرة لا تثبت إلا في الأعضاء الكثيفة الصلبة فإذا يجب في الملك و الجن أن يكونوا كذلك ثم إن هؤلاء الملائكة حاضرون عندنا أبدا و هم الكرام الكاتبون و الحفظة و يحضرون أيضا عند قبض الأرواح و قد كانوا يحضرون عند الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) و إن أحدا من القوم ما كان يراهم و كذلك الناس الجالسون عند من يكون في النزع لا يرون أحدا فإن وجبت رؤية الكثيف عند الحضور فلم لا نراها و إن لم تجب الرؤية فقد بطل مذهبهم و إن كانوا موصوفين بالقوة و الشدة مع عدم الكثافة و الصلابة فقد بطل قولهم إن البنية شرط الحياة فإن قالوا إنها أجسام لطيفة و لكنها للطافتها لا تقدر على الأعمال الشاقة فهذا إنكار لصريح القرآن و بالجملة فحالهم في الإقرار بالملك و الجن مع هذه المذاهب عجيبة.بيان أقول إنما أوردت هذه الأقوال الركيكة لتطلع على مذاهب جميع الفرق في ذلك و قد عرفت ما دلت عليه الآيات و الأخبار المعتبرة و أشرنا إلى ما هو الحق الحقيق بالإذعان و لم نتعرض لتزييف الأقوال السخيفة حذرا من الإطناب.قوله فآذنوه ثلاثة أيام أي فأعلموه و أتموا الحجة عليه قال النووي فإنه إذا لم يذهب بالإنذار علمتم أنه ليس من عوامر البيوت و لا ممن أسلم من الجن بل هو شيطان فاقتلوه و لن يجعل الله له سبيلا إلى الانتصار عليكم بثأره بخلاف العوامر و صفة الإنذار أن يقول أنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان أن تؤذونا و أن تظهروا لنا قالوا لا تقتل حيات المدينة إلا بالإنذار و في غيرها يقتل بغيره بسبب أن طائفة من الجن أسلم بها و قيل النهي في حيات البيوت في جميع البلاد و ما ليس في البيوت يقتل بدونه انتهى.و أقول و في بعض رواياتهم فليحرج عليها قال في النهاية قوله (عليه السلام) في قتل الحيات فليحرج عليها هو أن يقول لها أنت في حرج أي ضيق إن عدت إلينا فلا تلومينا إن ضيق عليك بالتتبع و الطرد و القتل انتهى.و قال النووي يقول أحرج عليك بالله و اليوم الآخر أن لا تبدوا لنا و لا تؤذونا و لا تظهروا لنا فإن لم يذهب أو عاد بعده فاقتلوه فإنه إما جني كافر أو حية و قوله شيطان أي ولد من أولاد إبليس أو حية.[كلمة المحقّق]الحمد لله ربّ العالمين و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطيبين الطاهرين و بعد فقد وفّقنا الله تبارك و تعالى لتصحيح هذا الجزء من كتاب بحار الأنوار و هو الجزء الستّون حسب تجزئتنا قد بذلنا الجهد و المجهود في تصحيحه و تنميقه و مقابلته بالنسخ و بمصادره و علّقنا عليه تعليقاً مختصراً تتميماً لما لم يذكره المصنّف من غريب الغة و غيره و تبياناً لما اختلف في مصادره من نصوصه و كان المرجع في تصحيحنا مضافا إلى النسخة المطبوعة المعروفة بطبعة أمين الضرب و النسخة المعروفة بطبعة الخونساريّ نسخة مخطوطة أرسلها الفاضل المحترم السيّد جلال الدين الأرمويّ دامت توفيقاته استكتبها أبو القاسم الرضويّ الموسويّ الخونساريّ في سنة 1235 نشكر الله تعالى على توفيقنا لذلك و نسأله المزيد من توفيقه و إفضاله إنّه ذو الفضل العظيم.قم المشرفة: عبد الرحيم الربانيّ الشيرازيّ عفى عنه و عن والديه رمضان 1390 ق

[بحار الأنوار (ج55-73)] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.