الأقسامالعبادات والطهارة والأدعية والزياراتالصوم
بحار الأنوار · رقم ١٣٨

أَقُولُ قَدْ مَرَّ نَقْلًا عَنِ الْعُيُونِ عَنِ الرِّضَا (عليه السلام)

مِنْ دُعَائِهِ (عليه السلام) إِذَا نَظَرَ إِلَى الْهِلَالِ أَيُّهَا الْخَلْقُ الْمُطِيعُ الدَّائِبُ السَّرِيعُ الْمُتَرَدِّدُ فِي مَنَازِلِ التَّقْدِيرِ الْمُتَصَرِّفُ فِي فَلَكِ التَّدْبِيرِ آمَنْتُ بِمَنْ نَوَّرَ بِكَ الظُّلَمَ وَ أَوْضَحَ بِكَ الْبُهَمَ وَ جَعَلَكَ آيَةً مِنْ آيَاتِ مُلْكِهِ وَ عَلَامَةً مِنْ عَلَامَاتِ سُلْطَانِهِ وَ امْتَهَنَكَ بِالزِّيَادَةِ وَ النُّقْصَانِ وَ الطُّلُوعِ وَ الْأُفُولِ وَ الْإِنَارَةِ وَ الْكُسُوفِ فِي كُلِّ ذَلِكَ أَنْتَ لَهُ مُطِيعٌ وَ إِلَى إِرَادَتِهِ سَرِيعٌ سُبْحَانَهُ مَا أَعْجَبَ مَا دَبَّرَ فِي أَمْرِكَ وَ أَلْطَفَ مَا صَنَعَ فِي شَأْنِكَ جَعَلَكَ مِفْتَاحَ شَهْرٍ حَادِثٍ لِأَمْرٍ حَادِثٍ إِلَى آخِرِ الدُّعَاءِ.تنوير اعلم أن الهلال إنما سمي هلالا لجريان عادتهم برفع الأصوات عند رؤيته من الإهلال و هو رفع الصوت و قد اضطربوا في تحديد الوقت الذي يسمى فيه بهذا الاسم فقال في الصحاح الهلال أول ليلة و الثانية و الثالثة ثم هو قمر و زاد صاحب القاموس فقال الهلال غرة القمر أو لليلتين أو إلى ثلاث أو إلى سبع و لليلتين من آخر الشهر ست و عشرين و سبع و عشرين و في غير ذلك قمر و قال في مجمع البيان اختلفوا في أنه إلى كم يسمى هلالا و متى يسمى قمرا فقال بعضهم يسمى هلالا لليلتين من الشهر ثم لا يسمى هلالا إلى أن يعود في الشهر الثاني و قال آخرون يسمى هلالا ثلاث ليال ثم يسمى قمرا و قال آخرون يسمى هلالا حتىيحجر و تحجيره أن يستدير بخط دقيق و هذا قول الأصمعي و قال بعضهم يسمى هلالا حتى يبهر ضوؤه سواد الليل ثم يقال قمر و هذا يكون في الليلة السابعة انتهى و قالوا إنما يسمى بعد الهلال قمرا لبياضه فإن الأقمر هو الأبيض و قيل لأنه يقمر الكواكب أي يغلبها بزيادة النور و يسمى في الليلة الرابعة عشر بدرا قال في الصحاح سمي بذلك لمبادرته الشمس في الطلوع كأنه يعجلها المغيب و يقال سمي لتمامه انتهى أي تشبيها له بالبدرة الكاملة و هي عشرة آلاف درهم قال الشيخ البهائي ره يمتد وقت الدعاء بامتداد وقت التسمية هلالا و الأولى عدم تأخيره عن الأولى عملا بالمتيقن المتفق عليه لغة و عرفا فإن لم يتيسر فعن الثانية لقول أهل اللغة بالامتداد إليها فإن فاتت فعن الثالثة لقول كثير منهم بأنها آخر لياليه.و أما ما ذكره صاحب القاموس و شيخنا أبو علي ره من إطلاق الهلال عليه إلى السابعة فهو خلاف المشهور لغة و عرفا و كأنه مجاز من قبيل إطلاقه عليه في الليلتين الأخيرتين ثم قال و لو قيل بامتداد ذلك إلى ثلاث ليال لم يكن بعيدا فلو نذر قراءة دعاء الهلال عند رؤيته و قلنا بالمجازية فيما فوق الثلاث لم تجب عليه القراءة برؤيته فيما فوقها حملا للمطلق على الحقيقة و هل تشرع الظاهر نعم إن رآه في تتمة السبع رعاية لجانب الاحتياط فأما فيما فوقها فلا لأنه تشريع و لو رآه يوم الثلاثين فلا وجوب على الظاهر لعدم تسميته حينئذ هلالا.قوله (عليه السلام) أيها الخلق المطيع الخلق في الأصل مصدر بمعنى الإبداع و التقدير ثم استعمل بمعنى المخلوق كالرزق بمعنى المرزوق و إطاعته كناية عن تأتي كل ما أراده سبحانه فيه تشبيها بإطاعة العبد لمولاه الدائب السريع يقال دأب فلان في عمله أي جد و تعب و جاء في تفسير قوله تعالى وَ سَخَّرَ لَكُمُالشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ أي مستمرين في عملهما على عادة مقررة جارية قال الشيخ البهائي ره وصفه (عليه السلام) القمر بالسرعة ربما يعطي بحسب الظاهر أن يكون المراد سرعته باعتبار حركته الذاتية التي يدور بها على نفسه و تحرك جميع الكواكب بهذه الحركة مما قال به جم غفير من أساطين الحكماء و هو يقتضي كون المحو المرئي في وجه القمر شيئا غير ثابت في جرمه و إلا لتبدل وضعه كما قاله سلطان المحققين في شرح الإشارات و الأظهر أن ما وصفه به (عليه السلام) من السرعة إنما هو باعتبار حركته العرضية التي يتوسط فلكه فإن تلك الحركة على تقدير وجودها غير محسوسة و لا معروفة و الحمل على المحسوس المتعارف أولى و سرعة حركة القمر بالنسبة إلى سائر الكواكب أما الثوابت فظاهر لكون حركتها من أبطإ الحركات حتى أن القدماء لم يدركوها و أما السيارات فلأن زحل يتم الدورة في ثلاثين سنة و المشتري في اثنتي عشرة سنة و المريخ في سنة و عشرة أشهر و نصف و كلا من الشمس و الزهرة و عطارد في قريب من سنة و أما القمر فيتم الدورة في قريب من ثمانية و عشرين يوما و لا يبعد أن يكون وصفه (عليه السلام) القمر بالسرعة باعتبار حركته المحسوسة على أنها ذاتية له بناء على تجويز كون بعض حركات السيارات في أفلاكها من قبيل حركة الحيتان في الماء كما ذهب إليه جماعة و يؤيده ظاهر قوله تعالى كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ و دعوى امتناع الخرق و الالتئام على الأفلاك لم تقترن بالثبوت و ما لفقه الفلاسفة لإثباتها أوهن من بيت العنكبوت لابتنائه على عدم قبول الفلك بأجزائها الحركة المستقيمة و دون ثبوته خرط القتاد و التنزيل الإلهي الذي ﴿‏لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ‏﴾ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ ناطق بانشقاقها و ما ثبت من معراج نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) بجسده المقدس إلى السماء السابعة فصاعدا شاهد بانخراقها المتردد في منازل التقدير أي السائر في المنازل التي قدرها الله تعالى لهاإشارة إلى قوله تعالى وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ و هي المنازل الثمانية و العشرون التي يقطعها في كل شهر بحركته الخاصة فيرى كل ليلة نازلا بقرب واحد منها قال نصير الملة و الدين ره في التذكرة و أما منازل القمر فهي من الكواكب القريبة من منطقة البروج جعلها العرب علامات الأقسام الثمانية و العشرين التي قسمت المنطقة بها لتكون مطابقة لعدد أيام دور القمر و قال الخفري في شرحه و المراد من المنزل المسافة التي يقطعها القمر في يوم بليلته و منازل القمر عند أهل الهند سبعة و عشرون يوما بليلته و ثلث فحذفوا الثلث لكونه أقل من النصف كما هو عادة أهل التنجيم و أما عند العرب فهي ثمانية و عشرون لا لأنهم تمموا الثلث واحدا كما قال البعض بل لأنه لما كان سنوهم لكونها باعتبار الأهلة مختلفة الأوائل لوقوعها في وسط الصيف تارة و في وسط الشتاء أخرى احتاجوا إلى ضبط سنة الشمس لمعرفة فصول السنة حتى يشتغلوا في استقبال كل فصل منها بما يهمهم فيه فنظروا إلى القمر فوجدوه يعود إلى وضع له من الشمس في قريب من الثلاثين يوما و يختفي في آخر الشهر ليلتين أو أكثر أو أقل فأسقطوا يومين من الثلاثين فبقي ثمانية و عشرون و هو الزمان الواقع في الأغلب بين رؤيته بالعشيات في أول الشهر و رؤيته بالغدوات في آخره فقسموا دور الفلك عليه فكان كل منزل اثنتي عشرة درجة و إحدى و خمسين دقيقة تقريبا أي ستة أسباع درجة فنصيب كل برج منزلان و ثلث ثم وجدوا الشمس تقطع كل منزل في ثلاثة عشر يوما بالتقريب فصار المنازل في ثلاثمائة و أربعة و ستين يوما لكن عود الشمس إلى كل منزل إنما يكون في ثلاثمائة و خمسة و ستين يوما فزادوا يوما في أيام منازل غفر و قد يحتاج إلى زيادة يومين للكبيسة حتى تصير أيامه خمسة عشر و يكون انقضاء أيام السنة الشمسية مع انقضاء أيام المنازل و رجوع الأمر إلى منزل جعل مبدأ ثم إنهم جعلوا علامات المنازل من الكواكب الظاهرة القريبة من المنطقة مما يقارب ممر القمر أو يحاذيه فيرى كل ليلة نازلا بقرب أحدهافإن سترها يقال كفحه فكافحه أي واجهه فغلبه و لا يتفاءل به و إن لم يستره يقال عدل القمر و يتفاءل به و إذا أسرع القمر في سيره فقد يخلي منزلا في الوسط و إذا أبطأ فقد يبقى ليلتين في منزل أول ليلتين في أوله و آخرهما في آخره و قد يرى في بعض الليالي بين منزلين و ما يقال في المشهور إن الظاهر من المنازل في كل ليلة يكون أربعة عشر و كذا الخفي و إنه إذا طلع منزل غاب رقيبه و هو الخامس عشر من الطالع ظاهر الفساد لأنها ليست على نفس المنطقة و لا أبعاد ما بينهما متساوية و لهذا قد يكون الظاهر ستة عشر أو سبعة عشر.و يمكن أن يقال إن مرادهم من المنازل نفس المنازل لا علاماتها و حينئذ يصح الحكمان المذكوران و بمثل ما ذكر يعلم فساد ما هو المشهور أيضا من أن ستة بروج ظاهرة و ستة خفية فإنه أيضا إنما يصح بمقتضى الحساب في نفس البروج لا بحسب صورها من الثوابت لأنها لا تقسم المنطقة على سواء بحيث ينطبق أول صورة كل برج على أوله و آخرها على آخره و لعل مرادهم بذلك أن نصف البروج نفسها ظاهرة لا أن نصف صورها ظاهرة فيندفع الخلل عن هذا القول أيضا و العرب تسمي خروج المنزل من ضياء الفجر طلوعه و غروب رقيبه وقت الصبح سقوطه و تسمي المنازل التي يكون طلوعها في مواسم المطر الأنواء و رقباءها إذا طلعت في غير مواسم المطر البوارح و الأربعة الشمالية التي أولها الشرطين و آخرها السماك شامية و الباقية التي أولها الغفر و آخرها بطن الحوت يمانية انتهى.و قال الشيخ البهائي ره الظاهر أن مراده (عليه السلام) بتردد القمر في منازل التقدير عوده إليها في الشهر اللاحق بعد قطعه إياها في السابق فتكون كلمة في بمعنى إلى و يمكن أن تبقى على معناها الأصلي بجعل المنازل ظرفا للتردد فإن حركته التي يقطع بها تلك المنازل لما كانت مركبة من شرقية و غربية جعل كأنه لتحركه فيها بالحركتين المختلفتين متردد يقدم رجل و يؤخر أخرىو أما على رأي من يمنع جواز قيام الحركتين المختلفتين بالجسم و يرى أن للنملة المتحركة بخلاف حركة الرحى سكونا حال حركتها فتشبيهه بالمتردد أظهر.المتصرف في فلك التدبير التصرف التقلب إشارة إلى أن تقلباته و تغيراته بتدبير الحكيم الخبير و الفلك مجرى الكواكب سمي به تشبيها بفلكة المغزل في الاستدارة و الدوران قال أبو ريحان إن العرب و الفرس سلكوا في تسمية السماء مسلكا واحدا فإن العرب تسمي السماء فلكا تشبيها لها بفلكة الدولاب و الفرس سموها بلغتهم آسمان تشبيها لها بالرحى فإن آس هو الرحى بلسانهم و مان دال على التشبيه انتهى.و قال الشيخ البهائي ره المراد بفلك التدبير أقرب الأفلاك التسع إلى عالم العناصر أي الفلك الذي يتدبر بعض مصالح عالم الكون و الفساد و قد ذكر بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً أن المراد بها الأفلاك و هو أحد الوجوه التي أوردها الطبرسي ره و يمكن أن يكون على ضرب من المجاز كما يسمى ما يقطع به الشيء قاطعا و ربما يوجد في بعض النسخ المتصرف في فلك التدوير و هو صحيح أيضا و إن كانت النسخة الأولى أصح و المراد به رابع أفلاك القمر و هو الفلك الغير المحيط بالأرض المركوز هو فيه المتحرك أسفله على توالي البروج و أعلاه بخلافه مخالفا لسائر تداوير السيارة كل يوم ثلاث عشرة درجة و ثلاث دقائق و أربعا و خمسين ثانية و هو مركوز في ثخن ثالث أفلاكه المسمى بالحامل المباعد مركزه عن مركز العالم بعشر درج المتحرك على التوالي كل يوم أربعا و عشرين درجة و اثنتين و عشرين دقيقة و ثلاث و خمسين ثانية و هو واقع في ثخن ثاني أفلاكه المسمى بالمائل الموافق مركزه مركز العالم المماس مقعره بمحدب النار الفاضل عن الحامل الموافق له في ميل منطقته عن منطقة البروج بمتممين متدرجي الرقة إلى نقطتي الأوج و الحضيض المتحرك على خلاف التوالي كل يوم إحدى عشرة درجة و تسع دقائق و سبعثوان و هو واقع في جوف أول أفلاكه المسمى بالجوزهر الموافق مركزه مركز العالم و منطقته منطقة البروج المماس محدبه مقعر ممثل عطارد المتحرك كالثاني كل يوم ثلاث دقائق و إحدى عشرة ثانية ثم قال و لا يبعد أن تكون الإضافة في فلك التدبير من قبيل إضافة الظرف إلى المظروف كقولهم مجلس الحكم و دار القضاء أي الفلك الذي هو مكان التدبير و محله نظرا إلى أن ملائكة سماء الدنيا يدبرون أمر العالم السفلي فيه أو إلى أن كلا من السيارات السبع يدبر في فلكها أمرا هي مسخرة له بأمر خالقها و مبدعها كما ذكره جماعة من المفسرين في تفسير قوله تعالى فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً و يمكن أن يراد بفلك التدبير مجموع الأفلاك الجزئية يتدبر بها الأحوال المنسوبة إلى القمر بأسرها و ينضبط بها الأمور المتعلقة به بأجمعها حتى تشابه حامله حول مركز العالم و محاذاة قطر تدويره نقطة سواه إلى غير ذلك و تلك الأفلاك الجزئية هي الأربعة السالفة مع ما زيد عليها لحل ذينك الإشكالين و مع ما لعله يحتاج إليه أيضا في انتظام بعض أموره و أحواله التي ربما لم يطلع عليها الراصدون في أرصادهم و إنما يطلع عليها المؤيدون بنور الإمامة و الولاية و حينئذ يراد بالتدبير التدبير الصادر عن الفلك نفسه و يكون اللام فيه للعهد الخارجي أي التدبير الكامل الذي ينتظم به جميع تلك الأمور و لا يبعد أن يراد بفلك التدبير الفلك الذي يدبره القمر نفسه نظرا إلى ما ذهب إليه طائفة من أن كل واحد من السيارات السبع مدبر لفلكه كالقلب في بدن الحيوان قال سلطان المحققين في شرح الإشارات ذهب فريق إلى أن كل كوكب منها ينزل مع أفلاكه منزلة حيوان واحد ذي نفس واحدة تتعلق بالكوكب أول تعلقها و بأفلاكه بواسطة الكوكب كما تتعلق نفس الحيوان بقلبه أولا و بأعضائه الباقية بعد ذلك فالقوة المحركة منبعثة عن الكوكب الذي هو كالقلب في أفلاكه التي هي كالجوارح و الأعضاء الباقية انتهى كلامه زيد إكرامه و يمكن أن يكون هذا هو معنى ما أثبته له (عليه السلام) من التصرف في الفلكو الله أعلم بمقاصد أوليائه (سلام الله عليهم أجمعين) انتهى.و أقول يمكن أن يكون في الكلام استعارة كما يقال بيت العز و دار الشرف تشبيها للتدبير بفلك هو مدبره و هذا النوع من الكلام شائع عند العرب و العجم ثم قال ره خطابه (عليه السلام) للقمر و نداؤه له و وصفه بالطاعة و الجد و التعب و التردد في المنازل و التصرف في الفلك ربما يعطي بظاهره كونه ذا حياة و إدراك و لا استبعاد في ذلك نظرا إلى قدرة الله تعالى إلا أنه لم يثبت بدليل عقلي قاطع يشفي العليل أو نقلي ساطع لا يقبل التأويل نعم أمثال هذه الظواهر ربما تشعر به و قد يستند في ذلك بظاهر قوله تعالى كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ فإن الواو و النون لا يستعملان حقيقة لغير العقلاء و قد أطبق الطبيعيون على أن الأفلاك بأجمعها حية ناطقة عاشقة مطيعة لمبدعها و خالقها و أكثرهم على أن غرضها من حركاتها نيل التشبه بجنابه و التقرب إليه جل شأنه و بعضهم على أن حركاتها لورود الشوارق القدسية عليها آنا فآنا فهي من قبيل هزة الطرب و الرقص الحاصل من شدة السرور و الفرح و ذهب جم غفير منهم إلى أنه لا ميت في شيء من الكواكب أيضا حتى أثبتوا لكل واحد منها نفسا على حدة تحركه حركة مستديرة على نفسه و ابن سينا في الشفاء مال إلى هذا القول و رجحه و حكم به في النمط الخامس من الإشارات و لو قال به قائل لم يكن مجازفا و كلام ابن سينا و أمثاله و إن لم يكن حجة يركن إليها الديانيون في أمثال هذه المطالب إلا أنه يصلح للتأييد و لم يرد في الشريعة المطهرة على الصادع بها أفضل الصلوات و أكمل التسليمات ما ينافي هذا القول و لا قام دليل عقلي على بطلانه و إذا جاز أن يكون لمثل البعوضة و النملة فما دونهما حياة فأي مانع من أن يكون لتلك الأجرام الشريفة أيضا ذلك و قد ذهب جماعة إلى أن لجميع الأشياء نفوسا مجردة و نطقا و جعلوا قوله تعالى وَ إِنْ ﴿‏مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ‏﴾ محمولا على ظاهره و ليس غرضنامن هذا الكلام ترجيح القول بحياة الأفلاك بل كسر سورة استبعاد المصرين على إنكاره و رده و تسكين صولة المشنعين على من قال به أو جوزه انتهى كلامه ره و أقول هذا الترجيح الذي أبداه ره في لباس الاحتمال و التجويز مناف لسياق أكثر الآيات و الأخبار الواردة في أحوال الكواكب و الأفلاك و مسيرها و حركاتها و الإشارات التي تمسك بها ظاهر من سياقها أنها من قبيل المجازات و الاستعارات الشائعة في كلام البلغاء بل في أكثر المحاورات فإنهم يخاطبون الجمادات بخطاب العقلاء و غرضهم تفهيم غيرها كما في هذا الخطاب و خطاب شهر رمضان و وداعه و خطاب البيت و المخاطب فيها حقيقة هو الله تعالى و الغرض إظهار نعمه تعالى و شكره عليها و لم أر أحدا من المتكلمين من فرق المسلمين قال بذلك إلا بعض المتأخرين الذين يقلدون الفلاسفة في عقائدهم و يوافقون المسلمين فيما لا يضر بمقاصدهم قال السيد المرتضى ره في كتاب الغرر و الدرر قد دلت الدلالة الصحيحة الواضحة على أن الفلك و ما فيه من شمس و قمر و نجوم غير متحرك لنفسه و لا طبعه على ما يهدي به القوم و أن الله تعالى هو المحرك له و المتصرف باختياره فيه و قال ره في موضع آخر لا خلاف بين المسلمين في ارتفاع الحياة عن الفلك و ما يشتمل عليه من الكواكب فإنها مسخرة مدبرة مصرفة و ذلك معلوم من دين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ضرورة كما سيأتي في باب النجوم.آمنت بمن نور بك الظلم و أوضح بك البهم و جعلك آية من آيات ملكه و علامة من علامات سلطانه النور و الضوء مترادفان لغة و قد تسمى تلك الكيفية إن كانت من ذات الشيء ضوءا و إن كانت مستفادة من غيره نورا و عليه جرى قوله تعالى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً و الظلم جمع ظلمة و تجمع على ظلمات أيضا و هي عدم الضوء عما من شأنه أن يكون مضيئا و البهم كصرد جمع بهمة بالضم و هي ما يصعب على الحاسة إدراكه إن كان محسوسا و على الفهم إنكان

[بحار الأنوار (ج55-73)] · موسوعة الغيبة والظهور

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.