⟨أَقُولُ قَدْ مَرَّ نَقْلًا عَنِ الْعُيُونِ عَنِ الرِّضَا (عليه السلام)⟩
المقابل لنا هو المقابل لها بل بعضه و يلزم اختلاف التشكلات الهلالية ثم قال فإن قيل إنما لا يرى شيء منها هلاليا لخفاء طرفيه لصغر حجم الكواكب في المنظر و هو ظهوره من البعد المتفاوت مستديرا قلنا لو كان كذلك لرئي الكوكب في قرب الشمس أصغر منه في بعدها.هذا كلامه و أقول فيه نظر لأن للخصم أن يقول إنما يلزم ذلك لو وقعت دائرة الرؤية فيها مقاطعة لدائرة النور و لم لا يجوز أن لا يقع أبدا إلا داخلها إما موازية لها إذا كان الكوكب على سمت الرأس في مقابلة الشمس أو غير موازية إما مماسة لها كما لعله يتفق في التربيع أو غير مماسة كما في غيره و لا يندفع هذا إلا إذا ثبت تقاطع الدائرتين على سطح الكوكب كما في القمر و دون ثبوته خرط القتاد و يمكن تقرير النظر بوجه آخر بأن يقال قرب الكواكب من الشمس على نحوين قرب كثير يوجب ظهور الصغر للحس و قرب قليل لا يوجب ذلك و الأول لا يكون إلا إذا كانت الشمس تحت الأفق و كان الكوكب قريبا من الأفق فلم لا يجوز أن يكون الكوكب حال القرب أصغر لكن تراكم البخار جبر ذلك الصغر فلم ير أصغر لذلك ثم إن الذي ما زال يختلج بخاطري أن القول بعدم الفرق بين القمر و سائر الكواكب في أن أنوار الجميع مستفادة من الشمس غير بعيد عن الصواب و قد ذهب إلى هذا جماعة من أساطين الحكماء و وافقهم الشيخ السهروردي حيث قال في الهياكل إن الشمس قاهر العنق رئيس السماء فاعل النهار صاحب العجائب عظيم الهيئة الذي يعطي جميع الأجرام ضوءها و لا يأخذ منها هذا كلامه و قد ذهب الشيخ العارف محيي الدين أيضا إلى هذا القول و صرح به في الفتوحات المكية و وافقه جمع من الصوفية و الله أعلم بحقائق الأشياء انتهى.سبحانه ما أعجب ما دبر في أمرك و ألطف ما صنع في شأنك سبحان مصدر كغفران بمعنى التنزيه عن النقائص و لا يستعمل إلا محذوف الفعل منصوبا على المصدرية فسبحان الله معناه تنزيه الله كأنه قيل أسبحه سبحانا و أبرئه عما لا يليق بعز جلاله براءة قال الشيخ الطبرسي ره إنه صار في الشرع علما لأعلى مراتب التعظيم التي لا يستحقها إلا هو سبحانه و لذلك لا يجوز أن يستعمل في غيره تعالى و إن كان منزها عن النقائص و إلى كلامه هذا ينظر ما قاله بعض الأعلام من أن التنزيه المستفاد من سبحان الله ثلاثة أنواع تنزيه الذات عن نقص الإمكان الذي هو منبع السوء و تنزيه الصفات عن وصمة الحدوث بل عن كونها مغايرة للذات المقدسة و زائدة عليها و تنزيه الأفعال عن القبح و العبث بل عن كونها جالبة إليه تعالى نفعا أو دافعة عنه سبحانه ضرا كأفعال العباد و ما في قوله (عليه السلام) ما أعجب إما موصولة أو موصوفة أو استفهامية على الخلاف المشهور في ما التعجبية و هي مبتدأة و الماضي بعدها صلتها أو صفتها على الأولين و الخبر محذوف أي الذي أو شيء صيره عجيبا أمر عظيم أو كونها هو الخبر على الأخير و ما في ما دبر مفعول أعجب و هي كالأولى على الأولين و العائد المفعول محذوف و الأمر و الشأن مترادفان جعلك مفتاح شهر حادث لأمر حادث فصل هذه الجملة عما قبلها للاختلاف خبرا و إنشاء مع كون السابقة لا محل لها من الإعراب و الشهر مأخوذ من الشهرة يقال شهرت الشيء شهرا أي أظهرته و كشفته و شهرت السيف أخرجته من الغلاف و تشبيهه الشهر في النفس بالبيت المقفول استعارة بالكناية و إثبات المفتاح له استعارة تخييلية و لا يخفى لطافة تشبيه الهلال بالمفتاح و الجار في قوله (عليه السلام) لأمر حادث يتعلق بحادث السابق أي حدوث ذلك الشهر و تجدده لأمر حادث مجدد و يجوز تعلقه بجعل و تنكير أمر للإبهام و عدم التعين أي أمر مبهم علينا حالة كما قالوه في قوله تعالى ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ إن المراد أرضا منكورة مجهولة.و أقول يحتمل أن يكون المراد بالأمر الحادث ما نيط بالشهور من المصالح الدينية كالحج و الصوم و العدد و سائر العبادات المتعلقة بها و الدنيوية كالمعاملات و الديون و سائر الأمور المربوطة بها و قال الشيخ المتقدم ره جعله (عليه السلام) مدخولما التعجبية فعلا دالا على التعجب بجوهره ينبئ عن شدة تعجبه (عليه السلام) من حال القمر و ما دبره الله سبحانه فيه و في أفلاكه بلطائف صنعه و حكمته و هكذا كل من هو أشد اطلاعا على دقائق الحكم المودعة في مصنوعات الله سبحانه فهو أشد تعجبا منها و أكثر استعظاما لها و معلوم أن ما بلغ إليه علمه (عليه السلام) من عجائب صنعه جل و علا و دقائق حكمته في خلق القمر و نضد أفلاكه و ربطه ما ربطه به من مصالح العالم السفلي و غير ذلك فوق ما بلغ إليه علم أصحاب الإرصاد و من يحذو حذوهم من الحكماء الراسخين بأضعاف مضاعفة مع أن الذي اطلع عليه هؤلاء من أحواله و كيفية أفلاكه و ما عرفوه مما يرتبط به من أمور هذا العالم أمور كثيرة يحار فيها ذو اللب السليم قائلا ﴿ربنا ما خلقت هذا باطلا﴾ و تلك الأمور ثلاثة أنواع.الأول ما يتعلق بكيفية أفلاكه و عددها و نضدها و ما يلزمه من حركاتها من الخسوف و اختلاف التشكلات و تشابه حركة حاملة حول مركز العالم لا حول مركزه و محاذاة قطر تدويره نقطة سوى مركز العالم إلى غير ذلك مما هو مشروح في كتب الهيئة.الثاني ما يرتبط بنوره من التغيرات في بعض الأجسام العنصرية كزيادة الرطوبات في الأبدان بزيادته و نقصانها بنقصانه و حصول البحارين للأمراض و زيادة مياه البحار و الينابيع زيادة بينة في كل يوم من النصف الأول من الشهر ثم أخذها في النقصان يوما فيوما في النصف الأخير منه و زيادة أدمغة الحيوانات و ألبانها بزيادة النور و نقصانها بنقصانه و كذلك زيادة البقول و الثمار نموا و نضجا عند زيادة نوره حتى أن المزاولين لها يسمعون صوتا من القثاء و القرع و البطيخ عند تمدده وقت زيادة النور و كإبلاء نور القمر الكتان و صبغه بعض الثمار إلى غير ذلك من الأمور التي تشهد به التجربة قالوا و إنما اختص القمر بزيادة ما نيط به من أمثال هذه الأمور بين سائر الكواكب لأنه أقرب إلى عالم العناصر منها و لأنه مع قربه أسرع حركة فيمتزج نوره بأنوار جميع الكواكب و نوره أقوى من نورها فيشاركها شركة غالب عليها فيما نيط بنورها من المصالح بإذن خالقها و مبدعها جل شأنه الثالث ما يتعلق به من السعادة و النحوسة و ما يرتبط به من الأمور التي هو علامة على حصولها في هذا العالم كما ذكره الديانيون من المنجمين و وردت ببعضه الشريعة المطهرة على الصادع بها أفضل التسليمات- كَمَا رَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ ره عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام) مَنْ سَافَرَ أَوْ تَزَوَّجَ وَ الْقَمَرُ فِي الْعَقْرَبِ لَمْ يَرَ الْحُسْنَى.- وَ عَنِ الْكَاظِمِ (عليه السلام) مَنْ تَزَوَّجَ فِي مُحَاقِ الشَّهْرِ فَلْيُسَلِّمْ لِسِقْطِ الْوَلَدِ.
[بحار الأنوار (ج55-73)] · موسوعة الغيبة والظهور