⟨وَ يَبْكُونَ وَ يَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهَا أَنْ تَرْضَى عَنْهُمْ فَكَانَ الشَّيْطَانُ يَجِيءُ فَيُحَرِّكُ أَغْصَانَهَا وَ يَصِيحُ مِنْ سَاقِهَا صِيَاحَ الصَّبِيِّ أَنْ قَدْ رَضِيتُ عَنْكُمْ عِبَادِي فَطِيبُوا نَفْساً وَ قَرُّوا عَيْناً فَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ⟩
النَّيْرُوزِ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَخَذَ فِيهِ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) الْعَهْدَ بِغَدِيرِ خُمٍّ فَأَقَرُّوا لَهُ بِالْوَلَايَةِ فَطُوبَى لِمَنْ ثَبَتَ عَلَيْهَا وَ الْوَيْلُ لِمَنْ نَكَثَهَا وَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي وَجَّهَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) عَلِيّاً (عليه السلام) إِلَى وَادِي الْجِنِّ فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعُهُودَ وَ الْمَوَاثِيقَ وَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي ظَفِرَ فِيهِ بِأَهْلِ النَّهْرَوَانِ وَ قَتَلَ ذَا الثُّدَيَّةِ وَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ قَائِمُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ وَ وُلَاةَ الْأَمْرِ وَ يُظْفِرُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالدَّجَّالِ فَيَصْلِبُهُ عَلَى كُنَاسَةِ الْكُوفَةِ وَ مَا مِنْ يَوْمِ نَوْرُوزٍ إِلَّا نَحْنُ نَتَوَقَّعُ فِيهِ الْفَرَجَ لِأَنَّهُ مِنْ أَيَّامِنَا حَفِظَتْهُ الْفُرْسُ وَ ضَيَّعْتُمُوهُ ثُمَّ إِنَّ نَبِيّاً مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُحْيِيَ الْقَوْمَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِفَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ فَأَوْحَى إِلَيْهِ أَنْ صُبَّ عَلَيْهِمُ الْمَاءَ فِي مَضَاجِعِهِمْ فَصَبَّ عَلَيْهِمُ الْمَاءَ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَعَاشُوا وَ هُمْ ثَلَاثُونَ أَلْفاً فَصَارَ صَبُّ الْمَاءِ فِي يَوْمِ النَّيْرُوزِ سُنَّةً مَاضِيَةً لَا يَعْرِفُ سَبَبَهَا إِلَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِوَ هُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ سَنَةِ الْفُرْسِ قَالَ الْمُعَلَّى وَ أَمْلَى عَلَيَّ ذَلِكَ وَ كَتَبْتُهُ مِنْ إِمْلَائِهِ وَ عَنِ الْمُعَلَّى أَيْضاً قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ النَّيْرُوزِ فَقَالَ يَا مُعَلَّى أَ تَعْرِفُ هَذَا الْيَوْمَ قُلْتُ لَا لَكِنَّهُ يَوْمٌ يُعَظِّمُهُ الْعَجَمُ يَتَبَارَكُ فِيهِ قَالَ كَلَّا وَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ الَّذِي بِبَطْنِ مَكَّةَ مَا هَذَا الْيَوْمُ إِلَّا لِأَمْرٍ قَدِيمٍ أُفَسِّرُهُ لَكَ حَتَّى تَعْلَمَهُ قُلْتُ تَعَلُّمِي هَذَا مِنْ عِنْدِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعِيشَ أَبَداً وَ يُهْلِكُ اللَّهُ أَعْدَاءَكُمْ قَالَ يَا مُعَلَّى يَوْمُ النَّيْرُوزِ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَ لَا يُشْرِكُوابِهِ شَيْئاً وَ أَنْ يَدِينُوا بِرُسُلِهِ وَ حُجَجِهِ وَ أَوْلِيَائِهِ وَ هُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ وَ هَبَّتْ فِيهِ الرِّيَاحُ اللَّوَاقِحُ وَ خُلِقَتْ فِيهِ زَهْرَةُ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي اسْتَوَتْفِيهِ سَفِينَةُ نُوحٍ (عليه السلام) عَلَى الْجُودِيِوَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَحْيَا اللَّهُ فِيهِ الْقَوْمَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ ﴿أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾اللَّهُ وَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي هَبَطَ فِيهِ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) عَلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَرَ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ (عليه السلام) أَصْنَامَ قَوْمِهِ وَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي حَمَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عَلَى مَنْكِبَيْهِ حَتَّى رَمَى أَصْنَامَ قُرَيْشٍ مِنْ فَوْقِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَ هَشَّمَهَا الْخَبَرَ بِطُولِهِ.و الشاهد في هذين الحديثين من وجوه.الأول قوله إنه اليوم الذي أخذ فيه العهد بغدير خم و هذا تاريخ و كان ذلك سنة عشرة من الهجرة و حسب فوافق نزول الشمس الحمل في التاسع عشر من ذي الحجة على حساب التقويم و لم يكن الهلال رئي بمكة ليلة الثلاثين فكان الثامن عشر من ذي الحجة على الرؤية.الثاني كون صب الماء في ذلك اليوم سنة شائعة و الظاهر أن مثل هذه السنة العامة الشاملة لسائر المكلفين أن يكون صب الماء في وقت لا ينفر منه الطبع و يأباه و لا يتصور ذلك مع كون الشمس في الجدي لأنه غاية القر في البلاد الإسلامية.الثالث قوله في الحديث الثاني و هو أول يوم خلقت فيه الشمس و هو مناسب لما قيل إن الشمس خلقت في الشرطين الرابع قوله و فيه خلقت زهرة الأرض و هذا إنما يكون في الحمل دون الجدي و هو ظاهر انتهى كلامه ره.و أقول تحقيق الكلام في هذا المقام هو أنك قد عرفت فيما مضى أن السنة الشمسية عبارة عن مدة دورة الشمس بحركتها الخاصة من أي مبدإ فرض و تلكالمدة على ما استقر عليه رصد أبرخس و من وافقه من المتقدمين ثلاثمائة و خمسة و ستون يوما و ربع تام من يوم و على سائر الإرصاد المشهورة لا يبلغ الكسر إلى الربع بل أقل منه بدقائق معدودة و هي على ما فصله البيرجندي في شرح التذكرة على رصد التباني ثلاث عشرة دقيقة و ثلاثة أخماس دقيقة و على حساب المغربي اثنتا عشرة دقيقة و على رصد مراغة إحدى عشرة دقيقة و على رصد بعض المتأخرين تسع دقائق و ثلاثة أخماس دقيقة و على رصد بطلميوس أربع دقائق و أربعة أخماس دقيقة فالفرس من زمان جمشيد أو قبله و الروم من عهد إسكندر أو بعده كانوا يعتبرون الكسر ربعا تاما موافقا لرصد أبرخس.و إنما الفرق بينهما أن الروم كانوا يكبسون الربع المذكور في كل أربع سنين فيزيدون على الرابعة يوما تصير به ثلاثمائة و ستة و ستين و أن الفرس إلى عهد يزدجرد آخر ملوك العجم أو بعض الأكاسرة السابقة عليه كانوا يكبسونه في كل مائة و عشرين سنة فيزيدون على الأخيرة ثلاثين يوما تصير به ثلاثمائة و خمسة و تسعين يوما و قد كان يتفق لهم تجديد التاريخ و إسقاط ما مضى من السنة عند جلوس ملك جديد منهم و أما بعد ذلك العهد فكانوا لا يلتفتون إلى كبس الكسر المذكور أصلا فكانت سنوهم دائما ثلاثمائة و خمسة و ستين فمبدأ سني كل من هذه الطوائف كأول تشرين الأول للروم و أول فروردين ماه المسمى بالنيروز لطوائف الفرس و كذا كل جزء من شهورهم كان غير مطابق لمبدإ سني الأخرى و لا لجزء معين منها دائما بل كل جزء من كل من هذه التواريخ لاختلاف طريق حسابهم دائر في كل جزء من الآخر بمرور الأيام و أيضا لم يكن شيء من تلك المبادي و لا سائر الأجزاء مطابقا دائما لمبدإ فصل من الفصول و لا لشيء من أجزائها بل كل منها دائر في أجزاء الفصول و بالعكس هكذا الحال إلى عهد السلطان جلال الدين ملك شاه السلجوقي فأحب أن يوضع تاريخ في زمانه باسمه ممتازا عن التواريخ المشهورة فأمر من بحضرته من أهل الخبرة بذلك فبنوا الحساب على رصد بطلميوس أو من وافقه في نقصان الكسر عن الربع اعتقادا منهم أنه أصح من الرصد المبني عليه التواريخ المذكورة ثم اعتبروا أول السنة حفظا من أن يدور في الفصول يوم انتقال الشمس إلى الاعتدال الربيعي قبل نصف النهار فكان حينئذ قد اتفق ذلك الانتقال يوم الجمعة عاشر شهر رمضان سنة إحدى و سبعين و أربعمائة و كان مطابقا للثامن عشر من فروردين ماه اليزدجردي أول سنتهم فجعلوا اليوم المذكور أول فروردين ماه من السنة الجلالية و أسقطوا الأيام السابقة عليه من درجة الاعتبار و سموا هذا اليوم بالنوروز السلطاني فاستقر الأمر في حساب السنين الشمسية على أن يعدوا من النيروز المذكور ثلاثمائة و خمسة و ستين يوما فيجعلون اليوم السادس نيروز السنة الآتية ثم يكبسون الكسر لكونه أقل من الربع في كل أربع سنين أو خمس سنين فتصير سنة الكبيسة ثلاثمائة و ستة و ستين يوما و هذه الطريقة مستمرة إلى زماننا.إذا عرفت هذا فنقول أولا أن ما يلوح من توقع ابن إدريس عن الشيخ أن يعين نيروز الفرس بيوم من الشهور العربية أو الرومية و كذا ما نقله عن بعض المحصلين من تعيينه بعاشر أيار من الشهور الرومية غريب جدا لما عرفت من دوران أيام شهور الفرس قديمهم و حديثهم في العربية و الرومية و بالعكس لاختلاف اعتباراتهم في حساب السنين فكيف يتصور تعيين يوم معين أو شهر معين من إحداها بيوم أو شهر من الأخرى على وجه مصون من التغيير و التبديل بمر الدهور فليس لتعيينه بعاشر أيار من بعض المحصلين وجه محصل سوى أنه وجده مطابقا له في بعض الأزمنة السابقة كزمان الصادق (عليه السلام) المستند إليه الروايات الواردة في النيروز فتوهم لزوم حفظ تلك المطابقة له دائما فإنه يستنبط مما سيتضح عن قريب من التواريخ أن اتفاق المطابقة المذكورة كان في أواسط المائة الثانية من الهجرة و هو قريب من أواخر زمان الصادق (عليه السلام) و مثل هذا التوهم غير عزيز من الناس كما أورد الكفعمي ره في بيان الأعمال المتعلقة بشهر شعبان أن الثالث و العشرين منه هو النيروز المعتضدي مضبوطا بالحادي عشر من حزيران تاسع شهور الروم كما هو مذكور في سرائر ابن إدريس مع وجهه و معلوم أن مثل ذلك لا يمكن أن ينضبط بالشهور العربية لدوران كل منهما في الأخرى.و ثانيا أن ترديد الشهيد ره نيروز الفرس بين أول يوم من سنتهم و بين غيره كأول الحمل و عاشر أيار ترديد غريب شبيه بترديد مبتدإ السنة المعمولة عند العرب بين أول المحرم و بين غيره و ذلك لأن كون النيروز أول يوم من سنة الفرس أمر في غاية الظهور و مع ذلك منصوص عليه في أكثر أسانيد الرواية فإنما المطلوب هنا تعيين أول يوم من سنتهم بيوم معروف في زماننا هل هو أول الحمل أو غيره.و ثالثا أن ما ذكره ابن فهد ره من شهرة كونه أول سنة الفرس بين فقهاء العجم حق موافق للرواية و لكن جعلهم ذلك عند نزول الشمس الجدي مبني على ما ذكرنا من توهم المطابقة الدائمة من اتفاق الموافقة في بعض الأزمنة غفلة عن دورانه في الفصول كما بينا و هكذا حال ما نسبه صاحب كتاب الأنواء إلى بعض العلماء من أنه السابع عشر من كانون الأول المطابق لما بعد نزول الشمس الجدي بيومين و كذا ما اختاره من أنه اليوم التاسع من شباط.و بالجملة البناء على الغفلة المذكورة من الأعراض العامة لجميع هذه التفسيرات فمنشأ توهم بعض العلماء الذي نقل مقالته صاحب كتاب الأنواء يمكن أن يكون اتفاق الموافقة المذكورة في زمانه إن كان في أواسط المائة الثامنة من الهجرة فإن الضوابط الحسابية كما سيتضح دالة على أن أول فروردين ماه الفرس الموسوم بالنيروز عندهم كان في السنة العاشرة من الهجرة قريبا من نزول الشمس أول برج الحمل و كان ذلك موافقا لأواسط آذار من الرومية و مطابقا لثامن عشر ذي الحجة من العربية يوم عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين (عليه السلام) بالولاية في غدير خم بعد الرجوع عن حجة الوداع كما صرح به في الرواية ثم في السنة الحادية عشر منها بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) انتقلت سلطنة العجم إلى يزدجرد آخر ملوكهم فأسقط ما مضى من السنة و جعل يوم جلوسه أول فروردين و يوم النيروز كما كان رسمهم و كان ذلك موافقا لأواسط حزيران و مطابقا للثاني و العشرين من ربيع الأول و قد عرفت أن بناء حساب الفرس في عهد يزدجرد بل قبيله في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضا على أخذ كل سنة ثلاثمائة و خمسة و ستين يوما بدون رعاية الكبائس التي كانت متداولة بين قدمائهم فلا محالة كان ينتقل نيروزهم في كل أربع سنين إلى يوم آخر من أيام الشهور الرومية قبل اليوم الذي كان فيه لاعتبارهم الكبيسة في كل أربع و قس عليه حال انتقاله بالنسبة إلى موضع الشمس من البروج أيضا فإن التفاوت لو كان لكان في كل سنة بقدر نقصان الكسر عن الربع في الواقع و هو قليل جدا كما مر.و بالجملة انتقاله من أواسط حزيران و أواخر الجوزاء التي كان فيها في السنة الحادية عشر من الهجرة إلى أواسط كانون الأول و أوائل الجدي و هو مدة ستة أشهر تقريبا إنما هو في قريب من سبعمائة و ثلاثين سنة فيكون في أواسط المائة الثامنة كما ذكرنا و أما منشأ توهم صاحب كتاب الأنواء فلا يمكن أن يكون مثله من وقوع الموافقة المذكورة في زمانه لئلا يلزم تقدم زمان الناقل على زمان المنقول عنه فإن انتقاله إلى بعض أيام شباط إنما يكون قبل انتقاله إلى بعض أيام كانون لما عرفت من أن انتقالاته في تلك الشهور و كذا في البروج على خلاف تواليهما لزيادة قدرهما على قدره بمقدار ربع يوم أو قريب منه فغاية توجيهه أن يقال يجوز أن يكون منشأ توهمه موافقا لما مر نقله من بعض المحصلين في اعتبار زمان الصادق (عليه السلام) فيه و الفرق أن بناء حساب بعض المحصلين كان على اعتبار الإسقاط اليزدجردي لوقوعه على طبق عادتهم المستمرة و بناء حساب صاحب كتاب الأنواء على عدم اعتباره لوقوعه بعد زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و كونه بمنزلة سائر التغيرات الواقعة في السنن و الآداب المعروفة في زمانه فإن ما بين تاسع شباط و عاشر أيار قريب من المدة التي أسقطهايزدجرد كما عرفت.و رابعا بأن ما استدل أولا على ما اختاره من التفاسير الستة و هو كونه يوم نزول الشمس برج الحمل بأنه أعرف بين الناس إلى آخره دعوى بين البطلان عند أهل الخبرة بالحساب و التواريخ فإن كون نيروز الفرس دائرا في الفصول سيما من زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى زمان ملكشاه أمر لم يسمع خلافه من أحد منهم بل صرح في شروح التذكرة و غيرها بأن الروم و الفرس كانوا لم يلاحظوا في مبدإ سنيهم موضع الشمس و أن جعل الاعتدال الربيعي مبدأ السنة مخصوص بالتاريخ الملكي و لا يوافقه شيء من التواريخ المشهورة فكيف يمكن أن يجعل مثل ذلك مناطا للأحكام الشرعية الثابتة قبل زمان ملكشاه بقريب من خمسمائة سنة و إن ما ذكره من انصراف اللفظ عند فقدان العرف الشرعي إلى لغة العرب مسلم و لكن أين إطلاق لفظ النيروز عند العرب على أول يوم نزول الشمس برج الحمل بل إن بعض أهل اللغة فسره على طبق ما في الرواية بأول سنة الفرس اعتمادا على الشهرة و بعضهم كأحمد بن محمد الميداني و هو من أقدمهم و أتقنهم لم يكتف به بل صرح في كتابه المسمى بالسامي في الأسامي بعد ذكر أسامي شهور الفرس و أيامهم المشهورة بترجمة النيروز بنخست روز از فروردين ماه ثم إن أغمضنا عن مثل تلك الحقيقة و التجأنا إلى حمله على العرف فلا شك لمن تتبع من مظانه أن العرف فيه لم يكن متعددا في زمان الخطاب بل إنما تجدد بعده بدهور طويلة فسمى ملكشاه يوم نزول الشمس برج الحمل بالنوروز السلطاني و خوارزم شاه يوم نزولها الدرجة التاسعة عشر منه و هي شرفها عند المنجمين بالنوروز الخوارزم شاهي و آخر يوما آخر بالنوروز المعتضدي و هكذا و إنكار الحدوث في الأول منها بل دعوى التقدم على الإسلام و الإغماض عن تقييده تارة بالسلطاني و تارة بالجلالي و تارة بالملكي نسبة إلى كل من ألقاب السلطان جلال الدين ملكشاه كما هو مضبوط في الدفاتر و التقاويم و محفوظ في مدونات أهل الهيئة و التنجيم مما يقضى منه العجب.فإن قيل لعل دعوى التقدم على الإسلام مبنية على ما اشتهر أن مبدأ تاريخهم في عهد جمشيد أو غيره كان موافقا لأول الحمل و انتقاله منه و دورانه في الفصول إنما هو بسبب الكبائس و الإسقاطات التي مر ذكرها قلنا لو سلمنا ذلك فلا ريب أن المراد بنيروزهم يوم يتجدد في كل سنة يعتبرونه أولها لا ما لا يتفق وقوعه إلا نادرا كما يلزم من التزام مطابقته لأول الحمل.فإن قلت لا يخرج عن ثلاثة احتمالات إما أول الحمل مطلقا و إما فروردينهم مطلقا و إما أول فروردينهم المطابق لأول الحمل و الثالث ساقط بأنه لا يتفق إلا في مدة مديدة و معلوم أن المراد به ما يتجدد في كل سنة و الثاني أيضا ساقط من جهة الحساب فإنا إذا جمعنا الأيام من فروردينهم المضبوط في تقاويم زماننا إلى ثامن عشر شهر ذي الحجة من السنة العاشرة من الهجرة المنصوص في الرواية أنه كان مطابقا لنيروزهم فقسمنا على أيام سنتهم الخالية من الكبائس من زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى زماننا و هو ثلاثمائة و خمسة و ستون يبقى اثنان و تسعون أو ثلاث و تسعون فيظهر أن فروردينهم كان بعد التاريخ المذكور بمثل هذه الأيام فإذا سقط الاحتمالان تعين الاحتمال الأول و هو المطلوب مع أنه مؤيد أيضا بالحساب الدال على أن التاريخ المذكور كان قريبا من أول الحمل بيوم أو يومين مع احتمال المطابقة أيضا بنحو المسامحة.قلنا سقوط الثاني ممنوع و البيان الحسابي المذكور مبني على غفلة أو تغافل عن الإسقاط اليزدجردي الواقع في السنة الحادية عشر من الهجرة كما مر فإنه لو اعتبر الإسقاط المذكور في الحساب لظهر أن مطابقة فروردينهم اليزدجردي المضبوط في التقاويم لما بعد التاريخ المذكور لا ينافي أن يكون التاريخ المذكور أيضا مطابقا لفروردينهم المتداول قبل يزدجرد فإن جلوس يزدجرد كان في يوم الثلاثاء الثاني و العشرين من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشر كما مر و تفاوت التاريخين موافق للمدة المذكورة فتبين أن الحساب لو جعل دليلا على كون المراد به أول فروردين لكان أوفق للمطابقة من جعله دليلا على أول الحمل للتفاوت بيوم أو يومين فإنه قادح و لو كان قليلا و لو فرضنا مطابقته أيضا لكان غاية الأمر أن يكون في يوم الغدير اتفق الأمر أن الغير المتفقين إلا في مدة مديدة فلا يفيد المطلوب على أن مطابقة يوم الغدير للنيروز بأي معنى كان لا ينفع في المطلوب بدون مطابقة سائر الأيام المذكورة في الروايتين موافقتها له و ستتضح عن قريب استحالة مطابقتها لأول الحمل دون فروردين.فإن قيل يظهر من كلام
[بحار الأنوار (ج55-73)] · موسوعة الغيبة والظهور