⟨وَ يَبْكُونَ وَ يَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهَا أَنْ تَرْضَى عَنْهُمْ فَكَانَ الشَّيْطَانُ يَجِيءُ فَيُحَرِّكُ أَغْصَانَهَا وَ يَصِيحُ مِنْ سَاقِهَا صِيَاحَ الصَّبِيِّ أَنْ قَدْ رَضِيتُ عَنْكُمْ عِبَادِي فَطِيبُوا نَفْساً وَ قَرُّوا عَيْناً فَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ⟩
كوشيار و أبي ريحان في بعض تصانيفهما أن الاعتدال الربيعي معتبر عند الأحكاميين في طالع السنة و حساب الأدوار و فيهم المشهورون من أهل الفرس كزردشت و جاماسب فعلى ذلك يمكن أن يكون المراد بالنيروز المعتبر بأول سنة الفرس في الرواية ذلك الوقت بالاعتبار المذكور.قلنا أولا سلمنا اعتبار الوقت المذكور عندهم فيما اعتبروه فيه و لكن لم ينقل أنهم يعبرون عنه بالنيروز أو يتباركون فيه و يجعلونه عيدا كما يفهم من الرواية.و ثانيا إن التعبير عن الأحكاميين بالفرس بمحض كون بعضهم منهم بعيد جدا بل معلوم لأهل اللسان أن إطلاق الفرس المستعمل في مقابل الروم و العرب ليس إلا على الطائفة العظيمة التي من رعايا الملوك المشهورة من جمشيد و أفريدون إلى كسرى و يزدجرد فالمراد بنيروزهم و أول سنتهم يوم كان جعله عيدا في كل سنة معمولا عند الملوك المذكورة في زمانهم و لا خلاف بين أهل الخبرة في أنه كان أول فروردينهم الدائر في الفصول بالأسباب التي قررنا.و ثالثا أن من تأمل و أنصف علم أن التعبير عن ذلك اليوم بنيروز الفرس تارة و أول سنتهم أخرى لأجل أنه ليس يوما معينا بحسب الفصل و إلا فما المانع من التعبير عنه بأول الربيع و أول الحمل المعلوم لكل أحد بدون احتياج إلى تفسير أصلا.و رابعا أن أهل اللغة صرحوا بتفسير النيروز بأول يوم من فروردين الفرس و إطلاقه على أول الربيع من زمان ملك شاه و في زماننا مجاز بعلاقة ما التزموه من موافقة أول فروردينهم لأول الربيع دائما و وجوب انصراف اللفظ إلى الحقيقة سيما المستعمل منه قبل حدوث المجاز مما أطبق عليه أهل اللسان و العلامات المذكورة في الروايتين للنيروز لا يمكن تطبيقها على أول الربيع فيجب حمله على أول فروردين لإمكان التطبيق. و خامسا أن ما ذكره بقوله و لأنه المعلوم من عادة الشرع و حكمته إلخ قيام مع الفارق فإن انتقال الشمس من برج الحوت إلى برج الحمل ليس كوصولها إلى نصف النهار و أمثاله المعلومة بالحس و العيان بل محتاج إلى رصد و حساب لا يتيسر تحقيقه لأكثر مهرة فن الهيئة و الحساب فضلا عن غيرهم و كفى بذلك عدم توافق رصدين فيه فإن اليوم المذكور على ما يقتضيه رصد المتأخرين المبني عليه أكثر التقاويم في زماننا مقدم على ما يقتضيه رصد أبرخس بأيام و على ما يقتضيه رصد بطلميوس بأقل منها و مؤخر عما يقتضيه رصد المحقق الطوسي بقليل و عما يقتضيه رصد التباني و المغربي بأكثر فهل يجوز من له أدنى معرفة بعادة الشرع في التكليفات أن نكون لمعرفة النيروز مكلفين بتتبع آراء هؤلاء ثم التمييز بين الحق و الباطل منها أو العمل بمقتضى كل منها مع ظهور التناقض أو اختيار ما شئنا منها أو الاتكال على ما اشتهر في زماننا سيما مع علمنا بأنه غير مشهور بل غير مذكور أصلا في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و الأئمة (عليهم السلام) و لهذا ما وقع في أحكام الشريعة من أمثاله ككراهة النكاح و السفر في زمان كون القمر في العقرب حمله المحققون على زمان كونه في صورتها المعلوم لأكثر عوام المكلفين لا في برجها المحتاج إلى استخراج تقويمه فعلى هذا يكون المناسب لعادة الشرع و حكمته التفسير الأول من التفسيرات المذكورة لخلوه عن الكبائس و غنائه عن الاحتياج إلى الإرصاد و تيسر حسابه على عامة المكلفين.و سادسا أن ما ذكره من مناسبة كون الشمس خلقت في الشرطين على ما نقله من صاحب كتاب الأنواء على تقدير حجية المنقول عنه لا يفيد إلا كونها حين الخلقة في أوائل صورة الحمل فإنهما نجمان قريبان من رأسها يعدان منزلا من منازل القمر فلو كان ذلك مناسبا لإعظام اليوم الذي عادت الشمس فيه إلى هذا الموضع لكان ينبغي إعظام يوم كونها فيه و هو في زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان في أواسط برج الحمل و في زماننا انتقل إلى أواخره بناء على أن حركة الثوابت و منها كواكب الصور في كل سبعين سنة درجة كما هو المشهور بين أهل الإرصاد و بهذا ظهر حال ما ذكره من مناسبة ما قيل من ابتداء خلق العالم في شهر نيسان لعدم مطابقة شيء من أيام شهر نيسان من زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى زماننا لأول الحمل الذي هو المطلوب إثباته فتأمل أولا في حاصل قوله و لا شك أن نيسان يدخل و الشمس في الحمل ثم فيما أتبعه تفريعا عليه بقوله و إذا كان إلخ فتحير و اعتبر.و سابعا أن ما ذكره من نزول الشمس الحمل في التاسع عشر إلخ فقد عرفت عدم دلالته على المطلوب على تقدير مطابقته بحسب الحساب أيضا فضلا عن المخالفة.و ثامنا أن ما ذكره من كون صب الماء المسنون في ذلك اليوم أوفق لأول الحمل لا الجدي لو ساغ مثله في إثبات مناط الأحكام الشرعية لكان مؤيدا لعاشر أيار لا لأول الحمل فإنه أوفق لذلك من كل من الجدي و الحمل لكونه بعد أول الحمل بقريب من شهرين و كونه أقرب إلى اليوم المرسوم في زماننا آب پاشان هذا إذا كان المراد بصب الماء في الرواية رشه على طريق الرسم الجاري في بعض البلاد و لكن يظهر من ابن جمهور أنه حمل سنة صب الماء فيها على استحباب الغسل في النيروز و ذلك ليس ببعيد.و تاسعا أن ما ذكره من أن طلوع الشمس فيه كما في الرواية مناسب لأول الحمل بناء على مناسبة خلقها في الشرطين مبني كما مر على الخلط بين صورة الحمل و برجه على أن ما قدمناه من حديث الرضا (عليه السلام) يدل على أن أول خلق الشمس في موضع شرفها و هو الدرجة التاسعة عشر من الحمل و لا يبعد أن يكون الشرطان أيضا حينئذ في تلك الدرجة فلا يكون ما ذكره صاحب كتاب الأنواء مخالفا للحديث المذكور فيكونان متفقين في عدم مطابقتهما لأول الحمل كما هو المطلوب ثم إن خلق الشمس غير طلوعها فلما كانت حين خلقها في وسط السماء كما في الحديث المذكور فالظاهر أنه أشار به هاهنا إلى موافقة اليوم التالي لخلقها للنيروز لا يوم خلقها فتدبر.و عاشرا أن ما ذكره من مناسبة ما في الرواية من خلق زهرة الأرض فيه لأول الحمل دون الجدي غير ظاهر إذ لقائل أن يقول لعل مبدأ خلقها أول الجدي و ظهورها على وجه الأرض بعده مع أن ذلك متفاوت بحسب البلاد جدا و أيضا كونه غير مناسب للجدي لا يدفع سائر التفسيرات المذكورة للنيروز و لا يتعين بدونه المطلوب فيجوز أن يكون خلق زهرة الأرض و كذا خلق الشمس أو طلوعها في يوم يكون موافقا من جهة الحساب المتداول بين الفرس في سنيهم لأول فروردينهم فجعل يدور في الفصول على طبق دورانه فيها بالأسباب التي ذكرناها غير مرة فلو فرضناه في أول الخلق مطابقا لأول نزول الشمس برج الحمل أيضا لكان مثل مطابقته حينئذ لسائر الأوضاع الغير المطلوبة كمواضع سائر الكواكب فحفظ تلك المطابقة فيه غير لازم لئلا يختل به ما هو المطلوب مما استقر بينهم إلى زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و استمر بعده إلى زماننا من ضوابط حساب السنين.فإن قلت رعاية الكبيسة كما نقل عن الفرس دالة على أن مقصود أقدميهم منها محافظة وضع معين للشمس بالنسبة إلى مبدإ سنيهم في الجملة فالمظنون أنهم كانوا عينوا لذلك أول الربيع كما قيل لظهور امتيازه عن غيره بالحسن و اعتدال الهواء و قوة النشوء و النماء في معظم المعمورة فبمحض حدوث دورانه في الفصول بحسب تجدد الرسوم الاصطلاحية كيف سقط مقصودهم الأصلي عن درجة الاعتبار بالكلية و صار المعتبر مقتضى ما استقر بينهم من الرسوم الحادثة.قلنا سلمنا قصدهم بدون مضايقة في تعيينهم أول الربيع لذلك أيضا مع أن ما يحصل من ضبط كبيستهم في مائة و عشرين سنة يحصل بدونها أيضا في مدة أكثر منه و الفرق بين القلة و الكثرة في مثلها مشكل و مع أن الروم أيضا مشاركون لهم في رعاية الكبيسة بل أضبط منهم فيها بدون التعيين المذكور و لكن نعلم أن المصالح متغيرة بتغير الأزمنة و الطبائع و العادات فلعل الباعث لهم على الاتفاق على خلاف ما سبق من بعضهم عروض مصلحة أهم منه لهم و الباعث لاعتبار مقتضى مصلحتهم في نظر الشارع مصلحة و حكمة أخرى خفية محجوبة عن عقولنا فنحن الآن مكلفون في الأحكام بتتبع آثار الصادقين من ظواهر ما نقل إلينا عنهم و الاحتياط عن الوقوع في متابعة آرائنا بأمثال تلك الاستحسانات.قال بعض الأفاضل بعد إيراد جملة مما ذكرنا فتبين أن المراد بنيروز الفرس لا بد أن يكون أول سنتهم الذي هو أول فروردينهم بلا خلاف و أنه دائر في الفصول من قديم الأيام بأسباب شتى و خصوصا من زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بسبب إهمال معاصريهم منهم في حفظ الكبيسة و استقرار أمرهم عليه إلى الآن فيكون أيام سنتهم دائما ثلاثمائة و خمسة و ستين بلا عروض و تفاوت فيه قط و أن يوم الغدير في السنة العاشرة من الهجرة كان مطابقا له فإن اعتبر بما وقع بعدها في جلوس يزدجرد من إسقاط ما مضى من سنتهم و تجديد فروردينهم في التاريخ المذكور كما هو الظاهر بناء على أنه على طبق رسمهم المتداول بينهم و أن النيروز مبني على مقتضى رسمهم يكون النيروز المعتبر شرعا هو ما يضبطه المنجمون في التقاويم من أول فروردينهم في كل سنة و هو فيما نحن فيه من الزمان سنة ثمان و ثمانين و ألف من الهجرة مطابق ليوم الجمعة عاشر شهر شعبان و موافق للثامن و العشرين من أيلول الرومي و الثالث و العشرين من مهر ماه الجلالي و إن لم يعتبر بالإسقاط اليزدجردي بناء على أنه وقع بعد زمان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و إكمال الدين و أن مثل ذلك في حكم المبتدعات الغير المعتبرة في الشرع يكون النيروز المذكور قبل فروردينهم المضبوط عند المنجمين بقدر الأيام الساقطة و على كل من الاحتمالين يتقدم في كل أربع سنين بيوم على اليوم المطابق له من أيام شهور الروم و في كل أربع سنين أو خمس سنين بيوم على ما كان مطابقا له من أيام الشهور الجلالية و يتأخر في كل سنة بأحد عشر يوما غالبا و بعشرة أيام في سني كبائس العرب عما كان موافقا له من أيام الشهور العربية و أيضا يتأخر في كل سنة بيوم عما كان مطابقا له من أيام الأسبوع دائما.فظهر من هذا التصوير أن ما اشتهر من مطابقة نيروزهم ليوم انتقال الخلافة الصورية أيضا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد قتل عثمان كمطابقته ليوم الغدير إن كان مستندا إلى نص كما قيل يؤيد الاحتمال الأول فإن كلا من الواقعتين كان في أواخر شهر ذي الحجة الحرام و بينهما خمس و عشرون سنة و لا يمكن أن يتفق ذلك بدون إسقاط إلا في نيف و ثلاثين سنة فالنص على كون كل من اليومين مطابقا للنيروز هو في حكم النص على اعتبار الإسقاط المذكور و أيضا ثبوت الواقعتين المذكورتين في النيروز من أوضح الدلائل على بطلان كون المراد به يوم نزول الشمس ببرج الحمل فإن اتفاق نيروزين بهذا المعنى في شهر من الشهور العربية بفاصلة المدة المذكورة غير ممكن قطعا فمن استدل بثبوت الواقعتين المذكورتين في النيروز على كون المراد به الاعتدال الربيعي فقد جعل ما يدل صريحا على بطلان شيء دليلا على صحته انتهى.و أقول مما يؤيد ما مر ما ذكره أبو ريحان في كتاب الآثار الباقية من القرون الخالية حيث قال في عداد التواريخ المشهورة ثم تاريخ ملك يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز و هو على سني الفرس غير مكبوسة و قد استعمل في الأزياج لسهولة العمل به و إنما اشتهر تاريخ هذا الملك من بين سائر ملوك فارس لأنه قام بعد تبدد الملك و استيلاء النساء عليه و المتغلبة ممن لا يستحقه و كان مع ذلك آخر ملوكهم و جرت على يده أكثر الحروب المذكورة و الوقائع المشهورة مع عمر بن الخطاب حتى زالت الدولة و انهزم فقتل بمرو الشاهجان.ثم قال ثم تاريخ أحمد بن طلحة المعتضد بالله و هو على سني الروم و شهور الفرس بمأخذ آخر و هو أنها تكبس في كل أربع سنين بيوم و كان السبب في ذلك على ما ذكر أبو بكر الصولي و حمزة بن الحسن الأصبهاني أن المتوكل بينا هو يطوف في متصيد له إذ رأى زرعا لم يدرك بعد و لم يستحصد فقال استأذنني عبيد الله بن يحيى في فتح الخراج و أرى الزرع أخضر فمن أين يعطى الناس الخراج فقيل له إن هذا قد أضر بالناس فهم يقترضون و يتسلفون و ينجلون عن أوطانهم و كثرت لهم شكاياتهم فقال هذا شيء حدث في أيامي أم لم يزل كذا فقيل له بل هو جار على ما أسسه ملوك الفرس من المطالبة بالخراج في إبان النيروز و صاروا به قدوة لملوك العرب فأحضر المؤبد و قال له قد كثر الخوض في هذا و لست أتعدى رسوم الفرس فكيف كانوا يفتحون الخراج على الرعية مع ما كانوا عليه من الإحسان و النظر و لم استجازوا المطالبة في هذا الوقت الذي لم تدرك فيه الغلات و الزروع فقال المؤبد و إنهم و إن كانوا يفتحونها في النيروز فما كان يجبى إلا وقت إدراك فقال و كيف ذلك فبين له حال السنين و كمياتها و احتياجها إلى الكبس ثم عرف أن الفرس كانوا يكبسونها فلما جاء الإسلام عطل فأضر ذلك بالناس و اجتمع الدهاقنة زمن هشام بن عبد الملك إلى خالد القسري فشرحوا له هذا و سألوه أن يؤخروا النوروز شهرا فأبى و كتب إلى هشام بذلك فقال إني أخاف أن يكون هذا من قول الله ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ فلما كان أيام الرشيد اجتمعوا إلى خالد بن يحيى بن برمك و سألوه أن يؤخروا النوروز نحو الشهرين فعزم على ذلك فتكلم أعداؤه فيه و قالوا إنه يتعصب للمجوسية فأضرب عن ذلك و بقي الأمر على حاله فأحضر المتوكل إبراهيم بن العباس الصولي و أمره أن يوافق المؤبد على ما ذكره من النيروز و يحسب الأيام و يجعل له قانونا غير متغير و ينشئ عنه كتابا إلى بلدان المملكة في تأخير النوروز فوقع العزم على تأخيره إلى سبعة عشر يوما من حزيران ففعل ذلك و نفذت الكتب إلى الآفاق في المحرم سنة ثلاث و أربعين و مائتين فقال البختري في ذلك قصيدة يمدح فيها المتوكل و قتل المتوكل و لم يتم له ما دبر حتى قام المعتضد بالخلافة و استرد بلدان المملكة من المتغلبين عليها و تفرغ للنظر في أمور الرعية فكان أهم شيء إليه أمر الكبيسة و إتمامه فاحتذى ما فعله المتوكل في تأخير النوروز غير أنه نظر من جهة أخرى و ذلك أن المتوكل أخذ ما بين سنته و بين أول تاريخ الملك يزدجرد و أخذ المعتضد ما بين سنته و بين السنة التي زال فيها ملك الفرس بهلاك يزدجردظنا منه أو ممن تولى ذلك له أن إهمالهم أمر الكبس هو من لدن ذلك الوقت فوجده مائتين و ثلاثا و أربعين سنة و حصتها من الأرباع ستون يوما و كسر فزاد ذلك على النوروز في سنة و جعله منتهى تلك الأيام و هو أول يوم من خرداد ماه في تلك السنة و كان يوم الأربعاء وافقه اليوم الحادي عشر من حزيران ثم وضع النوروز على شهور الروم لتنكبس شهوره إذا كبست الروم شهورها و كان المتولي لإمضاء ما أمر وزيره أبو القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب و قال علي بن يحيى في ذلك شعر.يوم نيروزك يوم واحد لا يتأخر* * * من حزيران يوافي أبدا في أحد عشر.و هذا و إن دقق في تحصيله فلم يعد به النوروز إلى ما كان عليه عند الكبس في دولة الفرس و ذلك أن إهمال كبسهم كان قبل هلاك يزدجرد بقريب من سبعين سنة لأنهم كانوا كبسوا السنة في زمان يزدجرد بن شابور بشهرين أحدهما لما لزم السنة من التأخر و هو الواجب و وضعوا اللواحق خلفه علامة له و كانت النوبة لآبان ماه كما سنذكره و الشهر الآخر للمستأنف ليكون مفروغا منه إلى مدة طويلة فإذا أسقط عن السنين التي بين يزدجرد بن شابور و بينه مائة و عشرون سنة بقي بالتقريب سبعون سنة لا بالتحقيق فإن تواريخ الفرس مضطربة جدا و تكون حصة هذا السبعين سنة من الأرباع قريبا من سبعة عشر يوما فكان يجب بالتحليل من القياس أن يؤخر سبعة و سبعين يوما لا ستين يوما حتى يكون النوروز في ثمانية و عشرين من حزيران و لكن المتولي لذلك ظن أن طريقة الفرس في الكبس كانت شبيهة بالتي يسلكه الروم فيه فحسب الأيام من لدن زوال ملكهم و الأمر فيها على خلاف ذلك كما بينا و سنبين.ثم قال هذا التاريخ آخر المشهورة و لعل أن يكون للأمم الشاسعة ديارها من ديارنا تواريخ لم تتصل بنا أو متروكة كالمجوس في مجوسيتها فإنها كانت تؤرخ بقيام ملوكهم أولا فأولا فإذا مات أحدهم تركوا تاريخه و انتقلوا إلى تاريخ القائم بعد منهم انتهى ما أردت إيراده من كتابه و هذا و إن كان مؤيدا لترك الكبس في زمان يزدجرد و دوران النيروز في الفصول لكن لا يدل على الإسقاط و ينافي بعض الضوابط المتقدمة و سيأتي مما سننقل عنه ما يؤيد ذلك أيضا.و بالجملة الأمر في الأخبار الواردة في ذلك مردد بين أمور الأول أن يكون بناؤها على إسقاط الأرباع و الخمسة أيضا كما كانت سنة الملوك البيشدادية أو بعض ملوك الهند كما أومأنا إليهما سابقا و يومي إليه قوله (عليه السلام) في خبر المعلى هي أيام قديمة من الشهور القديمة كل شهر ثلاثون يوما بلا زيادة فيه و لا نقصان و يؤيده الأخبار الكثيرة الدالة على أن السنة ثلاثمائة و ستون يوما فيكون أول الفروردين على هذا الحساب نوروزا.و يرد عليه أن حوالة النيروز و السنة على اصطلاح متروك لا يعلم تعيينه و لا ابتداء شهورها بعيد عن مقنن القوانين كما عرفت.الثاني أن تكون مبنية على الفرس القديم الذي مر ذكره و هو قوي لكن بناء أمر من الأمور الشرعية على اصطلاح متبدل متغير يتبع في كل زمان رأى سلطان من سلاطين الجور أو غفلتهم أو عدم تمكنهم من الكبس كما وقع بعد يزدجرد بعيد جدا و أيضا الظاهر أن فضل هذا اليوم إما بسبب الأمور المقارنة له و الأحوال الواقعة فيه و كثير من الأمور متعلقة بما قبل زمان يزدجرد و كان قبل ذلك مبنيا على الكبس و بعده سقط ذلك و إما
[بحار الأنوار (ج55-73)] · موسوعة الغيبة والظهور