⟨وَ يَبْكُونَ وَ يَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهَا أَنْ تَرْضَى عَنْهُمْ فَكَانَ الشَّيْطَانُ يَجِيءُ فَيُحَرِّكُ أَغْصَانَهَا وَ يَصِيحُ مِنْ سَاقِهَا صِيَاحَ الصَّبِيِّ أَنْ قَدْ رَضِيتُ عَنْكُمْ عِبَادِي فَطِيبُوا نَفْساً وَ قَرُّوا عَيْناً فَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ⟩
بسبب بعض الأوضاع الفلكية أو الأرضية كدخول برج من البروج أو درجة من درجاتها أو ظهور الأزهار و نبات النباتات و الأشجار و نحو ذلك و شيء منها غير منضبط في النيروز بهذا المعنى و مع جميع ذلك فهو بحسب الدليل كأنه أقوى من الجميع.الثالث أن يكون المراد بها النيروز القديم المبني على الكبس في كل مائة و عشرين سنة كما عرفت لأنه الأصل عند الفرس و إنما طرأ إسقاط الكبس لاختلال أحوالهم و عدم تمكنهم من ضبط قواعدهم و يرد عليه ما مر من أن بناءتكليف عام يشترك فيه عوامهم و خواصهم على أمر غامض لا يطلع عليه إلا الأوحدي من المنجمين و الهيويين بل لا يمكن معرفته على التحقيق لأحد كما مر بعيد غاية البعد إلا أن يقال أنه (عليه السلام) علم قاعدته المعلى و لم يروها أو ترك الناس روايتها و هو أيضا بعيد.الرابع أن يكون المراد ما اصطلح عليه الآن المنجمون و هو دخول الشمس برج الحمل بأن يكون (عليه السلام) علم أن قاعدة الفرس في القديم كان كذلك فتركت و أخروا الكبس إلى المائة و العشرين تسهيلا للأمر أو يقال إن نيروز الفرس هو أول فروردين مع رعاية الكبس بأي وجه كان في زمان قصير أو زمان طويل فيشمل النيروز الجلالي عموما و إن لم يحدث بعد خصوص هذا النوع و يؤيده أن الأحكاميين من الفرس و غيرهم جعلوا مبدأ السنة تحويل الشمس إلى الحمل كما قال كوشيار في كتاب مجمل الأصول معلوم أن تحويل سنة العالم هو حلول الشمس أول ثانية من الحمل و طالع ذلك طالع السنة و أمثال ذلك من كلماتهم و قد اشتمل الخبر على أن النيروز أول سنة الفرس و أيد أيضا بما ورد أن ابتداء خلق العالم كان الشمس في الحمل و بأنا إذا حسبنا على القهقرى وجدنا عيد الغدير في السنة العاشرة من الهجرة مطابقا لنزول الشمس أول الحمل و الظاهر أن ذلك مبني على بعض الإرصاد و على بعضها يتقدم بيوم كما أومأ إليه ابن فهد رحمه الله و على بعضها بيومين كما أشار إليه غيره و موافقته على بعض الإرصاد كاف في ذلك و بأنه أول نمو أبدان الحيوانات و الأشجار و النباتات كما قال سبحانه أ لم تر أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها و عنده تظهر قدرة الصانع و حكمته و لطفه و رحمته فهو أولى بأن يشكر فيه الرب الكريم و أن يجعل مبدأ السنة و العيد العظيم و قد مر الكلام في أكثر ذلك فيما مضى.و مما يدل على عدم كونه مرادا أنه معلوم أنه لم يكن هذا مشهورا في زمان الصادق (عليه السلام) و قد قال المعلى دخلت على الصادق (عليه السلام) يوم النيروز فلا بد من أن يكون يوما معروفا في ذلك الزمان و لم يكن إلا التاريخ اليزدجردي فلا يستقيم هذا إلا بتكلف أومأنا إليه في أول الكلام و الله يعلم حقائق الأمور.الفائدة الثالثة اعلم أنه قد يستشكل في الأحاديث بأن وقوع النيروز بأي تفسير كان في التواريخ الماضية المذكورة في الروايتين المضبوطة عند المؤرخين سنة و شهرا و يوما كيوم المبعث و فتح مكة و نص الغدير غير ممكن لعدم جواز اجتماع يومين في ذلك فضلا عن الجميع لأن المبعث كان قبل الهجرة بقريب من ثلاث عشرة سنة و فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة و نص الغدير في العاشرة منها فكان وضع الأول بالنسبة إلى كل من الأخيرين يقتضي أن تكون الفاصلة بين النيروزين الواقعين فيهما بحسب الشهور العربية أكثر من سبعة أشهر و وضع أحد الأخيرين بالنسبة إلى الآخر يقتضي أن تكون الفاصلة أقل من شهر مع أن الأول كان في أواخر رجب و الثاني في أواخر شهر رمضان و الثالث في أواخر شهر ذي الحجة.و يمكن الجواب عنه بوجهين الأول ما ذكره بعض الأفاضل و هو أن يقال من السنة التاسعة عشر من مبعثه (صلى الله عليه وآله وسلم) التي وقع فيها قتل پرويز من ملوك العجم إلى آخر زمانه (صلى الله عليه وآله وسلم) اتفق جلوس ثلاثة من ملوك العجم هم شيرويه و أردشير و توران دخت و كان الأولان قبل فتح مكة و الأخير بعده فيمكن إسقاط كل منهم برهة مما مضى من السنة عند جلوسه كما هو عادتهم المستمرة فكان ذلك منشأ لهذا الاختلاف فهذا أيضا دليل بل دلائل أخرى مستنبطة من الروايتين المذكورتين على بطلان كون المراد بالنيروز المعتبر شرعا هو الاعتدال الربيعي فإنه على ذلك لا يمكن توجيه التواريخ المذكورة فيهما أصلا و كذا حال سائر ما مر من تفاسيره سوى أول فروردين فتعين أن المراد به أول فروردين كما هو المطلوب انتهى. الثاني ما خطر ببالي و هو أنه لم يصرح في الحديث بالمبعث بل قال هبط فيه جبرئيل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و لا تلازم بينهما إذ المبعث هو أمر الرسول بتبليغ الرسالة إلى القوم و يمكن أن يكون نزول جبرئيل عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل ذلك بسنين كما يومئ إليه بعض الأخبار أيضا.و أما كون كسر الأصنام في فتح مكة فلا يظهر من هذا الخبر و لا من أكثر الأخبار الواردة فيه بل صريح بعض الأخبار و ظاهر بعضها كون ذلك قبل الهجرة فيمكن الجمع بينهما بالقول بتعدد وقوع ذلك و يكون أحدهما موافقا للنيروز
[بحار الأنوار (ج55-73)] · موسوعة الغيبة والظهور