⟨الْكَافِرِينَ الَّذِينَ نَأَوْا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ وَ إِنَّمَا سُمِّيَ النَّوَى مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ نَأَى عَنْ كُلِّ خَيْرٍ وَ تَبَاعَدَ عَنْهُ وَ⟩
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِفَالْحَيُّ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَخْرُجُ طِينَتُهُ مِنْ طِينَةِ الْكَافِرِ وَ الْمَيِّتُ الَّذِي يُخْرَجُ هُوَ مِنَ الْحَيِّ هُوَ الْكَافِرُ الَّذِي يُخْرَجُ مِنْ طِينَةِ الْمُؤْمِنِ فَالْحَيُّ الْمُؤْمِنُ وَ الْمَيِّتُ الْكَافِرُ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ فَكَانَ مَوْتُهُ اخْتِلَاطَ طِينَتِهِ مَعَ طِينَةِ الْكَافِرِ وَ كَانَ حَيَاتُهُ حِينَ فَرَّقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بَيْنَهُمَا بِكَلِمَتِهِ كَذَلِكَ يُخْرِجُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ الْمُؤْمِنَ فِي الْمِيلَادِ مِنَ الظُّلْمَةِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِيهَا إِلَى النُّورِ وَ يُخْرِجُ الْكَافِرَ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلْمَةِ بَعْدَ دُخُولِهِ إِلَى النُّورِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ- لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ تبيين قوله في أول ساعة إلخ قيل لما كان خلق آدم (عليه السلام) بعد خلق السماوات و الأرض ضرورة تقدم البسيط على المركب و كان خلق السماوات و الأرض و أقواتها في ستة أيام من الأسبوع و قد جمعت جميعا في الجمعة صار بدو خلق الإنسان فيه و المراد بكلمته جبرئيل (عليه السلام) لأنه حامل كلمته أو لاهتداء الناس به كاهتدائهم بكلام الله أو لكونه مخلوقا بكلمة كن بلا مادة و قيل المراد بالسماوات درجات الجنة و بالأرضين دركات سجين ليطابق الأخبار الأخر و يحتمل أخذها منهما معا.و قيل كأن المراد بالتربة ما له مدخل في تهيئة المادة القابلة لأن يخلق منها شيء فيشمل الطينة بمعنى الجبلة و آثار القوى السماوية المربية للنطفة و بالجملة ما له مدخل في السبب القابلي انتهى.و قيل إطلاق التربة على ما أخذ من السماوات من قبيل مجاز المشارفة أي ما يصير تربة و ينقلب إليهما و القصوى مؤنث الأقصى أي الأبعد و يدل على أن الأرض سبع طبقات كالسماوات كما قال الله تعالى اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَسَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ قوله (عليه السلام) ففلق الطين فلقتين ضمير فلق إما راجع إلى الله أو إلى جبرئيل و كذا قوله فذرا و في القاموس فلقه يفلقه شقه كفلقه و فالق الحب خالقه أو شاقه بإخراج الورق منه و قال ذرت الريح الشيء أو أذرته و ذرته أطارته و أذهبته و ذرا هو بنفسه.أقول الكلام يحتمل وجوها الأول أن يكون قوله ففلق تفريعا و تأكيدا لما مضى أي فصار بقبض بعض الطين باليمين و بعضه بالشمال الطين صنفين ففرق من الأرض أي ما كان في يده من طين الأرض و كذا الثاني فقال الله أو جبرئيل للذي بيمينه قبل الذرو أو للذي كان بيمينه بعده.الثاني أن يكون المعنى ففلق كل طين من الطينتين فلقة أي جعل كلا منهما حصتين ففرق من كل طين حصة ليكون طينة للمستضعفين و الأطفال و المجانين و قال لما بقي في اليمين منك الرسل إلخ و لما بقي في الشمال منك الجبارون إلخ و على هذا لعل إرجاع الضمائر إلى الله أولى فيقرأ أريد في الموضعين بصيغه المتكلم و على الوجه الآخر يقرأ بصيغه الغائب المجهول.الثالث ما ذكره بعض الأفاضل حيث قال كان الفلق كناية عن إفراز ما يصلح من المادتين لخلق الإنسان و إنما ذرا من كل منهما ما ذرا لأنه كان فيهما ما ليس له مدخل في خلق الإنسان و إنما كان مادة لسائر الأكوان خاصة.قوله (عليه السلام) ثم إن الطينتين خلطتا أي ما كان في اليدين أو جميع الطينتين المذروء منهما و غير المذروء.قوله (عليه السلام) فالحب طينة المؤمنين هذا بطن من بطون الآية و على هذا التأويل المراد بالفلق شق كل منهما و إخراج الآخر منه أو شق كل منهماعن صاحبه أو خلقهما. من أجل أنه نأى كأن مناسبة نأى و نوى من جهة الاشتقاق الكبير المبني على توافق بعض حروف الكلمتين فإن الأول مهموز الوسط و الثاني من المعتل و يحتمل أن يكون أصل المهموز من المعتل أو بالعكس و يؤيده أن صاحب مصباح المنير و الراغب في المفردات ذكرا نأى في باب النون مع الواو أو يقال ليس الغرض هنا بيان الاشتقاق بل بيان أن النوى بمعنى البعد و ذكر نأى لتناسب اللفظين فإن الواوي أيضا يطلق بهذا المعنى قال في القاموس النية الوجه الذي يذهب فيه و البعد كالنوى فيهما انتهى.و الآية في سورة الأنعام هكذا إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَ النَّوى قال في مجمع البيان أي شاق الحبة اليابسة الميتة فيخرج منه النبات و شاق النواة اليابسة فيخرج منه النخل و الشجر و قيل معناه خالق الحب و النوى و منشئهما و مبدئهما و قيل المراد به ما في الحبة و النواة من الشق و هو من عجيب قدرة الله تعالى في استوائه.يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِ أي يخرج النبات الغض الطري الخضر من الحب اليابس و يخرج الحب اليابس من النبات الحي النامي عن الزجاج و العرب تسمي الشجرة ما دام غضا قائما بأنه حي فإذا يبس أو قطع أو قلع سموه ميتا.و قيل معناه يخلق الحي من النطفة و هي موات و يخلق النطفة و هي موات من الحي عن الحسن و غيره و هذا أصح و قيل معناه يخرج الطير من البيض و البيض منالطير عن الجبائي و قيل يخرج المؤمن من الكافر و الكافر من المؤمن.ثم قال سبحانه في هذه السورة أيضا أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا ﴿لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾ قال الطبرسي أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً أي كافرا فَأَحْيَيْناهُ بأن هديناه إلى الإيمان عن ابن عباس و غيره شبه سبحانه الكفر بالموت و الإيمان بالحياة و قيل معناه من كان نطفة فأحييناه وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً المراد بالنور العلم و الحكمة أو القرآن أو الإيمان و بالظلمات ظلمات الكفر.و إنما سمى الله الكافر ميتا لأنه لا ينتفع بحياته و لا ينتفع غيره بحياته فهو أسوأ حالا من الميت إذ لا يوجد من الميت ما يعاقب عليه و لا يتضرر غيره به و سمى المؤمن حيا لأنه له و لغيره المصلحة و المنفعة في حياته و كذلك سمى الكافر ميتا و المؤمن حيا في عدة مواضع مثل قوله إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى و لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا و قوله وَ ما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَ لَا الْأَمْواتُ و سمى القرآن و الإيمان و العلم نورا لأن الناس يبصرون بذلك و يهتدون به من ظلمات الكفر و حيرة الضلالة كما يهتدى بسائر الأنوار و سمى الكفر ظلمة لأن الكافر لا يهتدي بهداه و لا يبصر أمر رشده انتهى.و أقول على التأويل المذكور في الخبر و أكثر التفاسير المذكورة قوله تعالى يُخْرِجُ الْحَيَ بيان لقوله فالِقُ الْحَبِ قوله حين فرق الله بينهما بكلمته أي بقدرته أو بأمر كن أو بجبرئيلو التفريق في الميلاد أو في الطينة و الأول أظهر فقوله كذلك تشبيه الإخراج من الظلمات إلى النور و بالعكس بإخراج الحي من الميت و بالعكس في أن المراد فيهما إخراج طينة المؤمن من طينة الكافر و بالعكس.و ليس المراد تأويل تتمة تلك الآية أعني قوله سبحانه أ و من كان ميتا إلخ فإنه لم يذكر فيها إخراج الكافر من النور إلى الظلمة بل فيها أنه ﴿في الظلمات ليس بخارج منها﴾ بل هو إشارة إلى قوله تعالى ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ الآية. و لا ينافيه قوله (عليه السلام) و يخرج الكافر مع أن في الآية نسب الإخراج إلى الطاغوت لأن لخذلانه سبحانه مدخلا في ذلك مع أنه يمكن أن يقرأ على بناء المجرد المعلوم أو على بناء المجهول.و ما قيل من أنه يظهر من هذا الحديث أن إخراج المؤمن من الكافر و بالعكس في وقتين وقت تفريق الطين و وقت الولادة فليس بظاهر كما عرفت ثم استشهد (عليه السلام) لإطلاق الحياة على الإيمان أو كونه من طينة مقربة له بقوله سبحانه لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا أي كان من طينة الجنة على تأويله ع.قال الطبرسي أي أنزلناه ليخوف به من معاصي الله من كان مؤمنا لأن الكافر كالميت بل أقل من الميت أو من كان عاقلا كما روي عن علي (عليه السلام) و قيل من كان حي القلب حي البصر وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ أي يجب الوعيد و العذاب على الكافرين بكفرهم و أقول على تأويله (عليه السلام) يحتمل أن يكون المراد بالقول ما مر من قوله سبحانه منك الجبارون و المشركون و الكافرون إلى آخره.11- مع، معاني الأخبار سُئِلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) عَنِ الْمَوْتِ مَا هُوَ فَقَالَ هُوَ التَّصْدِيقُ بِمَا لَا يَكُونُ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ- عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام) قَالَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا مَاتَ لَمْ يَكُنْ مَيِّتاً فَإِنَّ الْمَيِّتَ هُوَ الْكَافِرُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُيُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِ يَعْنِي الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ وَ الْكَافِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ.12- كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) جُعِلْتُ فِدَاكَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ طِينَةَ الْمُؤْمِنِ فَقَالَ مِنْ طِينَةِ الْأَنْبِيَاءِ فَلَنْ تَنْجَسَ أَبَداً.بيان: فلن تنجس أبدا أي بنجاسة الكفر و الشرك و إن نجست بالمعاصي فتطهر بالتوبة و الشفاعة و رحمة الرب تعالى و قيل أي لن يتعلق بالدنيا تعلق ركون و إخلاد يذهله عن الآخرة.13- كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ صَالِحِ بْنِ سَهْلٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) الْمُؤْمِنُونَ مِنْ طِينَةِ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ نَعَمْ.بيان: أي من فضل طينتهم.14- كا، الكافي عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيِّ وَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: لَوْ عَلِمَ النَّاسُ كَيْفَ ابْتُدِئَ الْخَلْقُ لَمَا اخْتَلَفَ اثْنَانِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ قَالَ كُنْ مَاءً عَذْباً أَخْلُقْ مِنْكَ جَنَّتِي وَ أَهْلَ طَاعَتِي وَ كُنْ مِلْحاً أُجَاجاً أَخْلُقْ مِنْكَ نَارِي وَ أَهْلَ مَعْصِيَتِي ثُمَّ أَمَرَهُمَا فَامْتَزَجَا فَمِنْ ذَلِكَ صَارَ يَلِدُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ وَ الْكَافِرُ الْمُؤْمِنَ ثُمَّ أَخَذَ طِينَةً مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ فَعَرَكَهُ عَرْكاً شَدِيداً فَإِذَا هُمْ كَالذَّرِّ يَدِبُّونَ فَقَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ إِلَى الْجَنَّةِ بِسَلَامٍ وَ قَالَ لِأَصْحَابِ الشِّمَالِ إِلَى النَّارِ وَ لَا أُبَالِي ثُمَّ أَمَرَ نَاراً فَأُسْعِرَتْ فَقَالَ لِأَصْحَابِ الشِّمَالِ أُدْخُلُوهَا فَهَابُوهَا وَ قَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ أُدْخُلُوهَا فَدَخَلُوهَا فَقَالَ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماًفَكَانَتْ بَرْداًوَ سَلَاماً فَقَالَ أَصْحَابُ الشِّمَالِ يَا رَبِّ أَقِلْنَا قَالَ قَدْ أَقَلْتُكُمْ فَادْخُلُوهَا فَذَهَبُوا فَهَابُوهَا فَثَمَّ ثَبَتَتِ الطَّاعَةُ وَ الْمَعْصِيَةُ وَ لَا يَسْتَطِيعُ هَؤُلَاءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْ هَؤُلَاءِ وَ لَا هَؤُلَاءِ مِنْ هَؤُلَاءِ.تبيين لما اختلف اثنان أي في مسألة الاستطاعة و الاختيار و الجبر أو لما تنازع اثنان في أمر من أمور الدين لاختلاف أفهامهم و قابلياتهم و طينهم و لما بالغوا في هداية الخلق.كن ماء عذبا أمر تكويني أو استعارة تمثيلية لبيان علمه تعالى باختلاف مواد الخلق و استعداداتهم و ما هم إليه صائرون و في القاموس ماء أجاج ملح مر و قال أديم النار عامته أو بياضه و من الضحى أوله و من السماء و الأرض ما ظهر و قال عركه دلكه و حكه حتى عفاه و قال الذر صغار النمل و مائة منها زنة حبة شعير الواحدة ذرة و قال دب يدب دبا و دبيبا مشى على هنيئة و قال أقلته فسخته و استقاله طلب إليه أن يقيله و قال هابه يهابه هيبا و مهابة خافه.وَ قَالَ السَّيِّدُ فِي نَهْجِ الْبَلَاغَةِ رَوَى الْيَمَانِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ قُتَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِحْيَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ (عليه السلام) وَ قَدْ ذُكِرَ اخْتِلَافُ النَّاسِ قَالَ إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمْ مَبَادِي طِينِهِمْ وَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِلْقَةً مِنْ سَبَخِ أَرْضٍ وَ عَذْبِهَا وَ حَزْنِ تُرْبَةٍ وَ سَهْلِهَا فَهُمْ عَلَى حَسَبِ قُرْبِ أَرْضِهِمْ يَتَقَارَبُونَ وَ عَلَى قَدْرِ اخْتِلَافِهِمْ يَتَفَاوَتُونَ فَتَامُّ الرُّوَاءِ نَاقِصُ الْعَقْلِ وَ مَادُّ الْقَامَةِ قَصِيرُ الْهِمَّةِ وَ زَاكِي الْعَمَلِ قَبِيحُ الْمَنْظَرِ وَ قَرِيبُ الْقَعْرِ بَعِيدُ السَّبْرِ وَ مَعْرُوفُ الضَّرِيبَةِ مُنْكَرُ الْجَلِيبَةِ وَ نَائِرُ الْقَلْبِ مُتَفَرِّقُ اللُّبِّ وَ طَلِيقُ اللِّسَانِ حَدِيدُ الْجَنَانِ.. و قال ابن ميثم في قوله (عليه السلام) إنما فرق بينهم إلخ أي تقاربهم فيالصور و الأخلاق تابع لتقارب طينهم و تقارب مباديه و هي السهل و الحزن و السبخ و العذب و تفاوتهم فيها لتفاوت طينهم و مباديه المذكورة.و قال أهل التأويل الإضافة بمعنى اللام أي المبادي لطينهم كناية عن الأجزاء العنصرية التي هي مبادي المركبات ذوات الأمزجة أو السبخ كناية عن الحار اليابس و العذب عن الحار الرطب و السهل عن البارد الرطب و الحزن عن البارد اليابس انتهى.و أقول لا يبعد أن يكون الماء العذب كناية عما خلق الله في الإنسان من الدواعي إلى الخير و الصلاح كالعقل و النفس الملكوتي و الماء الأجاج عما ينافي و يعارض ذلك و يدعو إلى الشهوات الدنية و اللذات الجسمانية من البدن و ما ركب فيه من الدواعي إلى الشهوات.و مزجهما كناية عن تركيبهما في الإنسان فقوله أخلق منك أي من أجلك جنتي و أهل طاعتي إذ لو لا ما في الإنسان من جهة الخير لم يكن لخلق الجنة فائدة و لم يكن يستحقها أحد و لم يصر أحد مطيعا له تعالى.و كذا قوله أخلق منك ناري إذ لو لا ما في الإنسان من دواعي الشرور لم يكن يعصي الله أحد و لم يحتج إلى خلق النار للزجر عن الشرور.ثم لإظهار إحاطة علمه بما سيقع من كل فرد من أفراد البشر للملائكة لطفا لهم و لبني آدم أيضا بعد إخبار الرسل بذلك جعلهم كالذر و ميز من علم منهم الإيمان ممن علم منهم خلافه و كلفهم بدخول النار ليعلموا قبل التكليف في عالم الأجسادأن ما علم منهم مطابق للواقع فثم ثبتت الطاعة و المعصية و علم الملائكة من يطيع بعد ذلك و من يعصي و أثبت ذلك في الألواح مطابقا لعلمه تعالى.و قوله فمن ذلك صار يلد المؤمن الكافر أي لأجل ما قرر في الإنسان من جهتي الخير و الشر ترى الأب يصير تابعا للعقل و مقويا لدواعي الخير و زاجرا للشهوات فيصير من الأخيار و الابن يتبع الهوى و الشهوات و يسلطها على العقل فيصير من الأشرار مع نهاية الارتباط بينهما و قوله و لا يستطيع هؤلاء أي لا يتخلف ما علم الله تعالى منهم لكن لا يختارونها إلا باختيارهم و إرادتهم و استطاعتهم هذا ما خطر بالبال على وجه الاحتمال و الله يعلم غوامض أسرارهم ع.و قال بعض أهل التأويل عبر عن المادة تارة بالماء و أخرى بالتربة لاشتراكهما في قبول الأشكال و لاجتماعهما في طينة الإنسان و تركيب خلقته و أديم الأرض وجهها و كأنه كناية عما ينبت منها مما يصلح أن يصير غذاء للإنسان و يحصل منه النطفة أو تتربى به و العرك الدلك و كأنه كناية عن مزجه بحيث يحصل منه المزاج و يستعد للحياة و الذر النمل الصغار و وجه الشبه الحس و الحركة و كونهم محل الشعور مع صغر الجثة و الخفاء.و هذا الخطاب إنما كان في عالم الأمر و لشدة ارتباط الملك بالملكوت و قوامه به جاز إسناد مادته إليه و إن كان عالم الأمر مجردا عن المادة و اجتماعهم في الوجود عند الله إنما هو لاجتماع الأجسام الزمانية عنده تعالى دفعة واحدة في عالم الأمر و إن كانت متفرقة مبسوطة متدرجة في عالم الخلق.و وجودهم في عالم الأمر وجود ملكوتي ظلي ينبعث من حقيقته هذا الوجود الخلقي الجسماني و هو صورة علمه سبحانه بها و عنه عبر بالظلال في حديث آخر.و أمره تعالى إياهم إلى الجنة و النار هدايته إياهم إلى سبيلهما ثم توفيقه أو خذلانه و لعل المراد بالنار المسعرة بعد ذلك التكاليف الشرعية و تحصيل المعرفة المحرقة للقلوب لصعوبة الخروج عن عهدتها.و استقالة أصحاب الشمال كناية عن تمنيهم الإطاعة و عدم قدرتهم التامة عليها لغلبة الشهوة عليهم و كونهم مسخرة تحت سلطان الهوى كما ﴿قالوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ وَ كُنَّا قَوْماً ضالِّينَ انتهى.و لعل إبداء تلك التأويلات في الأخبار جرأة على الله و رسوله و الأئمة الأخيار إلا أن يكون على سبيل الاحتمال لكن بعد ثبوت ما بنوا عليه الكلام من المقدمات التي لم تثبت بالبرهان و اليقين بل بعضها مناف لما ثبت في الدين المبين.15- كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْبَزَنْطِيِّ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ مُحَمَّدٍ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ:
[بحار الأنوار (ج55-73)] · موسوعة الغيبة والظهور