⟨سَعِيدٍ عَنْ أَخِيهِ سَهْلٍ الْحُلْوَانِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)⟩
وَ جَاءَتْهُ أَسَرَّ مَا كَانَ بِهَا مَنِيَّتُهُ فَعَظُمَتْ نَدَامَتُهُ وَ كَثُرَتْ حَسْرَتُهُ وَ جَلَّتْ مُصِيبَتُهُ فَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهِ وَ آخَرُ اخْتَلَجَ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَظْفَرَ بِحَاجَتِهِ فَفَارَقَهَا بِغُرَّتِهِ وَ أَسَفِهِ وَ لَمْ يُدْرِكْ مَا طَلَبَ مِنْهَا وَ لَمْ يَظْفَرْ بِمَا رَجَا فِيهَا فَارْتَحَلَا جَمِيعاً مِنَ الدُّنْيَا بِغَيْرِ زَادٍ وَ قَدِمَا عَلَى غَيْرِ مِهَادٍ فَاحْذَرُوا الدُّنْيَا الْحَذَرَ كُلَّهُ وَ ضَعُوا عَنْكُمْ ثِقَلَ هُمُومِهَا لِمَا تَيَقَّنْتُمْ لَوْ شَكَّ زَوَالَهَا وَ كُونُوا أَسَرَّ مَا تَكُونُونَ فِيهَا أَحْذَرَ مَا تَكُونُونَ لَهَا فَإِنَّ طَالِبَهَا كُلَّمَا اطْمَأَنَّ مِنْهَا إِلَى سُرُورٍ أَشْخَصَهُ عَنْهَا مَكْرُوهٌ وَ كُلَّمَا اغْتَبَطَ مِنْهَا بِإِقْبَالٍ نَغَّصَهُ عَنْهَا إِدْبَارٌ وَ كُلَّمَا ثَبَتَتْ عَلَيْهِ مِنْهَا رَجُلًا طَوَتْ عَنْهُ كَشْحاً فَالسَّارُّ فِيهَا غَارٌّ وَ النَّافِعُ فِيهَا ضَارُّ وَصَلَ رَخَاؤُهَا بِالْبَلَاءِ وَ جُعِلَ بَقَاؤُهَا إِلَى الْفَنَاءِ فَرَحُهَا مَشُوبٌ بِالْحُزْنِ وَ آخَرُ هُمُومِهَا إِلَى الْوَهْنِ فَانْظُرْ إِلَيْهَا بِعَيْنِ الزَّاهِدِ الْمُفَارِقِ وَ لَا تَنْظُرْ إِلَيْهَا بِعَيْنِ الصَّاحِبِ الْوَامِقِ اعْلَمْ يَا هَذَا أَنَّهَا تَشْخَصُ الْوَادِعَ السَّاكِنَ وَ تُفَجِّعُ الْمُغْتَبِطَ الْآمِنَ لَا يَرْجِعُ مِنْهَا مَا تَوَلَّى فَأَدْبَرَ وَ لَا يُدْرَى مَا هُوَ آتٍ فَيُحْذَرَ أَمَانِيُّهَا كَاذِبَةٌ وَ آمَالُهَا بَاطِلَةٌ صَفْوُهَا كَدِرٌ وَ ابْنُ آدَمَ فِيهَا عَلَى خَطَرٍ إِمَّا نِعْمَةٌ زَائِلَةٌ وَ إِمَّا بَلِيَّةٌ نَازِلَةٌ وَ إِمَّا مَعْظَمَةٌ جَائِحَةٌ وَ إِمَّا مَنِيَّةٌ قَاضِيَةٌ فَلَقَدْ كَدِرَتْ عَلَيْهِ الْعِيشَةُ إِنْ عَقَلَ وَ أَخْبَرَتْهُ عَنْ نَفْسِهَا إِنْ وَعَى وَ لَوْ كَانَ خَالِقُهَا جَلَّ وَ عَزَّ لَمْ يُخْبِرْ عَنْهَا خَبَراً وَ لَمْ يَضْرِبْ لَهَا مَثَلًا وَ لَمْ يَأْمُرْ بِالزُّهْدِ فِيهَا وَ الرَّغْبَةِ عَنْهَا لَكَانَتْ وَقَائِعُهَا وَ فَجَائِعُهَا قَدْ أَنْبَهَتِ النَّائِمَ وَ وَعَظَتِ الظَّالِمَ وَ بَصَّرَتِ الْعَالِمَ وَ كَيْفَ وَ قَدْ جَاءَ عَنْهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى زَاجِرٌ وَ أَتَتْ مِنْهُفِيهَا الْبَيِّنَاتُ وَ الْبَصَائِرُ فَمَا لَهَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْرٌ وَ لَا وَزْنٌ وَ لَا خَلْقٌ فِيمَا بَلَغَنَا خَلْقاً أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنْهَا وَ لَا نَظَرَ إِلَيْهَا مُذْ خَلَقَهَا وَ لَقَدْ عَرَضَتْ عَلَى نَبِيِّنَا ص بِمَفَاتِيحِهَا وَ خَزَائِنِهَا لَا يَنْقُصُهُ ذَلِكَ مِنْ حَظِّهِ مِنَ الْآخِرَةِ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا لِعِلْمِهِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ وَ صَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ وَ أَنْ لَا يَرْفَعَ مَا وَضَعَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَ أَنْ لَا يُكْثِرَ مَا أَقَلَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَوْ لَمْ يُخْبِرْكَ عَنْ صِغَرِهَا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ صَغَّرَهَا عَنْ أَنْ يُجْعَلَ خَيْرُهَا ثَوَاباً لِلْمُطِيعِينَ وَ أَنْ يُجْعَلَ عُقُوبَتُهَا عِقَاباً لِلْعَاصِينَ لَكَفَى وَ مِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى دَنَاءَةِ الدُّنْيَا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ زَوَاهَا عَنْ أَوْلِيَائِهِ وَ أَحِبَّائِهِ نَظَراً وَ اخْتِيَاراً وَ بَسَطَهَا لِأَعْدَائِهِ فِتْنَةً وَ اخْتِبَاراً فَأَكْرَمَ عَنْهَا مُحَمَّداً نَبِيَّهُ ص حِينَ عَصَبَ عَلَى بَطْنِهِ مِنَ الْجُوعِ وَ حَمَاهَا مُوسَى نَجِيَّهُ الْمُكَلَّمَ وَ كَانَتْ تُرَى خُضْرَةُ الْبَقْلِ مِنْ صِفَاقِ بَطْنِهِ مِنَ الْهُزَالِ وَ مَا سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَوْمَ أَوَى إِلَى الظِّلِّ إِلَّا طَعَاماً يَأْكُلُهُ لِمَا جَهَدَهُ مِنَ الْجُوعِ وَ لَقَدْ جَاءَتِ الرِّوَايَةُ أَنَّهُ قَالَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ إِذَا رَأَيْتَ الْغِنَى مُقْبِلًا فَقُلْ ذَنْبٌ عُجِّلَتْ عُقُوبَتُهُ وَ إِذَا رَأَيْتَ الْفَقْرَ مُقْبِلًا فَقُلْ مَرْحَباً بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ وَ صَاحِبِ الرُّوحِ وَ الْكَلِمَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ (عليه السلام) إِذْ قَالَ إِدَامِيَ الْجُوعُ وَ شِعَارِيَ الْخَوْفُ وَ لِبَاسِيَ الصُّوفُ وَ دَابَّتِي رِجْلَايَ وَ سِرَاجِي بِاللَّيْلِ الْقَمَرُ وَ صَلَايَ فِي الشِّتَاءِ مَشَارِقُ الشَّمْسِ وَ فَاكِهَتِي مَا أَنْبَتَتِ الْأَرْضُ لِلْأَنْعَامِ أَبِيتُ وَ لَيْسَ لِي شَيْءٌ وَ لَيْسَ أَحَدٌ أَغْنَى مِنِّي وَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَ مَا أُوتِيَ مِنَ الْمُلْكِ إِذْ كَانَ يَأْكُلُ خُبْزَ الشَّعِيرِ وَ يُطْعِمُ أُمَّهُ الْحِنْطَةَ وَ إِذَا جَنَّهُ اللَّيْلُ لَبِسَ الْمُسُوحَ وَ غَلَّ يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ وَ بَاتَ بَاكِياً حَتَّى يُصْبِحَ وَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِيفَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لِي وَ تَرْحَمْنِي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾فَهَؤُلَاءِ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ وَ أَصْفِيَاؤُهُ تَنَزَّهُوا عَنِ الدُّنْيَا وَ زَهِدُوا فِيمَا زَهَّدَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِ مِنْهَا وَ أَبْغَضُوا مَا أَبْغَضَ وَ صَغَّرُوا مَا صَغَّرَ ثُمَّ اقْتَصَّ الصَّالِحُونَ آثَارَهُمْ وَ سَلَكُوا مِنْهَاجَهُمْ وَ أَلْطَفُوا الْفِكَرَ وَ انْتَفَعُوا بِالْعِبَرِ وَ صَبَرُوا فِي هَذَا الْعُمُرِ الْقَصِيرِ مِنْ مَتَاعِ الْغُرُورِ الَّذِي يَعُودُ إِلَى الْفَنَاءِ وَ يَصِيرُ إِلَى الْحِسَابِ نَظَرُوا بِعُقُولِهِمْ إِلَى آخِرِ الدُّنْيَا وَ لَمْ يَنْظُرُوا إِلَى أَوَّلِهَا وَ إِلَى بَاطِنِ الدُّنْيَا وَ لَمْ يَنْظُرُوا إِلَى ظَاهِرِهَا وَ فَكَّرُوا فِي مَرَارَةِ عَاقِبَتِهَا فَلَمْ يَسْتَمْرِئْهُمْ حَلَاوَةُ عَاجِلِهَا ثُمَّ أَلْزَمُوا أَنْفُسَهُمُ الصَّبْرَ وَ أَنْزَلُوا الدُّنْيَا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَالْمَيْتَةِ الَّتِي لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْبَعَ مِنْهَا إِلَّا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ إِلَيْهَا وَ أَكَلُوا مِنْهَا بِقَدْرِ مَا أَبْقَى لَهُمُ النَّفَسَ وَ أَمْسَكَ الرُّوحَ وَ جَعَلُوهَا بِمَنْزِلَةِ الْجِيفَةِ الَّتِي اشْتَدَّ نَتْنُهَا فَكُلُّ مَنْ مَرَّ بِهَا أَمْسَكَ عَلَى فِيهِ فَهُمْ يَتَبَلَّغَونَ بِأَدْنَى الْبَلَاغِ وَ لَا يَنْتَهُونَ إِلَى الشِّبَعِ مِنَ النَّتْنِ وَ يَتَعَجَّبُونَ مِنَ الْمُمْتَلِي مِنْهَا شِبَعاً وَ الرَّاضِي بِهَا نَصِيباً إِخْوَانِي وَ اللَّهُ لَهِيَ فِي الْعَاجِلَةِ وَ الْآجِلَةِ لِمَنْ نَاصَحَ نَفْسَهُ فِي النَّظَرِ وَ أَخْلَصَ لَهَا الْفِكَرَ أَنْتَنُ مِنَ الْجِيفَةِ وَ أَكْرَهُ مِنَ الْمَيْتَةِ غَيْرَ أَنَّ الَّذِي نَشَأَ فِي دِبَاغِ الْإِهَابِ لَا يَجِدُ نَتْنَهُ وَ لَا تُؤْذِيهِ رَائِحَتُهُ مَا تُؤْذِي الْمَارَّ بِهِ وَ الْجَالِسَ عِنْدَهُ وَ قَدْ يَكْفِي الْعَاقِلَ مِنْ مَعْرِفَتِهَا عِلْمُهُ بِأَنَّ مَنْ مَاتَ وَ خَلَّفَ سُلْطَاناً عَظِيماً سَرَّهُ أَنَّهُ عَاشَ فِيهَا سُوقَةً خَامِلًا أَوْ كَانَ فِيهَا مُعَافًى سَلِيماً سَرَّهُ أَنَّهُ كَانَ فِيهَا مُبْتَلًى ضَرِيراً فَكَفَى بِهَذَا عَلَى عَوْرَتِهَا وَ الرَّغْبَةُ عَنْهَا دَلِيلًا وَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ الدُّنْيَا كَانَتْ مَنْ أَرَادَ مِنْهَا شَيْئاً وَجَدَهُ حَيْثُ تَنَالُ يَدَهُ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ وَ لَا تَعَبٍ وَ لَا مَئُونَةٍ وَ لَا نَصَبٍ وَ لَا ظَعْنٍ وَ لَا دَأْبٍ غَيْرَ أَنَّ مَا أَخَذَ مِنْهَا مِنْ شَيْءٍ لَزِمَهُ حَقُّ اللَّهِ فِيهِ وَ الشُّكْرُ عَلَيْهِ وَ كَانَ مَسْئُولًا عَنْهُ مُحَاسَباً بِهِ لَكَانَ يَحِقُّ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ مِنْهَا إِلَّا قُوَّتَهُ وَ بُلْغَةَ يَوْمِهِ حَذَراً مِنَ السُّؤَالِ وَ خَوْفاً مِنَ الْحِسَابِ وَ إِشْفَاقاً مِنَ الْعَجْزِ عَنِ الشُّكْرِ فَكَيْفَ بِمَنْ تَجَشَّمَ فِي طَلَبِهَا مِنْ خُضُوعِ رَقَبَتِهِ وَ وَضْعِ خَدِّهِ وَ فَرَطِ عِنَائِهِ وَ الِاغْتِرَابِ عَنْ أَحْبَابِهِ وَ عَظِيمِ أَخْطَارِهِ ثُمَّ لَا يَدْرِي مَا آخِرُ ذَلِكَ الظَّفَرُ أَمِ الْخَيْبَةُ إِنَّمَا الدُّنْيَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ يَوْمٌ مَضَى بِمَا فِيهِ فَلَيْسَ بِعَائِدٍ وَ يَوْمٌ أَنْتَ فِيهِ فَحَقٌّ عَلَيْكَ اغْتِنَامُهُ وَ يَوْمٌ لَا تَدْرِي أَنْتَ مِنْ أَهْلِهِ وَ لَعَلَّكَ رَاحِلٌ فِيهِ أَمَّا الْيَوْمُ الْمَاضِيفَحَكِيمٌ مُؤَدِّبٌ وَ أَمَّا الْيَوْمُ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ فَصَدِيقٌ مُوَدِّعٌ وَ أَمَّا غَداً فَإِنَّمَا فِي يَدَيْكَ مِنْهُ الْأَمَلُ فَإِنْ يَكُنْ أَمْسِ سَبَقَكَ بِنَفْسِهِ فَقَدْ أَبْقَى فِي يَدَيْكَ حِكْمَتَهُ وَ إِنْ يَكُنْ يَوْمُكَ هَذَا آنَسَكَ بِمَقْدَمِهِ عَلَيْكَ فَقَدْ كَانَ طَوِيلَ الْغَيْبَةِ عَنْكَ وَ هُوَ سَرِيعُ الرِّحْلَةِ فَتَزَوَّدْ مِنْهُ وَ أَحْسِنْ وَدَاعَهُ خُذْ بِالثِّقَةِ مِنَ الْعَمَلِ وَ إِيَّاكَ وَ الِاغْتِرَارَ بِالْأَمَلِ وَ لَا تُدْخِلْ عَلَيْكَ الْيَوْمَ هَمَّ غَدٍ يَكْفِي الْيَوْمَ هَمُّهُ وَ غَداً دَاخِلٌ عَلَيْكَ بِشُغُلِهِ إِنَّكَ إِنْ حَمَلْتَ عَلَى الْيَوْمِ هَمَّ غَدٍ زِدْتَ فِي حُزْنِكَ وَ تَعَبِكَ وَ تَكَلَّفْتَ أَنْ تَجْمَعَ فِي يَوْمِكَ مَا يَكْفِيكَ أَيَّاماً فَعَظُمَ الْحُزْنُ وَ زَادَ الشُّغُلُ وَ اشْتَدَّ التَّعَبُ وَ ضَعُفَ الْعَمَلُ لِلْأَمَلِ وَ لَوْ أَخْلَيْتَ قَلْبَكَ مِنَ الْأَمَلِ لَجَدَّدْتَ فِي الْعَمَلِ وَ الْأَمَلُ الْمُمَثَّلُ فِي الْيَوْمِ غَداً أَضَرَّكَ فِي وَجْهَيْنِ سَوَّفْتَ بِهِ الْعَمَلَ وَ زِدْتَ بِهِ فِي الْهَمِّ وَ الْحُزْنِ أَ وَ لَا تَرَى أَنَّ الدُّنْيَا سَاعَةٌ بَيْنَ سَاعَتَيْنِ سَاعَةٌ مَضَتْ وَ سَاعَةٌ بَقِيَتْ وَ سَاعَةٌ أَنْتَ فِيهَا فَأَمَّا الْمَاضِيَةُ وَ الْبَاقِيَةُ فَلَسْتَ تَجِدُ لِرِخَائِهِمَا لَذَّةً وَ لَا لِشِدَّتِهِمَا أَلَماً فَأَنْزِلِ السَّاعَةَ الْمَاضِيَةَ وَ السَّاعَةَ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا مَنْزِلَةَ الضَّيْفَيْنِ نَزَلَا بِكَ فَظَعَنَ الرَّاحِلُ عَنْكَ بِذَمِّهِ إِيَّاكَ وَ حَلَّ النَّازِلُ بِكَ بِالتَّجْرِبَةِ لَكَ فَإِحْسَانُكَ إِلَى الثَّاوِي يَمْحُو إِسَاءَتَكَ إِلَى الْمَاضِي فَأَدْرِكْ مَا أَضَعْتَ بِهِ عِتَابَكَ مِمَّا اسْتَقْبَلْتَ وَ احْذَرْ أَنْ تَجْمَعَ عَلَيْكَ شَهَادَتَهُمَا فَيُوبِقَاكَ وَ لَوْ أَنَّ مَقْبُوراً مِنَ الْأَمْوَاتِ قِيلَ لَهُ هَذِهِ الدُّنْيَا أَوَّلُهَا إِلَى آخِرِهَا تَخَلَّفْهَا لِوَلَدِكَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَكَ هَمٌّ غَيْرُهُ أَوْ يَوْمٌ نَرُدُّهُ إِلَيْكَ فَتَعْمَلُ فِيهِ لِنَفْسِكَ لَاخْتَارَ يَوْماً يَسْتَعْتِبُ فِيهِ مِنْ سَيِّئِ مَا أَسْلَفَ عَلَى جَمِيعِ الدُّنْيَا بِهِ يُورِثُهَا وَلَداً خَلَّفَهُ فَمَا يَمْنَعُكَ أَيُّهَا الْمُغْتَرُّ الْمُضْطَرُّ الْمُسَوِّفُ أَنْ تَعْمَلَ عَلَى مَهَلٍ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ وَ مَا يَجْعَلُ الْمَقْبُورَ أَشَدَّ تَعْظِيماً لِمَا فِي يَدَيْكَ مِنْكَ أَ لَا تَسْعَى فِي تَحْرِيرِ رَقَبَتِكَ وَ فَكَاكِ رِقِّكَ وَ وِقَاءِ نَفْسِكَ مِنَ النَّارِ الَّتِي عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌوَ قَالَ (عليه السلام) أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ اغْتِنَامِ مَا اسْتَطَعْتُمْ عَمَلًا بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ بِجَلِيلِ مَا يَشْقَى عَلَيْكُمْ بِهِ الْفَوْتُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَ بِالرَّفْضِ لِهَذِهِ الدُّنْيَا التَّارِكَةِ لَكُمْ وَ إِنْ لَمْ تَكُونُوا تُحِبُّونَ تَرْكَهَا وَ الْمُبْلِيَةِ لَكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ تَجْدِيدَهَا فَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَ مَثَلُهَا كَرَكْبٍ سَلَكُوا سَبِيلًا فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ وَ أَمُّوا عِلْماً فَكَأَنْ قَدْ بَلَغُوهُ وَ كَمْ عَسَى مِنَ الْمَجْرَى إِلَى الْغَايَةِ أَنْ يَجْرِيَ حَتَّى يَبْلُغَهَا فَكَمْ عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَاءَ مَنْ لَهُ يَوْمٌ لَا يَعْدُوهُ وَ مِنْ وَرَائِهِ طَالِبُ حَثِيثٍ يَحْدُوهُ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يُفَارِقَهَا فَلَا تَتَنَافَسُوا فِي عِزِّ الدُّنْيَا وَ فَخْرِهَا وَ لَا تُعْجَبُوا بِزِينَتِهَا وَ لَا تَجْزَعُوا مِنْ ضَرَّائِهَا وَ بُؤْسِهَا فَإِنَّ عِزَّ الدُّنْيَا وَ فَخْرَهَا إِلَى انْقِطَاعٍ وَ إِنَّ زِينَتَهَا وَ نَعِيمَهَا إِلَى زَوَالٍ وَ إِنَّ ضَرَّاءَهَا وَ بُؤْسَهَا إِلَى نَفَادٍ وَ كُلُّ مُدَّةٍ فِيهَا إِلَى مُنْتَهًى وَ كُلُّ حَيٍّ فِيهَا إِلَى فَنَاءٍ أَ وَ لَيْسَ لَكُمْ فِي آثَارِ الْأَوَّلِينَ مُزْدَجَرٌ وَ فِي آبَائِكُمُ الْمَاضِينَ تَبْصِرَةٌ وَ مُعْتَبَرٌ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أَ لَمْ تَرَوْا إِلَى الْمَاضِينَ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُونَ وَ إِلَى الْخَلَفِ الْبَاقِي مِنْكُمْ لَا يَبْقَوْنَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ عَلَا وَ حَرامٌ ﴿عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ الْآيَةَ وَ الَّتِي بَعْدَهَا وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَ إِنَّما ﴿تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ وَ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَ مَا ﴿الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ أَ لَسْتُمْ تَرَوْنَ أَهْلَ الدُّنْيَا يُمْسُونَ وَ يُصْبِحُونَ عَلَى أَحْوَالٍ شَتَّى مَيِّتٌ يَبْلَى وَ آخَرُ يُعَزَّى وَ صَرِيعٌ مُبْتَلًى وَ عَائِدٌ مَعُودٌ وَ آخَرُ بِنَفْسِهِ يَجُودُ وَ طَالِبٌ وَ الْمَوْتُ يَطْلُبُهُ وَ غَافِلٌ وَ لَيْسَ بِمَغْفُولٍ عَنْهُ وَ عَلَى أَثَرِ الْمَاضِي مِنَّا يَمْضِي الْبَاقِي فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الَّذِي يَبْقَى وَ يَفْنَى مَا سِوَاهُ وَ إِلَيْهِ مَوْئِلُ الْخَلْقِ وَ مَرْجِعُ الْأُمُورِ وَ قَالَ (عليه السلام) أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ حُفَّتْبِالشَّهَوَاتِ وَ رَاقَتْ بِالْقَلِيلِ وَ تَحَبَّبَتْ بِالْعَاجِلَةِ وَ عُمِّرَتْ بِالْآمَالِ وَ تَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ فَلَا تَدُومُ نِعْمَتُهَا وَ لَا تَفْنَى فَجَائِعُهَا غَدَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ نَافِدَةٌ بَائِدَةٌ أَكَّالَةٌ غَوَّالَةٌ لَا تَعْدُو إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّةِ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا وَ الرِّضَا بِهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ ﴿كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ وَ كانَ ﴿اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً﴾: مَعَ أَنَّ امْرَأً لَمْ يَكُنْ مِنْهَا فِي حَبْرَةٍ إِلَّا أَعْقَبَتْهُ مِنْهَا بَعْدُ بِعَبْرَةٍ وَ لَمْ يَلْقَ مِنْ سَرَّائِهَا بَطْناً إِلَّا أَعْطَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً وَ لَمْ يَطُلَّهُ فِيهَا دِيمَةُ رَخَاءٍ إِلَّا هَتَنَتْ عَلَيْهِ مِنْهَا مُزْنَةُ بَلَاءٍ وَ حَرِيٌّ إِذَا أَصْبَحَتْ لَكَ مُتَحَبِّرَةً أَنْ تُمْسِيَ لَكَ مُتَنَكِّرَةً وَ إِنْ جَانِبٌ مِنْهَا اعْذَوْذَبَ لِامْرِئٍ وَ احْلَوْلَى أَمَرَّ عَلَيْهِ جَانِبٌ فَأَوْبَى وَ إِنْ آنَسَ إِنْسَانٌ مِنْ غَضَارَتِهَا رَغَباً أَرْهَقَتْهُ مِنْ بَوَائِقِهَا تَعَباً غَرَّارَةٌ غُرُورٌ مَا فِيهَا فَانٍ مَنْ عَلَيْهَا وَ لَمْ يَمَسَّ امْرُؤٌ مِنْهَا فِي جَنَاحِ أَمْنٍ إِلَّا أَصْبَحَ فِي جَوْفِ خَوْفٍ لَا خَيْرَ فِي شَيْءٍ مِنْ زَادِهَا إِلَّا التَّقْوَى مَنْ أَقَلَّ مِنْهَا اسْتَكْثَرَ مِمَّا يُوبِقُهُ وَ مَنِ اسْتَكْثَرَ مِنْهَا لَمْ تَدُمْ لَهُ وَ زَالَتْ عَنْهُ كَمْ وَاثِقٍ بِهَا فَجَعَتْهُ وَ ذِي طُمَأْنِينَةٍ إِلَيْهَا صَرَعَتْهُ وَ ذِي خَدَعٍ فِيهَا خَدَعَتْهُ وَ كَمْ مِنْ ذِي أُبَّهَةٍ فِيهَا قَدْ صَيَّرَتْهُ حَقِيراً وَ ذِي نَخْوَةٍ فِيهَا قَدْ رَدَّتْهُ خَائِفاً فَقِيراً وَ كَمْ مِنْ ذِي تَاجٍ قَدْ أَكَبَّتْهُ لِلْيَدَيْنِ وَ الْفَمِ سُلْطَانُهَا دُوَلٌ وَ عَيْشُهَا رَنِقٌ وَ عَذْبُهَا أُجَاجٌ وَ حُلْوُهَا صَبِرٌ وَ غِذَاؤُهَا سِمَامٌ وَ أَسْبَابُهَا رِمَامٌ وَ قِطَافُهَا سَلْعٌ حَيُّهَا بِعَرَضِ مَوْتٍ وَ صَحِيحُهَا بِعَرَضِ سُقْمٍ وَ مَنِيعُهَا بِعَرَضِ اهْتِضَامٍ وَ مُلْكُهَا مَسْلُوبٌوَ عَزِيزُهَا مَغْلُوبٌ وَ ضَيْفُهَا مَنْكُوبٌ وَ جَارُهَا مَحْرُومٌ مَعَ أَنَّ وَرَاءَ ذَلِكَ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَ زَفَرَاتِهِ وَ هَوْلَ الْمُطَّلَعِ وَ الْوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيْ إِلَهِكُمُ الْحَكَمِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى أَ لَسْتُمْ فِي
[بحار الأنوار (ج55-73)] · موسوعة الغيبة والظهور